أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الغني سلامه - إسرائيل، والصراع على هوية الدولة والمجتمع - دراسة بحثية















المزيد.....



إسرائيل، والصراع على هوية الدولة والمجتمع - دراسة بحثية


عبد الغني سلامه
(Abdel Ghani Salameh)


الحوار المتمدن-العدد: 6120 - 2019 / 1 / 20 - 13:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة

بعد أن أقر الكنيست "قانون القومية للشعب اليهودي" (تموز 2018)، والذي بموجبه أعلن عن يهودية الدولة، هل يكون بذلك قد حسم جدلا طويلا طالما عصف في الأوساط الإسرائيلية، بين من يريد إسرائيل دولة ديمقراطية حداثية، وبين من يريدها دولة يهودية دينية؟ إذ نلاحظ غياب كلمة "ديمقراطية" في هذا القانون. وحسب وجهة نظر النائب السابق في الكنيست "عزمي بشارة"، فإن أصحاب القانون ومتبنّوه قرّروا التركيز على الجوهر اليهودي للدولة حصرًا، والتخلي عن العبارة المركّبة "يهودية وديمقراطية"؛ لغاية واضحة ومعلنة ممثلة بالتصدّي لما اعتبروه "إخلال المحكمة العليا بالتوازن" بين المركّبين: اليهودية والديمقراطية، لصالح الديمقراطية. فبحسب رأي مُعدّي القانون ومؤيديه، جرى في كثير من الحالات تفضيل المحكمة لمبادئ الديمقراطية، ولا سيما الحقوق الفردية للمواطنين، على الجوهر اليهودي للدولة. ومن هنا أراد اليمين الإسرائيلي تضييق الهامش على الجهاز القضائي؛ بحيث تخضع الديمقراطية لليهودية، وليس العكس. والحقيقة أنهم أرادوا ترجمة التوازن المختل أصلًا ضد الديمقراطية في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المعاش إلى قانون.

بهذا القانون، الذي جاء نتاجا لصعود اليمين الديني والقومي المتطرف في إسرائيل، هل يكون صعود اليمين، وهيمنته على معظم مؤسسات الدولة والمجتمع قد حدد طبيعة وهوية الكيان الإسرائيلي، على نحو يُقصي فيه اليسار والقوى العلمانية مرة أخيرة وإلى الأبد؟
وقبل ذلك، هل الصهيونية حركة دينية أم قومية؟ أم كليهما؟

رغم الغلاف الديني الذي أحاطت الحركة الصهيونية نفسها به؛ إلا أن بُناة الكيان الإسرائيلي الأوائل كانوا في معظمهم من العلمانيين، والقوميين؛ حيث ظل حزب العمل شبه متفرد بالسلطة، حتى العام 1977، إلى أن وصل لأول مرة اليمين الصهيوني إلى سدة الحكم (حزب الليكود بزعامة مناحيم بيغن)، ومن بعدها أخذ التيارين الرئيسين (اليساري واليميني) يتجاذبان السلطة؛ التيار العلماني القومي بشعاراته الاشتراكية، أو ما اصطلح على تسميته باليسار الإسرائيلي ممثلا بحزب العمل وحلفائه، واليمين الصهيوني بشقيه القومي والمتدين؛ أي ظلت القيادة السياسية بقطبين شبه متساويين في القوة الانتخابية، إلى أن تمت الإطاحة بحزب العمل نهائيا (انتخابات 2001)، والذي تبعه صعود متنامي لقوى اليمين، التي ما زالت مستمرة في صعودها حتى اليوم.

هل ما نشهده في إسرائيل من نزاع وتوتر بين العلمانيين والمتدينين صراع سياسي أيديولوجي، أم هو تصدع اجتماعي؟ وإلى أي مدى يمكن له أن يصل؟ وهل من الممكن أن يؤدي إلى انقسام مجتمعي، قد يتطور ليشكل إرهاصات حرب أهلية؟ هل هو صراع على هوية الدولة والمجتمع، أم على الأنماط المعيشية للسكان اليهود؟

صراع أم تصدع؟

حسب باحثين في علم الاجتماع، فإن التصدع الاجتماعي يختلف عن ظاهرتي الانقسام والصراع السياسي في المجتمعات الإنسانية.. التصدع الاجتماعي يمكن أن يكون حالة مؤقتة، أو منتظمة ومستمرة من الانقسام والصراع الاجتماعي، حيث يقسم المجتمع ضمن خطوط ثقافية وصراعية ثابتة لفترات معينة، على خلفيات دينية، أو طائفية، أو ثقافية، أو اجتماعية، وعلى أساسها تتشكل مجموعات متمايزة ومتعارضة باستمرار، أو ما يسمى بمجموعات الصراع، ما ينجم عنه تشكل مظاهر من التوحد القيمي والتمسك بالهوية المشتركة داخل كل مجموعة، مع حدود شبه مغلقة؛ أي تشكل هويات فرعية (منبثقة عن هوية جامعة قد تكون حقيقية أو متخيلة) ينتج عنها نسق من الفعل التنظيمي لكل هوية أو مجموعة، وهذا التصدع قد يظل محكوما بقانون عام (الدولة)، يضبطه إلى حد ما، ولكن عند تفاقم التصدع قد يخفق في التحكم.

بينما يتأسس الصراع السياسي على مطامع وأهداف سياسية واقتصادية، تصل درجة الخلاف والتناقض بين أطرافها حد الانقسام، وأحيانا الاقتتال، أو حتى انفراط الهوية الجامعة.

وبناء عليه؛ فإن التصدع الديني الاجتماعي في إسرائيل (والذي يصل أحيانا إلى مستويات من الصراع) لا يتعلق بالانقسام على أساس التعدد الديني، أو بين الطوائف للديانة الواحدة، مع أن له دور في تنشيط التصدعات المجتمعية الأخرى، أي أنه ليس تصدعا بين اليهود والمسلمين والمسيحيين على أساس ديني، بل هو تصدع ديني داخل المجتمع اليهودي نفسه، ويتعلق بدرجة التدين، فبسبب التفاوت الكبير في درجة وشكل التدين بين اليهود الشرقيين (السفارديم) والغربيين (الأشكناز)، تعزز التصدع الاثني بين الطائفتين، حتى إن تعريف الهوية الأشكنازية والسيفاردية صار على أساس مذهبي ديني. إلى جانب التصدعات بين المتدينين الصهاينة والمتدينين غير الصهاينة، وبين اليهود الروس والفلاشا وغيرها من الجماعات ذات الخلفيات المتباينة.

ويمتد هذا التصدع، وبصورة أعمق في مواجهة التيار العلماني، علما بأنه ليس هناك فصل واضح بين الدين والدولة في إسرائيل، فكثير من مظاهر ورموز الدولة هي ذات مصدر ديني، فالأعياد الوطنية مثلا هي بذاتها أعياد دينية، وكذلك تصنيف المواطنين يتم على أساس ديني في الهويات الشخصية.

وقد أشار تقرير مدار الإستراتيجي 2018، إلى أنواع أخرى من التصدعات داخل المجتمع الإسرائيلي، منها ما له علاقة بالتوترات والتصدعات الطبقية الناشئة ما بين الشرائح السكانية، ذات الصلة بالتطورات الديمغرافية والتغيرات الاقتصادية والفجوات الاجتماعية، فضلا عن التصدع (الصراع) القومي الأهم بين اليهود وسكان البلاد الأصليين، وهذا النوع من الصراع يخلق إشكالية كبيرة في تعريف "الإسرائيلي"، و"الأمة الإسرائيلية"، وتحديد حقوق المواطنة.

إضافة إلى التصدعات الدينية بين الحريديم والعلمانيين، هنالك التصدع الطائفي بين المهاجرين اليهود من أصول مختلفة (خاصة بين الاشكناز والسفارديم)، وأيضا التصدعات السياسية الأيديولوجية بين تيار حزب العمل ومن يدور في فلكه، وبين اليمين الإسرائيلي الذي يسعى للسيطرة اليهودية الكاملة على ما يسمونها أرض إسرائيل التوراتية.

والتصدع الاجتماعي/ الديني الذي سنتناوله هنا، هو التصدع القائم في المجتمع اليهودي بين المتدينين والعلمانيين، وانطلاقا من هذا البعد، يقسم الكثير من الدارسين مستويات التدين في المجتمع الإسرائيلي اليهودي إلى ثلاث فئات أساسية هي: المتدينون المتزمتون، وهم الذين يلتزمون بالتعاليم الدينية بصفة مستمرة في كل جوانب حياتهم. والفئة الثانية يطلق عليها التقليديون، أو "الماسوريم" بالعبرية، وهم من يلتزمون بالتعاليم الدينية التي لها جانب اجتماعي مثل الاحتفال بالأعياد الدينية وتقاليد الزواج وعادات الأكل ومراسيم الدفن وفق الشريعة اليهودية، وأحيانا حضور الصلاة في الكنيس في المناسبات. والفئة الثالثة هم العلمانيين غير الملتزمين بالدين، وهم يتفاوتون في موقفهم من الديانة اليهودية من عدم المبالاة بالطقوس الدينية إلى معارضتها. يضاف إليهم فئة الملحدين.

إذن، وحسب تصنيف بعض الباحثين؛ تنقسم فئة المتدينين إلى مجموعتين أساسيتين هما: المتدينون الصهيونيون، وهم أكثر انفتاحا وتقبلا للمجتمع، والمتدينون الحريديم غير الصهيونيين (الحريدي تعني الورع)، وهم أكثر انعزالا وتشددا عن بقية المجتمع. وكلا الفئتين كانتا تشكلان أقلية في المجتمع اليهودي، وحسب الباحثة "هنيدة غانم" كانت نسبة المتدينين في إسرائيل في بدايات تأسيس الدولة لم تكن تتعدى ال10%، وهم اليوم يشكلون حوالي نصف المجتمع.

وحسب مركز بيو الأمريكي للدراسات، فإن المجتمع اليهودي الإسرائيلي ينقسم إلى أربع فئات: الحريديم، وتترجم أحيانا باليهود الأرثوذوكس، والمتدينون، والمحافظون (التقليديون)، والعلمانيون.

وحيث أن الصهيونية لم تفصل أصلا الانتماء الديني عن الانتماء القومي، ومنذ وقت مبكر لنشوئها، برزت مشكلة الصراع بين العلمانيين والمتدينين، وهذا الصراع المستمر حتى اليوم صراع حقيقي، ولم يكن خداعا أو تمثيلا، وهو صراع لم يفضِ حتى اللحظة الفصل بين الأمة والدين، وبين الدين والدولة.

اليوم، وبسهولة، يمكن رصد حالة من التصدع والاستقطاب والصراع بين المتدينين والعلمانيين، تزداد مع الوقت، وهذه الحالة تولد مزيدا من التوتر بين المجموعتين.

وتبدو أكثر مظاهر التوتر هذه في التحالف الوثيق بين المتدينين والمستوطنين المتطرفين، ضد مؤسسات الدولة التي ما زالت تحتفظ ببعض الطابع العلماني، حيث يحاول بعض الحاخامات التحريض على الدولة وعلى الجيش، وعلى رفض أوامر الإخلاء، من بعض البؤر الاستيطانية، حتى لو وصل الأمر حد الاشتباك مع الجنود وتوجيه الإهانات لهم.

بدايات الأزمة والصراع

منذ نشأتها؛ وإسرائيل تعاني من أزمة وجودية مجتمعية، أهم مظاهرها عجزها عن تعريف مصطلحات أساسية من المفترض أنها تشكل دعائم أساسية تقوم عليها فكرة الأمة الإسرائيلية والقومية اليهودية، وأهمها تعريف من هو اليهودي؛ إذا أنه لا يوجد تعريف متفق عليه في إسرائيل حتى يومنا هذا لمن هو اليهودي، ولا ما هي الشروط التي يجب إستيفاؤها للتهود، ومن هي الجهة المخولة بالتهويد، ولا الفرق بين دولة يهودية، ودولة اليهود. وبحسب قرار محكمة العدل العليا (1962)؛ فإن الشخص يتوقف عن أن يكون يهوديا في حال غيّر دينه، وهو ما لا تعترف به الأرثوذكسية اليهودية الدينية التي ترى أن الخروج من اليهودية بغض النظر عن تغيير الدين هو غير وارد على الإطلاق. وفي التعديل الخاص بقانون أساس العودة (1970) عرف اليهودي بشكل متناغم مع التعريف الهالاخي، بأنه من يولد لأم يهودية، أو يتهود وهو لا ينتمي لديانة أخرى. وهذه التعريفات لمن هو اليهودي كانت تضع كوابح أمام الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، ولحل هذا الإشكال تم توسعة تعريف فئة من يسمح لهم بالهجرة إلى إسرائيل حتى لو لم يطابقوا التعريف التقليدي لليهودي، بموجب ذلك سمح لكل شخص أحد أجداده أو زوجته أو أحد ابنائه يهودي إمكانية الحصول على الجنسية، وجاء هذا التعريف المرن ليسهل هجرة الروس إلى إسرائيل.

المظهر الثاني عجز إسرائيل عن تعريف نفسها، على نحو يخلو من التناقض، فهي تريد قسرا، وخلافا لقانون الطبيعة أن تجمع بين المتناقضات؛ أي بتعريف نفسها دولة يهودية/ قومية/ علمانية/ ديمقراطية!

وهذا يعود لأن الصهيونية سعت بدايةً لدمج الديني بالقومي، أي المزج بين الأساس والجوهر الديني، والدعوة ذات المنزع القومي، والمظهر العلماني وصهرها معا في إطار دولة، وخلق أمة؛ وهذا يتنافي مع تعريف الأمة الحديثة، فالأمة تكون أمة لدولة، لا مجموعة إثنية. وتقوم الهوية القومية على أسس موضوعية وتاريخية، أو تتجلى من خلال إنشاء الجماعة المُتخيّلة. وإذا كانت الهوية الدينية تمثل عنصراً في عملية إنشاء الجماعة المُتخيّلة، لكنها لا تكفي، ولا يمكن أن تنوب عن مكوّنات أخرى اساسية كالذاكرة التاريخية، والميراث الثقافي العام، ولا يمكن لعملية الإنشاء أن تحدث، أيضاً، دون وجود طبقة اجتماعية وسطى.

فمشروع دولة إسرائيل بدأ بالأساس كفكرة لم يسبقها تراكم مادي على الأرض. بل على العكس، الخريطة سبقت الأرض، والنظرية سبقت الممارسة، والبيت القومي سبق البيت الفردي. لذلك، المثل الوحيد في العالم الذي تجد فيه توجهات قومية متطرفة تلتقي مع توجهات دينية سلفية متطرفة، مستخدمة المصطلحات والتعابير نفسها، هو المثل الإسرائيلي، ما يدل على أنه لا الحركة الصهيونية ولا إسرائيل قامتا بعملية علمنة في جوهر المفاهيم، وإنما في المظهر فقط.

وهذه الأزمة نابعة أساسا من كون إسرائيل تتشكل من مجتمع هجين متعدد الأعراق والثقافات، تم تأسيسها في إطار مشروع إمبريالي عالمي، نتج عن تلاقي مصالح الحركة الصهيونية والدول الإمبريالية في أواخر القرن التاسع عشر، الأمر الذي تطلب جلب الجماعات اليهودية من مختلف بقاع العالم (ومعها اختلافاتها وتبايناتها وتناقضاتها)، لتقوم بتأسيس هذا الكيان، الذي أسند إليه دور وظيفي محدد.. فلا يمكن فهم الحركة الصهيونية باعتبارها حركة دينية، أو مجرد حركة قومية، إنما يجب النظر إليها في سياقها الكولونيالي.

وبالعودة قليلا بالزمن، سنجد أنه منذ بدايات تأسيس الصهيونية ظهرت معالم الأزمة، فالحركة الصهيونية قامت على أسس ودعاوى دينية، منطلقة من شعارات وأساطير ميثولوجيه: الأرض الموعودة، وشعب الله المختار، والحق الديني والتاريخي.. بل إن اليهودية قامت أساسا على تصور قبَلي عن الألوهية، فهي جعلت من "يهوه" إلهًا لبني إسرائيل، وليس إلهًا لكل الناس، كما جعلت من اليهودي، لمجرد أنه ولد بالصدفة يهودي، جعلت منه مختارًا من الله، وجعلت من اليهودية دينًا مغلقًا يرفض أتباعه التبشير به، على نحو أوقعها في أسر العنصرية، وحرمها من أن تكون ديانة إنسانية كبرى، ذات رسالة تبشر بها في العالمين (مع أنها في مراحل معينة تساهلت في هذا الشأن)، كما فعلت المسيحية، والإسلام، وحتى البوذية، وذلك بسبب فهمهم الضيق والمزعوم لتلك العلاقة (الجمعية) التي أقامها اليهود مع الله، وتصورهم أن مصيرهم الروحي، مقترن بمصيرهم السياسي، باعتبارهم شعبًا عضويًا، يدخل بصفته تلك ليس فقط في علاقة مع الأرض، بل وأيضًا مع الله.

أي أن فكرة إسرائيل، التي تبناها بداية اليهود العلمانيون، فكرة تستند للدين بشكل أساسي، لذلك تظل العلمانية الإسرائيلية ناقصة، بسبب تبرير العلمانيين الإسرائيليين لحاجتهم للمعتقدات الدينية، وهذا يخلق تناقضًا في حياتهم، يهربون منه بالتمسك بالتقاليد الدينية.

الملفت للإنتباه أن الصهيونية قامت على أساس تلك الدعاوى الغيبية/ الدينية في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تشهد قطيعة نهائية مع الكنيسة وانحسار لسلطة الكهنوت، وصعود الأفكار القومية العلمانية.. وقد اصطدمت أفكار هرتزل (المتأثر بالقومية العلمانية الأوروبية) مع الحاخامات الذين رؤوا أن خلاص اليهود يتمثل بالإخلاص للديانة اليهودية وانتظار المسيح.. وفي ذات الإطار، في تلك المرحلة؛ مرحلة تواجد اليهود في مجتمعاتهم الأصلية، نشط تيار الاندماج، بفعل عمليات التحديث والتحرر أثناء تشكل الدول الحديثة، الأمر الذي نتج عنه صراع بين أنصار تيار الاندماج (العلماني) الذين شكلوا حركة الاستنارة، أو "هاسكالا"، وبين السلطات الدينية التي كانت تحكم الغيتوات.

كما ظهرت معارضة قوية في أوساط الجماعات الدينية اليهودية في شرق أوروبا ضد الحركة الصهيونية، وقد أدى ذلك إلى انقسام اليهود المتدينين إلى تيارين: تيار متعاون مع الصهيونية، أضفى عليها شرعية دينية باعتبارها مقدمة وأداة إلهية لتحقيق الخلاص. والتيار الثاني من اليهود المتدينين (الأرثوذكس)، الذين عارضوا الصهيونية واعتبروها خطرا على الوجود اليهودي ومخالفة لتعاليم التوراة.

ومنذ قدوم أول مجموعة يهودية روسية إلى فلسطين عام 1882، بعد اغتيال القيصر، وكانت تسمي نفسها "محبة صهيون"، ومنهم بعض البولنديين. وكان هؤلاء في غالبيتهم العظمى من الصهيونيين غير المتدينين؛ بل إنهم كانوا كارهين لليهودية وتقاليدها، واعتقدوا أن الصهيونية قد حررتهم من ثقل الشتات واضطهاد الدول الأوربية، وحررتهم أيضا من قيود الحاخامين وسيطرتهم. وقد جاء هؤلاء بهذه العقلية وبهذا التفكير. وكانوا على عكس اليهود المقيمين في فلسطين، والذين كان أغلبهم من المتدينين الذين جاؤوا للسكن في فلسطين لأسباب دينية روحية (لا علاقة لها بأطماع ومشاريع الصهيونية). إذ أن الحاخامية كانت آنذاك تحرم الهجرة الجماعية إلى فلسطين قبل ظهور المسيح المخلص.

وعندما عقدت الحركة الصهيونية مؤتمرها الأول 1897، عقدته في بازل في سويسرا، علماً بأنه كان من المفترض أن ينعقد في ميونخ في ألمانيا، ولكن الجالية اليهودية فيها عارضت ذلك بشدة. ما يدل على معارضة شديدة من قبل اليهود للأفكار الصهيونية؛ فمنذ ذلك التاريخ وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى ظلت الصهيونية تيارا هزيلا للغاية في صفوف الجماعات اليهودية في العالم (في ألمانيا كانت نسبة اليهود الصهاينة في العام 1914 لا تزيد عن 2%، وفي فرنسا كانت أقل من ذلك).

ومن جهة مقابلة، لم يكن الجناح الديني في الحركة الصهيونية في بداياتها ذا أهمية تذكر، فقد حاربه المتدينون غير الصهاينة من جهة، فيما نظر إليه العلمانيون بازدراء من جهة ثانية.

تصدعات التيار الديني، الصهيوني وغير الصهيوني

مع ظهور الحركة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر، انقسمت الجماعات اليهودية بين مؤيد للحركة، وبين معارض لها، وهذا الانقسام ظهر بين الجماعات ذات التوجه العلماني، حيث برز تيار الإندماج (الهاسكلا)، الذي كان يدعو لاندماج اليهود في المجتمعات التي يقيمون فيها، مقابل التيار الصهيوني العلماني الذي دعا للهجرة إلى إسرائيل.

وأيضا ظهر التصدع بين الجماعات الدينية نفسها، وكانت مسألة الخلاص (المسيا) حجر الزاوية، ونقطة الخلاف المركزية بين التيارين الدينيين (الصهيوني وغير الصهيوني)، وسنتابع لاحقا تطورات موقف التيارين، ونظرتهما تجاه الصهيونية، وتجاه قيام إسرائيل.
المسيانية بين العلمانيين والمتدينين

المسيانية، وتعني الفكر الخلاصي، الذي يؤمن بأن خلاص اليهود يتمثل بعودة المسيا.. وغالبا ما توجه كلمة مسياني كتهمة، كإحدى التصنيفات التي تشير إلى الفرق بين الخطاب الإسرائيلي العقلاني، المعتدل، الليبرالي، الديمقراطي، البراغماتي.. وبين الخطاب الإسرائيلي غير العقلاني، الدينين المتطرف، الأصولي، الراديكالي.. يستخدمون "المسياني" كمؤشر على اللاطبيعية، على المرض الموجود في تركيبة السياسة الإسرائيلية، على التحيز اليهودي، ساعة ارتكاب الخطايا الصهيونية، النكبة، الاحتلال، العسكرية، الفصل العنصري والتمييز.

مع البدايات الأولى للحركة الصهيونية، وقفت الأرثوذوكسية اليهودية في مواجهة الحركة الصهيونية وقاطعتها واتهمتها بالكفر والإلحاد وبتدمير اليهودية كدين. وقد هاجم المتدينون اليهود الصهيونية منذ البداية، وبشدة، لسببين: الأول، لأن الصهيونية من وجهة نظرهم ستكون إحلال للفكرة القومية بدلا من التدين، فالصهيونية هنا ستشجع اليهود على التخلي عن واجباتهم الدينية. ولن يعود التوراة هو عامل توحيد الشعب اليهودي.

السبب الثاني اعتبار الحركة الصهيونية "مسيانية كاذبة"، تحاول تعجيل الخلاص اليهودي بوسائل دنيوية، فالخلاص من وجهة نظر أرثوذوكسية لا يتم إلا بقدوم المسيا، وجمع الشتات، وهي عملية ربانية، وليست بشرية، والصهيونية هنا ستكون تدخل في شؤون الرب. وقد ظل هذا موقف التيارات اليهودية اللاصهيونية، إلى أن بدأت تتخلى عنه تدريجيا، أو تفهمه بطرق براغماتية مختلفة، وبقيت "ناتوري كارتا" وحدها متمسكة بهذا المبدأ..

وخلافا للأرثوذوكسية، رأت مجموعة "مركاز هراب"، (الصهيونية الدينية) أن تصدّر مشروعها الديني إلى‏ عالم السياسة من خلال تفسير التاريخ والأحداث السياسة من منظور ديني. ويتمثل هذا المنظور في فهم تاريخ الحركة الصهيونية وانجازاتها ليس باعتبارها عملاً إلحادياً وتدخلاً في الشؤون الإلهية، إنما باعتبارها فصلاً من فصول الخلاص الديني. من هذا المنظور، فإن القادة الصهاينة على الرغم من نواياهم الإلحادية غير الدينية، إلا أنهم بنشاطهم إنما ينفذون مهمة دينية إلهية من دون أن يدروا. وبالتالي فهم ليسوا بالأشرار وليس بالضرورة مقاطعتهم، والإرادة الإلهية تستعملهم كي تحقق مشروعها المقدس. ضمن هذه الرؤية تصبح الصهيونية نفسها حلقة مهمة في الرواية الدينية وفصلاً ضرورياً من فصولها، وستكون المحطة النهائية للمشروع محطة دينية حتماً. وبالتالي فإن كل المشروع الصهيوني هو مشروع خلاصي ديني أو هكذا يجب فهمه.

أما العلمانيون، ممن يعرّفون أنفسهم كعلمانيين وصهيونيين في آن واحد، فيشددون على الطبيعة الثورية للحركة الصهيونية، وعلى كونها انقلاب على اليهودية والدين. وفي هذا السياق، كتب رائف زريق في بحث لم ينشر بعد: "الصهيونية من هذا المنظور هي مشروع لإعادة اليهود إلى‏‏ مسرح التاريخ. وبما أن اللاعبين على مسرح التاريخ كما تم فهمه في القرن التاسع عشر هم الذوات القومية، فهذا يتطلب صياغة مشروع يهودي قومي جغرافي يعيد لليهود دورهم كلاعب وكذات تاريخية فاعلة، تأخذ مصيرها بيديها، وتُخرج اليهود من الحالة السلبية التي عاشوها في أوروبا‏ إلى‏ حالة عمل سياسي وفعلي. الخلاص لا يأتي من الابتهال لله، إنما من العمل السياسي الجماعي القومي. وفكرة «خلاص الأرض» و«جمع الشتات» لا تتم عبر الصلوات إنما عبر المبادرة والعمل. والعودة إلى‏ صهيون لن تنتظر المسيح المنتظر إنما يجب القيام بها هنا والآن وبجهد جماعي وبمساعدة القوى العظمى. وبالتالي ليس من المفاجئ أن ترى إصرار الكثير من العلمانيين الصهاينة على أن «الصهيونية ليست استمرارا للرغبة الدينية اليهودية الخلاصية، إنما هي أيديولوجيا حداثية وثورية ترمز إلى‏ إحداث قطع واضح عن الإيمان الديني الخلاصي السلبي». وفي هذا الصدد، يورد أفينيري فكرة «دين العمل» لأهرون دافيد غوردون – احد آباء الحركة العمالية في الصهيونية – كمثال على رغبة الصهيونية في اقتلاع واستبدال الدين التقليدي بدين حديث أرضي وعلماني".

تستمد هذه الرؤية العلمانية للصهيونية قوتها من حقيقة أن الكثيرين من المنظرين الأساسيين في الصهيونية أمثال "هرتزل" و"ليوبينسكر" لم يصروا على أن يقوم الوطن اليهودي في فلسطين بالذات، باعتبار أن المشروع لم يمت للدين بصلة. وعندما سئل هرتزل مرة حول عودة «الماشياح» (المسيح)، قال إن هذه الفكرة سائدة ضمن الأوساط الدينية، أما في «دوائرنا الأكاديمية المستنيرة فليس لمثل هذه الفكرة من وجود بطبيعة الحال». زد على ذلك فإن جميع المصطلحات الدينية أخرجت من سياقها وأعيدت صياغتها وتفسيرها بشكل علماني – قومي. لا بل أظهر هرتزل أكثر من مرة عداءه المباشر للدين ولرجال الدين، محذراً في كتابه «دولة اليهود» من «ميولهم الثيوقراطية» ومؤكداً حرصه على «إبقائهم ضمن حدود معابدهم». إن الرؤية العلمانية للصهيونية تتحدث عن قومية يهودية يستطيع المرء فيها أن يكون ملحداً تماماً وأن يدير ظهره للدين، وأن يبق في الوقت نفسه يهودياً من الناحية القومية.

وبالتالي، يمكن القول أنّ الصهيونية ليست حركة علمانية تماماً، وليست حركة دينية تماما، والصهيونية ليست مجرد ذيل للاستعمار، لكنها ليست حركة تحرر قومي بالمعنى المتعارف عليه. فهي تصطدم في لحظة مع الغرب لكنها سرعان ما تتواطأ معه. وهي تتصارع مع الدين لكن سرعان ما توظفه وتتعاون معه. وإذا كانت الصهيونية حركة قومية حقاً، ‏فهي الحركة القومية الوحيدة التي قامت بمساعدة الدول الاستعمارية، والحركة القومية الوحيدة أيضاً ‏التي استعدت وتستعدي باقي الحركات الثورية في العالم الثالث، وتتآمر عليها بالتعاون مع الدول الكولونيالية الاستعمارية العظمى.
إلا أن الصهيونية لم تستطع في جوانب عديدة أن تعرّف نفسها وأن تبني مشروعها خارج المنظومة اللغوية الرمزية الدينية، وبالتالي لم تستطع أبداً قطع «حبل السرة» بينها كحركة علمانية قومية وبين التراث الديني اليهودي. ولم يتخلف "بنغوريون" نفسه عن توظيف الدين اليهودي وأساطيره كأداة في خدمة المشروع الصهيوني، وكمبرر أيديولوجي وأخلاقي لمشروع الدولة الصهيوني.

ليس غريبا والحال كهذه أن يرى البعض أن الصهيونية ما هي بالأساس إلا محاولة جديدة لتفسير الأسطورة الدينية اليهودية وهي ليست عملية استبدال جذرية للأسطورة، فجل ما فعلته الصهيونية أنها أسبغت على الأسطورة الدينية مفاهيم قومية أوروبية.

وقد يزعم البعض أن الصهيونية لا تختلف عن غيرها من الحركات القومية الحديثة، وبالتالي فهي حركة قومية عادية وطبيعية. إلا أنه يجب الانتباه إلى أنه في الحركات القومية الأخرى جرى إصباغ صبغة دينية مطلقة على الرموز القومية من أجل شحن وتعبئة الجمهور وراءها. لكن في الحالة الصهيونية، لم يكن الدين على هامش المشروع القومي، إنما الصهيونية «استقت رموزها القومية وأفكارها ذاتها من التراث الديني، ثم أفرغت هذه الرموز والأفكار من محتواها الروحي والأخلاقي ونقلتها من مجالها الديني، حيث تجد شرعيتها الوحيدة إلى‏ المجال السياسي»، وبذلك تمتاز الصهيونية ليس بكونها تبنت مصطلحات دينية مثل شعب الله المختار أو أرض الميعاد وتحويلها لأفكار قومية، إنما بكونها قامت «بتبني سمة بنيوية أساسية في التيار الحلولي اليهودي، وهو الاتجاه نحو المزج العضوي بين المقدس والقومي والمطلق والنسبي».

التحولات لدى التيار الديني، الصهيوني وغير الصهيوني

شكل وعد بلفور نقطة تحول تاريخية في مواقف التيارات الدينية اللاصهيونية، إذ اعتبروه معجزة إلهية، وإشارة إلى إرادة الله، التي تتجلى في تعامل الأمم (غير اليهود) مع اليهود على نحو منصف.. لكن هذه العناية الإلهية سيفهمها المتدينون الصهاينة على نحو آخر، فبسبب الأحداث المأساوية التي تعرض لها اليهود في شرق أوروبا، وبسبب الكارثة والملاحقة والإبادة المستمرة لهم في وسط أوروبا‏. ظهر وكأن هناك حدوداً للعناية الإلهية، وأن الله لم يسعف يهود أوروبا،‏ وتركهم يساقون إلى‏ موتهم دون أن يتدخل ليحمي شعبه المختار، الأمر الذي عزز الادعاءات الصهيونية أنه على اليهود أن يأخذوا مصيرهم بأيديهم.

ومع الإنجازات التي حققتها الصهيونية كالاستيطان، ومشروع التقسيم (1937)، تبلور تيار يدعو إلى تأييد قيام إسرائيل، من منطق عدم البقاء على هامش السياسة اليهودية، ومن أجل التأثير فيها، وكان تيار "أغودات يسرائيل" مثالا على ذلك، ولكن مع رفض الطابع العلماني للدولة.

وعندما زاد عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين في بدايات القرن الماضي، أخذوا ينشئون جمعيات اجتماعية ومنظمات عمالية. ولما دعوا المتدينين للانضمام إليهم رفض هؤلاء الدعوة، بحجة أن هذه الجمعيات تقوم بأعمال مخالفة للشريعة. وكرد فعل على ذلك قام المتدينون، الذين كانت تقودهم جماعة "أغودات يسرائيل" بإنشاء مؤسسات ومدارس خاصة بالمتدينين. ومنذ هذه الفترة بدأت الهوة تتسع بين المجموعتين. وكانت الخلافات تظهر إلى العلن بين فترة وأخرى.

وفي الثلاثينيات من القرن الماضي برز في الصهيونية اتجاهين: اتجاه معسكر العمال بقيادة "بنغوريون"، واتجاه المعسكر التنقيحي اليميني المتطرف بقيادة جابوتنسكي، وهذا التيار سيكون تمهيدا لظهور الليكود فيما بعد قيام الدولة، إذ اعتبر "مناحيم بيغن" نفسه امتدادا لطريق جابوتنسكي، الذي رأى فيه ملهما ومعلما، وسعى بذلك لدمج قيم الدين اليهودي القديمة وصهرها في الشعب الإسرائيلي المتجدد؛ فالصهيونية لم تكن في فكر "بيغن" حركة ثورية، إنما حركة استمرارية تشكل فصلا لا ينقطع عن التراث اليهودي.

مع قيام إسرائيل، صار واضحا أن تيار التدين الأرثوذوكسي اليهودي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم معادي للصهيونية ولوجود دولة إسرائيل، يمثله "ناتوري كارتا"، وقسم يتعامل مع إسرائيل بوصفها دولة غريبة، كما تتعامل الجاليات اليهودية مع الدول الأجنبية المقيمة فيها، وقسم يضفي صبغة دينية محدودة على دولة إسرائيل، كون قيامها نوعا من العناية الإلهية لإنقاذ أرواح اليهود، رافق قيامها معجزات متكررة (انتصاراتها في الحروب)، مع إضفاء قداسة على أرض إسرائيل، دون الحديث عن وجوب الاستيطان.

تُجمِع هذه التيارات على عداء النزعة العلمانية للدولة، وعلى اعتبار إسرائيل أرض منفى (ليس منفى جغرافي، بل منفى روحي، لأن دولة إسرائيل تتعارض مع القيم المسيانية، وتؤخر ظهور المسيا). ولم يتبادر إلى ذهن هذه التيارات في أي يوم وهْـم تحويل إسرائيل إلى دولة شريعة، لأن دولة الشريعة تقوم بمجيئ المخلص المسيا، لكنهم يطالبون الدولة بأن تحترم الشريعة، ويحاولون استغلال الدولة لمصلحة مشاريعهم الاجتماعية والاقتصادية والدينية.

ومع صدور قرار التقسيم (1947) بدأت الأصوات المؤيدة لقيام الدولة ترتفع أكثر فأكثر، مفسرة قرار الأمم المتحدة وتعاطف المجتمع الدولي مع اليهود بأنها من مظاهر العناية الإلهية.. وبدأ التوجه في أوساط الأرثوذوكسية اليهودية ينتقل بالتدريج من الرفض إلى الاعتراف الواقعي (دون الاعتراف الحقوقي)، أي رفض الأساس الأيديولوجي للدولة مع التعامل مع مؤسساتها في نفس الوقت.. ولكن هذا استلزم من هذا التيار التكيف الأيديولوجي مع الواقع الجديد، والانتقال من الهامش وصولا إلى المركز، مع تطلعات نحو مزيد من السلطة.

في تلك الحقبة، كان العلمانيون يشكلون غالبية المجتمع الإسرائيلي، وكان لهم الدور الرئيسي في بناء الدولة، في المجالات الاجتماعية والاقتصادية، وكانت لهم هيمنة شبه مطلقة على الجيش والحكومة، بيد أنهم ظلوا حريصين على عدم الصدام مع المتدينين، بل وعملوا على استيعاب الجماعات الدينية داخل المجتمع الإسرائيلي، أي داخل الجماعة الوطنية، وكان يحرك النخب العلمانية الحاكمة سعيها إلى إعادة تعريف الهوية الجماعية لليهود تعريفًا يتطابق مع هوية إسرائيل، بحيث يخلط هذا التعريف بين المكونات الدينية والمكونات الوطنية.

بعد تشكيل حكومة "بنغوريون" بدأت المفاوضات بين "أغودات يسرائيل" كحزب ديني وبين القيادة العلمانية للحركة الصهيونية، وتمحورت المفاوضات حول قوانين الأحوال الشخصية، السبت، الكوشير، المدارس الدينية، وحرية العبادة.

وبهدف استرضاء المتدينين، عقدت حكومة بنغوريون "العلمانية" ما عرف بوثيقة «الوضع الراهن»، وبموجبها وافقت النخب العلمانية طوعًا على فرض قيود دينية على الكثير من مناحي الحياة، كأن تلتزم النخب الحاكمة باحترام يوم السبت، وإجبار أي مطعم رسمي على تقديم الطعام حسب الشريعة اليهودية "كاشير". وفي هذا الاتفاق تم إعفاء 400 طالب من المدارس الدينية من الخدمة العسكرية، وفي حكومة "بيغن" تم رفع العدد إلى الآلاف، وهذا العدد في زيادة مستمرة.

ثم غابت كتلة "أغودات يسرائيل" الحريدية عن حكومة "بنغوريون" منذ 1952، حيث استقالت احتجاجا على تجنيد النساء في الجيش، ثم عادت إلى حكومة "بيغن" الليكودية 1977، وفي هذه الحكومة أسندت حقيبة التعليم للحزب الوطني الديني المفدال.

وقد بدأت تظهر أسبابا أخرى زادت من حدة الصراع بين العلمانيين والمتديين؛ منها أنّ الإشراف على قوانين الأحوال الشخصية أنيط بالمؤسسة الدينية، وهي التي سميت فيما بعد برئاسة الحاخامية، التي عن طريقها فقط تكون إجراءات الطلاق والزواج والإرث والدفن وغيرها، بل حتى تحديد هوية الشخص فيما إذا كان يهوديا أم لا. وهذه منحت الحاخامية ميزة فوقية على بقية المجتمع، سيما وأنها هي الجهة المسؤولة عن الإنفاق على الحاخامين والمحاكم والمدارس الدينية (اليشيفوت)، وكذلك عن إعطاء إجازات الكشير (الذبح الحلال والطاهر). كما أن الحكومة بإعفائها الكثير من طلاب المدارس الدينية من الخدمة في الجيش، أو تأجيل خدمتهم، وإنفاقها عليهم وعلى مؤسساتهم الاجتماعية، عمقت الهوة بين المتدينين والعلمانيين، وجعلت للتدين (والاستيطان) ميزة اقتصادية.

حرب حزيران، نقطة مفصلية

بعد احتلال ما تبقى من فلسطين في حرب 1967، طرأ تحول كبير في مواقف الأحزاب الدينية الصهيونية وغير الصهيونية، حيث اعتبروا أن هذه الحرب معجزة، وإشارة ربانية إلى بداية الخلاص.

كان لهذه الحرب تأثيراً بالغاً على المجتمع الإسرائيلي قاطبة، وتأثيراً حاسماً وكبيراً على التيارات الدينية (صهيونية وغير صهيونية)، قبل هذه الحرب كان اليهودي المتدين هامشي، وتابع لحزب العمل، وكان هدفه الوحيد المحافظة على المصالح الدينية العينية والخاصة لأبناء المجموعة الدينية، بعد ذلك لم تعد الحركة الدينية هامشية وتابعة وذيلا لقوى أخرى، وإنما أصبحت مركزية ذات تأثير سياسي واجتماعي وقومي؛ فحرب الأيام الستة بلورت الوعي الصهيوني الديني، وأدت إلى التحرر الفجائي والفوري لمجموعة كبيرة من المتدينين الصهاينة. فالحرب لم تخلق خطابا صهيونيا متدينا جديدا بالكامل، أنما ثبتت وفتحت فرصة لتسارع كبير للتوجهات التي تراكمت من قبل، وأبرزت وعيا مسيانيا قويا ومتحمسا، وظهر تحول دراماتيكي لدى الشباب، الذين صاروا يرون أنفسهم رسل لله، ومنفذين لأوامره، ضمن تاريخ مقدس.

بالنسبة للأصولية اليهودية، فإن إسرائيل وحتى العام 1967 قامت على جزء من أرض إسرائيل، وهذا الجزء بالذات لا يحتل مكانة مهمة في التقاليد الدينية اليهودية، وبعد احتلال 1967 زال الفارق، وأصبح هنالك تطابقا بين أرض إسرائيل كمفهوم ديني، وبين دولة إسرائيل كمفهوم سياسي علماني.

تحولات التيار الديني الصهيوني

مثلت حركة "همزراحي" بداية التيار الديني الصهيوني، إذ أنها وحدت الدين والصهيونية بصورة واعية، واستوعبت في داخلها صراع النقائض بين التدين والعلمانية، في البدايات آمنت بوجود علاقة ما بين الصهيونية والرؤية المسيانية، تمثلت في جمع الشتات، التحرر من ملكوت الأغيار، أثمار أشجار إسرائيل، وغير ذلك من علامات قدوم المسيا.

وقد انخرط المتدينون الصهاينة في المجتمع الإسرائيلي منذ البداية ودعموا الدولة. وشكلوا ما يسمى بالصهيونية الدينية. وقد قامت إستراتيجيتهم على المشاركة في مؤسسات الدولة والاقتصاد وفق مبدأ التوافق والمهادنة مع الأغلبية العلمانية. ولكنهم بعد 1967 اتجهوا نحو المزيد من التطرف القومي (حركة غوش أمونيم الاستيطانية مثلا)، وقد تعامل هذا التيار بانتقائية مع الشريعة اليهودية؛ فمثلا اعتبروا الاستيطان واجبا دينيا، وأن التنازل عن أي شبر من "يهودا والسامرة" يمثل انتهاكا للشريعة، لكنهم ظلوا أقل تشددا من الحريديم، فهم يقبلون مشاركة النساء في مواقع السلطة خلافا للحريديم الذين يحرمون ذلك.

بعد حرب 1967 تفجرت التناقضات الداخلية التي كانت تعتمل في داخل الحركة، فظهر التيار الديني ذو البعد الثيولوجي الميتافيزيقي، من خلال حركة بني عكيفا، التي كانت تجد نفسها جزءا من المفدال، وحركة غوش أمونيم التي انشقت عن المفدال (1974)، هذا التيار صار يعتبر أن الصهيونية استجابة لنداء الرب، وقد تجسدت الإرادة الإلهية على شكل حركة علمانية، فالعلمانيون الصهاينة ينفذون إرادة الرب دون أن يدركوا ذلك (كما كان يقول مركاز هاراب). والشعب اليهودي لا ينتظر الخلاص، بل ينفذ خلاصه من خلال الدولة، وهو في خضم عملية الخلاص.

مظاهر وتجليات التصدع بين العلمانيين والمتدينين

من وجهة نظر الحريديم فإن الديانة اليهودية ليست عقيدة فقط؛ بل هي نمط حياة، يستند إلى تعاليم الشريعة اليهودية، يتوجب الالتزام بها، بل إن التمسك بها هو الذي يحدد مقدار يهودية الفرد.. لذلك، سنجد العديد من مظاهر التزمت الديني في إسرائيل، خاصة في المناطق التي تتركز فيها الجماعات المتدينة، مثلا: التشدد في موضوع عطلة السبت، لدرجة إلقاء الحجارة على السيارات في شوارع القدس أيام السبت من قِبل مجموعات من المتديين المتزمتين، اعتبار النساء "هلاش"، أي نجاسة (خاصة في حي مائة شعاريم وغيرها من أحياء القدس وتل أبيب وأشكلون وفي كل المستوطنات الدينية)، لذلك لا يمكن للحريدي المتشدد أن يجلس إلى جوار امرأة! وأيضا: فرض النقاب على النساء، ورفض مصافحتهن، وقد وصل الأمر إلى حد تقسيم أحد الشوارع في القدس إلى نصفين واحد مخصص للرجال، والثاني للنساء، وبينهما ساتر من القماش، نزع كل إعلانات الدعاية التي فيها صور النساء من الشوارع، إجبار النساء الجلوس في مؤخرة الحافلات، التفكير بمشروع تخصيص وسائل مواصلات للرجال وأخرى للنساء، وتأسيس "جماعة العفاف"؛ وهي مجموعة من المتزمتين لها صلاحية مهاجمة البيوت، إذا شكوا فيها، لتأديب مَن فيها، رجالا أو نساءً بالضرب والتهديد. وكذلك تعرض النساء الحريديات المحتشمات عند حائط المبكى للإهانات، وحتى الاعتداء بالضرب، إذا اقتربن من هياكل الذكور أو من ظلالهم، ومنع النساء من الاتصال مع إذاعات الحرديم لأن صوتهن فاحشة وخلاعة. حرمان الأمهات العلمانيات من أبنائهن المتدينين، خطف أبناء اليهوديات المتزوجات من غير اليهود.. حتى تحوّلت القدس إلى سجنٍ قهري للنساء اليهوديات!

مقابل هذه الصورة، سنجد العديد من مظاهر الحياة العلمانية، بما يضاهي أي مدينة غربية، خاصة في تل أبيب (أكبر مدينة داخل الخط الأخضر، وفيها أعلى كثافة سكانية)، على سبيل المثال ملابس النساء غير المحتشمة على الإطلاق، مظاهرات المثليين ومهرجاناتهم السنوية في تل أبيب، الحريات الشخصية، أنماط الحياة، غياب أو ضعف المظاهر الدينية في الشوارع.. وهذا مرده لا يعود لكون العلمانيين يرفضون اليهودية، أو يتنكرون لها؛ بل لأن المنظومة القيمية للعلمانيين تتشكل من اعتبار اليهودية قومية، أكثر من وصفها مجرد دين، وهذه القومية حافظت على الوجود اليهودي في العالم بفضل التراث الديني، وبالنسبة لهم، لا أهمية للمضمون الديني العقائدي والشرائعي إلا في إطار دلالته على ارتباط اليهود بأرض إسرائيل.

ويحاول "جدعون ليفي" توصيف هذا التصدع (العلماني/ الديني)، بالتالي: "إسرائيل باتت أكثر قربا إلى طهران من ستوكهولم. من الولادة إلى الوفاة، ومن الختان إلى الجنازة، ومن إقامة الدولة إلى إقامة آخر بؤرة استيطانية في الضفة.. يبدأ الأمر من مجرد وجودنا هنا.. على حجج لاهوتية؛ فأبونا إبراهيم كان هنا ولهذا نحن هنا.. لا يوجد زواج وطلاق مدنيان، ولا تكاد توجد جنائز مدنية. كذلك قانون العودة وتعريف من هو اليهودي، والقوانين الأساسية.. كلها تعتمد على الشريعة.. ثم هنالك عدم وجود حافلات وقطارات في يوم السبت.. ويقرر “حكماء التوراة” على اختلافهم في قضايا سياسية مصيرية.. لنعترف بأننا نعيش في دولة ذات شعارات دينية؛ لنسقط القناع العلماني المتكلف الذي وضعناه على وجوهنا.. ليست إسرائيل كما تعتقدون، وليست ما نحاول أن نظهره لأنفسنا وللعالم".

من جانبه، كتب الصحافي الإسرائيلي "روغل ألف" في صحيفة «هآرتس»: "في الوقت الراهن فإن العلماني الإسرائيلي يشبه شخصا عاريا في العصر الجليدي، ليس له شعر، ويرتجف من البرد. إن نهاية العلماني في إسرائيل هي الاندثار، رويدًا رويدًا سيهاجر من هنا أو يغير قناعته ويصبح إسرائيليًا متدينًا، ويقوم بتغطية نفسه بالشعر المطلوب من أجل البقاء".

لكن حالة التصدع هذه، لا تقتصر فقط على أنماط العيش والسلوكيات الشخصية والنظرة للنساء وملابسهن، بل هي أعمق وأخطر من ذلك بكثير، حيث تبدأ من تعريف من هو اليهودي، وتطال بقية أوجه الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحزبية، ومنها مسألة القوانين والتشريعات والأنظمة، ومحاولة كل طرف الاستحواذ على مؤسسات الدولة، خاصة الجيش، والإعلام، وأيضا ما يتعلق بقضايا الامتيازات والإعفاءات، وكذلك السياسات الاقتصادية، والتحولات من شبه الإشتراكية ودولة الرفاه إلى النيوليبرالية والخصخصة.. أو بعبارة أوضح: الصراع على هوية الدولة والمجتمع.

وإضافة إلى ما سبق، هنالك الصراع على المسائل السياسية، وخاصة ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما يتصل به من قضايا مثل المستوطنات، والنظر للسيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة، هل هي احتلال، أم تنفيذ لإرادة الرب؟ والعملية السلمية، ومدياتها..

وربما شكّل اغتيال رئيس الحكومة الأسبق "إسحاق رابين" في خريف العام 1995، أبرز مثال على انعكاسات الصراع بين توجهات "رابين" العلمانية، التي ذهبت للبحث عن حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وبين توجهات القاتل "إيغال عامير"، التي كانت دوافعه إيديولوجية يمينية، تعكس
مدى إيمانه بحلم أرض إسرائيل التوراتية، وبتحريض من غلاة المستوطنين.

المتدينون والتغير الديموغرافي

في بدايات تأسيس الدولة كان اليهود المتدينون يشكلون 10~12% فقط من مجموع السكان، ثم أخذت أعدادهم تزداد تباعا، وتبين الدراسات الديموغرافية أنه في العام 2030، سيكون هناك 51% من كل سكان إسرائيل يهود متدينون، وترتبط نسبة زيادة المتدينين بشكل كبير بالتغيرات الديموغرافية التي تشهدها إسرائيل، أي أن الزيادة ناجمة عن اختلاف نسب التكاثر الطبيعي بين المتدينين اليهود، وخاصة «الحريديم»، وبين العلمانيين (عائلة الحريدي تتكون في المتوسط من ثماني أفراد، مقابل أربعة لأسرة العلماني). وفي هذا السياق، يقول الباحث في مركز «مدار»، أنطوان شلحت: "نسبة التكاثر الطبيعي في أوساط المتدينين أعلى بكثير من نسبة التكاثر في أوساط العلمانيين، وهذا يؤدي عامًا بعد آخر إلى قلب الميزان الديموغرافي، حتى إن التوقعات لعام 2020 تشير إلى أن عدد اليهود المتدينين سيكون الأكثر بين السكان اليهود".

في بحث أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، ونُشرت نتائجه على موقع صحيفة "يديعوت احرونوت" تبين أن نسبة اليهود المتدينين والحريديم ارتفعت في العشر سنوات الأخيرة بشكل ملحوظ (2002~2012)؛ حيث انخفضت نسبة العلمانيين اليهود من 46% إلى 43%، ونسبة التقليديين انخفضت من 33% إلى 32%، في حين ارتفعت نسبة المتدينين من 11% إلى 15% وارتفعت نسبة الحريديم من 5% إلى 7%، بينما انخفضت نسبة العلمانيين المناهضين للمتدينين من 6% إلى 3%..

وفي استطلاع للرأي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الإسرائيلي (2010)، ونشرت نتائجه صحيفة هآرتس، جاء فيه أنّ 42% من سكان إسرائيل اليهود يعرّفون أنفسهم بأنهم علمانيون، و8% يعرّفون أنفسهم بأنهم متدينون جدا. و12% صنفوا أنفسهم متدينون، و13% إنهم متدينون تدينا تقليديا، فيما قال 25% بأنهم محافظون (تقليديون) لكنهم غير متشددين دينيا. معنى ذلك، أن غالبية السكان عرّفت نفسها بأنها غير علمانية. ما يعني أنّ نسبة العلمانيين اليهود انخفضت من 82% عشية قيام إسرائيل، إلى 42% بعد أكثر من ستة عقود.. بينما زادت نسبة الحريديم والمتدينون والمحافظون من 18% إلى 58% في نفس الفترة.

في تقرير صدر عن مركز مدار (2017)، أشار فيه إلى بحث أكاديمي للبروفسور "ألون طال"، يحذر فيه من نسب التكاثر السكاني العالية في إسرائيل، وبشكل خاص لدى جمهور المتدينين "الحريديم"، والمتدينين بشكل عام. ويقول إن عدد سكان إسرائيل سيصل في العام 2050 إلى 23 مليونا وهو ما لا يمكن تحمله، وإن إسرائيل باتت الأكثر اكتظاظا بين الدول المتطورة.

ويوضح البحث أنّ الهاجس الديمغرافي لدى إسرائيل شهد في السنوات الأخيرة انقلابا حادا. ففي حين كان القلق في العقود الخمسة الأولى بعد قيام الدولة من نسبة تكاثر المواطنين العرب في إسرائيل، فقد تحول بالذات بعد العام 2000 إلى هاجس الارتفاع الحاد في نسبة تكاثر المتدينين المتزمتين "الحريديم"، الذين تبلغ نسبة تكاثرهم حوالي 3.8%، وبعدهم نسبة تكاثر التيار الديني الصهيوني 2.8%. بينما نسبة تكاثر العرب تراجعت في السنوات الأخيرة إلى 2.6%، بعد أن كانت في سنوات سابقة أكثر من 3.4%.

وتوقع البروفسور المختص في الديمغرافيا "أرنون سوفير"، المعروف بعنصريته تجاه العرب، أن يصبح المتدينون اليهود في العام 2030 غالبية من اجمالي السكان، بنسبة 51% ومن ثم تبدأ النسبة تعلو أكثر. وهو يقصد "الحريديم" والمتدينين من التيار الديني الصهيوني. وهذا يعني أن نسبة المتدينين من اجمالي اليهود قد تصل إلى 65%. ومن هنا حذر من أن ارتفاع نسبة المتدينين، وبالذات "الحريديم"، ستحاصر العلمانيين في منطقة تل أبيب الكبرى، وأنه في مرحلة ما ستختار الأجيال الشابة من العلمانيين الهجرة إلى عالم متطور أوسع.

وأضاف "سوفير": "نحن نلد كما دول العالم الثالث، ونستهلك كما هو حجم استهلاك دول العالم المتطور. ويضاف إلى هذا أن بلادنا صغيرة وصحراوية. والصحراء فيها آخذة بالتوسع. كما أنّ 50% من مساحة الدولة تابعة للجيش، وهي نسبة غير مسبوقة في العالم. ووفقا لهذه المعطيات في دولة فاقدة للسيطرة، سنحصل على صورة مظلمة".

هذه التغيرات الديموغرافية انعكست بالضرورة على عدة مستويات، وخاصة على الخارطة السياسية في إسرائيل، فالمشهد الحزبي الذي كان في الستينيات والسبعينات يساريا، ثم صار قبل عدة سنوات يمينيًا أقرب للوسط، هو اليوم يميني أقرب لليمين المتطرف، وهذا نجده بوضوح في تركيبة حكومة "نتنياهو" الحالية، التي يمكن اعتبارها بأنها الحكومة الأكثر يمينية.

وبالطبع، لن تنتظر المؤسسة الدينية العامل الديمغرافي لحسم المشهد لصالحها، بل ستعمل جاهدة على الاستفادة منه، وترجمته على أرض الواقع، وذلك من خلال تغلغلها في مؤسسات الدولة والمجتمع، ولذلك، فإن المتدينين اهتموا بشكل خاص بوزارتين، يحاولون من خلالهما إحداث تغيرات جذرية في المجتمع الإسرائيلي؛ الوزارة الأولى هي وزارة المعارف، لما تمثله من دور كبير في التنشئة الاجتماعية، والوزارة الثانية هي وزارة العدل، المسؤولة عن المحاكم، وخصوصًا عن المحكمة الإسرائيلية العليا، التي لها طابع دستوري، وتستطيع إلغاء قوانين يسنها الكنيست. هناك محاولات لتغيير تركيبة المحكمة العليا لكي تكون الأغلبية للقضاة من اليمين.

الجهة الأخرى (وربما الأهم) التي ستكون هدف المتدينين هي الجيش، حيث يوضح "شلحت" أن هناك زيادة مضطردة في عدد اليهود المتدينين المنتمين للتيار الديني القومي الصهيوني، سواء على مستوى الوحدات أو على مستوى القيادة، وهناك دراسات عديدة تؤكد على ارتفاع سطوة المتدينين في الجيش الإسرائيلي خلال الأعوام العشرين الأخيرة، فزاد عدد الضباط المتدينين (كان عدد الضباط المتدينين في التسعينيات 4%، واليوم وصل إلى 36%)، وكذلك زاد نفوذ الحاخامات الذين أدخلوا أمور العقيدة والسياسة على أرض المعركة؛ مما أثر على توجهات الجيش الإسرائيلي، خاصة عند قيامه بعمليات عسكرية، كما حدث في الحروب الثلاثة على غزة. ومثال ذلك ما كتبه الكولونيل "عوفر وينتر" في الرسالة الموجهة لقواته المشاركة في حرب غزة عام 2014، حيث قال: "لقد اختارنا التاريخ لنقود الحرب على العدو الغزاوي الإرهابي، الذي يلعن ويذم ويكره رب إسرائيل".
ومن مظاهر التدين في الجيش إلزام كل جندي بزيارة حائط البراق، وهو الحائط الذي يرمز التاريخ اليهودي، وخلال الزيارة يقوم ضباط متدينون بتقديم شرح عن الحائط، لتعزيز القيم اليهودية. وأيضا تجهيز حوض ماء لتطهير المجندات اليهوديات وفق البروتوكول الديني. وأيضا إعفاء جنود متدينين من المشاركة في طقوس واحتفالات راقصة، أو مختلطة.

ويرى "مهند مصطفى" أن استحضار الدين بكثافة عالية في الحرب على غزة (2014)، وعلى المستويين الإصطلاحي والتأويلي يمثل ذروة جديدة في صيرورة تدين الصهيونية، تلك الصيرورة التي انطلقت مع بداية المشروع الصهيوني العلماني الاستعماري، وذلك لطبيعته القومية الإثنية الخاصة، مرورا بالمرحلة المسيانية الواقعية بعد العام 1967، التي تحول فيها الخطاب المسياني إلى مشروع سياسي على أرض الواقع، مرورا في هذه المرحلة التي بات فيها للدين وخطابه حضورا قويا في الصهيونية. ما يعني أن استحضار الدين في الحرب على غزة، إنما هو تعبير عن هذه الصيرورة، وكثافته تعبير عن اكتمالها، وهو ما يفسر محاولة اليمين امتلاك الصهيونية من جديد وتغييرها واحتكارها، ويساهم أيضا في فهم ظاهرة اليمين الجديد في إسرائيل، والتغيرات الفكرية والسياسية التي ألمت بالمجتمع الإسرائيلي.

ولتعزيز الحضور الديني أكثر في المجتمع الإسرائيلي أخذ المتدينون يولون اهتماما متزايدا في العمليات الانتخابية، رغم أنهم (من حيث العدد) لم يشكلوا بعد زيادة جوهرية فارقة، إلا أن زيادة تأثيرهم غدت أكثر وضوحا؛ فهم يساهمون في تقديم الخدمات التعليمية والصحية والتثقيفية، التي تخلت عنها الحكومة، وزادت نسبة مشاركتهم في الانتخابات، وحصلوا بالتالي على مقاعد أكثر، ففي بعض المناطق المحسوبة على المتدينين كانت نسبة مشاركتهم بالانتخابات 95%، بينما المناطق المحسوبة على العلمانيين كانت نسبة المشاركة نحو 65% من السكان. وبسبب ذلك، لم يعد بالإمكان تشكيل حكومة في إسرائيل بدون المتدينين، ومنذ آخر ست حكومات، كان المتدينون بمفردهم قادرين على إسقاط أي حكومة، اليوم لو نظرنا إلى حزب بيتنا المتشدد فسنرى أن بإمكانه إسقاط الحكومة في أي لحظة، كما أن الحريديم الذين يملكون 13 مقعدًا استطاعوا خلال آخر عام إلغاء خمسة قوانين تتعلق بهم، تحت تهديد الانسحاب من الحكومة.

وفي إطار جهودها لترسيخ القيم اليهودية في المجتمع، أعلنت وزارة الأديان الإسرائيلية التي تسيطر عليها حركة «شاس» المتشددة، عن قرب تشغيل قناة تلفزيونية تهدف إلى إقناع العلمانيين بالتحول إلى التدين. أما وزارة التعليم الإسرائيلية فأخذت تطبق برامج لامنهجية تهدف إلى تحويل الطلاب العلمانيين إلى متدينين، وتعميق القيم اليهودية لدى الطلبة اليهود، وتخصيص ساعات إضافية لدراسة التوراة. وهذه الوسائل ساهمت في إحداث تأثير واضح على المجتمع، نجم عنه ما سمي بظاهرة «التديّن الهجين»، تمثل في توجه قطاعات واسعة من الإسرائيليين العلمانيين، نحو التدين بانتقاء أنواع محددة من العبادات اليهودية وتجاهل الأخر، ومعظم وهؤلاء المتدينون الجدد لا يعتمرون القبعات الدينية، ولا يحرصون على تناول الطعام المعدّ بحسب الشريعة اليهودية، لكنّهم يؤدون صلاة مساء الجمعة، ويتوجهون أيام السبت إلى البحر، ويصومون يوم الغفران.

العامل الاقتصادي

خلال السبعة عقود الماضية، تحولت إسرائيل من دولة يقودها حزب اشكنازي محسوب على اليسار، بعقلية علمانية، تتبنى شعارات اشتراكية، إلى دولة يقودها حزب يميني متطرف، متحالف مع أحزاب دينية متشددة، ومع هذا التحول انتقلت إسرائيل من "دولة الرفاه" التي يتحكم القطاع العام فيها في مجمل الاقتصاد الإسرائيلي، إلى نظام اقتصادي نيوليبرالي، قائم على اقتصاد السوق، مع تقليص واضح وحاد في خدمات الرفاه الاجتماعي..

وهذا التحول بدأ فعليا مع أواسط السبعينات من القرن الماضي، حين أخذت "الاشتراكية" تتلاشى وتختفي كتصريح سياسي واجتماعي من شعارات حركة "مباي"، ومن أجندتها الحزبية، وهي الحركة ذات الشعارات الاشتراكية الشكلية، وذلك بتأثير من المتغيرات التي شهدها الاقتصاد العالمي آنذاك، والتي تحولت في نطاق دول الغرب، وإسرائيل من ضمنها، إلى اقتصاد السوق. وبموازاة ذلك، أي بعد حرب أكتوبر وعقد صلح مع مصر، ارتفع نجم عدد من القيادات السياسية والحزبية ذات الأصول الشرقية، القادمة من ضواحي تل أبيب، وهو ما لم يكن حزب العمل قادرا على السماح به من قبل، بفضل سياساته وتركيبته وطبيعته الاشكنازية، وحدث نفس الأمر مع حزب الليكود الذي تدفقت إليه شخصيات من أصول شرقية. وهذا التغلغل الشرقي في حزبي العمل والليكود فتح الباب أمام سياسات ما بعد الإشتراكية.

وفي نفس السياق، جاء في تقرير مدار الإستراتيجي 2018، ما يؤكد هذه التحولات، إذ حصلت تغيرات بنيوية عميقة في إسرائيل، ارتبطت بالتغيرات الديمغرافية والمجتمعية، والآثار الإستراتيجية لاحتلال ال1967، وأيضا بنتائج حرب أكتوبر 1973، أدت إلى تموضع فئات كانت تعتبر هامشية من حيث قوة التأثير، كالشرقيين وسكان الضواحي، والحريديم، والجماعات الاستيطانية في مركز اتخاذ القرار، مقابل انزياحات تدريجية ومتواصلة لقوى المركز المؤسسة من الجماعة الاشكنازية العلمانية ذات التوجه الاشتراكي إلى الهوامش، في هذا السياق تنافس على رئاسة حزب العمل (معقل الاشكنازية العلمانية) قي تموز 2017 مرشحان من أصول شرقية مغربية، هما "عمير بيرتس"، و"آفي غباي" الذي فاز بالرئاسة.

وحسب دراسة أعدها الباحث "خالد عنبتاوي" لمركز مدار، فإن الأزمة الاقتصادية في إسرائيل بدأت تتفاقم منذ أواسط الثمانينات؛ وهذه الأزمة لم تكن معزولة عن الأزمة الاقتصادية العالمية، بل ومتأثرة بالتحولات العالمية الكبرى، وتغير وسائل الإنتاج، والثورة العلمية، وبدء ثورة الاتصالات والتكنولوجيا.. حينها بدأ منعطف كبير في الاقتصاد الإسرائيلي، عنوانه سقوط "دولة الرفاه"، والتحول إلى نمط الاقتصاد الليبرالي الجديد. فبدأت الحكومة بالانسحاب التدريجي من تقديم الخدمات الاجتماعية، وخفض الإنفاق الحكومي في هذا المجال، وتحرير السوق من هيمنة الدولة، والحد من التدخل فيه، وتبني سياسات خصخصة القطاعات الحكومية.

وهذه السياسات أضرت كثيرا بالطبقات الوسطى والضعيفة، وأدت إلى تفاقم الفجوة بين الطبقات الغنية والفقيرة، وتعمق الفروقات الاقتصادية، وزيادة معدلات الفقر.. وكانت تلك من بين أسباب أخرى أدت إلى زيادة شعبية اليمين الإسرائيلي، الذي أخذ يرفع شعارات شعبوية..

هذه التحولات الاقتصادية لم تكن نتاجا حتميا لبروز دور أكبر للسفارديم، بل كانت هي جزء من أيديولوجية اليمين، فمثلا "نتنياهو" لم يكن مضطرا لمسايرة هذه التحولات، والمضي بها قدما؛ بل كان من أشد المؤمنين بنظام "النيوليبرالية"، بدوافع أيديولوجية، ويتفق معه في هذا التوجه اليمين الصهيوني (حزب البيت اليهودي وغيره)، وقد ترجم "نتنياهو" توجهاته بخفض الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية، وهذا التجلي الجديد يجمع بين الأفكار اليمينية والليبرالية الاقتصادية، لذلك، ولتبرير هذه السياسات الاقتصادية وشرعنتها والتغطية على أضرارها، كان يجري اختلاق أعداء خارجيين، كالمبالغة في تصوير التهديد الإيراني، والتعمد في إفشال مساعي التسوية مع الفلسطينيين. والأهم من ذلك تعميق الإستيطان.

فما جرى عمليا، هو تشجيع واستمالة الطبقات الضعيفة للإنخراط في مشروع الإستيطان (المتدينيين اليهود غير الصهاينة يشكلون فقط 30% من مجموع المستوطنين)، واستمالة جمهور الصهيونية الدينية أكثر فأكثر نحو اليمين السياسي الاقتصادي؛ وهكذا، صار الإستيطان أداة تعويضية عن سقوط دولة الرفاه اليهودية.

وفي ذات السياق، يقول رئيس تحرير صحيفة «ذي ماركير» الاقتصادية "كوهين سيمح"، الذي ينفي وجود علمانيين في إسرائيل، "إن توجه المزيد من الإسرائيليين إلى الدين جاء نتيجة تحولات اقتصادية/ اجتماعية، تمثلت في توقف الحكومة عن تقديم الكثير من الخدمات، مما قضى على مكانتها بوصفها مرتكزًا للتضامن الاجتماعي، وهو ما دفع الناس في اتجاه قوة عليا طلبًا للمساعدة، فكان الإقبال على التديّن، الذي يعمل على توفير حلول نفسية وروحية للأزمات التي يصطدم بها الناس، إلى جانب منحه معنى لحياتهم، ونجاحه في بناء أطر تضامن مجتمعي جديدة".

ويوضح "عنبتاوي" في دراسته أنه في هذا الإطار تبلورت طبقة واسعة من المستوطنين، الذي ربطوا مصالحهم الطبقية بالنظام النيوليبرالي، حيث صار البرنامج الاقتصادي للأحزاب اليمينية المتطرفة عماده "النيوليبرالية"، وهذا ما يفسر زيادة وتوسع الاستيطان بخط تصاعدي منتظم منذ بداية التسعينات؛ حيث تحول الاستيطان من أحد أدوات السياسة النيوليبرالية، إلى أحد أهم مصادر قوته السياسية والاقتصادية.

وقد ترافقت التحولات نحو النيوليبرالية مع التوسع الإستيطاني، ضمن علاقة عضوية تجمعهما معاً؛ فالحكومة اليمينية تضمن أصوات المستوطنين ودعمهم، وفي المقابل ربط المستوطنون مصالحهم مع استقرار الحكومة، أي ضمان حكم اليمين، أدى هذا إلى تعميق التحولات الصهيونية في المجتمع الإسرائيلي ككل إلى اليمين أكثر، وصعود يمين جديد أكثر تطرفا، مشكل من الليكود والحريديم، وشمل ذلك أيضا انزياحات حزب العمل نحو النيوليبرالية (وحزب شاس أيضا)، كما أدى إلى استشراء قوة المستوطنين والمتدينين، لدرجة صارت تنافس الدولة.
موقف اليسار الإسرائيلي

تسعى إسرائيل لأن تعرف نفسها بوصفها دولة يهودية/ علمانية/ ديمقراطية، في نفس الوقت. ومع أن هذا التوصيف يتناقض مع المنطق، وينطوي على مغالطات تاريخية، حيث أن اليهودية دين، مثل أي دين آخر، لا يمنح أتباعه هوية قومية، إلا أن الصهيونية (بما فيها الصهيونية العلمانية) تتعامل مع اليهودية باعتبارها هوية قومية!

فالقومية، بمعناها الحالي، مصطلح حديث وعلماني، نشأ في أوروبا بعيدا عن سلطة الكنيسة، ومتحررا منها، ومن ناحية ثانية؛ فإن اختلاف وتباين الثقافات والقوميات التي تتحدّر منها الجماعات اليهودية التي أتت واستوطنت فلسطين، يجعل "القومية اليهودية" موضع تساؤل؛ فالدين لوحده لا ينشيء قومية، وفقا لتعريفات الجماعة القومية، التي تشترط توفر عدة عناصر ومكونات، بالعموم تفتقر إليها مكونات "القومية اليهودية".

وفي إطار "علمنة" اليهودية، أو "قومنتها"، نشأ التناقض بين الإسرائيليين العلمانيين والمتدينين، في المجتمع الإسرائيلي وفي ثقافته، ورموزه، ووعيه بهويته، إلى درجة أن العديد من علماء الاجتماع الإسرائيليين باتوا يتحدثون عن مجتمعين وشعبين، أحدهما علماني وآخر متدين. يقول "أوري افنيري" (توفي في آب 2018): "يعيش هنا شعبان، لا يفصل بينهما فقط اللباس وطريقة الحديث، وإنما كل شيء تقريبا: الإحساس بالانتماء، منظومة القيم، والخلفية الاجتماعية، يجب الاعتراف بحقيقة وجود شعبين هنا، وإيجاد نظام يسمح لهما بالعيش جنبا إلى جنب".

بدا واضحا أن موقف اليسار الإسرائيلي من قانون القومية ضعيفا، ولا يتناسب مع الشعارات التي ظل يطرحها لعقود خلت. وبحسب بعض الباحثين (منهم ماجد كيالي) فإن بعض قوى اليسار الإسرائيلي التي تدعوا لفصل الدين عن الدولة، والتي عارضت قانون القومية، لم تعارضه حبا بالعدالة، ولا كرها بالعنصرية، أو خجلا من الفلسطينيين (ضحايا هذا القانون)، بدليل صمتهم الطويل إزاء الممارسات القمعية والعنصرية ضد الفلسطينيين، أو غض الطرف عنها على الأقل، باستثناء بعض المجموعات التي كانت تنشط من حين لآخر؛ فقد عارض اليسار الإسرائيلي قانون القومية، ليس لأنه نتاج جهد حثيث لليمين (القومي والمتدين)، بل لأنه يهدد الرواية الإسرائيلية، ويقوض كل الدعاية التي طالما سعت إسرائيل لثبيتها في المخيال العالمي، أي بوصف إسرائيل دولة ديمقراطية حداثية، فإذا بها من خلال هذا القانون (وقبل ذلك من خلال ممارساتها) تظهر بوجهها الحقيقي، دولة أبارتهايد عنصرية، وهذا ما لا يريده اليسار الإسرائيلي، ببساطة وفقط لأنه ينزع عن إسرائيل شرعيتها، ويسقط مبرر وجودها.

ما يخشاه "اليسار الإسرائيلي" العلماني، تغول اليمين الديني، وتحول إسرائيل إلى دولة شرقية، مثل محيطها، أي دولة تعيش على سياسات الهوية الدينية والأساطير التاريخية وجبروت القوة، خارج نسق الحداثة والعولمة والتاريخ الجديد، أي خارج نسق القانون الدولي، وحقوق الإنسان، وعولمة القيم، وإنسانية العصر.

وهذا ما حذر منه "شاحر إيلان" بقوله: "من الناحية الاقتصادية والأمنية، يتحمل المجتمع الإسرائيلي على كاهله عبء الحريديم (المتدينين). كان هذا صعبا في الثمانينات.. لكن لم يعد محتملا الآن.. من شأن هذا الواقع أن يهدم المجتمع والاقتصاد الإسرائيليين بعد عشرين سنة، ويحوّل إسرائيل إلى دولة عالم ثالث.. وأن يفضي إلى تقسيم الدولة، أو إلى حرب أهلية. حدث هذا لدى آخرين، وقد يحدث عندنا.. الحل لا أن يكف الحريديم عن أن يكونوا متدينين متزمتين.. بل أن يبدؤوا العمل والخدمة في الجيش، وأن يندمجوا في المجتمع العام.

كما حذر الخبير القانوني "مردخاي كريمنستر" من تحول الجيش إلى ميليشيات دينية، بسبب تعزيز الطابع الديني في صفوفه، وجاء تحذيره بعد نشر منشور "فينتر" السابق ذكره بشأن الحرب الدينية على غزة، إذ يعتقد "كريمنستر" أن هذا المنشور نتاج زرع اليهودية المتزمنة وفق أسس الصهيونية الدينية، ونتيجة توزيع الكتب والمنشورات الدينية في صفوف الجيش، في إشارة إلى تراجع جهاز التنشئة والتوعية في الجيش، لتأتي التيارات الدينية وتملأ الفراغ.

المشهد الإسرائيلي الحالي

بالنظر إلى مكونات المشهد الداخلي الإسرائيلي خلال العامين الأخيرين 2017~2018، سنجد أنه يتجه لحسم العديد من القضايا التي لها علاقة بتحديد ماهية الدولة، وهويتها.. ومن الواضح أنه يسير باتجاه إعادة تشكيل وجه إسرائيل نحو اليمينية، ذات النزعة القومية الدينية العنصرية، ونحو ترسيخ القيم اليهودية الدينية وتعميمها في ثقافة المجتمع، ونحو مزيد من التغلغل الديني في مؤسسات الدولة والمجتمع والجيش والقضاء.. متجاوزا بذلك (وربما لاغيا) الطبيعة، أو المظهر العلماني التي طالما اتسمت بها إسرائيل.

وقد أفرزت التغيرات البنيوية في إسرائيل إلى صهينة مستمرة لقطاعات كانت تاريخيا خارج الصهييونية كالحريديم، الذين باتوا يشكلون اليوم أكبر فئة استيطانية (30% من المستوطنين).

على الصعيد الحزبي، ربما يكون التحول الأبرز هو هيمنة اليمين وأحزاب الحريديم على الحكومة والكنيست منذ آيار 2015، دون مشاركة تياري اليسار والوسط، الأمر الذي مكّن تلك الأحزاب من تمرير العديد من القوانين العنصرية، أو ذات العلاقة بهوية المجتمع الإسرائيلي وثقافته (الدينية). بيد أنّ هذا التحول لم يكتمل بصورة نهائية، وهو ينتظر المزيد من التحولات، خاصة وأن المعركة لم تنته من قبل حزب البيت اليهودي ضد المحكمة العليا، التي تريد وزيرة القضاء "آيليت شكيد" (اليمينية) تحجيمها بقانون جديد، يمنع تدخلها وإلغائها لقوانين تشرعها الكنيست، ترى المحكمة أنها تتعارض مع قوانين أساس شرعتها الكنيست وتقيد المبنى الأيديولوجي للصهيونية الدينية.

وضمن مساعي التغيير هذه، سعت وزير القضاء "شكيد" إلى تغيير تشكيلة محكمة العدل العليا بتعيين قضاة جدد محسوبين على التيار اليميني.

إلى جانب سعيها للسيطرة على القضاء، تسعى أحزاب اليمين للهيمنة على المناهج الاسرائيلية، وقد توجت جهودها بتنصيب "نفتالي بينيت" رئيس حزب البيت اليهودي، وزيرا للتعليم، وهو الذي أعاد صياغة المناهج برؤية إقصائية كاملة للشعب الفلسطيني، وأبقى على الرواية التوراتية، حتى أنه فرض هذه الرواية على فلسطينيي 48، كما فرض على مدارس التعليم الرسمي دراسة التوراة والتناخ وتعاليم الدين اليهودي. وأيضا فتح معركة على مناهج التعليم الفلسطينية في القدس المحتلة. كما استطاع الحريديم من حزب شاس ويهودوت هتوراة المشاركين في ائتلاف حكومة نتنياهو من فرض النمط الحياتي الحريدي على المجتمع الاسرائيلي بأكمله؛ بمنع حركة المواصلات وإغلاق المحلات يوم السبت، وإيقاف تجنيد الحريديم، ومنع الاختلاط أمام حائط البراق.

على مستوى الإعلام أكمل اليمين الاسرائيلي مخططه لتحجيم الإعلام المعارض، فقد نجح "نتنياهو" في إدخال تعديلات على كل وسائل الإعلام الفضائية، واستطاع إقصاء العديد من الصحفيين الذين ينتقدونه، وبذلك استطاع نتنياهو إضفاء أجواء من الخوف على الصحفيين ووسائل الإعلام. وهذه التغييرات انعكست على الجمهور الإسرائيلي، الذي أخذ ينزاح أكثر فأكثر نحو اليمين، ونحو التخلي عن علمانيته.

في الخلاصة، يمكن القول أنّ اليمين الديني والقومي يوشك على الإستيلاء على إسرائيل التي بنتها الصهيونية العلمانية، وحرصت على إظهارها بقالب ديمقراطي حداثي، وتحويلها إلى دولة دينية ثيوقراطية.

خلاصة

لا شك أن إسرائيل دولة متطورة علميا وصناعيا ومؤسساتيا وإداريا، ولكنها مع ذلك تظل دولة دينية تعيش في سراديب التاريخ، وفي أساطير الماضي، ليس فقط في عقول وممارسات المستوطنين والجماعات المتدينة، بل حتى عند بعض النخب العلمانية الإسرائيلية، التي ما زالت تؤمن بأساطير الأرض الموعودة، ونقاء الشعب اليهودي، وشعب الله المختار، وخراب الهيكل، ويهودية الدولة!

وهذا كله يبرهن أن شعارات إسرائيل بأنها واحة الديمقراطية في صحراء التخلف، وأنها خلاصة الحضارة الغربية، وأنها دولة عصرية ذات مجتمع حداثي.. ما هي إلا أقاويل، وبروبوغندا زائفة؛ فأي متابعة لتصريحات القادة الإسرائيليين، وتحليل للعقل السياسي الإسرائيلي، وممارسات جيشها ومستوطنيها، تؤكد أنها دولة ماضوية، تغوص عميقا في أوحال الخرافة، وتبرر وجودها بالأساطير والخرافات، وبميثولوجيات دينية، وتبرر سلوكها العدواني بشعارات عنصرية تنطلق من رواية توراتية تعتبر اليهود فوق البشر، الذين هم بنظرها مجرد غوييم وأغيار..

بل إن إسرائيل التي تدّعي محاربة الإرهاب والأصولية الإسلامية، هي مصدر الإرهاب، وهي من تقوم بترسيخ أصوليتها الدينية العنيفة والعدوانية، من خلال دعم الجماعات الإستيطانية المتشددة (مثال ذلك حرق عائلة الدوابشة، حرق الفتى أبو خضير، وتساهل المحكمة مع الجناة).

واليوم، وبعد أن كشفت إسرائيل عن وجهها العنصري، وبعد أن شاهد العالم ممارستها التعسفية بحق الفلسطينيين، وبعد أن سيطرت عليها (أو كادت) المنظمات الدينية المتزمتة والمتطرفة، وبعد أن أعلنت رسميا عن كونها دولة يهودية وأصولية (في مبررات قيامها وفي سياساتها وقوانينها)؛ فإن المجتمع الدولي والإنساني، الذي نبذ العنصرية، ورفض الأصوليات المتزمتة، وأعلن عن حربه على الإرهاب (خاصة ضد المنظات الأصولية الإسلامية)، والذي يحث الخطى نحو الحداثة والعلمانية والعقلانية، هذا المجتمع مطالب بأن يحدد موقفه بشجاعة ووضوح ضد الأصولية اليهودية.
وأخيرا، تجدر الإشارة إلى أن مسألة تدين المجتمع الإسرائيلي، أو علمانيته، لا تهم الجانب الإسرائيلي وحسب، بل تؤثر أيضا على الفلسطينيين، خاصة فيما يتعلق بمستقل الصراع وفرص التسوية، بل إن أي تغير نوعي في تركيبة المجتمع الإسرائيلي يؤثر، لأنه سيغير الخارطة الحزبية،
وبالتالي يغير الحكومة، وسياساتها، ويغير موازين القوى الداخلية.

وبالطبع هذا لا يعني بشكل تلقائي أن اليسار الإسرائيلي أفضل، أو أن العلمانيين جاهزون لحل الصراع على أسس عادلة، ولكن، يظل هنالك فرقا كبيرا بين الجهتين، سواء في سياسات الاستيطان، أو قضايا الحل النهائي..

فمثلا يرفض معظم اليهود المتدينين الانسحاب من أراضي الضفة الغربية، بناءً على دوافع دينية وأمنية؛ فهم يصرون على تسميتها يهودا والسامرة، في إشارة إلى النص التوراتي التي يعتبرها أرض إسرائيل، لذلك فهم يرفضون حل الدولتين رفضا مطلقا.
وكذلك يرفض غالبية اليهود المتدينين (ونسبة كبيرة من العلمانيين) فكرة حل الدولة الواحدة، من منطلق ديني أساسا، قائم على فكرة تفوق العنصر اليهودي.

مع أن بعض المحللين يرون أن فرص التسوية أفضل مع وجود اليمين، ويفسرون ذلك بأن حزب الليكود هو الذي أبرم الصلح التاريخي مع مصر، في حين ظل حزب العمل يراوغ.

بيد أن فشل عملية التسوية ووصولها إلى حائط مسدود، ساهم بشكل أو بآخر في زيادة قوة ودور المتدينين وحضورهم في المجتمع، ومن ثم فقد أدى هذا إلى تماهي اليسار الإسرائيلي مع الواقع الجديد، حتى أصبحت البرامج الداخلية متشابهة لغالبية الأحزاب الإسرائيلية، فحزب العمل الذي يمثل تيار التسوية أصبح ينادي بما ينادي به اليمين الإسرائيلي من أننا لسنا بحاجة لإقامة دولة فلسطينية.

هذه الدراسة منشورة للباحث عبد الغني سلامه، في مجلة "قضايا إسرائيلية"، الصادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار، عدد 72، يناير 2019. رام الله.

الهوامش

عزمي بشارة، قانون القومية: كم مرة سوف يعلنون قيام إسرائيل؟ العربي الجديد، 24 يوليو 2018.
عبد القادر عبد العالي، التصدع الديني العلماني في الحالة الإسرائيلية، مجلة إنسانيات، الجزائر، 2007، https://journals.openedition.org/insaniyat/3167
تقرير مدار الإستراتيجي 2018، تحرير د. هنيدة غانم، إصدار المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، رام الله 2018. ص223.
هنيدة غانم، ندوة عن قانون القومية في إسرائيل، متحف ياسر عرفات، رام الله، آب 2018.
محمد عبد الخالق، إسرائيل تعاني «خلافات عميقة» بين المتدينين والعلمانيين، المصري اليوم، 8-3-2016.
عبد القادر عبد العالي، مصدر سبق ذكره.
ماجد كيالي، إسرائيل الدينية وإسرائيل العلمانية، العربية نت، 13-7-2016
هنيدة غانم، إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية، مجلة قضايا إسرائيلية، مركز الدراسات الإسرائيلية- مدار، رام الله. العدد 39، ديسمبر 2010.
حسن خضر، هويتان وأزمتان، جريدة الأيام، 9-10-2018.
نقلا عن رائف زريق، إسرائيل‏ خلفية أيديولوجية وتاريخية، دراسة بحثية قيد النشر.
عزمي بشارة، دوامة الدين والدولة في إسرائيل، مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 1، عدد 3ـ صيف 1990. ص 24-46.
صلاح سالم، العقل الإسرائيلي.. من الصهيونية العلمانية إلى الصهيونية الدينية، مجلة شؤون عربية، تصدر عن جامعة الدول العربية، العدد 174، صيف 2018.
ميرفت عوف، هل المجتمع الإسرائيلي مجتمع علماني؟ مجلة ساس، 13-10-2016.
عبد القادر عبد العالي، مصدر سبق ذكره.
جعفر هادي حسن، الصراع العلماني الديني في إسرائيل أسبابه وتجلياته، الحوار المتمدن، العدد 3156، -10-2010
روجيه جارودي، الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، دار الغد العربي ط1، 1996 عمان، ص 20.
شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي، ترجمة سعيد عياش، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية مدار، رام الله، ط1، 2010. ص 327.
عزمي بشارة، دوامة الدين والدولة في إسرائيل، مصدر سبق ذكره.
إلعاد لابيدوت، المسيح الذي لن يأتي، مجلة قضايا إسرائيلية، مركز الدراسات الإسرائيلية- مدار، رام الله. العدد 63، ديسمبر 2016.
عزمي بشارة، دوامة الدين والدولة في إسرائيل، مصدر سبق ذكره.
عزمي بشارة، دوامة الدين والدولة في إسرائيل، مصدر سبق ذكره.
تم تدشين مدرسة "مركاز هراب" عام 1924، على يد الحاخام الإشكنازي إبراهام كوك، الذي كان يعتبر قائد التيار الديني الصهيوني. وهذا التيار تقوم عقيدته الدينية والفكرية على أنه يتوجب على اليهود أن يقيموا دولة لهم على اعتبار أن ذلك شرط لعودة "المسيح المخلص".
رائف زريق، إسرائيل‏ خلفية أيديولوجية وتاريخية، دراسة بحثية قيد النشر.
أفينيري، شلومو. «الصهيونية والتراث الديني اليهودي: ديالكتيك الخلاص والعلمنة». في: «الصهيونية والدين». تل أبيب: مركز زلمان شازار، 1994. ص 11، نقلا عن رائف زريق، إسرائيل‏ خلفية أيديولوجية وتاريخية، دراسة بحثية قيد النشر.
رائف زريق، إسرائيل‏ خلفية أيديولوجية وتاريخية، دراسة بحثية قيد النشر.
المسيري، «الأيديولوجية الصهيونية»، ص 115. نقلا عن رائف زريق، إسرائيل‏ خلفية أيديولوجية وتاريخية، دراسة بحثية قيد النشر.
نقلا عن رائف زريق، إسرائيل‏ خلفية أيديولوجية وتاريخية، دراسة بحثية قيد النشر.
نقلا عن رائف زريق، إسرائيل‏ خلفية أيديولوجية وتاريخية، دراسة بحثية قيد النشر.
نقلا عن رائف زريق، إسرائيل‏ خلفية أيديولوجية وتاريخية، دراسة بحثية قيد النشر.
المسيري، «الأيديولوجية الصهيونية»، ص 118-119. نقلا عن رائف زريق، إسرائيل‏ خلفية أيديولوجية وتاريخية، دراسة بحثية قيد النشر
رائف زريق، إسرائيل‏ خلفية أيديولوجية وتاريخية، دراسة بحثية قيد النشر.
جعفر هادي حسن، الصراع العلماني الديني في إسرائيل مصدر سبق ذكره.
آفي شيلون، موقف بيغن من الديانة اليهودية، مجلة قضايا إسرائيلية، مركز الدراسات الإسرائيلية- مدار، رام الله. العدد 69، مارس 2018.
عزمي بشارة، دوامة الدين والدولة في إسرائيل، مصدر سبق ذكره.
عزمي بشارة، دوامة الدين والدولة في إسرائيل، مصدر سبق ذكره.
ميرفت عوف، هل المجتمع الإسرائيلي مجتمع علماني؟ مصدر سبق ذكره.
عزمي بشارة، دوامة الدين والدولة في إسرائيل، مصدر سبق ذكره.
ميرفت عوف، هل المجتمع الإسرائيلي مجتمع علماني؟ مصدر سبق ذكره.
آفي شيلون، موقف بيغن من الديانة اليهودية، مجلة قضايا إسرائيلية، مركز الدراسات الإسرائيلية- مدار، رام الله. العدد 69، مارس 2018.
آفي شيلون، موقف بيغن من الديانة اليهودية، مصدر سبق ذكره.
جعفر هادي حسن، مصدر سبق ذكره.
علي حيدر، من الواقعية الدينية إلى المسيانية، مجلة قضايا إسرائيلية، مركز الدراسات الإسرائيلية- مدار، رام الله. العدد 69، مارس 2018.
عزمي بشارة، دوامة الدين والدولة في إسرائيل، مصدر سبق ذكره.
عزمي بشارة، دوامة الدين والدولة في إسرائيل، مصدر سبق ذكره.
عبد القادر عبد العالي، مصدر سبق ذكره.
عزمي بشارة، دوامة الدين والدولة في إسرائيل، مصدر سبق ذكره.
توفيق أبو شومر، القمع النسائي في إسرائيل، وكالة وطن للأنباء، 17-11-2011، http://www.wattan.tv/news/6853.html
ماجد كيالي، مصدر سبق ذكره.
روغل ألفر، إسرائيل غير ملائمة للعلمانيين، صحيفة هآرتس، 1/11/2015.
يحيى أبو عودة، جدلية العلاقة بين الدين والسياسية في إسرائيل، أطروحة ماجستير، جامعة الأزهر، غزة، 2011.
ميرفت عوف، هل المجتمع الإسرائيلي مجتمع علماني؟ مصدر سبق ذكره.
ارتفاع نسبة المتدينين والحريديم في إسرائيل، موقع عرب48، 26-1-2012.
محمد برهومة، هل يخطفُ المتدينون في إسرائيل الدولة من العلمانيين، صحيفة الغد الأردنية، 2-6-2010.
نسبة التكاثر العالية للحريديم والمتدينين ستؤدي إلى "تصفية دولة إسرائيل"، تقرير صادر عن مركز مدار، 25-4-2017.
نسبة التكاثر العالية للحريديم، تقرير مركز مدار، مصدر سبق ذكره.
ميرفت عوف، هل المجتمع الإسرائيلي مجتمع علماني؟ مصدر سبق ذكره.
تقرير مدار الإستراتيجي 2018، مصدر سبق ذكره. ص 162.
مهند مصطفى، حضور الدين في الحرب على غزة، مجلة مدى الكرمل، ملف رقم 3، 2014.
ميرفت عوف، هل المجتمع الإسرائيلي مجتمع علماني؟ مصدر سبق ذكره.
ميرفت عوف، هل المجتمع الإسرائيلي مجتمع علماني؟ مصدر سبق ذكره.
باروخ كيمرلنغ، نهاية الهيمنة الاشكنازية، ترجمة نواف عثامنة، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيليىة - مدار. 2002. ص 11~14.
تقرير مدار الإستراتيجي 2018، مصدر سبق ذكره. ص21.
خالد عنبتاوي، النيوليبرالية وصعود قوى جديدة في إسرائيل، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار، يناير 2018.
ميرفت عوف، هل المجتمع الإسرائيلي مجتمع علماني؟ مصدر سبق ذكره.
خالد عنبتاوي، مصدر سبق ذكره.
ماجد كيالي، مصدر سبق ذكره.
ماجد كيالي، مصدر سبق ذكره.
ماجد كيالي، مصدر سبق ذكره.
تقرير مدار الإستراتيجي 2018، مصدر سبق ذكره. ص183.
تقرير مدار الإستراتيجي 2018، مصدر سبق ذكره. ص21.
عامر خليل، تحولات المشهد الإسرائيلي الداخلي عام 2017، فلسطين اليوم، 7، كانون1، 2018.
تقرير مدار الإستراتيجي 2018، مصدر سبق ذكره.. ص22.
عامر خليل، تحولات المشهد الإسرائيلي مصدر سبق ذكره.
عامر خليل، تحولات المشهد الإسرائيلي، مصدر سبق ذكره.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,326,609,104
- الثقافة السمعية
- علوم زائفة
- حُراس الفضيلة، وفستان رانيا يوسف
- الغضب المقدس
- المواطن المستقر
- خوف الطغاة من الأغنيات
- إعدام ميت
- الأصوليّة الإسلامويّة الجديدة - تأملات في فكر وممارسات قوى ا ...
- الفقر، والانفجارات الشعبية في العراق
- بوح واعترافات شخصية
- وما زال حرق النساء مستمرا
- خزعبلات المشايخ
- الرجل والمرأة، كراهية أم خوف؟
- إيران تخلع الحجاب
- النيوليبرالية الإسرائيلية
- بماذا نؤمن؟ ولماذا؟
- ماذا يحدث في السعودية؟
- الجيل القادم من داعش
- قضية الأمازيغ
- الفيدرالية هي الحل


المزيد.....




- بطلب -سيادي عاجل-.. سفير الإمارات يغادر المغرب
- قوى -التغيير- السودانية: نرفض رموز النظام السابق بالمرحلة ال ...
- الأمير وليام وزوجته كيت ينشران صورا للأمير لويس لاحتفال بعيد ...
- ارتفاع عدد قتلى زلزال الفلبين إلى 11 شخصا و24 مفقودا
- أراد سرقة عنوان موقع إلكتروني بمسدس
- 71 إصابة بالحصبة في أسبوع
- الجيش اليمني يعلن تكبيد -أنصار الله- خسائر بغارات شرق صعدة
- الصين تحذر مواطنيها من السفر إلى سريلانكا
- بدأ مجرما.. كيف غير إليوت مصيره؟
- مقترح بفرض -ودائع قبول- للتأشيرات قصيرة المدى


المزيد.....

- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء السادس / ماهر جايان
- المنظور الماركسى الطبقى للقانون - جانيجر كريموف / سعيد العليمى
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الخامس / ماهر جايان
- عمليات الانفال ،،، كما عرفتها / سربست مصطفى رشيد اميدي
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الرابع / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الثاني / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الأول / ماهر جايان
- الحق في الاختلاف و ثقافة الاختلاف : مدخل إلى العدالة الثقافي ... / رشيد اوبجا
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد الغني سلامه - إسرائيل، والصراع على هوية الدولة والمجتمع - دراسة بحثية