أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء الدين الظاهر - بائس من زمن البائسين، هادي خماس ومذكراته















المزيد.....



بائس من زمن البائسين، هادي خماس ومذكراته


علاء الدين الظاهر

الحوار المتمدن-العدد: 6113 - 2019 / 1 / 13 - 18:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


1. مقدمة
2. مراجعة سريعة لخمسين عام مر بها العراق والمنطقة
3. بعض الاحداث اثناء عهد عبدالسلام عارف
4. محاولة الحركيين الانقلابية الاولى
5. محاولة الحركيين الانقلابية الثانية
6. الشعوبية والعروبية
7. التشكيلات العروبية
8. هل الهروبية رديف للعروبية؟
9. الشيوعيون ولعبة الحمل الوديع
10. المراجعة واجبة على الجميع
11. ملاحظة شخصية


1. مقدمة
نشر هادي خماس مدير الاستخبارات العسكرية العراقية بين عام 1963 و 1965 مذكراته تحت عنوان اقرب الى السخرية وهو (رجل من زمن الثائرين). مصدر السخرية هو مشاركته في انقلاب 8 شباط الاسود ودور شفوي كمدير للاستخبارات العسكرية في انقلاب 18 تشرين الثاني ومحاولتين فاشلتين في عهد الاخوين عارف.
اطلعت على المذكرات التي نشرت في حلقات على موقع للاخ جلال جرمكا وكانت قد نشرت مطبوعة في العام 2013. لا بد ان اعترف بأني شعرت بالتقيؤ وانا اقرأ هذه المذكرات وبأني لم ارغب بتا ان اعلّق عليها لولا الحاح بعض الاخوة خصوصا لمعرفتي ببعض الامور التي وردت في المذكرات ورغبتهم في طرحي لها.
هادي خماس لم ينضج ولم يتعلم شيئا خلال الخمسين سنة التي مضن بين انقلاب 8 شباط ونشر مذكراته. في الواقع اذا قرأت مذكراته ستجده في حالة متيهجة ومتشنجة وكأنه يقرأ بيانات 8 شباط الانقلابية. خلال الخمسين عام هذه، مرت بالعراق والمنطقة احداث هزتها من جذورها وكان من المفروض ان تملي على كل سياسي مراجعة تصرفاته وسلوكه لكن هادي خماس وضع عقله وجسده في مجمّدة وصحا فقط ليكتب مذكراته البائسة هذه.
قبل ان أبدأ بمراجعة مذكرات خماس ومنعا لمزايدات الفرقة القومية للتهريج، اود ان اقول اني لا اعارض ابدا اي وحدة او اتحاد بين الدول العربية بل العكس. اذا تمت ضمن عملية مدروسة تحفظ لكل دولة مصالحها وتكون قد تمت من خلال عملية ديمقراطية ناضجة ومن خلال تكامل اقتصادي يجلب على شعوبا الرفاهية والعيش الرغيد. اعتراضي فقط على وحدة تتم من خلال بضعة ضباط يقومون بإنقلاب عسكري وتدفعهم العاطفة فقط والاعجاب الاعمى بشخصية زعيم عربي لا يجيد إلا التشنيع والتهريج، وحدة يتم فيها تسليم مقدرات العراق وتجلب عليه نظام حكم شمولي وحكم اجهزة المخابرات. وحدة مثل هذه قام بها ضباط سوريون وفشلت.

2. مراجعة سريعة لخمسين عام مر بها العراق والمنطقة
أبدأ اولا بمراجعة سريعة لما مرّ به العراق منذ فشل انقلابات الضباط الحركيين وقضية الوحدة التي هي محور كل تحركات الضباط الحركيين ومذكرات هادي خماس. تشكلت حكومة ناجي طالب وتبعتها حكومة ترأسها عبدالرحمن عارف نفسه لمدة شهرين ثم تشكلت حكومة اخرى ترأسها طاهر يحي التكريتي. لم يحدث خلال هذه الفترة اي تقارب وحدوي بين مصر والعراق. بعد انقلاب نايف ـ دواد تمكن حليفهم البعثي من التخلص منهما. فشل هذا النظام هو الآخر في تحقيق حتى وحدة مع جناح البعث الحاكم في سوريا والاتفاقية التي وقعها العراق مع سوريا بعد اتفاقية كامب ديفيد انهارت قبل ان يجف حبرها على الورق. قام صدام بتصفية دموية لرفاقه الحزب وأشعل حرب الثمان سنوات مع ايران. قام صدام بعدها بإجتياح الكويت الذي ادى الى حرب الخليج الثانية وتدمير البنى التحتية للعراق وفرض نظام العقوبات، عقوبات لا يزال العراق يدفع ثمنها لدول عديدة منها اسرائيل. ثم جاءت طامة الاحتلال الاميركي والارهاب القاعدي والحرب الاهلية غير المعلنة. واثناء هذه الفترة اقترف صدام جرائم الانفال وقصف حلبجة بالسلاح الكيمياوي وقمع انتفاضة 1991. في كل هذه الفترة بقي هادي خمّاس مجمّدا في الثلاجة لا يعي ولا يرى شيئا.
في عام 1967 قاد عبدالناصر المنطقة العربية الى هزيمة حزيران المنكرة، هزيمة كارثية لا تزال المنطقة تعاني من عواقبها. فشل الاتحاد السوداني ـ المصري ـ الليبي في عهد عبدالناصر وفشل الاتحاد السوري ـ المصري ـ الليبي في عهد السادات كما فشل الاتحاد الليبي ـ التونسي والاتحاد الليبي ـ المغربي. وبعد حرب التحريك لعام 1973 بدأت المفاوضات العلنية مع اسرائيل بين مصر وسوريا من جهة واسرائيل من جهة اخرى. قام السادات بزيارة القدس وانتهت العملية بإتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر واسرائيل. استقبل المصريون السادات بعد زيارته للقدس وبعد عودته من كامب ديفيد استقبال الابطال وهتفت نفس الجماهير التي كانت تهتف لعبدالناصر بالوحدة وفلسطين، هتفت للسادات (تسقط فلسطين). اثناء هذه الفترة نشر امين سر عبدالناصر محمد حسنين هيكل وغيره كتب عديدة اوضح فيها اتصالات عبدالناصر السرية مع اسرائيل. في عام 1994 وقع الاردن اتفاقية وادي عربة للسلام مع اسرائيل وكاد حافظ الاسد ان يوقع على اتفاقية سلام لولا اصرار ايهود بارك على ضم اراضي سورية تقع على ساحل بحيرة طبرية. لبنان دخل حربا اهلية ضارية تمزّق خلالها الى اربعة اجزاء. اما الحركة الفلسطينية فتمزقت فيها حتى منظمة فتح وظهرت فتح الانتفاضة حين تقاتل الفتحيون مع بعضهم البعض. وفي عام 1994 كادت الوحدة اليمنية ان تنهار من خلال حرب اهلية وتم صدعها بدبات علي عبدالله صالح لا غير. ومنذ عام 2011 دخلت ليبيا واليمن وسوريا حروبها الاهلية دون توقف. خلال هذه الفترة بقي هادي خماس نائما تحت كتلة جليد القطب الجنوبي وصحا عام 2013 ليعيد قراءة بيانات الكراهية والحقد العروبي الذي اذاعه انقلابيو 8 شباط.

3. بعض الاحداث اثناء عهد عبدالسلام عارف
سأتطرق الى بعض الامور التي اثارها خماس في مذكراته وبطيبعة الحال لن استطيع هنا ان اعالج كل تلك الاحداث مهما كانت معرفتي بها.سأاترك له ولغيره مثلا اظهار دوره في انقلاب 8 شباط.
تبارى هادي خماس وصبحي عبدالحميد في اظهار دورهما في انقلاب 18 تشرين الثاني. صبحي عبدالحميد ادعى في مذكراته ان صديقه ورفيقه آمر كلية الاركان محمد مجيد هو الذي سيطر على معسكر الرشيد. لم يملك محمد مجيد عشرة جنود مسلحين يدافعون عن كليته ناهيك عن السيطرة على معسكر الرشيد ووحداته ومدارسه والقاعدة الجوية. الذي قام بالسيطرة على معسكر الرشيد وطهّر مقرّات الحرس القومي من معسكر الرشيد حتى الباب الشرقي ومنطقة المشتل عمقا هو والدي في حينها العقيد عبدالجبار عبدالكريم وكانت برقيته في تأييد الانقلاب هي الثالثة. من يعرف وظيفة التسلسل في برقيات التأييد يدرك اهميتها. صبحي عبدالحميد كان مديرا للحركات، اي ضابط مكتب، وهادي خماس كان مديرا للاستخبارات العسكرية، اي ضابط مكتب، ايضا وكلاهما كانا في وزارة الدفاع. بعضا من التواضع لن يضر كثيرا. وفي كل الاحوال لم تكن هناك مقاومة تذكر من قبل الحرس القومي حيث هرب معظمهم وتركوا سلاحهم.
قبل الانقلاب بأيام ارسل آمر الانضباط العسكري العقيد سعيد صليبي ضابطا لوالدي ليخبره عن نية عبدالسلام عارف في الانقلاب على البعثيين وطلب منه السيطرة على معسكر الرشيد وكانت قطعات بغداد في حالة انذار (جيم) بعد محاولة منذر الوندواي الانقلابية والصراعات المستعرة داخل حزب البعث. ذهب والدي الى سعيد صليبي ليسأله عن هوية الانقلابيين الآخرين فأخبره بأن من بينهم احمد حسن البكر ورشيد مصلح التكريتي وحردان التكريتي وطاهر يحي التكريتي وآخرين.
كتب هادي خماس وكذلك صبحي عبدالحميد كثيرا عن الخلاف مع عبدالسلام عارف حين قرر اخاه عبدالرحمن نقل اربعة ضباط صغار من الحركيين الى خارج بغداد. حجة محمد مجيد الذي اصبح معاونا لرئيس اركان الجيش وحجة هادي خماس بأن وزارة الدفاع تعمل بنصف الملاك وبأن نقل الضباط الاربعة سيؤدي الى توقف عمل وزارة الدفاع. كان عبدالسلام عارف يدرك ان نقل الضباط الاربعة سيخفف من قدرة الحركيين على الانقلاب عليه ويضعف موقفهم على اي حال. لكن محمد مجيد وهادي خماس اصرّا على رفض امر النقل بل ان هادي خماس قال في الاجتماع مع عبدالسلام عارف (بعد اصرار الاخير على تنفيذ امر النقل) انه يقدم استقالته كمدير للاستخبارات العسكرية وسكرتارية مجلس قيادة الثورة. صرخ به عبدالسلام عارف (تفضل اطلع برّه. الباب توسع جمل). لكن هادي خماس بقي جالسا في الاجتماع بل حضر مأدبة العشاء التي اقامها عبدالسلام عارف مساء نفس اليوم. هل هادي خماس صاحب مبدأ ام يبتز عبدالسلام عارف؟ هو يتشبث بمركزه حتى بعد اهانته ويحضر مأدبة عشاء ليؤكد انه لا يزال يرغب بالاحتفاظ بمنصبه. تعرض هادي خماس للوم على تقبله الاهانة وحضوره مأدبة العشاء، من قبل رفاقه الحركيين واصبح مادة للتندر بين الضباط القوميين عموما.
لم يفكر محمد مجيد ولا هادي خماس بإعادة الضباط الذين احيلوا على التقاعد واعتقلوا بعد انقلاب 8 شباط او حتى انقلاب 18 تشرين ثاني، لم يفكرا في اعادتهم الى الخدمة لسد النقص الخطير في وزارة الدفاع والذي وصل الى النصف. لم يفكرا لأن الغاية هي احتكار السلطة والتخوف من اي تهديد او حتى وجود للضباط الوطنيين ناهيك عن الشيوعيين في الجيش. وهذا هو جوهر القضية. بعد محاولة عارف عبدالرزاق الانقلابية الاولى تم التخلص من الضباط الحركيين سواء بهروبهم الى مصر او اعتقالهم واحالتهم على التقاعد ومع ذلك لم تنهار وزارة الدفاع وتتوقف عن العمل كما يريد هادي خماس وصبحي عبدالحميد ومحمد مجيد ان يقنعونا به. كل ما ارادوه هو الاحتفاظ بمركز القوة للانقضاض على السلطة متى يشاؤون او فرض ارادتهم.
لم ولن تجد لهادي خماس اي ذكر عن عملية استخبارية في اسرائيل. ولن تجد اي نشاط لصبحي عبدالحميد ومحمد مجيد او عارف عبدالرزاق في هذا المجال ولا حتى ابسط الاستعدادات للحرب مع اسرائيل. اترك القارئ ليتأمل في ادعاءات هؤلاء عن تحرير فلسطين والتي لم اجد لها ذكرا في مذكرات الرفيقين عبدالحميد وخماس.

4. محاولة الحركيين الانقلابية الاولى
بعد استقالة حكومة طاهر يحي التكريتي في تشكيلتها الثانية او الثالثة عام 1965، اقنع سعيد صليبي عبدالسلام عارف بأن يعهد بتشكيل الحكومة الى عارف عبدالرزاق وهو صديق لسعيد صليبي وينتمي للواء (محافظة) الرمادي التي ينحدر منها عبدالسلام عارف وسعيد صليبي. كانت احدى الحجج التي اقنع صليبي بها عبدالسلام عارف هو انه بهذه الطريقة يتم ابعاد عارف عبدالرزاق عن مجموعة الضباط الحركيين. شكّل عارف عبدالرزاق الحكومة ووفقا لصديقه ورفيقه عبدالكريم فرحان كان معظم وزرائها اصدقاءً لعارف عبدالرزاق وممن كان يلعب معهم القمار. بعد عشرة ايام غادر عبدالسلام عارف لحضور مؤتمر القمة في الرباط وعهد برئاسة الجمهورية وقيادة القوات المسلحة وكالةً الى عارف عبدالرزاق الذي احتفظ بوزارة الدفاع وقيادة القوة الجوية مع رئاسة الوزارة. عندها اجتمع الضباط الحركيون بعارف عبدالرزاق واقنعوه بالقيام بإنقلاب عسكري لمنع نقل الضباط الاربعة. اي لا وحدة عربية ولا هم يحزنون. كانت العقدة التي يواجهوها هي العقيد سعيد صليبي الذي اصبح ايضا آمرا لموقع بغداد وبهذا كان يسيطر فعليا على جميع الوحدات العسكرية في العاصمة فضلا عن كونه آمرا للانضباط العسكري وهي وحدة مسلحة تسليحا جيدا. كتب هادي خماس وصبحي عبدالحميد وقبلهما عبدالكريم فرحان عن اسباب فشل تلك المحاولة الانقلابية ولن اعيدها هنا. هناك سر لم يعرف هؤلاء به، اخبرت به عبدالكريم فرحان عام 1996 وبعدها بسنوات عارف عبدالرزاق الذي بقي منزعجا مني لأني ذكرت في احدى مقالاتي النكتة التي تداولها العراقيون عنه وهي (قام بإنقلاب على نفسه وفشل).
بعد انقلاب 8 شباط انتقل مقر آمر الانضباط العسكري الى الجانب الآخر واصبح على يمين المدخل الرئيسي لوزارة الدفاع. اما مقر آمر موقع بغداد فكان على يمين المدخل الجانبي لوزارة الدفاع ومن جهة المستشفى الجمهوري (ومدينة الطب). اجتمع المتآمرون مع سعيد صليبي في مقره هذا من دون ان يخبروه بنياتهم. خرج احدهم من الغرفة ليقوم بواجبه في المحاولة الانقلابية لكنه ذهب الى مقر آمر الانضابط العسكري واتصل من هناك بسعيد صليبي واخبره بنية المتآمرين. هذا الضابط صديق مشترك لعارف عبدالرزاق ولسعيد صليبي ولوالدي ولن ابوح بإسمه حاليا رغم اني اخبرت عبدالكريم فرحان وعارف عبالرزاق به. عندها ادرك سعيد صليبي بما يدور خلف ظهره. بإختصار خرج سعيد صليي من مكتب آمر موقع بغداد وذهب الى آمرية الانضباط العسكري وانذر القطعات العسكرية وأفشل المحاولة الانقلابية. قال عارف عبدالرزاق في شهادته على قناة الجزيرة بأنه عرض على سعيد صليبي رئاسة الجمهورية وانه قررالانقلاب على عبدالسلام عارف من اجل الوحدة العربية. وهذا مخالف للحقيقة. عرض رئاسة الوزراء على سعيد صليبي بينما احتفظ عارف عبدالرزاق لنفسه برئاسة الجمهورية. والانقلاب كما يقر الضباط الحركيون كان من اجل منع نقل الضباط الاربعة. لنتوقف هنا ونسأل هل ان نقل اربعة ضباط يستدعي اثارة ازمة مع رئيس الجمهورية ثم الانقلاب عليه؟ هل يؤتمن ضباط بهذه العقلية الصغيرة على امر هام مثل الوحدة العربية؟ وما مدى نجاح وحدة مثل هذه وصمودها امام ازمات عاصفة اذا كان نقل اربعة ضباط يؤدي الى ازمة سياسية حادة وانقلاب عسكري؟
اعتقد ان سعيد صليبي وجد نفسه في موضع حرج اذا ايّد الانقلاب. سيبدو وكأنه سعى لتعيين عارف عبدالرزاق رئيسا للوزراء للاطاحة بعبدالسلام عارف. واذا اصبح رئيسا للوزراء فسيفقد قوته في الجيش ويصبح عرضة للعزل او العوبة بيد الضباط الحركيين. اعطى سعيد صليبي عندها لعارف عبدالرزاق فرصة للهرب.
اخبرني جارنا في مدينة الضباط طه احمد محمد انه كان آمرا لسرب طائرات النقل (المواصلات) عندما اتصل به عارف عبدالرزاق وطلب منه ان يجهّز طائرة على وجه السرعة للذهاب الى القاهرة للالتقاء بالرئيس عبدالسلام عارف لأمر هام. لم يدر بخلد طه احمد محمد اي شك. رئيس الوزراء يريد مقابلة رئيس الجمهورية لأمر هام. قاد طه احمد محمد الطائرة بنفسه الى القاهرة. بعد ان نزل عارف عبدالرزاق من الطائرة وربما رافقه بعض مرافقيه من الحركيين، عرف طه احمد محمد بالخدعة. عندها هرب بالطائرة الى اسبانيا خوفا من ان يُتهم بالمشاركة في المحاولة الانقلابية. عاد طه احمد محمد الى العراق بعد ان طمأنته السلطات العسكرية بأنه ليس من المشاركين ولن يحدث له شئ. هذه القصة اكدها لي عارف عبدالرزاق الذي كنت اتصل به تلفونيا كما اتصل بي هو مرة بعد ان كان مستاءً من مقالة كتبتها.
في الثالثة عشرة من العمر خرجت من البوابة الرئيسية لوزارة الدفاع وطلبت من سائق تاكسي ان يوصلني على عجل الى البيت لأن هناك انقلابا عسكريا. سخر مني سائق التاكسي طوال الطريق. اُعلن رسميا بعد بضعة ساعات فشل المحاولة الانقلابية. ربما سخر سائق التاكسي حينها من نفسه.

5. محاولة الحركيين الانقلابية الثانية
يقول هادي خماس ان الضباط الحركيين قرروا الانقلاب على عبدالرحمن عارف لأنه كان رئيسا ضعيفا. يبدو ان هادي خماس ايضا (فتّاح فال). لم تمر اكثر من ستة اسابيع على تولي عبدالرحمن عارف الرئاسة بعد مقتل اخيه الاصغر منه سنا في حادث سقوط طائرة، (واكرر حادث)، لم تمر اكثر من ستة اسابيع عندما قام الحركيون بمحاولة 30 حزيران 1966 الانقلابية وبعد اقل من يوم واحد من اعلان عبدالرحمن البزاز بيان 29 حزيران عن الادارة المحلية للاكراد وانهاء القتال.
ذكر عارف عبدالرزاق في شهادته على قناة الجزيرة بأنه اخبر السلطات العراقية بعد اعتقاله بأنه جاء تهريبا من مصرعلى موتورسيكل عبر اسرائيل. عندما سأله مقدّم البرنامج عن سبب هذا الادعاء، اجاب عارف عبدالرزاق بأنه قال هذا ليضحك على عقول من في السلطة العراقية. لم يذكر عارف عبدالرزاق في تلك الشهادة كيف دخل العراق ولم تكن له مصلحة في ذلك. اضحك على نفسك عزيزي (ابو رافع). في مركز الوثائق البريطاني هناك برقية من السفير البريطاني في الكويت تذكر ان عارف عبدالرزاق دخل العراق عن طريق الكويت بوثائق مزورة. ليس لدي اي دليل على ان الكويت و بريطانيا حذّرت العراق من عملية تهريب عارف عبدالرزاق هذه. اخبرني عبدالكريم فرحان بأن السبب الرئيسي للمحاولة الانقلابية هو انزعاج عبدالناصر من عبدالرحمن البزاز الذي تولى رئاسة الوزارة والذي زار السعودية وايران ولم يزر مصر اولا كما كان طاهر يحي يفعل. ذكر عارف عبدالرزاق امرا مماثلا في شهادته على قناة الجزيرة. لم يعامل عبدالرحمن البزازعبدالناصر كقائد للامة العربية ولعب بهذا على اوتار نرجسيته.
مع انتهاء السنة الدراسية كنت اذهب مع والدي الى الحبانية حيث اقضي وقتي في السرب السادس (طائرات الهوكر هنتر) واعد نفس مبكرا للالتحاق بكلية الطيران. انتهى الدوام الرسمي يوم الخميس 30 حزيران 1966 في الساعة الواحدة وكان الطريق لا يأخذ اكثر من ساعة واحدة لبيتنا الذي اقمنا فيه لفترة قصيرة في شارع يقابل جامع ام الطبول. لم يبدو لنا ان هناك شيئا مريبا في معسكر ابو غريب. بعد ان وصلنا الى البيت، اوقف والدي السيارة في مدخل البيت المجاور للحديقة الامامية. عندها مرّت طائرة مقاتلة على ارتفاع منخفض. لم يكن هذا معهودا بعد انتهاء الرسمي وعلى هذا الارتفاع المنخفض. حدس والدي ان امرا ما يحدث فصعد والدي فورا الى سطح البيت وصعدت معه. رأينا الطائرة تحوم وتحاول قصف منطقة القصر الجمهوري. قرر والدي العودة مباشرةً الى الحبانية وكان لا يزال يرتدي اللباس العسكري ورفض الحاح والدتي بتناول الغداء اولا. كما فهمت لم يوقفه احد ولم يرَ شيئا مريبا في ابو غريب وهو في طريقه الى الحبانية. بالنسبة لي كان هذا هو الاسبوع الوحيد في ذلك الصيف الذي لم ارافق والدي فيه الى الحبانية.
انتقل عارف عبدالرزاق الى الموصل بعد دخوله العراق وقرر القيام بمحاولته الانقلابية من هناك. قام المشاركين معه بدخول معسكر ابو غريب بمساعدة بعض المتعاونين واذاعوا من مرسلات ابو غريب بياناتهم الانقلابية. بقيَ لواء الحرس الجمهوري بقيادة العقيد الركن بشير الطالب مواليا للرئيس عبدالرحمن عارف وتمكن آمر احد افواجه ابراهيم عبدالرحمن دواد من قطع احد الاسلاك الكهربائية مما ادى الى توقف البث من مرسلات ابو غريب. في معسكر ابو غريب ساد الارتباك لان الضباط الذين يقودون الانقلاب بقوا في بهو الضباط كما اخبرني عبدالكريم فرحان. ومعظمهم كانوا ضباط مكاتب وليسوا ضباط قطعات مثل صبحي عبدالحميد الذي وضع شارة الركن وتبختر. اذاع عبدالرحمن عارف بيانا اعلن فيه سيطرته على الوضع وانحازت له كل القطعات العسكرية. يقول هادي خماس ان الرئيس عارف اذاع بيانه من مرسلات الحرية في سلمان باك. اذاع عبدالرحمن عارف بيانه من اذاعة كانت قد نصبت سابقا في القصر الجمهوري وإن كانت ذات مدىً محدود لكنها ادت الغرض المطلوب منها وهو التأكيد على سيطرة القيادة العراقية على الوضع. لم يرغب الاخوين عارف في ان يضعا انفسهما في نفس وضع عبدالكريم قاسم الذي حوصر في وزارة الدفاع في 8 شباط 1963 ولم يتمكن من خلال الاذاعة على تأكيد وجوده حيا بعد اعلان مقتله او سيطرته على الوضع. غريب امر هادي خماس. في الرابعة عشرة من العمر كنت اعرف بوجود هذه الاذاعة في القصر الجمهوري ومدير الاستخبارات لا يعرف بها؟ لا هوايه راح يحرر فلسطين ويحقق الوحدة العربية.
في الموصل اقنع عارف عبدالرزاق قائد الفرقة الرابعة يونس عطار باشي بالمشاركة في الانقلاب عندما عرض عليه منصب رئاسة اركان الجيش. وهنا نسال ما هي مبادئ الانقلابيين هذه؟ هل هي فعلا الوحدة العربية؟ عارف عبدالرزاق يعرض رئاسة الوزراء على سعيد صليبي في المحاولة الاولى ورئاسة الاركان على يونس عطار باشي في المحاولة الثانية. تم اعتقال المشاركين في المحاولة الانقلابية ومنهم عطار باشي وهرب العديد ومنهم هادي خماس.

6. الشعوبية والعروبية
استخدم هادي خماس في مذكراته تهمة الشعوبية وبإفراط ضد عبدالكريم قاسم والوطنيين والشيوعيين. هذه التهمة المشحونة بالكراهية كانت بمثابة رصاصة فكرية تصيب الضحية بالشلل وتضعه في موضع الدفاع عن النفس. هذه التهمة استخدمها البعثي ـ عروبيون ضد الشيوعيين، والاكراد والشيعة وكل من ناصبوه العداء.
اصل هذه التهمة هو المفاضلة بين العرب والفرس في فجر الاسلام حيث اعتبر الفرس انهم افضل من العرب وفقا للآية القرآنية (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا). هذه الآية القرآنية اعطت للفرس حجة للادعاء بأن الفرس افضل عند الله لأنهم شعب بينما كان العرب قبائلا لان كلمة (شعوب) سبقت كلمة (قبائل). وهذا هو مصدر اتهامهم بـ (الشعوبية) واصل الكلمة. لست هنا في مراجعة للتاريخ العربي القديم لكن حتى الجاحظ وهو محامي الدفاع الاول عن العرب يذكر ان العربي لم يملك ما يتفاخر به سوى نسبه والشعر وكانت ملابس العرب رثة على عكس ملابس الفرس الجملية والملونة. إن اي باحث في التأريخ سيجد ان الفرس امتلكوا حضارة عريقة نافست الحضارات البابلية والاغريقية بينما كان عرب الصحراء بدون حضارة تذكر وليس في هذا عيب. كل الحضارات تطورت بالتدريج واخذت من غيرها من الحضارات التي سبقتها بما فيها ما اخذه العرب من الحضارة الفارسية اثناء عهد الخلفاء الراشدين والدولة الاموية.
إن كل من يعتقد بوجود شعب عربي هو (شعوبي) بحكم الآية القرآنية، شاء ام ابى. والطريف المضحك ان كل عروبي، وفي هذه الحالة هادي خماس نفسه، يبدأ مذكراته بذكر نسبه العشائري. بمعنىً آخر، انه يُقر بأن العرب قبائل وليس شعبا ويؤيد الفرس في ادعائهم بالافضلية على العرب، اي كون الفرس شعبا والعرب قبائل. الجهل آفة في عقول العروبيين فهم يستخدمون تعابير لا يفهمون معناها واصلها وهذه مصيبة تصاحب كل من يفكر بالعاطفة وليس بالعقل.
في عهد عبدالكريم قاسم نشر العروبي عبدالعزيز الدوري كتابه المعروف عن الشعوبية والذي اصبح قرآنا للعروبيين والبعثيين ضد خصومهم. في مقابلة تلفزيونية قبل وفاته اواسط تسعينيات القرن العشرين، نفى عبدالعزيز الدوري ان يكون كتابه هذا ذا مغزىً سياسي وإنما كان ذا مغزىً حضاري. لم يعد هناك حاجة لإستخدام الشعوبية ضد احد بعد التصفية الدموية للشيوعيين وسيطرة العروبيين على السلطة وابناء طائفته وسكان منطقته على الحكم في العراق. وربما راجع عبدالعزيز الدوري نفسه ونظر الى اوضاع المنطقة بعد ان وقعت مصر العروبة اتفاقية سلام مع اسرائيل وخذلت الفلسطينيين والعرب، ووقع الاردن حيث كان يعمل، اتفاقية سلام مع اسرائيل بينما كانت ايران ‘الشعوبية الفارسية المجوسية الصفوية’ كما يبتدع العروبيين لها من مسميّات، كانت تدعم الفلسطينيين وضد الاعتراف بالكيان الصهيوني. لو عاش عبدالعزيز الدوري لهذا اليوم ورأى كيف يتراكض عرب الصحراء ‘الاقحاح’ للجلوس في حضن نتن ياهو، لقلب مفاهيمه على رأسها واصبحت العروبية هي التهمة المشحونة!

7. التنظيمات العروبية
عندما تقرأ مذكرات العروبيين تجد عدة تنظيمات عروبية وتجد تباهيهم بالجماهير التي كانت تتبعهم ويستشهدون بالمظاهرات التي كانت تخرج لدعمهم. دعني اولا ابدأ بالمظاهرات وانا احد المشاركين او المحرضين عليها. لم تكن بحاجة للقيام بإضراب او مظاهرة سوى الوقوف امام باب المدرسة قبل بدأ الدوام وإخبار القادمين من الطلاب بأن هناك اضرابا او مظاهرة. كان بعض الطلاب يعودون خوفا الى بيوتهم لكن الغالبية كانت تشارك ولسبب وحيد هو التهرب من الدروس. هذا ينطبق على 99,9% من المتظاهرين والمضربين. لا اتذكر مرة ان الطلاب تلقوا توبيخا من المدير او المدرسين، ربما كان هؤلاء ايضا سعداء لعدم وجود دوام رسمي. وفي حالة المظاهرات التي كانت تخرج ترحيبا بالزوار الاجانب فكانت تخرج بقرار فردي من مدير المدرسة او كانت تخرج عفويةً.
ستجد في مذكرات هادي خماس وصبحي عبدالحميد ان التنظيمات العروبية كانت تتصارع فيما بينها على المناصب ويخربون توزير بعضهم البعض حسدا او كراهية. اذا كان هؤلاء يتصارعون على المناصب ومنهم هشام الشاوي ويخربون توزير بعضهم البعض فهل يمكن ائتمان هؤلاء على قضية مهمة مثل الوحدة؟ ولماذا كانت هناك حاجة لعشرين تنظيما عروبيا وحدويا اذا كان هدفها كلها واحداً؟
لتقدير حجم وتأثير هذه النظيمات التي كانت تلعلع بصراخها دعني انقل ما ذكره لي فاضل العسّاف الذي اصبح مديرا للشرطة العام بعد انقلاب 1968. يقول في عام 1969 جاء الى مكتبه هشام الشاوي وقال له ان تنظيمه يؤمن الآن بأن (الثورة اصبحت في ايدٍ امينة) وان تنظيمه قرر حل نفسه وسلّمه قائمة من ثمانية أسماء لاعضاء التنظيم ومنهم بوّاب (فرّاش) الكلية التي كان الشاوي عميدها. أضاف الشاوي قائلا ان جهاز الرونيو الذي كان يطبعون به مناشيرهم موجود في صندوق سيارته امام المبنى. يضيف العسّاف قائلا بأنه اتصل تلفونيا بأحمد حسن البكر وقال له ان هشام الشاوي موجود في مكتبه وذكر له ما قاله الشاوي وطلب منه كيفية التعامل مع الموضوع. قال له البكر (اُخذ جهاز الرونيو منّه وخلّيه يرجع لبيته). وهذا ما حدث. هذه هي قوة التنظيمات العروبية وجماهيرها. وبالطبع لم يؤمن هشام الشاوي بأن (الثورة اصبحت في ايدٍ امينة) لكنه جاء خائفا مرتعدا لأن استمرار نشاط تنظيمه كان يعني شنقه في ساحة التحرير بتهمة التجسس كما كما كان يحدث لمعارضي النظام البعثي. اما التوزير الذي كان يطمع به فقد حصل عليه بعد اربع سنوات في عهد البكر ولاحقا في عهد صدام.

8. هل الهروبية رديف للعروبية؟
لم يذكر هادي خماس اي نقطة ايجابية عن عبدالكريم بل ان مذكراته مليئة بالكراهية له وفي ملاحظة عابرة ذكر ان عبدالكريم قاسم رفض عصب عينيه عند ‘اعدامه’. هذه ليست اخلاق العسكر مستر هادي خماس. العسكر الخاسرون يهنؤون المنتصر ويعترفون بشراسة المهزوم ودفاعه. فضلا عن ان هناك الكثير من خصال عبدالكريم قاسم النبيلة والتي كانت منها معاملته الحسنة لهادي خماس وجماعته. قاتل عبدالكريم قاسم قاتل ليوم واكثر قبل ان يستسلم. وهادي خماس نفسه وضع يده على رتبة عبدالكريم قاسم بعد استسلامه وقال خوفا من ان تنقلب الامور عليه (بس لا يصيح فد جندي ماكو زعيم إلا كريم). ربما كان هناك سبب آخر لكتابات هادي خماس السيئة هذه.
في مقابلة صحفية مباشرة بعد انقلاب 8 شباط قال عارف عبدالرزاق انه كان يجب على عبدالكريم قاسم ان ينتحر بدلا من مواجهة ‘الاعدام’. عارف عبدالرزاق لم ينتحر عندما فشلت محاولته الانقلابية الاولى بل هرب الى مصر. ولم ينتحر بعد فشل محاولته الانقلابية الثانية بل قُبض عليه في الموصل واقتيد الى سجن لواء الحرس الجمهوري، سجنا كان مخصصا لمعاقبة الجنود الذين يأتون متأخرين لعملهم، ونشرت الصحف صورة مُذلّة لعارف عبدالرزاق ومن قُبض عليه من جماعته وهم يجلسون على ارضية السجن. هادي خماس هو الآخر هرب بعد فشل المحاولتين الانقلابيتين. هرب منذر الوندواي بعد فشل محاولته الانقلابية وقبله تم تسفير على صالح السعدي وحازم جواد الى خارج العراق دون مقاومة.
بعد محاولة اغتيال الزعيم في تشرين اول 1959 هرب صدام التكريتي وحازم جواد وغيرهما الى سوريا. وبعد غزو 2003 هرب صدام واختبأ في حفرة الجرذي وكان عليه الانتحار حفظا لكرامة المنصب إن لم يكن لكرامته الشخصية وهو يصرخ من الاذى حين وضع الجندي الاميركي ركبته على ظهره وربط يديه.
ادعى امين الحافظ في في شهادته على الجزيرة بأنه سيحارب اميركا (بالبارودة) اي بالبندقية. بعد الغزو الامريكي للعراق في 2003، هرب امين الحافظ الى الحدود السورية وبقي هناك لأيام يتوسل بشار الاسد بالسماح له بالعودة لسوريا. تكرّم عليه بشار الاسد بهذا حيث دخلها ومات هناك من دون (بارودة).
ورغم كل الدعاية العروبية الزائفة فقد وافق فيصل وحكومته بعد اعلانه ملكا على سوريا، وافق على قبول الانذار الذي وجهه له الجنرال غورو بقبول سيطرة فرنسا على سوريا. لكن غورو استمر في التوجه الى دمشق محتجّاً بأن البرقية التي أرسلها فيصل بقبوله الإنذار الفرنسي، لم تصل بسبب انقطاع أسلاك البرق من قبل العصابات السورية. اصبح عندها فيصل مجبرا على الدفاع وارسل وزير دفاعه يوسف العظمة الذي استشهد في ميسلون دفاعا عن دمشق. بينما كان يوسف العظمة يقاتل، هرب فيصل ونوري السعيد وصحبهما من العروبيين الى حلب ومنها الى تركيا. ولم تكن هذه المرة الوحيدة التي هرب فيها نوري السعيد. هرب ايضا بعد انقلاب بكر صدقي وهرب بعد انقلاب العقداء الاربعة وهرب من بيته في 14 تموز. ايضا هرب عبدالاله الى بارجة بريطانية في الخليج بعد سيطرة العقداء الاربعة رغم انه لم يكن مهددا.
اما العقداء الاربعة فقد هربوا بعد الاحتلال البريطاني الثاني. وكذلك هرب رشيد عالي الكيلاني. ثلاثة من العقداء هربوا الى ايران التي سلمتهم بعد الاحتلال البريطاني ـ السوفيتي لإيران اثناء الحرب العالمية الثانية. اما العقيد صلاح الصباغ فبقي في سوريا حتى نهاية الحرب الثانية وسقوط حكومة فيشي المتعاونة مع النازيين وعودة السيطرة الفرنسية الفعلية على سوريا. اُعدم العقداء الاربعة وتم تعليق جثثهم على بوابة وزارة الدفاع في جريمة بشعة دفع عبدالاله ونوري السعيد ثمنها على ايدي الشعب بعد ثورة 14 تموز. ربما دفعت هذه الامور بهادي خماس الى عدم الاشارة الى معركة وزارة الدفاع وبسالة الدفاع عنها.
يشكو هادي خماس من الاوضاع المالية الصعبة التي عاني منها عند حجز امواله المنقولة وغير المنقولة بعد فشل المحاولتين الانقلابيتين. هل فكّر في الآخرين الذي قام انقلابيو 8 شباط بحجز اموالهم المنقولة وغير المنقولة للمئات ومنهم حامد قاسم والتي لم تُعد له؟ هل فكّر بأوضاع عوائلهم المالية والمعاناة التي مرّوا بها؟ هادي خماس يشكو من التعذيب الذي تعرض له في قصر النهاية بعد عودته الى العراق في بداية السبعينيات. هل فكّر في التعذيب الذي مورس بحق الشيوعيين والوطنيين بعد انقلاب 8 شباط؟ لا ذكر لهذا وذاك ولا تأنيب ضمير. ثم يذكر هادي في نهاية مذاكرته مقابلته لصدام بعد الافراج عنه من السجن. قدّم لصدام النصيحة بتحسين الاجهزة الامنية لأنها تسيئ لنظام البعث بسلوكها الوحشي مع المعتقلين. يا لها من نصيحة اقتاد بها صدام!! اي نكتة اسوأ من هذه؟

9. الشيوعيون ولعبة الحمل الوديع
يحلو للشيوعيين ان يلعبوا دور الضحية والحمل الوديع وليس آخرها ادعاء احدهم في مقالة مطبوعة بأن مدير الامن العام عبدالمجيد جليل لفّق تهمة جرائم كركوك بالشيوعيين. اقول لهذا الشخص انه لا يعرف شيئا وعليه متابعة ما اكتب. انا اعرف بالضبط كيف تم ايصال خبر جرائم كركوك وصورها الى الزعيم واعرف الضابط الذي قام بذلك وكان قريبا من الزعيم ولن افصح عن اسمه الآن كي لا يقوم احدهم بتلفيق قصة ضده. اسماء مقترفي جرائم كركوك معروفة ومنشورة وتم القبض عليهم، وتمت محاكمتهم وحكم عليهم بالاعدام في عهد الزعيم الذي كعادته لم ينفذ حكم الاعدام. قام انقلابيو 8 شباط في خرق قانوني واضح بإعادة محاكمتهم وحكم عليهم بالاعدام الذي نُفّذ بسرعة بهم. اثناء اعتقال عزيز الحاج في قصر النهاية عام 1969 اعترف احد شيوعي كركوك بأن الاكراد الشيوعيين لم يتصرفوا كأمميين بل تصرفوا كشوفينيين. نشر عزيز الحاج هذا في احد كتبه واكده لي شخصيا.
لم ينقلب عبدالكريم قاسم على الشيوعيين بين ليلة وضحاها. كان الشيوعيون يهددون خصومهم بحبال السحل وطلبوا (في مقالة منشورة في صحفهم) من وفد رسمي يزور الصين ان يدعو الصينيين لممارستها كعقوبة ثورية. ولم تتوقف الامور عند هذا الحد بل قام اعضاء من المقاومة الشعبية بإيقاف السيارة الرسمية لرئيس اركان الجيش والحاكم العسكري العام احمد صالح العبدي ولم يسمحوا له بالمرور من دون ان يظهر لهم هويته. كان استفزاز الشيوعيين لرجال الدين مستمرا. ثم جاءت محكمة عبدالرحمن القصاب ومجازر الموصل وتبعها مجازر كركوك وبين الاثنين المحاولة الانقلابية ليلة 9 / 10 حزيران 1959 والتي اعرف ايضا كيف تم بإيصال الخبر الى الزعيم. كل المساوئ التي تُلقى على الزعيم حتى اليوم قام بها الشيوعيون وهم مدعوون اكثر من اي وقت مضى للاعتراف بها. عوائل ضحايا مجازر الموصل وكركوك تعرف من اقترف تلك المجازر. هذا لا يبرر ولا يجوز ان يبرر ابدا المجازر التي اقترفها البعثيون بحق الشيوعيين. كل شئ بحقه.

10. المراجعة واجبة على الجميع
دعني ابدأ بنفسي. في بداية السبعينيات كنت افرح لكل عملية قام بها الجيش الياباني الاحمر او الالوية الايطالية الحمر او كتلة الجيش الاحمر التي تعرف بـ (بادرـ ماينهوف). في فترة لاحقة غيّرت رأيي ووصلت الى قناعة بأنها مجموعات ارهابية. ورغم اني لم اؤيد خطف الطائرات في البداية لكني بعد ان حوصرت لشهرين في مخيم تل الزعتر الفلسطيني في بيروت وإطلعت على احوال الفلسطينيين فيه، لم اتردد في تأييد اي عملية قام بها الفلسطينيون. احدى المرات دعوت للعشاء في بيتي احد زملائي الهولنديين وكان من اقصى اليسار. ما ان فتحنا التلفزيون ورد خبر لعمليتان قامت بهما جماعة ابو نضال في فيينا وزيورخ حيث قُتل فيها مسافرين بالعشرات. كنت اقفز من الفرح فقام زميلي من كرسيه ومسكني بشدة من كتفيَّ كي لا يرتطم رأسي بالسقف ولا زلت اتذكر حتى اللحظة نظرة الدهشة المرعبة في عينيه ازاء تصرفي الغبي ذاك. بعد ثلاثة اعوام كنت اتابع اخبار تفجير الطائرة المدنية فوق لوكربي. كانت هناك حقيبة معلّقة على شجرة. بقيت هذه الحقيبة تقض مضجعي الى ان وعيت بأن تصرفاتي كانت مبنية على حقد وكراهية ولم تكن اخلاقية بالمرة. عندها شعرت بالخجل من تصرفي امام زميلي عند هجومي فيينا وزيورخ.
قام صدام التكريتي في عام 1995 اي قبل 18 عام من نشر هادي خماس لمذكراته، قام بمراجعة نقدية لسلوك البعثيين والقوميين تجاه عبدالكريم قاسم. ذكرت هذا في مقالتي (دواعش 1963) وفيها رابط التسجيل الذي تحدث فيه صدام. لم يكن صدام من الذين يقبلون النقد وهو شخص دموي اجرامي النزعة وذو تعليم محدود نشأ في بيئة قروية بسيطة. لا بد ان اعطي نقطة لصدام في قدرته على النظر الى تأريخنا والاعتراف بالخطأ الفادح الذي اقترفه البعثيون والقوميون ضد عبدالكريم قاسم.
كلنا مدعوون لمراجعة افعالنا وتصرفاتنا خصوصا الشيوعيون الذين تصرفوا بهمجية وبربرية وكذلك البعثيون الذين تصرفوا بأساليبٍ اسوأ وينطبق هذا على القوميين العرب الذين ملأ الحقد والكراهية قلوبهم وكذلك القوميين الاكراد الذين طعنوا ثورة 14 تموز وطعنوا الزعيم الذي اعطاهم حقوقهم ورحب بعودتهم رغم معادة القوميين لهذا. ليس هناك احد اكبر من الاعتراف بالخطأ.

11. ملاحظة شخصية
يقوم البعض بالنقل عني او نقل افكاري من دون ذكر المصدر. انا اكتب كي اعالج قضية في غاية الاهمية وهي لا تخص عبدالكريم قاسم وإنما المأساة التي وصل اليها العراق. هذه ليست قضية حب ظهور او قضية نرجسة او احراز نقاط ضد شخص او تيار. اتمنى على هؤلاء ان يلتزموا على الاقل بالامانة الادبية خصوصا وهم لا يمتلكون القدرات والمعلومات التي امتلكها.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,093,075
- مستوى حكام العراق منذ 1968
- العبرة بين بيع الاوهام والاكاذيب والحقيقة
- يان (يوهانس) آرتس استاذ الديناميكية التبولوجية في دلفت
- الدكتور لو
- الذكرى الستون لثورة 14 تموز
- مصيبة مصائب العراقيين بهؤلاء
- توضيحات عن ما كتبه الصحفي عبدالستار البيضاني عن الزعيم عبدال ...
- 8 شباط 1963 جرحٌ لا يندمل
- الشفاء من عند الله والرزق من عند الله وكيف تقتل عقلك
- المحاضرة الاخيرة
- بعض الخرافات الدينية: تعال فهّم حجي احمد اغا
- الحرب النووية الكورية بين احمقين
- حسن العلوي في « خطى » نحو الوراء
- بين عالمين: التنظيم والفوضى على رابطين على اليوتيوب
- دواعش 1963 ومذكراتهم ولماذا يجب محاكمتهم
- فرحة بعض الشيوعيين العراقين وبعض اليساريين العرب بفوز ترمب، ...


المزيد.....




- موقع عبري يكشف عن مخاوف بلاده المستقبلية
- واشنطن ترحل سودانيا دين في تفجيرات 1996
- -ثورة الواتساب- المفتوحة على كل الاحتمالات
- الاحتجاجات في لبنان لا تشبه ما سبقها
- Choosing Good Organic Chemistry Introduction
- Choosing Top Dissertation Writing Services Is Simple
- Buy Dissertations Reviews & Tips
- What You Should Do to Find Out About Mm in Chemistry Before ...
- What’s Really Going on with Sleep Science
- Never Before Told Stories on Best Thesis Paper Writing Servi ...


المزيد.....

- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء الدين الظاهر - بائس من زمن البائسين، هادي خماس ومذكراته