أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم اللامي - نقد مسرحي/مازال فك الحمار محمولا















المزيد.....


نقد مسرحي/مازال فك الحمار محمولا


كاظم اللامي

الحوار المتمدن-العدد: 6109 - 2019 / 1 / 9 - 05:42
المحور: الادب والفن
    


مقالة نقدية للعرض المسرحي
(مازال فك الحمار محمولا)
كاظم نعمة اللامي
مقدمة
العرض المسرحي بعمومه ومنها هذا العرض الذي نحن بصدد تحليله هو حدث ثقافي متعدد الثمار يتجاوز اطار الخشبة دائما لتحط رحاله بين كراسي النظارة لما حوته من دروس قيمية معرفية غايتها بث الكمال في المتلقي ونيل الخلود مع تجاوزها حدود هذه البناية المسماة المسرح الى الواقع المرئي المعاش كثقافة عامة لها القدرة على احداث التغيير المنهجي والسلوكي والفكري.. هكذا عروض قبل كل شيء غايتها الاولى خلق جمهور متحضر انيق التلقي يهتم بالتوعية الاجتماعية والسياسية متعلما الرفض لقوى الظلام المحلي والعالمي بأسلوب مقارب لمسرح القسوة في تجلياته الفكرية ومحايثاته التطبيقية.
النبش في المومياء حرام الا في الآداب والفنون.. فهو نبش عن المسكوت عنه، وهو طريق لكشف الحقائق بمتعة رائدها ونجمها الاوحد هو التلقي المعرفي. وهذا ما درج عليه العميدي مسرحيا بتناوله شخصيات اسطورية، او تاريخية برمزية مشعة بالدلالات. مستثمرا هذا الجواز باستنهاض تلك الشخصيات الفاعلة من سباتها، ودعوتها لمشاركتنا حياةً واقعية نعيش فصولها كل حين، مع تمريره لثيمات متعددة هي تلخيص لما يعتمل صدره.. بل هو موقفه الصريح من ما يجري مسطرا اياه على خشبة المسرح بكل شجاعة ومسؤولية. وتحقيق ذلك يتأتى من خلال استنطاق الماضي وكأن العميدي يجري لقاءً صحفيا مع اساطيره بسؤاله الجوهري ما رأيكم بما نمر به.. او استنطاق تحقيقي وسط محكمة لا تهادن.. تراجع مواقف تلك الاساطير بطريقة الترشيح والتقطير .. لننتهي بصورة مكعبة تحمل عدة صور، عدة علامات، عدة رؤى، عدة مواقف تجمعها المتعة والجمال. معلنا عن نفسه اي العميدي مؤلفا ومخرجا يشار له بالبنان فهو المستحوذ الطقسي الغنائي الساحر.. ووفقا لمغامراته المحفوفة المخاطر فهو يبدو ضاربا بعرض الحائط اي محاكمة انفعالية استفزازية له من ورثة الفكر والنسب لتلك الشخصيات باتهامه الواضح بجريمة نبش المومياوات وتجريدها من اكفانها وتهميش قدسيتها لأنه مؤمن بكشف الحقائق واسقاطها على الواقع بعملية جراحية مشرطها الاحتراف والمهنية والانصاف.. وهذا امر طبيعي تماشى مع عقيدته وهيئته الراسخة بأن لا سلطة تعلو فوق سلطة المسرح.
العنوان
بدءً ننطلق من العتبة الأولى التي ينفذ منها المتلقِ الى اجواء العمل والغوص في احداثها ألا وهي عتبة العنوان. فهو اي العنوان جزء لا يتجزأ من العمل برمته.. حتى ان البعض عده ملكية فكرية لا يجوز تجاوزها او التجاوز عليها بتوأمة او ما شابه في اعمال اخرى والا اتهم بالسرقة وليس بالتناص. كما انه يأتي تلميحا دلاليا يشي بنوع استخباراتي منتج من عملية ارسالية بتسريب المعلومات المقننة لغايات سيميائية هدفها تفكيكي يخدم المتلقي في نيله المعرفة بنفسه واين يضع قدمه المكتشِفة في هذه الرحلة الغامضة من عمر العرض.
يقول (امبرتو ايكو) العنوان قاعدة .. عليها ان ترن دائما وتخلخل الافكار لدى المتلقي حسب معرفته وثقافته ، حيث يتباين افق التوقع من انسان لآخر.
((مازالَ فك الحمارِ محمولاً))
في هذا العنوان الغامض للوهلة الاولى هناك الكثير من الاضاءات الانثربولوجية والميثولوجية والسيسيولوجية نجدها ماكثة في طياته والتي تساعد المتلقي في فهم العرض وتحليل مبانيه وكشف بؤره وغاياته ما إن نغوص عميقا في تلقي الاحداث وخاصة عندما يرد اسم هابيل فيحيلنا العرض على موقعة تاريخية انسانية شارحا كيفية قتْلِ قابيلٍ لهابيلٍ بفك حمار نافق.. ووفقا للنقل التاريخي المقروء لنا او ما نقلته لنا الإحفوريات القديمة المتوارثة نجد ان اللغط والمواربة والغموض يكمن في تحديد حقيقة مرجعية فك الحمار ومن هنا يتكشف لنا البعد الميثيولوجي والانثربولوجي في طبيعة العنوان وتفكيك غاياته بتأصيل هوية العرض شرط ان يكون المتلقي واعيا عارفا فاهما قصة هابيل وقابيل وملما بحيثيات الجريمة .. اما البعد السيسيولوجي وكما نعتقد ونرى وجدناه يكمن في حقيقة عاشها الجميع وعرف طبيعتها بخصوص فك الحمار او فك الخراف التي تلبست البعض ممن يريد ان يمارس دورا شريرا في الحياة بتبني صورة وهمية من حمله سلاحا فتاكا. ففك الحمار او الخروف يشبه بشكل او بأخر التشكيل الهندسي للمسدس والذي يعطي الانطباع بالعدوانية والرغبة في الحرب كما لمسناه في طفولتنا وشبابنا بمحاولة البعض لإثارة الرعب في الاخرين بوضع فك الخروف او الحمار تحت طيات ثيابهم ليبدو كمسدس يرهب الناس به وهي من عادات عديمي الثقة بأنفسهم وهم فعلا مازالوا يسودون بكثرة مع تغير الحكام والسياسات فتراهم يتوالدون بتناسخ عجيب.. وهذا الفك الموبوء يقارب طبيعة فك الحمار المستخدم في قتل هابيل حيث نتلمس في كلتا الصورتين تحذيرا من ان الشر مازال سائدا نتيجة لسيادة قوى الظلام، كما ان حامله قد يكون جبانا رعديدا وهو كذلك بالفعل لان غاياته لا تناسب الشجاع الشريف فهوية هذا الفك وتأريخه تشي بالانحدار الاخلاقي المقيت .. كما ان لفظ الحمل للفك هو تبيان الاستعداد الكامل لصاحب الفك واستمراءه واستمراره بفعل الشر وبالتالي هي رسالة من قبل العميدي ورفاقه من خلال العنوان كما قلنا بسيادة قوى الظلام الظالمة الجبانة المحرضة قبلا وبعدا على تبني استمرارية الحمل للسلاح الجبان للنيل من الكيانات المستقيمة.
ثيمة العرض الفكرية
مع فتح الستارة اطل علينا رجل عربي محلي انتصب في وسط مقدمة المسرح وانتزع عباءته وفرشها امام الجمهور بإيحاء رمزي مهم بان ما ستشاهدونه عراقي خالص المعاني سأقصه عليكم بطريقتي الخاصة هذا من جهة مع اشارة الى ان هذا العرض هو حكاية سأسردها عليكم ربما مرت عليكم كحكاية من الماضي او انها حكاية توقعات مستقبلية ستفاجئكم نهايتها. ثم في الختام عاد الرجل نفسه فارتدى عباءته من جديد وخرج مما يعني ان الحكاية ستنتهي هناك عند يقظة كلكامش ومبادئه.
انطلق الصراع الكلاسيكي المعتاد بين معسكري الوجود الانساني معسكر ألف ومعسكر باء الماشيان بسرعة قطار باتجاه شهوة الحياة بتفعيل الثنائيات المتضادة .. الخير والشر، القوة والضعف، الحرب والسلام، الخلود والعدم، الرجاء واليأس، النصر والهزيمة بمقتربات رمزية لها سطوة في الذاكرة الجمعية التاريخية اجتمعت فيها كل هذه الثنائيات حيث تبنى كلكامش الاسطوري الموغل بالقدم بمعية كل رموز الحق والخير والايجابية المعسكر الف.. وتبنى ومثّل الغريب الحقيقي الواقعي الموشى بالغموض الواضح فكرا وسلوكا الماكث بقوة في حيثيات الحياة المعاشة المعسكر باء. لذلك اطلت علينا بيئة العمل بوجود شخصيات تحيلنا لزمن معين قرأنا احداثه على صفحات الورق تمثل بكلكامش الرمز العلوي السماوي الذي كما اسلفنا تبنى الخير سيرة بمواجهة رمز متسافل واطيء تبنى الشر سيرة تمثل بشخصية حداثوية بل ما بعد الحداثوية شخصية معاصرة ترتدي البدلة الحديثة كزي مفجر لعلامات قصدية.. فقد قرأنا عنها وعشنا تفصيلات تسافلها وهي اشارة الى الشيطان الاكبر والقوى الاستعمارية الممتهنة سيرة القمل في امتصاص دماء الشعوب. وقد احسن الكاتب في ادارة هذا الصراع من خلال قفزة اتت كقوة تحويل استثنائية انتجت تشنجا هدفه ايقاظ الجمهور مفاد هذه القفزة ان هناك من ينفخ في الرماد وهو تحرير وايقاظ الغريب لمومياوات قوى الشر والضلالة التي تصدرت واجهتها شخصيات انتحلتها شخصيات اسطورية اخرى تناسب فعلها الموغل في الانتهاك الا وهي شخصيتا (قابيل) و(خمبابة) اللتان اصبحتا بحركة بسيطة لكنها حذرة من قبل الرجل الغريب ادوات طيعة بيده في محاولة الاستئثار بعشبة الخلود التي فقدها كلكامش على يد الافعى رمز الشر الذي يترحم الناس على زمنها الاقل شرا من زمن الغريب الذي سرق تلك العشبة منها وهي اشارة الى زمنين عاشهما العراقيون زمن الطغيان الصدامي وزمن قادة ما بعد 2003الذين احرقوا الاخضر واليابس فجميعهم اي الازمان الاربعة متهم بالسرقة والاستطالة الطاغية مع اشارة خفية من قبل الكاتب بسذاجة الخير والحق المتمثل بكلكامش بتهاونه مع الافعى سلفا .. مع تأطير هذه الشخصية التي تنعقد عليها الآمال بالخلاص من الغريب بالسبات المطلق الذي اكده اطلاق حرية عناصر الشر قابيل وخمبابة دون ضجة او معوقات من كلكامش ورفاقه.. وكما ورد في المثل الشعبي المصري .. "قال يا فرعون إيه اللى فرعنك؟ قال ملقتش حد يلمنى" . لكن حقيقة الاشياء تقول غير ذلك من خلال انفجار خطوط الصراع الذي اداره المخرج معلنا عن مسرح تشكيلي اعتمد على قدرة السحر والميتافيزيقيا باستخدام ادوات تمثلت بالهدوء المرافق لكلكامش هدوء الواثق المعتد بنفسه وقدراته، بالعكس من التشنج الراسخ في الفعل لدى الغريب.. مع تلازم ثنائية العلو والانخفاض في مواقع المركزين.. وكذلك باستدراج الشخصيات الاسطورية لإفراغ ما بداخلها من هواجس تعكس التضاد الذي انبثقت منه كل المواقف الحادثة بعد تحرير قابيل وخمبابة، فضلا عن العربة المزودة بالسلالم والالواح الخشبية التي اججت الصراع بجمالية كبيرة مع وسائل الهجوم والدفاع اليدوي التي امتلكها الجميع ، حيث تأكد ما سبق بتنشيط المنشأ الحركي للأجساد بتثوير الملكات الفيزيقية الجسدية للممثلين....بمخيلـة فاعلة تفسيرية وتأويلة لجميع الصور الكامنة والجلية للعرض وقد اثرى الصراع العام والدفع به نحو الذروة بشكل متسلسل انسيابي هو تلك الوسائل الحوارية المشعة بفلسفة وان بدت كامنة الا انها اتت اكلها بدعم العرض من خلال المكونات السيميائية للصورة المسرحية عامة على مستوى البنية والدلالة والوظيفة مع ايقاظ للمتلقي تأكد من خلال التفاعل داخل صالة العرض.
الغريب: (العشبةُ لي/بحثت عن الأفعى ولاعبتُـــها وسرقــتُ العشــبةَ منهــــا/ وها أنا ذا أبدلُ جلدي من يومها/ إذْ ليس هنــاك مــنْ هــو أحـــقُّ مني بالخلـــود (باستهزاء) كلكامش/ كلماتٌ سُطِّرت على لوحاتٍ طينيةٍ زائلة).وعند محاججة كلكامش بانه ورفاقه يبحثون عن السلام رد عليه بإدانة ربما تكون مقبولة من جهة احتجاجية وتحسب للغريب.
الغريب: أيُّ حكمــةٍ وأيُّ ســلام؟ أتقتــلُ خمبابـا الحارسَ الأمين وتدَّعي الســـلام؟ أتلومُ قابيـلَ الرقيق.. وتدَّعي الحكمةَ والسلام؟ أتقتلُ الثورَ السماويَّ الذي خلقته الآلهة وتدَّعي الإيمان؟
كلكامش: لا عودةَ لطريق الصواب، فطريقُ الحقدِ والحسدِ تمَّتْ برمجتها ثانيةً.
هنا اشارة واضحة لحصر ابجديات الغريب بأمريكا والقوى الاستعمارية في أوربا حيث وردت كلمة برمجة بقصدية وغائية واضحة وهي كلمة حديثة ملازمة للتطور التكنلوجي في هذه الدول المعروفة بإدارتها الازمات في العالم وهو اعلان واضح من قبل كلكامش بان ما يجري من عولمة بخلق سيناريوهات القلق العالمي مبرمج لها وفق قاعدة تكنلوجية دقيقة متقدمة تعكس جهد الاف السنين. وفي هذا الحوار ما يؤكد ما ذهبنا اليه...
قابيل: وأنا سأنفذُ ما تأمرني به على أنْ يشفى غليلي.
الغريب: برمجتُك ستعطيك ما تريد. اجمع فكـوكَ الحمير/ فقد آن أوانُـها.
هذا هو اتجاه البرمجة القاضي بتفعيل الحمل للفكوك وملء العالم ظلما وصخبا واحترابا. ومن هذه البرمجيات القصدية التي تحول الحق باطلا والباطل حقا هو الترويج الاعلامي والبكائيات ذات الغايات المنحرفة لتحويل انظار الرأي العالمي باتجاه معين كما في هذا الديالكتيك لخمبابا وهو يقول..
خمبابا: اليوم سأحققُ ثأري.. وأنتقم ممن قتلني ظلماً.
خمبابا يدعي انه قتل ظلما اذن هو شهيد وفي العرف العام للشهيد بأنه قابل للرجعة للانتقام ممن قتله وهكذا هو منهج قوى الضلالة التي تريد النيل من قوى السلام بطريقة قلب الحقائق... لكن انكيدو المتهم بقتل خمبابا رد عليه بنفس منهجه الاعلامي
أنكيدو: كنت تستحقُ القتل لأنك تدافعُ عن منطقة أشجارٍ خضراء تسكنُها آلهةٌ مزيفة.
ومن هنا افصح انكيدو عن حقيقة مفادها ان القدسية التي يدعيها الغريب والتي تترجم في ايامنها هذه السلطة الغاشمة للشرطي العالمي المتمثل بأمريكا بانها قدسية الالهة المزيفة وهذا ما يريد كشفه العميدي رغم اكتشافه سلفا للعامة لكنه نوع من التثوير لشعوره بان السبات نال من الجميع. ووفقا لهذه الجدلية التي اطلقها انكيدو تشجع كلكامش ليكشف عن حقيقة الغريب بشيء من الوضوح.
كلكامش: الآلهةُ المزيفةُ تلبس ثوباً جديداً في كلِّ زمان.
خمبابا: إذا كانت الآلهةُ مزيفة؟ لمَ لمْ تقتلْها بدلاً من قطعِ الأشجارِ التي أحرسُها؟
أنكيدو: لم يكن هدفنا قتلُك/ لكنك تعترضُ طريقنا.
كلكامش: في كلِّ زمان يظهر خمبابا مدافعاً عن الآلهةِ المزيفة.
هنا يرتفع بنا العميدي لتأكيد حقيقة محترمة رائدها الانسان الذي لا يجيد الا التصفيق.. الانسان الجاهل الذي لا يعي ما يدور حوله الانسان المستنسخ بولادات مشوهة فتلبس روح خمبابا للدفاع عن الرموز السلبية بوصفها الهة مزيفة وهي حالة نعيش فصولها بواقعية مؤكدة وخاصة في ايامنا هذه فثقافة القطيع تعلن عن نفسها بقوة.
خمبابا: رأيتُكم تقطعون الأشجارَ فمنعتُكم.
يعود خمبابا لدوره الاعلامي في تسقيط الاخر بطريقة فجة لتحويل الانظار لمظلوميته المزعومة.
أنكيدو: مازلت تتلبسُ الخدعةَ لتظهرَ بمظهر المسكين، كنت تعرف جيداً هدفَنا لكنَّ غرورَك دفعَك لقتالِنا.
اعتمد كلكامش على خاسرين اثنين وهما هابيل وانكيدو فبدا معسكره يعاني الضعف مما دعاه للاستمرار كعادة الثوار الخاسرين بترجيح لغة العزف على الروح المعنوية دون امارات حقيقية هذا من جهة.
كلكامش: (لانكيدو وهابيل) لايغرنَّكم ضجيجُهم ونباحُ طبولِهم/ فالقوةُ في الشجاعةِ لا بالعدد.
ومن جهة اخرى محاولا بحنكة القائد استثمار هذه الروح في احداث الفارق .. اي نعم هو يتحدث مسرحيا الى انكيدو وهابيل لكن واقعيا يتحدث الى المواطن الذي اهتزت ثقته بنفسه نتيجة التغييرات بمحاولات اعادة تأثيث الفراغ لديه وهذا ما تأكد بالرجل الذي مثله حسن الغبيني والمرأة التي مثلتها يسرى جبار بخروجهم النهائي بتفعيل ايقاظ القيم والمبادئ والشجاعة والشرف وكل الخصال الحميدة من خلال ندائهم بنهضة كلكامش التي عنت تحجيم الشر والخلاص منه ونهاية الرجل الابيض وتابعيه. وما دار ويدور هو تمثيل للعالم الخارجي والواقع المرئي ذهنيا و بصريا الذي اتسم من جهة بالتكثيف والاختزال والاختصار برمزية عالية من جهة هابيل وكلكامش ومن جهة أخرى بالتضخيم والتهويل بما يخص الغريب والرجل العربي والواقع العراقي لما له اقتران واضح في مخيلة المتلقي.
الاخراج
استطاع المخرج ان يؤثث الفراغات والاماكن بتجميل واجهة المسرح وتأسيس علاقة مكانية وبصرية بين ما قدم من ابداع وبين المتلقي معتمدا على الإسقاطات السياسية مزينا العرض الذى كان يجمع بين القصة والأغنية والاستعراض الراقص موغلا في ابجديات الجسد كلغة مهمة في هكذا عروض حيث تميز العميدي بمدرسته الإخراجية السردية التنظيرية التي ابتكرهـا مجتهدا لذا اهلته للامساك بتفاحتين في يد واحدة فهنا يطوع الكلمات وهناك يطوع الممثل والفضاء بميزانسين شعري منتظم اعطى نقطة شروع جمالية لكل الفريق ان يقول كلمته ابداعيا. ثنائية التأليف والاخراج منطقة خطرة محفوفة بالسقوط الكامل او الارتقاء الكامل استطاع العميدي هضمها حيث واجه في اطار هذه الجزئية سدا عاليا من الممانعات تجاوزه برشاقة القطط ذات المهنة الهندسية المعمارية العارفة بالمسافات الحقيقية والتأويلية للقفز والارتقاء فبدا مجتهدا في تفسير النص من خلال رؤيته الفنية الجمالية الإدراكية الاستقرائية الاستنباطية المتوهجة المتواشجة مع الواقع المعاش في جزئياته التثويرية فهو اي المخرج ثوري حد النخاع انقلابي حد المهنة بمواجهة النص.. كيف والنص نتاج انامله الذهبية .. وهنا يجب ان لا انسى قول الكاتب الرحل قاسم مطرود .. حينما يصف اشتغاله الاخراجي على احد نصوصه بقوله اهدم من الاساس وابني بناءً اخر.. معلنا عن هيمنة المخرج الذي هو اقرب الى الدراماتورجية وهو اقتراب من وجهة نظر المسرح المتطورة . وهنا يكمن الصراع داخل انا العميدي فهو المتسيد والمُفعل الأساس للصورة المرئية.. كما انه الباحث في طوايا وخفايا نصه عن رؤية خفية مستترة عن مجمـــوع الأحـداث وعبــر كل الصور المتحركـة حيث وظّفها لتكون رغبة جماعية بالاستنجاد بكلكامش بل قل بمباديء كلكامش بما يكتنزه الانسان من جمال من روح من ضمير من ذاكرة جمعية مقترنة بالسلم والسلام لنفض الغبار وكشف الغمة عن هذا الوطن الجريح وهو القول الفصل في الكشف والتوضيح للمنطقة الغامضة اللامرئية داخل فلسفته ككاتب لننتهي بالقول (اصعب شيء هو ان تفسر نفسك).
يحسب للمخرج ادارته مجموع الممثلين بطريقة ممتعة انسيابية مستثمرا امكاناتهم في الالقاء والحركة والايماءة والشعور والاحساس بما حولهم من سينوغرافيا كما تفنن في استثمار قطع الديكور والتعامل معها وتماهيها مع جسد الممثل لتفعيل التفسير والتأويل لدى المتلقي كما يحسب له اي للعميدي توقيتاته الزمنية للمشهد بما ينسجم وتنشيط ذهنية المشاهد للمتابعة وعدم تسرب الملل لأوصاله فبدا العمل كمسلسل تلفزيوني من ثلاثين حلقة تحرص على مشاهدته في جلسة واحدة.
التمثيل
ان مهمة المسرح تتمثل في اعادة صياغة الحياة بشكل جديد وهذا ما تحقق فعلا في العرض حيث استطاع مجموع الممثلين ان يعيدوا الحياة بصدق ملموس لعديد الشخصيات الاسطورية بإداء مذهل محترف كإلقاء وكمحورية فاعلة لانساق التعبير الجسدي متموسقا مع تحولات الفضاء، وتحولات الإيقاعات، وتحولات التفاصيل التي تغني الدلالات وكما يقال في الموروث المسرحي.. اداء الممثل على خشبة المسرح يأتي كهذيان معد كالطاعون .اما ان ينتهي بالموت او بأقصى انواع التطهير وهذا ما حصل بالنسبة لمجموع الممثلين تسيدهم ثائر جبارة الذي بعث برسائل خشنة جعلتنا نكرهه بشدة لتقنيته الجسدية واللفظية وتعابير وجهه ذات الدلالات الواعية باتجاه الشر وهنا يكمن النجاح لدى الممثل بان يتخذ المتفرج موقفا نفسيا شعوريا بالضد اتجاه هذا الممثل الناجح.. كما تميز الممثل بدور كلكامش باداء رصين عكس قدسية وثقل الاسطورة كلكامش مع نجاح بقية الشخصيات بنسب متفاوتة.. الا ان هناك ملاحظة بخصوص دور الفنان حسن الغبيني الذي كان متناقضا مع الامكانيات الكبيرة التي يتمتع بها حيث لم يكن كامل التوهج بما يجعلنا نتذكر دوره في المستقبل لكن حضوره الانيق الرشيق كممثل محترف متمكن من ادواته كان موجودا شئنا ام ابينا وهذا الامر ينسحب على الممثلة التي اتى دورها ليس بقوة بقية الممثلين ربما لقصره وعدم تمتعه بمساحات المونودراما للبوح والتعبير الجسدي واللفظي والايمائي الذي يمثل حقيقتها كممثلة مهمة. عموما يعتبر التمثيل من اساسيات نجاح العرض بشهادة محايدة جدا لكن ما يعيب على هذا الاداء هو عمليات الصراع بملامسة الاخر اي الصراعات الحركية الثنائية بين خمبابا وانكيدو او هابيل وقابيل وغيرهم حيث افتقرت الى الجمالية والمرونة المطلوبة وهي صفة عامة نعانيها في مسرحنا العراقي اكلت من جرف الابداع الشيء الكثير.
الازياء
نجحت مصممة الازياء والمكاياج عدوية فائق بالمزاوجة بين الماضي والحاضر والاسطورة والحقيقة من خلال ازياء واضحة الدلالات اتصفت بالدقة والجمالية والاناقة مناصفة مع عموم انساق المظهر الخارجي للمثل ومنها المكياج.
الاضاءة والمؤثرات الصورية
من اجل عرض ناجح يجب البحث عن طرق جديدة تغني العرض جماليا كإطار موضوعي وتثري المشهد كلغة لها مقوماتها السيميائية بدلالات مهمة ممكن لها ان تمنح المتفرج فرصة لاقتناص الافكار وما اتحدث به هو تطوير الذات تقنيا باستثمار التطور التكنلوجي الحاصل في العالم مع ترويض الذات مهاريا باكتشاف الجمال في المادة الجامدة الصامتة وتحويلها الى لغة واضحة المعالم تدفع بالعروض للنجاح والرسوخ في الذاكرة وهذا يتحقق بالبحث والاكتشاف بإيجاد انواع خاصة من الالوان تتباين من خلال عناصر الدقة والكثافة والسمك والتي يستقي منها المتفرج طبيعة المشهد مع ترجمة لما يجول في ذهن الشخصية وما يعتمل في صدرها. وقد نجح مصمما الاضاءة والمؤثرات الصورية بالنجاح الكبير الاضاءة خضر السلطاني مخلد ناهض في ترسيخ المفهوم العلاماتي السيميائي الذي اعطى للعمل دفقا حيويا مهما ساعد المنظومة الجمالية للعرض بالتصريح عن نفسها بقوة.
ومن هذه الجزئيات المهمة في الاضاءة والمؤثرات الصورية الحيل التكنلوجية لخضر السلطاني وخاصة في لحظة نهوض كلكلماش في اخر المسرحية .. كما ان هناك مثابات كبيرة لهذا الرجل في اضفاء المتعة على العمل بخروج شلال ماء في لحظات معينة كصورة جميلة جدا تذكرنا بطوفان كلكامش.. وكذلك من الصور الجميلة هي الخلفية الناطقة للبحر بكل جميل وممتع.
الديكور
انساق المكان الحركي والثابت انبرى لها المبدع الديكور هادي كاظم فقد كانت قدراته واضحة وصادقة بالكشف عن بيئة العرض يعاضدها في ذلك قطع الديكور ومستوياتها في العلو والانخفاض مع طبيعتها الميكانيكية ان تغني العرض بالجماليات من جهة وبتفعيل الصراع بانفتاح مدياته من جهة اخرى وقد اعجبتني العربة ذات السلمين ففضلا عن دراميتها والاكشن الذي تلونت به اعطت بما هي عربة خاصة للغريب بعدا فلسفيا غائما حيث اخذ السلمين عدة مرات اشكالا قريبة من الاجنحة ومع هذا الانفراج اضحت صورة مهمة تؤكد استطالة الغريب وتفوق قواه وامكانياته بالشكل الذي يأخذ صورة مستنسخة عن الثور المجنح وخمود تلك الاجنحة لحظة نهوض كلكامش في نهاية العرض دليل على نهاية الغريب وفريقه.
السينوغرافيا بعمومها في هذا العرض استطاعت ان تركب بتداخل مميز بين الامكنة والازمنة المتعددة بتناسق مستقل للمتغير الصوري الدرامي للفضاء المسرحي وفقا لتعاضد الرؤى بين الكاتب والمخرج وبقية الفنيين حيث توصلنا الى عرضين مسرحيين في عرض واحد الاول قاده المخرج والممثلون والاخر قاده المخرج والفنيون.
في النهاية سجل العرض المسرحي المهم (مازال فك الحمار محمولا) نفسه كعرض شرس وسط بحر المسرح العراقي الراكد مع قدرته الفائقة ببث عديد الرسائل الجمالية من خلال عناصر العرض المسرحي العامة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,167,998,056
- قصة قصيرة / جحيم البسطرمة
- حفلة حرائق تنكرية / قصة قصيرة
- دراسة نقدية للعرض المسرحي اخر نسخة منا
- فارس التمثيل العراقي مكي حداد
- مدفع الافطار/قصة
- سيرة حمد انين الثكالى وبوح المقهورين
- وفتحنا النار عليك
- قصة قصيرة/ ما عدت طفلا يخاف
- النص المسرحي/فزاعة الميناتور
- تجوال نقدي في روضة شعرية
- الخريف يمكث طويلا
- قراءة في ومضات قصصية للقاصة ايمان قاسم اللامي
- قراءة في كتاب (ميثم السعدي وثنائية العرض المسرحي)
- تصورات متواصعة / مقالة نقدية
- عود على بدء وثنائية المونودراما المزدوجة
- قراءة نقدية للعرض المسرحي (الناجي)
- عراة وحفاة
- قراءة نقدية للنص المسرحي (دوران)
- قراءة نقدية للنص المسرحي (فلا انا بلقيس ولا فيكم نبي
- جرأة حالمة وتجوال خيالي في نقد النص المسرحي المتوهج (سنة حلو ...


المزيد.....




- لنقلها بالصورة ..
- قبل -روما-.. أفلام رُشحت للأوسكار من خارج هوليود
- وزير الثقافة الليبي: أوشكنا على هزيمة الإرهاب بدعم مصر والرئ ...
- العثماني في لقاء مباشر على قناة تامازيغت
- مباراة لنجوم كرة القدم في روسيا وسوريا وأسبوع للسينما ضمن مه ...
- الأوسكار تعلن عن القائمة النهائية للمرشحين لنيل جوائزها
- -الأوسكار- الفرنسي يعلن عن ترشيحاته!
- النور كان هنا.. ندوة عن كاتب مقاوم كفيف
- وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني يتذكر زمنا من الثقافة ...
- كاظم الساهر: هل تصبح أغنية سلام عليك نشيدا وطنيا للعراق؟


المزيد.....

- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد
- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور
- القضايا الفكرية في مسرحيات مصطفى محمود / سماح خميس أبو الخير
- دراسات في شعر جواد الحطاب - اكليل موسيقى نموذجا / د. خالدة خليل
- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم اللامي - نقد مسرحي/مازال فك الحمار محمولا