أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالرزاق دحنون - المعرّي فيلسوفاً















المزيد.....

المعرّي فيلسوفاً


عبدالرزاق دحنون

الحوار المتمدن-العدد: 6106 - 2019 / 1 / 6 - 12:36
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لدى الاحتكام إلى القواميس في البحث عن أصل كلمة فلسفة نجد أن الكلمة مؤلفة من مقطعين فيلو: حب. وسوفا: حكمة. والكلمة تعني باليونانية "حب الحكمة". فهل كان أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المُكنى بأبي العلاء المعري حكيماً فيلسوفاً؟
1
يزعم طه حسين أن الناس لا يعرفونه إلا رجلاً ملحداً، فإذا سألتهم عن علة إلحاده، رووا لك أبياتاً في اللزوميات، تنطق بإنكار الشرائع، وازدراء الأنبياء، وهذا القدر هو فقط ما عرفه الناس عن فلسفة الرجل. طرح السؤال للجدل عميد الأدب العربي في كتابه القيم "تجديد ذكرى أبي العلاء" و الذي قدمه إلى الجامعة المصرية ونوقش بين يدي الجمهور في الخامس من أيار سنة 1914 ونال مؤلفه شهادته العلمية ولقب دكتور في الآداب. وكان في جوابه بعد دراسة وتمحيص, نعم يمكننا أن نسميه فيلسوف المعرة.
2
اجتمعت في فيلسوف المعرة المقوّمات النموذجية لمفكر حر، ألمَّ بفكر العرب وثقافتهم، واستمدَّ من تلك الثقافة رموزها الفلسفية، فأنضجها في أتون العقل، وصنع منها مشروعاً حضارياً عملاقاً نستطيع القول إنه ما زال حياً إلى يومنا هذا. وهو بهذا القيد المعبّر الأمثل عن منحى التنوير في الإسلام. وبفضل طه حسين وعائشة عبدالرحمن عاد فيلسوف المعرة رمزاً من رموز الاستنارة وحرية الفكر وشجاعة العقل في العصر الحديث.
3
تنصبُّ في فيلسوف المعرة خلاصات حضارة عملاقة، كان هو جزءاً متميزاً منها, وعنصر تمرد أساسي ضدها؛ فهو نتاجها، الذي تُوجتْ فيه حتى بلغت النقطة الحرجة التي تؤذن بالانعطاف في مجراها الرئيسي لكي تستحيل إلى شيء آخر ينفيها في مجرى جديد، تنحل فيه تناقضاتها المدمرة لتبني كياناً آخر ينطلق منها دون أن يتعثر بأشلائها. ولعلها لو استجابت له حين بلغت الذروة لما سقطت شهيدة العجز عن التفتح والتجدد و الديمومة. لقد استطاع بفكره الفلسفي المبثوث في مؤلفاته تجاوز زمانه ومكانه ليكون حاضراً في أي مسعى منشود لفيلسوف حرّ يريد أن يوحد بين الذات والنص لتوطيد سلطته الثقافية والفكرية.وقد استعملت لقب فيلسوف المعرة في أكثر من مقال منشور في الصحافة العربية, وأحببت أن يشيع هذا اللقب بين الناس, وهنا أعيد تأكيده ما استطعت إلى ذلك سبيلا. وقد شجعني على هذا الأمر ابن العديم صاحب كتاب "الإنصاف والتحرّي في دفع الظلم والتجرّي عن أبي العلاء المعرّي" وهو كتاب وضعه في الدفاع عن فيلسوف المعرة.
4
في حادثة تؤكد أن ارهاصات التفكير الفلسفي بدأت مذ كان أبو العلاء صبياً يتعثر في طرقات معرة النعمان المتربة. قال ابن العديم :
خرجت جماعة من أهل العلم في حلب الشهباء إلى ناحية معرة النعمان, وقصدت أن تشاهد أبا العلاء, وتنظر ما يحكى عنه من الفطنة والذكاء, فوصلت إلى المعرة, وسألت عنه, فقيل لها هو يلعب مع الصبيان, فجأت إليه وسلمت عليه, فرد عليها السلام. فقيل له: إن هؤلاء جماعة من علماء حلب جاؤوا لينظروك ويمتحنوك, فترك لعب الصبيان, وقال لهم : هل لكم في المقافاة بالشعر؟ فقالوا نعم. فجعل كل واحد منهم ينشد بيتاً وهو ينشد على قافيته, حتى فرغ محفوظهم بأجمعهم, وقهرهم. فقال لهم: أعجزتم أن يعمل كل واحد منكم بيتاً عند الحاجة إليه على القافية التي يريد؟ فقالوا له : فافعل أنت, فجعل كلما أنشده واحد منهم بيتاً أجابه من نظمه على قافيته, حتى قطعهم كلهم, فعجبوا من فطنته وانصرفوا.
5
حين نمعن الفكر في كلمة فيلسوف ودلالاتها في الثقافة العربية نجدها مبهمة غامضة الحدود، يمكن إيجازها بمن درس العلوم الطبيعية والإلهية والخلقية درساً متقناً وكانت حياته موافقة لنتائج بحثه، ونطلق عليه اسم فيلسوف أو حكيم. وغالباً ما يكون المنهج المتسق والقدرة على الإبداع شرطين لا غنى عنهما لتفرقة الفيلسوف عن غيره.
6
قال محمد مهدي الجواهري شاعر العراق الأكبر مخاطباً فيلسوف المعرة في قصيدة مشهورة جاءت في واحد وتسعين بيتاً أنشدها أول مرة في المهرجان الألفي لأبي العلاء المعري في ذكرى مرور ألف سنة على مولده وذلك في حفل الافتتاح المهيب يوم الأثنين الخامس والعشرين من أيلول سنة 1944 على مدرج جامعة دمشق في العاصمة السورية. حضر الحفل رئيس الجمهورية السورية السيد شكري القوتلي و كان طه حسين حاضراً في تلك الأمسية:
أحللت فيك من الميزات خالدة
حرية الفكر والحرمان والغضبا
ويعلق هادي العلوي على هذا البيت قائلاً: مع مراعاة قيود التعبير الشعري لا أود أن ينحصر الذهن في أن فيلسوف المعرة لم يتميز إلا بهذه الخصال الثلاث العظيمة، حرية الفكر، الحرمان الطوعي، الغضب، النقد، نزعة التمرد، حالة العصيان ضد الثوابت المترسخة في مجتمع متمدن.
7
هذا ما جعل عسكرياً يفك الحصار عن بلدة المعرة، ويتراجع عن خطة لاجتياحها واستباحتها بمناشدة منه. وهي حالة نادرة، أن يتراجع عسكري أمام فيلسوف، فقد كانت جيوش أسد الدولة صالح بن مرداس، صاحب حلب، تحاصر أسوار معرة النعمان وتتأهب لاقتحامها. فهرع أهلها إلى فيلسوفهم، الذي سفه أخلاقهم وعاداتهم ومعتقداتهم وخرافاتهم، فتوسلوا به إلى صالح، فخرج إلى ظاهر البلدة. وقيل لصالح: إن باب المدينة قد فتح وخرج منه أعمى يتوكأ على قائد له، فقال صالح: هو أبو العلاء، فدعوا القتال للنظر ماذا يريد؟ وكان قد أعد لهذه اللحظة لزومية قال فيها:
تغيبت في منزلي برهة
ستير العيوب فقيد الحسد
فلما مضى العمر إلا الأقل
وحُمَّ لروحي فراق الجسد
بُعثتُ شفيعاً إلى صالح
وذلك من القوم رأي فسد
فيسمع مني سجع الحمام
واسمع منه زئير الأسد
ورد عليه القائد: «بل نحن الذين تسمع منا سجع الحمام وأنت الذي نسمع منك زئير الأسد». ثم سأله عن حاجته فأخبره بها، فأصدر أمراً فورياً بالانسحاب، وترك المعرة لأهلها.
8
فيلسوف المعرة، رهين المحبسين، وبصير زمانه. درس على أبيه حسب ما ورد في كتاب «أبو العلاء المعري» لعائشة عبدالرحمن. رحل إلى حلب حيث كانت الحركة الثقافية لا تزال نشيطة. وزار أنطاكية وطرابلس الشام ومرَّ باللاذقيَّة وأخذ من علوم اليونان وآرائهم الفلسفية.
في أواخر العقد الثالث من حياته رحل إلى بغداد ومكث فيها بحدود العامين عاد بعدها إلى معرة النعمان ليجد أمه قد لحقت بأبيه، فاعتزل الناس إلا خاصة طلابه وخادمه، حتى وفاته. ترك فيلسوف المعرة أكثر من خمسين كتاباً، فُقدت معظمها في اجتياح البيزنطيين لمعرة النعمان بعد وفاته بزمن، وإحراقهم مكتبتها، ومنها مكتبته الشخصية التي كانت في منزله وتضم مخطوطات فريدة لمؤلفاته.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,363,729,482
- قضيَّة المرأة الساكتة
- من هي السيدة ديمقراطية؟
- شيوعيون في المساجد
- أنا أحبُّ سقراط
- حاشية من تاريخ مصر الحديث
- أفسحوا الطريق
- إذا قطعتم أصابع كفي سأرسم بأصابع قدمي
- سنة الشاعر الفلسطيني معين بسيسو في العراق
- ثمن السُّكر الذي تأكلون
- هل فكرة الاشتراكية ما زالت خياراً اجتماعياً صائباً؟
- يُلكم المُدير الياباني كلّ صباح
- على هامش كتاب-حِكَم النَّبيّ مُحمَّد- للأديب الروسي الكبير ل ...
- فولتير و جرس الإنذار
- ثورة الملح
- عبد الوهاب المسيري ذلك الرجل النبيل
- مقطع من سمفونية الكمنجات الكردية
- اليهود في رواية الجندي الطيب شفيك
- شيوعيون يزرعون عبَّاد الشمس
- اللَّحظةُ الشُّقيريَّة
- لماذا خلق الله الذباب؟


المزيد.....




- عمر العبدلات ينجو من الفخ.. الأزمة الخليجية نجمة برامج رمضان ...
- السباق يحتدم بين الساعين لخلافة ماي في بريطانيا...وجونسون يم ...
- الجزائر تغلق باب الترشح لرئاستها دون مرشحين.. والمجلس الدستو ...
- تلاميذ يعتدون على مراقبة وسط الشارع في الجزائر
- روسيا تدشن كاسحة جليد ذرية من جيل جديد
- مادورو يشكر الحكومة النرويجية لتشجيعها للحوار مع المعارضة
- -أنصار الله- تعلن مقتل 5 عسكريين وإصابة 16 بقصف في تعز
- ترامب: صواريخ كيم الأخيرة لم تقلقني بل أقلقت رجالي
- أردوغان يشيد بقوة تركية ناعمة غزت 156 دولة
- ياسر عرمان يعود للسودان


المزيد.....

- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالرزاق دحنون - المعرّي فيلسوفاً