أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عبدالرزاق دحنون - فولتير و جرس الإنذار














المزيد.....

فولتير و جرس الإنذار


عبدالرزاق دحنون

الحوار المتمدن-العدد: 6069 - 2018 / 11 / 30 - 16:28
المحور: حقوق الانسان
    


(قد أختلف معك في الرأي, ولكني على استعداد لأدافع حتى الموت عن حقك في التعبير عن رأيك)
فولتير

متى تحوَّل فولتير لأول مرة في حياته من الهزل إلى الجد, ومن ثمَّ شّمَّر عن ساعديه وتقدم وحيداً في وجه الطغيان؟ الجواب عندما طفح الكيل, فقد أبدى أحد الكُتّاب اشمئزازه من الدولة والدين والشعب وكتب بأنه سيسخر من كل شيء, أجاب فولتير: ليس هذا وقت التهكم والسخرية , إن الفطنة والسخرية لا تتفقان مع المجازر والقتل. هل هذه البلاد موطن الفلسفة والسعادة؟ كلا, إنها بلاد الفتن والجهل والتعصّب والقتل.
1
كانت مدينة تولوز الفرنسية لا تبعد كثيراً عن مدينة فيرني التي يعيش فيها فولتير, وكان رجال الدين الكاثوليك يتمتعون بسلطة مطلقة في هذه المدينة أيام فولتير, فمثلاً لا يُسمح لأي بروتستانتي في تولوز بان يكون محامياً أو طبيباً, صيدلياً أو بقالاً, أو بائع كتب أو طبَّاعاً. ومُنع الكاثوليك من استخدام أي خادم أو كاتب بروتستانتي. وفي عام 1748 حُكم على امرأة بغرامة قدرها ثلاثة آلاف فرنك لأنها استعانت بقابلة بروتستانتية. وحدث أن كان يعيش في تولوز رجل بروتستانتي يُدعى جان كالاس, وكانت له ابنة تحوَّلت إلى المذهب الكاثوليكي وولد شنق نفسه, بسبب فشله في الحصول على عمل. وكان القانون في تولوز يقضي بان يوضع جثمان المنتحر عارياً على محفة من عيدان القصب المتشابكة ووجهه إلى الأسفل ويسحب عبر شوارع المدينة, وفي نهاية مشواره يُعلَّق بحبل المشنقة. ولكي يتجنب الأب هذا المصير المخزي لابنه طلب من أقاربه أن يشهدوا بأن ولده توفى وفاة طبيعية. وعلى أثر ذلك انتشرت الشائعات في تولوز بأن الأب قتل ابنه ليمنعه من اعتناق المذهب الكاثوليكي, وهنا قامت القيامة وفار التنور, والقي القبض على الأب ومات تحت التعذيب عام 1761 وتداعت العائلة, وأمام المطارة هربت إلى فيرني وطلبت مساعدة فولتير. استقبلهم الرَّجل في بيته وواسى جراحهم وأثارت دهشته واشمئزازه الطريقة المرعبة في مطارتهم وتعقبهم. وفي الوقت ذاته جاءت أخبار مصرع المواطنة اليزابت سيرفينس, وانتشرت الشائعات بأنها دُفعت إلى جُبِّ ماء وهي في طريقها لتعلن تحوّلها من البروتستانتية إلى الكاثوليكية. واعتقل شاب صغير على اثر هذه الإشاعة في عام 1765, يُدعى لاباز, بتهمة تشويه الصليب وعليه صورة المسيح وانزل به العذاب, واعترف بذنبه, فقطع رأسه, وقذف بجسمه إلى النار, وسط استحسان الجمهور وتصفيقهم, واحترقت معه نسخة وجدت بحوزته من كتاب فولتير (القانون الفلسفي).
2
لقد أثار هذا الظلم والطغيان فولتير وأحاله من كاتب ساخر إلى فيلسوف مجاهد شَمَّر عن ساعديه واستعد للحرب, وهنا تبنى شعاره المشهور (اسحقوا العار) وحرّك روح الشعب الفرنسي ضدَّ مظالم الكنيسة وساعد في هزِّ عرش الملك. لقد أرسل دعوة إلى أصدقائه وأتباعه يدعوهم فيها إلى خوض المعركة (...وحدوا أنفسكم واقهروا التعصب والأوغاد, واقضوا على الخطب المضللة والسفسطة المخزية والتاريخ الكاذب, لا تتركوا الجهل يُخضع العلم, سيدين لنا الجيل الجديد بعقله وحريته. إن الإنسان الذي يقول لي آمن كما اومن وإلا فإن الله سيعاقبك, سيقول لي الآن آمن كما اومن وإلا سأغتالك...) يعتقد فولتير بأن التعصب المقرون بالخرافات والجهل كان أساس البلاء في جميع القرون, ولن يتحقق السلم الدائم, ما لم يتسامح الناس مع بعضهم البعض ويتعلم كل واحد منهم كيف يتسامح مع من يخالفه في الأمور الدينية والسياسية والفلسفية والفكرية, هذه هي الخطوة الأولى في بناء مجتمع سليم. حيث يؤكد ذلك في قوله:(قد أختلف معك في الرأي, ولكني على استعداد لأدافع حتى الموت عن حقك في التعبير عن رأيك). لقد أتبع فولتير رسالته عن التسامح الديني سيلاً من المنشورات التاريخية, فيها الخطب التشهيرية والهجاء والتقريع والموعظة والشعر والحكاية والقصّ والتعليق. وهذا في ظني أعظم حملة من الدعاية الواسعة التي يقوم بها رجل واحد. لم تقم في تاريخ الفلسفة أبداً مثل هذه الدعوة الواضحة والحيوية المتدفقة. لقد حلَّق فولتير بأسلوبه لدرجة تجعل الإنسان لا يشعر بأنه كان يكتب فلسفة. وها هو يقول: لقد تعبت من هؤلاء الناس الذين يحكمون الدول من علياء قصورهم. هؤلاء المشرعون الذين يحكمون العالم ويعجزون عن حكم زوجاتهم أو عائلاتهم, ويتلذذون في تنظيم الكون. إن من المستحيل تسوية هذه المسائل كلها بإيجاد صيغة بسيطة وعامة, أو بتقسيم جميع الناس إلى حمقى وخدم من جهة, وحكام وأسياد من جهة أخرى. إن الحقيقة ليست أسماً يُطلق على حزب.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,771,810
- ثورة الملح
- عبد الوهاب المسيري ذلك الرجل النبيل
- مقطع من سمفونية الكمنجات الكردية
- اليهود في رواية الجندي الطيب شفيك
- شيوعيون يزرعون عبَّاد الشمس
- اللَّحظةُ الشُّقيريَّة
- لماذا خلق الله الذباب؟
- أنا مش كافر بس الجوع كافر
- أهلاً لينين
- عن ذلك الحصير في القصر الجمهوري
- كيف أصبحتُ شيوعياً
- الصورة الأكثر شهرة في العالم
- هل يجلبُ الطَّاغية شوكولاتة إلى أولاده؟
- حَكَمَ فَعَدَلَ
- طائر سوريَّة السَّكران
- هُناك مكان لمن يُصلي
- غسَّان كنفاني ماركسياً
- كلمة حق عند سلطان جائر
- خطابٌ مفتوح إلى الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة
- قناديل ماركس


المزيد.....




- الأمم المتحدة: إنشاء -فريق رفيع المستوى- لمساعدة النازحين
- السعودية تدعو الأمم المتحدة إلى التحرك لإجبار الميليشيات الح ...
- الأمم المتحدة تشكل لجنة -رفيعة المستوى- لحل قضايا النازحين
- الولايات المتحدة: فصائل معارضة سورية ارتكبت جرائم حرب خلال - ...
- مقرر الأمم المتحدة يدعو لمعاقبة إسرائيل على -احتلالها للأراض ...
- جيفري: القوات الأمريكية وجدت أدلة على جرائم حرب لتركيا في سو ...
- الأمم المتحدة: نرحب بالاتفاق الروسي التركي لتهدئة الوضع في س ...
- مسؤول أمريكي: القوات الأمريكية وجدت أدلة على جرائم حرب لتركي ...
- العين بالعين... هل يدفع المغتربون في أوروبا ثمن تشدّد جونسون ...
- -جنودك ما زالوا في غزة-... حماس تحرك ملف الأسرى الإسرائيليين ...


المزيد.....

- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الحق في حرية الراي والتعبير وما جاوره.. ادوات في السياسة الو ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - عبدالرزاق دحنون - فولتير و جرس الإنذار