أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - فاطمة ناعوت - تلويث الذوق العام














المزيد.....

تلويث الذوق العام


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن-العدد: 6054 - 2018 / 11 / 15 - 12:12
المحور: المجتمع المدني
    


تخيّلوا معي ذاك السيناريو التخيُّليّ (الذي لم يحدث) منذ خمسين عامًا: جاءَ شخصٌ غير كريم وألقى منديلا مُلوّثًا في أحد شوارع مصر النظيفة (آنذاك). تصدّى له حشدٌ من الناس؛ وقدموه للشرطة بتهمة تلويث الطريق. صعد الأمرُ للقضاء المثقف؛ وحُكم على ذلك المجرم بغرامة مالية ضخمة والحبس شهرًا. تناولت الصحفُ الخبرَ وصارت سيرةُ ذلك "المُلوِّث" الآثم على كل لسان. لم يحدث ذلك السيناريو بالطبع، لهذا صِرنا على ما نحن عليه الآن من فو ضى ودمامة.
في طفولتنا، كانت هناك لعبةٌ شهيرة اسمها "بنك الحظ". وهي تعريب للعبة غربية اسمها Monopoly (احتكار السلع). اللعبةُ عبارة عن بساط من الورق المقوّى مقسّمة إلى مربعات عند الحواف، يحمل كلُّ مربع اسم مُقاطعة أو عاصمة أو مدينة يمكن للاعب أن يشتريها بعملات ورقية مُقلّدة تدور بين اللاعبين. اللعبة تُعلّم الطفلَ طبيعة الحياة من بيع وشراء وقوانين وغيرها. وهناك مربعات لو وقف عندها اللاعب يقوم بتنفيذ الحُكم الصادر عليه. مازلتُ أذكرُ أحد تلك الأحكام. “ألقيتَ قمامةً في الطريق، ادفعْ غرامة خمسمائة جنيه، واذهب إلى السجن.” هكذا تعلّمنا في طفولتنا أن تلويث الطريق جريمة تستوجب العقاب. وكبرنا ولم نجد هذا يتحقق في الواقع المصري، بكل أسف. فكل نهار ومساء، نشاهد من يلقون القمامة في الطريق، مطمئنين أن لا قانون يلاحقهم. وإن تبرّعتَ وانتقدت ذلك السلوك المشين، سوف تسمع ما لا ترضى. لهذا تحوّلنا إلى شعبٍ نصفُه "يُلوِّث"، ونصفُه "يتلوَّث”، ويصمتُ صاغرًا. غدونا شعبًا نصفُه يُجرمُ في حق الوطن، والنصفُ الآخر يعتنقُ "الأنامالاية" مذهبًا؛ لأنه يخشى أن يدخل في صراعات، سوف تُحسَم في الأخير لصالح الأطول لسانًا والأبطش يدًا. و"الأنامالاية" مذهبٌ غير متحضر مشتقٌّ من عبارة "وأنا مالي!". تلك التي يقولُها المرءُ لنفسه، بعدما سمع قبلها عبارة: “وأنت مالك؟"، على لسان المخطئ أو المجرم؛ فتعوّد المرءُ فيما بعد أن يقولها لنفسه، صونًا لكرامته.
ولأن للتلوُّثِ أشكالا وألوانًا وأنواعًا. فقِسْ على ما سبق من تلويث الطرقات بالقمامة، تلويثَ العيون بالقبح المعماري وانعدام الأناقة في الأزياء، وتلويثَ الأنوف بالروائح غير الطيبة في الشوارع والحافلات، وتلويثَ الُأذن بالركاكة اللفظية والبذاءات والشتائم في المدارس والبيوت والشوارع وعلى الشاشات، وتلويثَ الروح بالتكفير والطائفية والإرهاب. ويمكن جمعُ كل ما سبق من تلوّثات في عبارة واحدة موجزة اسمها: “تلويث الذوق العام". وهو الاتهام الذي وجّهه الفنانُ المثقف "هاني شاكر" إلى شخص يُصدر من حنجرته أصواتًا مُنفّرةً، ويُطلق عليها "طربًا"!! والمدهش أن ذلك الغثاء الصوتي يجد له جماهيرَ وسامعين؟ ولكن، لا مجال للعجب لأن تلك الجماهيرية هي نتاجُ كل ما سبق من تلوّثات مجتمعة. فالحقُّ أن "دائرة التلوث الجهنمية" تشبه "الأواني المستطرقة" في علم الفيزياء. فهي دائرةٌ يُفضي بعضُها إلى بعض. فالقمامةُ في العيون، والركاكةُ في الأذن، والطائفيةُ في الروح، مع مرور الزمن والتراكُم، تؤدي جميعُها معًا إلى انهيار في "الذائقة العامة". وحين تنهار الذائقةُ العامة، فمن الطبيعي أن تتقبّل الإسفافَ الصوتي باعتباره غناءً وطربًا ونغمًا. والحقُّ أن السبب في هذا ليس مُدّعي الطرب وحسب. فمن حقّ كل إنسان أن يحلم بأن يصير مطربًا أو موسيقيًّا أو شاعرًا أو رسامًا. لكن غيابَ الحراك النقدي الحقيقي والواعي، وعدم الوقوف في وجه المُدّعين هو المسؤول الأول عن انهيار الذوق العام.
ولنعد إلى السيناريو التخيّلي في صدر المقال. تُرى لو كان قد حدث، هل كان سيتجرأ شخصٌ آخرُ على تلويث الشوارع بالقمامة؟ وهل لو تصدّى المجتمعُ بكامله لكل قبحٍ بصريّ نصادفه في المعمار والأزياء، هل كانت القاهرة مثلا ستصلُ إلى ما نراه اليوم من دمامة، بعدما حصلت على لقب "أجمل مدينة في العالم" عام 1925؟! وهل لو تصدّى المجتمعُ بأسره إلى كل ركاكة لفظية نصادفها في الطريق العام، هل كنّا سنصلُ إلى ما وصلنا إليه اليوم من تشوه سمعيّ؟! وهل لو تصدّى المجتمعُ بأسره إلى كل مُتطرف قبيح يُكّفر البشرَ ويوعز للحمقى بقتلهم، هل كنا سنصلُ إلى ما نحن عليه اليوم من إرهاب؟ طوبى للناطقين بالحق والخير والجمال، والخسرانُ للشياطين الأنامالية الصامتة.

***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,096,402,885
- برقية إلى … نادية صالح
- كيف أكتبُ عن -عيد الحب”!
- ثلاثةُ رجال من مصر
- أنغام: وحشاني يا أختي جدًّا
- خيبتنا … مرآةُ ميدوزا في يد المايسترو
- سانت كاترين … هنا نُصلّي معًا
- أيامُ الرجل الكفيف
- ثلاثون عامًا على ميلاد الجميلة
- سوق برقاش... يا سيادة الرئيس!
- ليزا وأطفالي …. وقانون الطيران
- الرئيس يستثمر في الإنسان في مؤتمر شرم الشيخ
- الرئيس يستثمر في الإنسان
- مُعلِّمةُ البيانو
- دولة الأوبرا في حضن البتول
- كمال الجنزوري …. فارسُ البسطاء
- الطريق إلى العمّ نجيب
- يهودُ مصرَ …… المصريون
- دمشاو هاشم …. احذروا القُبلَةَ الخائنة
- رجاء الجميلة … سلامتك
- طوبَى لصُنّاع الفرح


المزيد.....




- لجنة في الأمم المتحدة تضغط على السعودية بشأن "ادعاءات&q ...
- لجنة في الأمم المتحدة تضغط على السعودية بشأن "ادعاءات&q ...
- مصر.الشرطه تلقى القبض على محامى العمال بالاسكندريه محمد رمضا ...
- ولي العهد السعودي يبحث مع أمين عام الأمم المتحدة مستجدات الأ ...
- ولي العهد السعودي يبحث مع أمين عام الأمم المتحدة مستجدات الأ ...
- الأمم المتحدة: عودة ما لا يقل عن 3850 لاجئا سوريا من الأردن ...
- مصادر: نحو 40 أسيرا سعوديا لدى الحوثيين ضمن قوائم تبادل الأس ...
- الأمم المتحدة تعلن عن رقم رهيب من السوريين بحاجة لمساعدات إن ...
- بالتزامن مع مشاورات السويد الانقلابيون يواصلون اعتقال المدني ...
- فرنسا: توقيف مسؤول في الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بتهم -جرائ ...


المزيد.....

- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع
- معوقات نمو الأبنية المدنية في الأردن / صالح أبو طويلة
- العمل الخيري: بين تسعير حياة الإنسان ومحاولة إنقاذه / ماثيو سنو
- يعني إيه كلمة وطن ؟ / محمد دوير


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - فاطمة ناعوت - تلويث الذوق العام