أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وديع العبيدي - الذكرى العاشرة لرحيل محمود درويش..















المزيد.....



الذكرى العاشرة لرحيل محمود درويش..


وديع العبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 6046 - 2018 / 11 / 6 - 13:39
المحور: الادب والفن
    


وديع العبيدي
الذكرى العاشرة لرحيل محمود درويش..
(فوق السراب كتابة أخرى!)..
(1)
ما قيمة الانسان/ بلا وطن/ بلا علم/ ودونما عنوان/ ما قيمة الانسان!
(2)
وطني حبل غسيل/ لمناديل الدم المسفوك/ في كل دقيقة!.
(3)
إذن/ سجّلْ.. برأس الصفحة الأولى
أنا لا أكره الناس/ ولا أسطو على أحد/ ولكني..
إذا ما جعت/ آكل لحم مغتصبي
حذار.. حذار من جوعي/ ومن غضبي!
(4)
يـمّا مويل الهوى/ يـمّا مويليّا
ضرب الخناجر ولا حكم النذل فـيّا.
(5)
والذكريات.. هوية الغرباء.. أحيانا، ولكن الزمان/ يضاجع الذكرى وينجب لاجئين/ ويرحل الماضي، ويتركهم بلا ذكرى..
من كل نافذة رميت الذكريات كقشرة البطيخ/.. والذكريات تمرّ مثل البرق في لحمي، وترجعني/ إليك.
ان الموت مثل الذكريات، كلاهما/ يمشي إليك.
يا وطنا تأرجح بين كل خناجر الدنيا، وخاصرة السماء.
(6)
طوبى لشيء لا يصل/ هذا هو العرس الذي لا ينتهي.
(7)
بايعت أحزاني/ وصافحت التشرد والغضب..
غضب يدي/ غضب فمي/ ودماء أوراقي عصير من غضب..
يا قارئي؟؟/ لا ترجُ مني الهمس لا ترجُ الطرب!..
(8)
أقول.. للمحكم الأصفاد حول يدي/ هذي أساور أشعاري.. وإصراري
في حجم مجدكم غلي، وقيد يدي/ في طول عمركم المجدول بالعار
مذ جئت أدفع مهر الحرف.. ما ارتفعت/ غير النجوم على أسلاك أسواري
(9)
ظلّ الغريب على الغريب عباءة/ تحميه من لسع الأسى التيـّاه
هل تلقـينّ على عراء تسوّلي/ أستار قبر صار بعض ملاهي
(10)
آخر الأخبار من مدريد ان الجرح قال/ شبع الصابر صبرا
(11)
روما على جلودنا/ ارقام أسرى والسياط/ بابل حول جيدنا/ وشم سبايا عائدة/ تغيرت ملابس الطاغوت/ افريقيا في رقصنا/ طبل ونار حافية/ وشهوة على دخان غانية..
ونغني القدس، يا أطفال بابل/ يا مواليد السلاسل/ ستعودون قريبا، وقريبا تكبرون/ وقريبا تحصدون القمح من ذاكرة الماضي/ وقريبا يصبح الدمع سنابل/ آه، يا أطفال بابل/ ستعودون
(12)
انا خلقنا غلطة، في غفلة النسيان/
وأنت يا صديقتي العجوز.. يا صديقتي المراهقة/ كوني على أشلائنا، كالزنبقات العابقة
(13)
كانت جميلة/ لكنها رقصت على قبري وأيامي القليلة وتخاصرت كالآخرين بحلبة الرقص الطويلة/
وأنا وأنت نعاتب التاريخ/ والعلم الذي فقد الرجولة..
من نحن/ دع نزق الشوارع/ يرتوي من ذل رايتنا القتيلة!..
(14)
ماذا يثير الناس لو سرنا على ضوء النهار..
وحملت عنك حقيبة اليد.. والمظلة/ وأخذت ثغرك عند زاوية الجدار/ وقطفت قبلة..
عيناك/ أحلم أن أرى عينيك يوما تنعسان/ فأرى/ هدوء البحر عند شروق شمس..
شفتاك/ أحلم أن أرى شفتيك حين تقبلان/ فأرى اشتعال الشمس في ميلاد عرس..
ماذا يغيظ الليل لو أشعلت عندي شمعتين/ ورأيت وجهك حين يغسله الشعاع..
ورأيت نهر العاج يحرسه الرخام/ لزورقين/ فأعود طفلا للرضاع..
(15)
وحين أعود إلى البيت/ وحيدا فارغا الا من الوحدة/ يداي بغير أمتعة، وقلبي دونما وردة/
فقد وزعت ورداتي/ على البؤساء منذ الصبح.. ورداتي/ وصارعت الذئاب وعدت للبيت/ بلا رنات ضحكة حلوة البيت/ بغير حفيف قبلتها/ بغير رفيف لمستها/ بغير سؤالها عني وعن أخبار مأساتي/ وحيدا أصنع القهوة/ وحيدا أشرب القهوة/ فأخسر من حياتي.. أخسر النشوة!.
(16)
طردوه من كل المرافئ/ أخذو حقيبته الصغيرة/ ثم قالوا أنت لاجئ!
(17)
وكل ما قيل وما يقال بعد غد/ لا ينتهي بضجة أو لمسة.. من يد/ لا يرجع الغريب للديار/ لا تنزل الامطار/ لا ينبت الريش على جناح طائر.. منهدّ/ من أين أبتدئ/ تحية وقبلة وبعد.
(18)
تصوريني.. صرت في العشرين/ وصرت كالشباب يا أماه/ اواجه الحياة/ وأحمل العبث كما الرجال يحملون/ أشتغل في مطعم وأغسل الصحون/ وأصنع القهوة للزبون/ والصق البسمات فوق وجهي الحزين/ ليفرح الزبون..
أنا بخير/ قد صرت في العشرين/ صرت كالشباب يا أماه/ ادخن التبغ وأتكئ على الجدار.. أقول للحلوة: آه/ كما يقول الآخرون/ يا أخوتي ما أطيب البنات/ تصوروا كم مرة هي الحياة/ بدونهن/ مرة هي الحياة..
أجمل الأشياء أن نشرب شايا في المساء/ وعن الأطفال نحكي/ وغد لا نلتقي فيه خفاء/ ومن الفرحة نبكي..
(19)
وطني لم يعطني حبي لك/ غير أخشاب صليبي!
المغني على صليب الألم/ جرحه ساطع كنجم/ قال للناس حوله/ كل شيء.. سوى الندم/ هكذا مت واقفا/ واقفا مت كالشجر/ هكذا يصبح الصليب/ منبرا أو عصا نغم/ ومساميره وتر!.
نصبوا الصليب على الجدار/ فكوا السلاسل عن يدي/ يا أنت؟؟ قال نباح وحش/ اعطيك دربك لو سجدت/ أمام عرشي سجدتين/ ولثمت كفي، في حياء، مرتين/ أو.. / تعتلي خشب الصليب/ شهيد أغنية.. وشمس/ ما كنت أول حامل اكليل شوك/ لأقول للسمراء أبك/ يا من احبك مثل ايماني/ ولاسمك في فمي المغموس/ بالعطش المعفر بالغياب/ طعم النبيذ إذا تعتق في الجرار/ ما كنت أول حامل اكليل شوك/ لأقول: ابكي/ فعسى صليبي صهوة/ والشوك فوق جبيني المنقوش/ بالدم والندى/ اكليل غار/ وعساي آخر من يقول/ أنا تشهيت الردى!
من غابة الزيتون جاء الصدى/ وكنت مصلوبا على النار/ أقول للغربان لا تنهشي/ فربما أرجع للدار/ وربما تشتي السما ربما/ تطفئ هذا الخشب الضاري/
انزل يوما عن صليبي/ ترى كيف أعود حافيا.. عاري.
سنصنع من مشانقنا/ ومن صلبان حاضرنا وما ضينا/ سلالم للغد الموعود/ ثم نصيح يا رضوان/ افتح بابك الموصود!
يخيل لي.. يا صليب بلادي/ ستحرق يوما/ ففرعون مات/ ونيرون مات/ وكل السنابل في أرض بابل/ عادت اليها الحياة.
نحن أدرى بالشياطين التي تجعل من طفل نبيا/ قل مع القارئ.. لم أسألك عبئا هينا/ يا الهي اعطني ظهرا قويا.
(20)
يا نوح/ هبني غصن زيتون/ ووالدتي حمامة/ انا صنعنا جنة/ كانت نهايتها القمامة/ يا نوح/ لا ترحل بنا/ ان الممات هنا سلامة/ انا جذور لا تعيش بغير أرض/ ولتكن أرضي قيامة!.
(21)
يوم كان الاله يجلد عبده/ قلت للناس: نكفر/ فروى لي أبي.. وطأطا زنده/ في حوار مع العذاب/ كان أيوب يشكر/ خالق الدود.. والسحاب/ خلق الجرح لي أنا.. لا لميت ولا حجر.
(22)
أنا حبة القمح التي ماتت، لكي تخضرّ ثانية، وفي موتي حياة!.
(23)
في كل شيء كان أحمد يلتقي بنقيضه/ عشرين عاما..
أيها الولد الموزع بين نافذتين، لا تلتقيان.
(24)
عرب أطاعوا رومهم/ عرب وباعوا روحهم/ عرب وضاعوا..
المدى المفتوح للنسيان والأعداء!.
(25)
يا خالقي في هذه الساعات من عدم تجلي/
لعلّ لي ربا لأعبده/علمتني الأسماء/
لولا هذه الدول اللقيطة، لم تكن بيروت ثكلى
أنا لا أودع، بل أوزع هذه الدنيا على الزبد الأخير.
(26)
أنت حرّ. وأنا حرّ. كلانا يعشق الغائب. فلتهبط لكي أصعد. ولتصعد لكي أهبط. يا دوريّ..
هبني جرس الضوء، أهبك المنزل المأهول بالوقت. كلانا يكمل الآخر، ما بين سماء وسماء.
(27)
هكذا يترك العاشقان الغريبان حبهما فوضويا، كما يتركان ثيابهما الداخلية بين زهور الملاءات/ ان كنت حقا حبيبي، فألّف نشيد أناشيد لي، واحفر اسمي على جذع رمانة في حدائق بابل/ ان كنت حقا تحبينني، فضعي حلمي في يدي/ وقولي له، لابن مريم/ كيف فعلت بنا ما فعلت بنفسك/ يا سيدي، هل من العدل ما سوف يكفي/ ليجعلنا عادلين غدا..
(28)
أما أنا فسأصغي الى جسدي، بهدوء الطبيعة..
لا شئ.. لا شئ يوجعني في الغياب..
سوى عزلة الكون..
(29)
تكفي يد امرأة في يدي/ كي أعانق حريتي/ وأن يبدأ المد والجزر في جسدي من جديد.
(30)
اسرجوا الخيل/ لا يعرفون لماذا/ ولكنهم أسرجوا الخيل، في آخر الليل.
(31)
أريد من الأرض أكثر من هذه الأرض: رائحة الهال والقش بين أبي والحصان.
(32)
تفتح الأبدية أبوابها، من بعيد، لسيارة الليل/ تعوي ذئاب البراري على قمر خائف/ ويقول أب لابنه: كن قويا كجدّك!
واصعدْ معي تلّة السنديان الأخيرة، يا ابني/ تذكر: هنا وقع الانكشاري عن بغلة الحرب، فاصمد معي لنعود.
(33)
فرس على وترين ترقص- هكذا تصغي أصابعه إلى دمه، وتنتشر القرى كشقائق النعمان في الايقاع. لا، ليل هناك ولا نهار. مسّنا طرب سماويّ، وهرولت الجهات إلى الهيولى/ هللويا، هللويا/ كل شيء سوف يبدأ من جديد.
في عود اسماعيل يرتفع الزفاف السومري إلى أقاصي الحلم. لا عدم هناك ولا وجود. مسّنا شبق إلى التكوين: من وتر يسيل الماء. من وترين يندلع اللهيب. ومن ثلاثتهم تشعّ المرأة/ الكون/ التجلي. غنّ اسماعيل للمعنى، يحلق طائر عند الغروب، على أثينا بين تاريخين.. غنّ جنازة في يوم عيد!. هللويا. هللويا. كل شيء سوف يبدأ من جديد.
تحت القصيدة: تعبر الخيل الغريبة. تعبر العربات فوق كواهل الأسرى. ويعبر تحتها النسيان والهكسوس. يعبر سادة الوقت، الفلاسفة، امرؤ القيس الحزين على غد ملقى على أبواب قيصر. يعبرون جميعهم تحت القصيدة. يعبر الماضي المعاصر، مثل تيمورلنك يعبر تحتها. والأنبياء هناك أيضا يعبرون وينصتون لصوت اسماعيل ينشد: يا غريب، أنا الغريب، وأنت مثلي يا غريب الدار، عدْ... يا عود بالمفقود، واذبحني عليك من الوريد إلى الوريد. هللويا.. هللويا. كل شيء سوف يبدأ من جديد!.
(34)
أنا أنت في الكلمات. يجمعنا كتاب واحد. لي ما عليك من الرماد، ولم نكن في الظل إلا شاهدين، ضحيتين، قصيدتين، قصيرتين، عن الطبيعة، ريثما ينهي وليمته الخراب.
ويضيئك القرآن: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض، ليريه كيف يواري سوءة أخيه، قال: يا ويلتي، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب). ويضيئك القرآن، فابحث عن قيامتنا، وحلّق يا غراب!.
(35)
لنا حلم واحد. أن يمرّ الهواء صديقا. وينشر رائحة القهوة العربية فوق التلال المحيطة بالصيف والغرباء....
أنا حلمي، كلما ضاقت الأرض وسّعتها بجناح سنونوة واتسعت.
(36)
هنا ولدت ولم أولد. سيكمل ميلادي الحرون إذا هذا القطار، ويمشي حولي الشجر.
هنا وجدت ولم أوجد. سأعثر في هذا القطار على نفسي التي امتلأت، بضفتين لنهر مات بينهما، كما يموت الفتى: (ليت الفتى حجر).
(37)
لو كان لي حاضر آخر/ لامتلكت مفاتيح أمسي/ ولو كان أمسي معي/ لامتلكت غدي كلّه!
ستحدث أشياء أخرى/ سيكذب هنري على قلاوون/ بعد قليل/ سيرتفع الغيم أحمر فوق صفوف النخيل...
(38)
في الاناشيد التي ننشدها ناي/ وفي الناي الذي يسكننا نار/ وفي النار التي نوقدها عنقاء خضراء/ وفي مرثية العنقاء لم أعرف رمادي من غبارك.
الغريبان اللذان احترقا فينا هما/ من ارادا قتلنا قبل قليل، وهما/ من يعودان إلى سيفيهما بعد قليل، وهما/ من يقولان لنا: من أنتما/ نحن ظلان لما كنا هنا/ واسمان للقمح الذي ينبت في خبز المعارك.
(39)
لا أعرف الصحراء/ لكني نبتّ على جوانبها كلاما/ قال الكلام كلامه، ومضيت/ كامرأة مطلقة، مضيت كزوجها المكسور/ لم أحفظ سوى الايقاع/ أسمعه، وأتبعه، وأرفعه يماما/
في الطريق إلى السماء/ سماء أغنيتي/ أنا ابن الساحل السوريّ/ أسكنه رحيلا أو مقاما/ بين أهل البحر، لكن السراب يشدّني شرقا إلى البدو القدامى/
أورد الخيل الجميلة ماءها/ وأجس نبض الابجدية في الصدى/ وأعود نافذة على جهتين/ أنسى من أكون لكي أكون/ جماعة في واحد، ومعاصرا/ لمدائح البحارة الغرباء تحت نوافذي/ ورسالة المتحاربين إلى ذويهم/ لن نعود كما ذهبنا/ لن نعود.... ولو لماما.
لا أعرف الصحراء، مهما زرت هاجسها/ وفي الصحراء قال الغيث لي: اكتب/ فقلت: على السراب كتابة أخرى/ فقال: اكتب ليخضر السراب/
فقلت: ينقصني الغياب/ وقلت: لم أتعلم الكلمات بعد/ فقال لي: اكتب لتعرفها، وتعرف أين كنت، وأين أنت، وكيف جئت، ومن تكون غدا/ ضع اسمك في يدي واكتب لتعرف من أنا/ واذهب غماما في المدى. فكتبت: من يكتب حكايته يرث الكلام، ويملك اللامعنى تماما.
لا أعرف الصحراء، لكني أودعها: سلاما/ للقبيلة شرق اغنيتي: سلاما/ للسلالة في تعددها على سيف: سلاما/ لابن أمي تحت نخلته: سلاما/ للمعلقة التي حفظت كواكبنا: سلامنا/ للشعوب تمر ذاكرة لذاكرتي: سلاما/ للسلام علي بين قصيدتين/ قصيدة كتبت، وأخرى مات شاعرها غراما/
أأنا أنا، أأنا هنالك... أم هنا/ في كل أنت أنا/ أنا أنت المخاطب/ ليس منفى أن أكونك/ ليس منفى أن تكون أناي أنت/ وليس منفى أن يكون البحر والصحراء/ اغنية المسافر للمسافر/ لن أعود، كما ذهبت/ ولم أعود... ولو لماما.
(40)
هذه لغتي ومعجزتي. عصا سحري. حدائق بابلي ومسلتي. وهويتي الأولى ومعدني الصقيل.
ومقدس العربي في الصحراء. يعبد ما يسيل من القوافي، كالنجوم على عباءته. ويعبد ما يقول.
لا بدّ من نثر إذا. لا بدّ من نثر إلهي، لينتصر الرسول...
(41)
محمود درويش [13 مارس 1941- 9 اوغست 2008م]، من مواليد قرية البروة/ قرب ساحل عكا/ الجليل. غادرت عائلته الى لبنان عام (1947م)، ثم عادت متسللة بعد عامين/ (1949م). وقد تعرضت قرية الشاعر للتجريف وأقيمت في محلها مستوطنات زراعية باسم [احيهود، كيبوتس يسعور]. بعد انهائه الثانوية انتسب للحزب الشيوعي وعمل في صحافة الحزب، وأصبح مشرفا عليها وشارك في تحرير مجلة الفجر.
[1961- 1972م] تعرض درويش للاعتقال في سجون اسرائيلية بتهم تتعلق بنشاطه وكتاباته. في العالم (1972م) ارسل في بعثة حزبية للدراسة في الاتحاد السوفيتي، لكنه شأن شعراء عرب آخرين، مثل نجيب سرور، تركها عائدا الى القاهرة، بعدها التحق بالصحافة الفلسطينية في بيروت، محررا ورئيسا لتحرير مجلة (شؤون فلسطينية)/[1973- 1982م]. ثم رئيسا لمركز ابحاث منظمة التحرير الفلسطينية. وفي عام (1981م) أسس مجلة الكرمل التي صارت لسان حال اتحاد الكتاب الفلسطينيين.
الاجتياح الاسرائيلي لجنوبي لبنان/(1982م)، وما نجم عنه من ظروف شائكة، اسفر عن خروج الفلسطينيين من لبنان وتشتتهم؛ بينما انتقلت منظمة التحرير الفلسطينية الى تونس. تنقل درويش خلال ذلك بين سوريا وقبرص ومصر وتونس وباريس. اختير محمود درويش رئيسا لاتحاد كتاب وأدباء فلسطين، عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني، وزيرا الثقافة في الحكومة الفلسطينية في المنفى، ثم في السلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع، لكنه استقال عقب مؤتمر اوسلو/(1991م).
عند وفاته، اعلن محمود عباس الحداد عليه لثلاثة أيام ووصفه بعاشق فلسطين، رائد المشروع الثقافي الفلسطيني الحديث، والقائد الوطني اللامع والمعطاء. ووري جثمانه في أرض مخصصة له في رام الله، تابعة لقصر رام الله الثقافي، وتم تسمية القصر، قصر محمود درويش الثقافي.
محمود درويش يحتل مكانة خاصة مميزة لتدوينه وثيقة الاستقلال الفلسطيني التي اعلنها في قصر الصنوبر/الجزائر/(15 نوفمبر 1988م) الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات [1929/ 1969/ 1996- 2004م]. أقرت وثيقة الاستقلال فلسطين دولة مستقلة عاصمتها الابدية (القدس). وقد اعترفت (105) دولة بالدولة الفلسطينية، وافتتحت اكثر من (70) سفارة فلسطينية في العالم، فضلا عن دخولها الجمعية العمومية لمنظمة الامم المتحدة بصفة عضو مراقب، وسمح برفع العلم الفلسطيني الى جانب اعضاء المنظمة الدولية.
(42)
(كن عراقيا، لتصبح شاعرا!)..
تعبير مكثف ملغز، غني بالدلالات في كل اتجاه. ربما تعلق الأمر بالصورة التقليدية الشائعة عن علاقة الشعر بالعراق، من ايام جلجامش وسرجون وبابل والنعمان بن ماء السماء، إلى ايام المتنبي والسياب وحركة التجديد التي كان مهمازها جبرا ابراهيم، ومحمود درويش من رموزها. ربما كان (كن عراقيا) يتعلق بعراقة الوطن الرافديني الضارب الجذور والمتعدد القيامات المدنية والحضارية في العصور القديمة والوسيطة، مع جانب نسبي في قيامته المعاصرة.
لكن المؤكد، ان درويش الذي كان (قدرا) قبل أي شيء آخر، الذي شهد سقوط الحضارة العراقية/(2003م) ومن قبلها سقوط بيروت/(1982م)، وسقوط مصر/(1970م)، ما كان يطلق عبارته الأثيرة تلك، (كن عراقيا، لتصبح شاعرا)، لو أنه شهد سقوط العراق وموت الشعر في(2008م). وليس من الممكن استكناه طبيعة مشاعره لو كان بيننا اليوم، محفوفا بكل الخرائب والانهيارات التي تجعل بيروت الحصار، ظلا ضيقا لها.
يحضرني الآن ما سبق استهللت به قراءتي لديوان (أطلس الغبار) للشاعر محمد مهدي الريشه قبل سنوات، كمقدمة للشعر الفلسطيني، وتعرضت فيه لحالة (شعر بلا وطن) كجدلية لازمة، كون الشاعر لا يصدر عن (غياب). ولا شعر بلا كبرياء، اسوة باقتران الخبز بالكرامة. لذلك تختلف قراءة محمود درويش عن قراءة علي محمود طه ونجيب سرور، وتختلف عن قراءة السياب ونزار قباني.
من هذا المنظور، يأخذ محمود درويش صورة دمعة كبيرة على خدّ البشرية.، وعبرة مخنوقة تبقى تتحشرج في حنجرة الابدية. ذلك الذي كان ولم يكن، السعيد والشقي، الزاهد والمترف، عاشق الحياة حتى الفناء، ومصارع الموت في حياته.
محمود درويش العاشق، (عاشق فلسطين)، أصدق ما قيل فيه، وأجمل ما قيل فيه. وليس ثمة عظمة تعلو على العشق. والعشق درجة من درجات الحب، وليس أي حب. انها التماهي في المعشوق والتضحية في سبيله. ربما يكون آخر العاشقين العرب إذن. بعدما تقدمت ظواهر ومظاهر كثيرة في زمن العولمة، على مرتبة (الحبّ)!.
لم يتوقف درويش عن العشق المولود به. لم ينقطع درويش عن الحزن المقترن بصوته. لم ينفصل عن ملامح الجمال التي اكتنفته ورفعته فوق مادية العالم. درويش لم يتوقف عن احساسه بالوطن منذ أول صرخته وأول مجموعة شعرية له قبل أن يبلغ العشرين. محمود درويش هو محمود درويش، في أكبر ايجاز!.
من غير المحتمل، الفصل بين ثلاثة: (درويش والقصيدة، درويش والوطن، درويش والعشق). هاته المتلازمة المثلوثة هي خاصية درويش الانسان، الشاعر، ونحن لا نعرفه بغيرها.
(43)
محاولات تقسيم درويش أو تصنيفه أو تبويبه أو توزيعه على عناوين ومدرجات وبلدان ومدن وحقائب، لا علاقة لها بمحمود درويش النص. والنص يعلو، ولا يعلى عليه.
محمود درويش العاشق، ليس غير كناية، عن درويش الطفولة. فالعشق لا يكون عشقا، بغير طفولة، وبغير براءة. ولعل ما يجتذبنا في درويش، هي تلك الطفولة، مسحة الطفولة.
طفولتنا، طفولته، طفولة آدم في الجنة، أو طفولة الوطن الفلسطيني. من الصعب الكتابة عن محمود درويش بالمسطرة والقلم، بالشروط الاكادمية والمنهجية والنقد والتحليل العلمي. فكل هاته لا تتصل بالطفولة. وكلها ظهرت بعد الطفولة. بل ظهرت لتدمير الطفولة وقتل البراءة، وتشويه الطبيعة.
من الصعب قراءة محمود درويش أو الكتابة عنه، بغير التماهي فيه. لانه لا يوجد مسافة بين الشاعر والشعر. الشاعر هو القصيدة، والقصيدة الشاعر. ولابد لتقمص الشاعر والتماهي فيه، لاستشعار عمق النبضة الكونية..
الشعر الحقيقي هو الجمال. آخر ما يتبقى من الاشياء هو جمالياتها. والشعر الهيولي هو مفتاح الجمال.
قصيدة درويش، لا تسير على الأرض. لا تحبو، انها تطير، تحلق. السماء لديه تمتد الى سماوات. اللحظة تصير تاريخا مفتوحا في كل الاتجاهات.. الكلمة، صرخة، نغمة موسيقية.. يبقى صداها يتردد.. يتردد. ما زالت للآن تتردد، ولكن ضجيج العالم أقوى من صوت الجمال والشعر.
ربما لم يكن درويش خليقا بهاته المرحلة، النصف الأخير من القرن العشرين، الذي حمل الثورة بيد، والنكسة بيد ثانية، قبل أن يصفقهما سويا. جمع الأمل بيد، والجرح بيد ثانية، قبل أن ينتحرا سويا.
ومن هذا المنظور، لن يكون الحديث عن محمود درويش حديثا عن محمود درويش، وسيبقى الشاعر مظلوما ومستلبا ومطارد بقدره وزمنه، الذي هو اجتراء سياسي وافتراء شوفوني، لمختزل الشرّ العالمي. وكيف يمكن الحديث عن النزف دون ذكر الجرح، والحديث عن الضحية من غير تاريخ الطعنة.
(44)
الطبيعي وغير الطبيعي.. العادي وغير العادي.. تلك هي متلازمة محمود درويش الشعرية والنفسية..
في قصيدته (أخي العبري) ترجمان المفارقة والتناقض بين طفلين/ شخصين في أرض/ بلد، قرية/ مدرسة واحدة.
طفل فلسطيني وطفل عبري دخيل. الفلسطيني ابن الأرض من غير دولة، والعبري الوافد وله دولة.
الدولة هي الأم، الأب، الحضن، العائلة، الرعاية، الدفء.
والدولة صادرت الأرض، ولم تترك شيئا للفلسطيني ابن الأرض.
في اغنية (أنا مواطن)، يصرخ الفنان صابر الرباعي، بكل صوته: خذوا كل شيء، واتركوا لي الأرض!.
قضية محمود درويش وكل الجيل الفلسطيني، ليست الدولة. قضية الفلسطيني هي الأرض. الأرض. ما قيمة دولة بلا أرض. لا قيمة لدولة بلا أرض. ولا قيمة لانسان بلا دولة.
/(ما قيمة الانسان/ بلا وطن/ بلا علم/ ودونما عنوان/ ما قيمة الانسان!).
تلك القصيدة قادته للاستجواب والمحاكمة العسكرية. حتى المقارنة بين (العربي) و(العبري)، ابن الأرض والدخيل، لا يسمح بها في دمقراطية الاحتلال. لأن المقارنة، هي اصبع اتهام بالاغتصاب والاعتداء وكل ما هو غير طبيعي. والاحتلال، كل احتلال يسعى لمسح الذاكرة وتزوير التاريخ، وعدم ترك أثر لخطوط الجريمة.
يا موت انتظر، يا موت!
حتى أستعيد صفاء ذهني في الربيع، وصمتي
لتكون صيادا شريفا، لا يصيد الظبي قرب النبع..
يا موت انتظر، يا موت!
ديوان شعر محمود درويش، هو معجم رموز وشخصيات وأحداث جغرافيا مفتوحة على التاريخ. لم يتمثلهم، وانما تجاوزهم في شموليته وعمقه الانساني.
لا يتوقف درويش عند حدود الحدث، ولا يهمه المسرح والقراءة السياسية، انما هو يعيد انتاج التاريخ، الشخصية والحدث، في مختبره الكوني، ويضفي عليها، أو يكشف منها جوانب جديدة، ولا ينسى تماهيها في شخصيه، أو ظروفه. بمعنى ان علاقته بالرموز ليست مجردة أو تشبيهية، وانما هي جدلية تتماهى معه ومع ظرفه.
علاقة درويش بالرمز أو الشخصية، هي علاقة ندية، منطقية أو جدلية، لها وشيجة ظرفية أو مفصلية داخل الحدث. فهو اذ يستخدم يوسف وأخوته، لا يعنيه منهم سوى (الذئب). وإذ يتماهى مع المسيح، يكون تركيزه على (الصليب). واذا يتحدث عن امرئ القيس، يركز على الروم أو (الدولة). فلكل رمز أو شخصية، (قرينة)، وهو يسعى للقرينة وليس الرمز.
(45)
محمود درويش والمرأة..
صورة المرأة مختزلة لدى درويش. المرأة هي البيت/ السكن، الوطن. واذ ينعدم الوطن والسكن، تسكن المرأة على الورق. امرأة درويش غير حقيقية، غير واقعية، غير مادية، وانما هي متخيلة، من عالم الغيب وانتاج المخيلة. لكن المرأة هي الوطن لدى درويش، كما يقال. بالنتيجة، وطن درويش هو ذهني متخيل، وهذا يشكل اشكالية بحد ذاته. كيف يحل درويش اشكاليته هاته. انه يلجأ للأم، للماضي/ الذاكرة.
من الأفضل القول: علاقة درويش بالأم. أما الرموز النسوية القليلة لديه فهي رموز وظيفية. ومن خلال تمنياته المستحيلة للعودة المسائية للمنزل، لتحية الوالدة، وجلسة الشاي، ولمسة اليد وعناق الوالدة، ثمة تماهي غير منظور بين الأم المتخيلة والزوجة المتخيلة.. لقد بقيت المرأة الدرويشية مقترنة بالأرض والوطن.. لذلك لم يتزوج، ولم يحتمل وجود امرأة له خارج الوطن الفلسطيني العادي/ الطبيعي.. أمه تنتمي للوطن الفلسطيني الأصيل قبل (1947م)، كل ما بعد ذلك هو منفى.. والمنفى (نفي) لكل ما هو طبيعي!..
تكفي يد امرأة في يدي/ كي أعانق حريتي
وأن يبدأ المد والجزر في جسدي من جديد.
(46)
الغربة الوجودية..
هل كان محمود درويش غريبا وجوديا؟..
كيف كانت نظرته، للحياة، لوجوده، للطبيعة، للعالم؟.. ولماذا لم يتكيف درويش مع واقعه، وهو مسؤول تحرير مجلة الحزب الشيوعي الاسرائيلي؟.. لماذا رفض تلك الافاق واختار المنفى؟..
غربة محمود درويش تسبق عضويته في حزب (راكاح)، بل تسبق طفولته المدرسية، وتسبق قصائد: أخي العبري، والبطاقة. غربة درويش تتصل بقصة الباصات التي حملت السكان خارج قراهم نحو لبنان، في لعبة مكشوفة!. وبقيت صور الباصات تتخلل شعر درويش حتى أواخر شعره. الباصات التي تسرق السكان من قراهم وبساتينهم. وعندما عادت عائلته بعد عامين، لم يجد قريته. صنعوا في مكانها مستوطنات يسرائيلية، توزعها مهاجرون من شرق أوربا.
محمود درويش لم يكتب سيرته. ولم يهتم بغير الشعر.. حتى نثره كان شعرا.. ونحن نبحث عن لحظة وقوفه أمام أطلال (البروة).. وما كان يدور في ذهنه في تلك اللحظة. ان الطفل، ليس خارج هذا العالم. والأطفال، ليسوا منفصلين عن حركة الزمن وتقلبات التاريخ. ان الأفكار والتصورات الحقيقية، تتكون وتتبلور لدى الأطفال قبل السابعة والعاشرة. تلك اللحظة المكبوتة والمقموعة، كانت حرية باخراج محمود درويش عن العالم الهجين/ العالم الامبريالي المزور.
وقد ترافقت في حياة درويش وذهنه، مفارقتان على قدر من القسوة والسخرية، أن يكون سياسيا. سياسا في الجانب الاسرائيلي، وسياسيا في المجلس الوطني الفلسطيني لاحقا. والسياسي، هو شخص ينطق كما يراد له من قبل السلطة، وليس كما يريد. وهذا أمر فوق طاقة درويش الشاعري. ان اشخاصا من صنف درويش لا يصلحون للوظيفة، واستلام الاوامر وتنفيذ التوصيات، وهذا ينسحب على عمل درويش في كل من المجلس الوطني ومنظمة التحرير قبل اوسلو.
الشاعر الحقيقي لا يكون موظفا ، ولا يكون مسيسا، لكنه يكون ثوريا، راديكاليا، قائدا، ومنظرا بمزاجه.
وجود درويش في هذا الاطار، زاد من غربته عن نفسه، وأخضعه لنوع من قمع/ كبت ذاتي، سوف يزيد من تمرده وعصيانه الداخلي، بما يقود الى استقالته النهائية من عمله في المنظمة. ومثل ذلك كان قراره بالذهاب الى معهد غوركي للدراسات في موسكو، لمجرد التخلص من القيد الرسمي السياسي لراكاح. ونعرف أنه لم يدخل المعهد وانما تركه عائدا الى القاهرة أولا، وبيروت ثانيا. حيث يستشعر هدنة بسيطة/[1973- 1982م] في نشاطه الادبي.
(47)
الأرض هاجس الوجود..
أريد من الأرض أكثر من هذه الأرض!.
ثيمة الأرض رئيسة في تكوين وتفكير محمود درويش. هاته الثيمة سوف تتطور دراماتيكيا مع تقدمه في السن، إذ لا تتصور حياة بلا أرض /[ ما قيمة الانسان/ بلا وطن/ بلا علم/ ودونما عنوان/ ما قيمة الانسان!]. هاته احد مداخل التغير الواضح في شخصيته ورؤيته وشعره وأكثر منه (حزنه) غير العادي!.
هنا ولدت ولم أولد.
هنا وجدت ولم أوجد.
أنسى من أكون لكي أكون
أنا أنت المخاطب
ليس منفى أن أكونك
وقلت: لم أتعلم الكلمات بعد
فقال لي: اكتب لتعرفها، وتعرف أين كنت، وأين أنت، وكيف جئت، ومن تكون غدا
أأنا أنا، أأنا هنالك... أم هنا/ في كل أنت أنا
ضع اسمك في يدي واكتب لتعرف من أنا
فكتبت: من يكتب حكايته يرث الكلام، ويملك اللامعنى.
ليس منفى أن تكون أناي أنت/
وليس منفى أن يكون البحر والصحراء
..
أنا ابن الساحل السوريّ/ أسكنه رحيلا أو مقاما
بين أهل البحر،
جماعة في واحد، ومعاصرا
لمدائح البحارة الغرباء تحت نوافذي.
..
مقدس العربي في الصحراء.
لا أعرف الصحراء/ لكني نبتّ على جوانبها كلاما
لا أعرف الصحراء، مهما زرت هاجسها
في الصحراء قال الغيث لي: اكتب
لا أعرف الصحراء، لكني أودعها: سلاما
..
في الطريق إلى السماء/ سماء أغنيتي/
لكن السراب يشدّني شرقا إلى البدو القدامى
فقلت: على السراب كتابة أخرى/ فقال: اكتب ليخضرّ السراب.
فقلت: ينقصني الغياب.
..
لو كان لي حاضر آخر/ لامتلكت مفاتيح أمسي/ ولو كان أمسي معي/ لامتلكت غدي كلّه!
هذه لغتي ومعجزتي. عصا سحري. حدائق بابلي ومسلتي. وهويتي الأولى ومعدني الصقيل.
(48)
لم يختر الشاعر ظروفه، لكنه أقسر عليها. محمود درويش، مثله مثل السياب ومظفر النواب وسعدي يوسف، نجيب سرور وعبد اللطيف اللعبي، لم ترفعهم المؤسسة الرسمية، انما ارتفعوا بها، أعطوها وأخذت منهم. وفوا لها وتخلت عنهم. الشعر كلمة، موقف وفلسفة. المؤسسة تحوله الى جسر للعبور نحو الجماهير، وايديولوجيا لاحتلال العقول. لكنها عندما تبلغ مرادها، تخذل الشاعر، الكلمة والموقف والفلسفة، وتبقى متحجرة داخل قوقعتها الايديولوجية.
تحتل العاطفة/ (عالم الشعور) مكانا رئيسا في قصيدته. لكنها عاطفة عميقة غير آنية. عاطفة مستقرة، تحتكم الى عقلانية راسخة وتأمل فلسفي بعيد.
يمكن قراءة درويش في أي وقت، دون تراجع طراوة مشاعره.. دون فقدان نعومة مفرداته.
قارئ محمود درويش لا يتعامل بالمعنى الحرفي المباشر لكلماته. انما يذهب لما وراءها من مشاعر ومعان رمزية. قراءته تتداخل مع (تصور)/الاستماع الى صوته الموسيقي الرخيم، إذ يركز على الصوت فوق المفردة، والمفردة فوق المعنى، والعاطفة أكثر من الفكرة..
كلماته مهذبة غير متوحشة، وأفكاره متمدنة غير جارحة، وصوره فنية غير صادمة أو ناشزة. البعد التربوي في شعره، يتكامل مع الذوق والشعور الانساني.
انتمى للجليل مكانا، فتفاعل مع ثقافة بيئته، عموديا وافقيا. فتداخلت الرموز والثقافات الكنعانية والمسيحية والاسلامية في خلفية شعره.
الرموز الدينية واضحة في شعر درويش، سيما بعد مرحلة بيروت. انها دالة استعادة/ استحضار الوطن في فكره وشعوره. الدين جملة هو مكون ميثولوجي رئيس للبيئة الاجتماعية. انه وسبلة انسجام الفرد مع البيئة وتعاشق الاثنين. لكن درويش لا يسلم للرمز بالمطلق، وانما يعيد انتاجه بعد امتحانه عقليا.
وطني لم يعطني حبي لك/ غير أخشاب صليبي!
قل مع القارئ.. لم أسألك عبئا هينا/ يا الهي اعطني ظهرا قويا.
قولي له، لابن مريم/ كيف فعلت بنا ما فعلت بنفسك/ يا سيدي، هل من العدل..
الثيم الديني يحضر ايضا مع التقدم في السن، والدنو من لحظة الموت، حيث..
لا شئ.. لا شئ يوجعني في الغياب..
سوى عزلة الكون..
(49)
الافتراء على الشاعر..
رغم مركزية الحس الوطني والقومي لشعره، فقد نال منه البعض لعمله في حزب راكاح. وعندما انضم للفكر القومي العربي، جرى ادلجته في الخط السياسي للمنظمة. وفي مرحلة ما بعد بيروت/(1982م)، واوسلو /(1992م)، عمد اعلام بعض الدول النيل من الشاعر وشاعريته والتزامه الوطني والقومي، لتهميشه وتجريده من مكانته، وازداد هذا الاتجاه بعد وفاة الشاعر.
لقد اريد، من خلال تهميش الشاعر والطعن في مواقفه، توجيه الاتهام والطعن لمنظمة التحرير وخطها الاستقلالي في ادارة ملفاتها وعلاقاتها السياسية. ولكن ذلك، من الصعب أن ينال من رموز الشعر والثورة العربية، مهما انقلبت موازين الزمان. وان القارئ الحصيف لا يخذل نصوصه بحركة متغيرات طارئة، أو أجندة أنظمة متقلبة.
لقد كان موت محمود درويش، نوعا من الاغتيال الداخلي على مراحل. وكان ما حصل لعواصم الثقافة والثورة العربية بالتعاقب، صورة للاغتيال السياسي للقصيدة الثورة. أليس هو القائل: نهفو لأندلس ان حوصرت حلب!..
ظهور محمود درويش لم يقترن بزمن الثورة العربية فحسب، وانما كان بشعره رائدا ورمزا من روادها ورموزها، وسوف يبقى.. وتبقى قصائده ونصوصه توربينا قادحا مشتعلا، يدفع حماس الاجيال العربية في سبيل السيادة والكبرياء والحرية دائما.
قبل ثلاثة اسابع من رحيل محمود درويش نشرت جريدة الحياة اللندنية على صفحتها الأخيرة، وفي اسفل الصفحة تماما، حيث مانشيت عريض على يمين الصفحة: [الشوكولاته نادرة في المستقبل؟] صورة الشاعر ودونه تعليق يقول: محمود درويش شاعرا لا قضية: يريد الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي يشارك في مهرجان موسيقى العالم في ارل/ جنوب فرنسا، أن يقرأ (كشاعر) و(ليس كقضية)، هو الذي قرر اعطاء الأولوية لمواضيع كونية، مثل الحب والحياة والموت، على حساب قضايا بحت سياسية، طغت على بداياته.
وقال درويش في ارل التي أحيا فيها أمسية شعرية: أحاول بث بعض السرور والأمل، لأنه اذا كانت المسألة تكمن في تركيز الضوء على الظروف التي يعيش فيها الفلسطينيون، فيمكنهم التعبير عن ذلك أفضل مني، والتلفزيون يتولى بدوره هذا الأمر. لا تطلبوا مني تقريرا عما يحدث. هذا ليس دوري. وأضاف: افضل الحديث عن زهر اللوز، لأن الفلسطيني يمكن أن يكون سعيدا، لا يمكن ألا أن يكون المرء سعيدا، مع بداية الربيع حين يزهر اللوز. في اشارة الى دوانه الأخير/(كزهر اللوز أو أبعد).
ويعتبر محمود درويش ان نهجه الجديد يتيح له الاقتراب من بحثه عن لغة اكثر نقاء وكونية. يفهمها القراء على اختلاف فئاتهم. ويقول: أرى ان وصف المأساة يقتل اللغة الشعرية. لدي انطباع ان القراء يفضلون شعري الجديد أكثر من ذلك الذي كتبته قبلثلاثين أو اربعين سنة، حين كانت نصوصي مباشرة أكثر وسياسية أكثر.
لكن الألم وغياب الوطن الأم والخوف من الآخر، لا تزال تطغى على غالبية قصائده ال(18) التي قرأها في مسرح ارل الاثري. بناء على دعوة مهرجان موسيقى العالم في المدينة الفرنسية ودار (اكت سود) للنشر التي تحتفل بذكرى تأسيسها الثلاثين. قرأ درويش قصائده بالعربية، وتولى الممثل ديدييه ساندر ترجمتها الفرنسية.
يعتبر درويش ان الشعر لغة انسانية مشتركة، يحمل رسالة من دون أن يدري، تختصر بحب الجمال. ويقول درويش: أن أكون مواطنا في بلد صغير جدا يفتقر الى دولة، وأن أكون معروفا ما وراء الحدود، يلقيان علي مسؤوليات كبيرة.
نشر هذا التعليق في جريدة الحياة في (17/ 7/ 2008م)، وفي (9/ 8/ 2008م) فارق الشاعر الحياة في تكساس الأميركية، خلال جراحة في مشفى هيوستن. والتعليق حافل بمغالطات، وعدم فهم شاعرية محمود درويش وشخصيته.
واليوم.. بعد عشر سنوات من رحيله.. من بداية القرن الجديد.. يمكن ملاحظة تغييب الاعلام لدرويش عربيا.. صحيح ان جانبا من ذلك يعود لانسحاب الشعر والشاعرية من الحياة العامة، ولكنه، أكثر من ذلك، يعود لحركوة الانقلاب العام على الحالة الثورية والقومية، والاصرار العالمي والرسمي، على ترويج الميوعة وتطبيع السياسات الامبريالية. ولعل هذا تحديدا، ما يؤكد عمق الحاجة، لجعل درويش وشعره، درسا يوميا للفرد والعائلة العربية، في مواجهة عتمات العولمة.
(50)
اصداراته الشعرية..
- عصافير بلا أجنحة- 1960م، اوراق الزيتون- 1964م، العصافير تموت في الجليل- 1969م، حبيبتي تنهض من نومها- 1970م، محاولة رقم -7- 1973م، تلك صورتها وهذا انتحار العاشق- 1975م، اعراس- 1977م، حصار لمدائح البحر- 1984م، ذاكرة النسيان- 1987م، لماذا تركت الحصان وحيدا- 1995م، سرير الغريبة- 1999م، جدارية- 2000م، حالة حصار- 2002م، لا تعتذر عما فعلت- 2004م، كزهر اللوز او ابعد- 2005م، في حضرة الغياب- 2006م، يوميات الحزن العادي- 2007م، اثر الفراشة- 2008م، اقول لكم- 2008م، ان لي ان اعود- 2008م، لا اريد لهذه القصيدة ان تنتهي- 2009م، خطب الدكتاتور الموزونة- 2013م، انا الموقع ادناه- 2014م.
ـــــــــــــــــــــــ
- محمود درويش: مجاميعه الشعرية.
- ديوان محمود درويش.
- اثار الشاعر محمود درويش في مواقع الكترونية.
- جريدة الحياة- 7/ 7/ 2007م- الصفحة الاخيرة- مهرجان ارل- فرنسا.
- محمد حلمي الريشه: مرايا الصهيل الازرق- 2009م- قلق المحلي واشكالية العولمة: دراسة لوديع العبيدي.
وديع العبيدي





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,059,250,149
- في علم اجتماع الجيولوجيا..
- العولمة: اشتراكية بزاوية مقلوبة!..
- ما قبل اللغة..
- عولمة الخناثة (2)
- عولمة الخناثة..
- دارون والعنصرية الانجلوميركية..
- دولة بلا أخلاق/ Amoral State
- من دولة العسكر إلى دولة المأفيات..
- البلادة/ ASimpathy
- علم بلا أخلاق/ AMoral Science
- عولمة بلا أخلاق/ AMoral Globalization
- ما قبل الكولونيالية..
- ما بعد الامبريالية..!
- من رأسمالية الدولة الى دكتاتورية الرأسمالية..
- عولمة.. فوضى ونفايات
- اكذب تضحك لك الدنيا!..
- عن اليتم والبصرة والشارع الوطني..
- القرصنة الثقافية وتهجين العقل
- المكان هو اليوتوبيا
- كاموك- رواية- (78- 84)- الاخيرة


المزيد.....




- إنطلاق فعاليات الدورة الـ 40 لمهرجان القاهرة السينمائي (فيدي ...
- المحامل التقليدية في قطر.. تراث بحري بحلة عصرية
- شاهد: خان المدلل في بغداد.. هنا غنت أم كلثوم
- بلاغ عن أعمال الفعالية الفكرية المركزية التاسعة
- أخنوش يفتتح المقر الجديد لحزب الحمامة ببني ملال
- كتابي صديقي.. مبادرة قطرية لتشجيع الأطفال على القراءة
- المتحف العربي بالدوحة يناقش جغرافية المقاومة في الفن
- مشروع فيلم لتوثيق مآسي حرب اليمن في 100 دقيقة
- قريبا في دور السينما.. تامر حسني بدور -الرجل العنكبوت-
- أين تشاهد إطلاق القمر الصناعي المغربي الثاني


المزيد.....

- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وديع العبيدي - الذكرى العاشرة لرحيل محمود درويش..