أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله بنسعد - كيف يعمل يوسف الشاهد على تطبيق مقولة -آدام سميث- : «لا يمكن لأي برنامج إقتصادي ليبرالي أن ينجح دون ضرب أو تدجين الحركة النقابية»















المزيد.....



كيف يعمل يوسف الشاهد على تطبيق مقولة -آدام سميث- : «لا يمكن لأي برنامج إقتصادي ليبرالي أن ينجح دون ضرب أو تدجين الحركة النقابية»


عبدالله بنسعد

الحوار المتمدن-العدد: 6001 - 2018 / 9 / 22 - 16:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تصدير : «إنّ الطبقة العاملة التونسيّة سوف لا تركن للمذلّة والإهانة وهي على أتمّ الإستعداد لأخذ نصيبها من الحياة الحرّة السّعيدة. فهل يستحقّ الحياة من لا يدافع عن كرامته ؟»
ـ فرحات حشّاد ـ
مقدّمة لا بدّ منها
إشتداد حملة شيطنة الإتحاد العام التونسي للشغل وقياداته (إتهام البعض بالفساد بل حتّى بالتورّط في ملفّ التخابر مع جهات أجنبية وخدمة الأجندة الإرهابية) في هاته المرحلة بالذات هي ليست عفويّة أوبريئة بالمرّة وليست أيضا ردّة فعل على تصريحات الأمين العام بإمكانية تنفيذ إضراب عام في الوظيفة العمومية والقطاع العام وإنّما هي تتنزّل في إطار خطّة ممنهجة ومتكاملة بدأت بالإنقلاب على آليّات التفاوض والحوار الإجتماعي من ناحية (الضرب عرض الحائط ببرقيات الإضراب القانونية بعدم الجلوس للنقابيين وإن حصل ففي آخر لحظة لإحراجهم أمام قواعدهم وأمام الرأي العام) واللجوء إلى إستعمال القوانين التي أكل عليها الدهر وشرب مثل قانون "التسخير" وقانون "الطوارئ" وربّما حتّى قانون "الإرهاب" الذي يمكن إستعماله مستقبلا إضافة إلى حشر القضاء والبوليس والجيش في النزاعات الشغلية من ناحية أخرى. طبعا هذا التكتيك الجديد في التعامل مع الإتحاد (والذي وضعه حفنة من مستشاري رئيس الحكومة أو حسب توصيف الأمين العام "أربعة ذراري") أجزم بأنّه تنفيذ لإحدى توصيات مؤسسات النهب العالمي (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي) التي كانت وراء تخريب إقتصاديات مئات البلدان. طبعا الهدف من هذا التكتيك الجديد هو تطبيق مقولة "آدم سميث" الأب الروحي لليبرالية الكلاسيكيّة والذي قال "لا يمكن لأي برنامج إقتصادي ليبرالي أن ينجح دون توفّر شرطين إثنين : أوّلا ، تركيز ثقافة ليبرالية تخدم ذلك البرنامج وثانيا ، ضرب أو تدجين الحركة النقابيّة".
طبعا مسألة الثقافة الرجعية هي مسألة حاصلة ومفروغ منها وسنبيّن ذلك في الأسطر التالية.
تبقى مسألة ضرب أو تدجين الحركة النقابية هي مهمّة للإنجاز إذا أرادت هذه الحكومة الرجعية العميلة تنفيذ "برنامج جديد للإصلاح الهيكلي" الشرط الذي فرضه صندوق النقد الدولي لحصول تونس على القرض الإئتماني سنة 2013 وقد جاء ذلك في ملحق سرّي كان أمضى عليه رئيس الوزراء في ذلك الوقت سيّء الصيت علي العريّض (علي رشّ) (أنظر مقالنا بعنوان "القرض الإئتماني يخفي وراءه برنامجا جديدا للإصلاح الهيكلي : نهاية حلم إسمه الثورة" منشور بصفحة الجبهة : عبد-الله-بن-سعدhttp://front-populaire.org/?tag= ).
ومن أهمّ نقاط ذلك البرنامج هو تفكيك صندوق الدعم نهائيّا وبالتالي إلغاء كل أشكال الدعم للمواطن التونسي خلافا لما يروّج له وزراء هاته الحكومة الرجعية العميلة ومستشاريها من أنّه سيقع توجيه الدعم لمستحقّيه (أي من يكون دخلهم أقل من السميغ) وكأنّ الطبقة الوسطى في تونس غير مستحقّة للدعم وهي التي تدحرجت إلى أسفل المراتب. وعلى رأس هؤلاء المستشارين نجد أكبر شخص أجرم في حقّ الاقتصاد التونسي منذ سنة 2011 وهو المدعو توفيق الراجحي هذا الوزير الإخوانجي التلميذ الوفي لمؤسسات النهب العالمية (لازال يشغل إلى اليوم خطّة خبير إستشاري لدى البنك العالمي) والذي لم يقدر أي وزير أول تداول على السلطة على زحزحته من مكانه منذ تعيينه سنة 2012. هذا الوزير الفاشل هو من يقف وراء كلّ السياسات اللاوطنية واللاشعبية واللاديمقراطية التي تنفّذها السلطة.
لكن لنبدأ من البداية ، والبداية هي الحديث عن العولمة الليبرالية المتوحّشة التي تتنزّل فيها هاته الحملة الشرسة على النقابيين والعمل النقابي في العالم والتي وصلت إلى حدّ مطالبة بعضهم بتفكيك منظمة العمل الدولية بدعوى أنّه لم يعد لها دور تلعبه في هذا الوقت بالذات.
1. العولمة الليبرالية الشرسة أو إعادة إنتاج تنظيرات "آدام سميث" بأكثر وحشيّة : "دعه ينهب ، دعه يمرّ"
كل شيء يسير اليوم حسب تعليمات وطموحات ورغبات المتحكّمين الحقيقيين في هذا العالم وهم ملاكي الشركات متعددة الجنسية والعابرة للقارات أو مثلما سمّاها لينين معلّم البروليتاريا "التروستات". هؤلاء لا يعترفون بالقيود ولا يعرفون الخطوط الحمراء بل يدوسون على تشاريع العمل ويستغلون العمّال ويعتدون على سيادة الدول.
هكذا إذا يمضي مالكي الشركات والتروستات في التخلّص من كل ما يمكن أن يقف حجر عثرة أمام مشاريعهم الربحية وأمام تكديس الأموال وضخّها في حساباتهم البنكية بكل الطرق الشرعية واللاشرعية التي وصلت إلى حدّ السلب والنهب غير آبهين لا بالقوانين ولا بالمرجعيات ولا بالأخلاق. ولفهم حقيقة الأخلاق الرأسمالية التي تقود هؤلاء إقرؤوا ماذا قال رئيس "مجمع نستلي" ذات يوم «العولمة هي حرّية مجموعة شركاتي في الإنتصاب أينما شاءت ومتى شاءت من أجل إنتاج ما تشاء والشّراء والبيع أينما أرادت مع تحمّل أقلّ ما يمكن من التّكاليف النّاتجة عن تطبيق قانون الشغل والإتّفاقيّات الإجتماعيّة» هكذا بكلّ وقاحة وصلافة. إنّه عصر العولمة الليبرالية الشرسة التي لم تعرف الإنسانية أكثر منه تدميرا ودموية حيث إنفلتت الرأسمالية من تحت عباءة الإطار النظري الذي وضعه لها المنظرون الأوائل منظروا المدرسة الليبرالية الكلاسيكيّة (آدام سميث ودافيد ريكاردو) وكسّرت كل الضوابط وتخلّت عن دور الدولة (تنظيرات كينز خاصة) وبالتالي عوّضتها تنظيرات المدرسة النيو ليبرالية لصاحبها "فريدريخ أوغوست فون هايك" أحد خريجي المدرسة النمساوية في الاقتصاد. فالشركات متعددة الجنسية والعابرة للقارات والتروستات (حوالي 40 ألف شركة) والتي لم يعد لها مقر إجتماعي معروف بل أصبحت توجد في عشرات الدول في نفس الوقت هي التي أصبحت تتحكّم في مصائر الشعوب والأمم كما قلنا. هذه الشركات أصبحت خارج القوانين التي تسنها الدول إذ حلت منظمة التجارة العالمية محل الدول لسن القوانين المتعلقة بالتبادل التجاري رافعة شعار "العبور إلى السوق" وهو تكريس للعولمة الليبراليّة الشرسة التي تنصهر فيها وتدافع عنها وهذا يعني فتح أسواق البلدان الفقيرة ليقع غزوها من طرف تلك الشركات. وقد مكّنت هذه المنظمة تلك الشركات من وضع قبضتها على السوق العالمية حيث أن مداخيل 15 شركة منها تساوي مداخيل 120 دولة مجتمعة. وإضافة لذلك لم يزد البنك العالمي وصندوق النقد الدولي عن طريق برامج الإصلاح الهيكلي إلا في تعميق الأزمة. فتدهور المقدرة الشرائية للعمال أدّى إلى التقليص الكبير في الإستهلاك وبالتالي شهد الإقتصاد العالمي إنتكاسة لم يشهد لها مثيلا طيلة العقود الماضية بل أزمة الرأسمالية ضربت إحدى قلاع الرأسمالية في العالم ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية ممّا تسبّب لها في ظهور أزمة شبيهة بأزمة 1929 والتي عرفت بأزمة "الرهن العقاري" سنة 2007. وكان الحل في عسكرة الإقتصاد حيث تحاول الإمبريالية تعويض الإستهلاك الذي يعتبر المحرّك الأساسي للإقتصاد ببرامج تسليح ضخمة تنعش الصناعة العسكرية التي لم تعد مقتصرة على مصانع الدبابات والصواريخ وإنما أيضا وخاصة على الشركات المختصة في التكنولوجيا الرقمية والمعلوماتية والفضائية إلخ...
والكل لا زال يتذكّر الحروب المدمّرة التي حصلت بعد سقوط جدار برلين وتفكك دولة الإتحاد السوفياتي ومنها خاصة الحروب التي شهدتها أفغانستان ويوغسلافيا والصومال وخاصة العراق سنة 2003 وإنتعشت الحروب من جديد خاصة بعد سنة 2011 وبزوغ شمس ما سمّي بالربيع العربي والتي لم تكن سوى "ربيع عربي يتمخّض عن خريف إسلامي بغيوم صهيونية" حسب تعبير الهادي دانيال. وقد أدّت هذه الحروب المشتعلة في سوريا واليمن وليبيا إلى قتل الملايين وتشريد عشرات الملايين. وقد نظّرت لعسكرة الإقتصاد مدرسة شيكاغو أثناء حرب الفيتنام حيث نقرأ ما يلي : »بالنسبة لإنتعاش الإقتصاد لا يمكن تصوّر بديل للحرب. لا يوجد بديل آخر في مستوى الفاعلية والحفاظ على مواطن الشغل لدينا وعلى الإنتاج والإستهلاك. فالحرب كانت وستبقى العنصر الأساسي للحفاظ على توازن المجتمعات العصرية. الحرب والحرب وحدها هي القادرة على حل مشكل فائض الإنتاج «. فهل فيكم من قرأ كلمات أعمق من هذه الكلمات التي تعبّر عن ضرورة عسكرة الإقتصاد لتحل الإمبريالية أزمتها ؟ وهل هناك كلمات أشدّ وضوحا من هذه الكلمات للتعبير عن أنّ السلم هو عدوّ الإمبريالية خلافا لما تدّعيه ؟ ألم يقل لينين معلّم البروليتاريا "الإمبرياليّة هي الحرب" ؟ ولذلك نفهم لماذا تخصّص الإمبريالية الأمريكية مبلغ مليار دولار يوميا من ميزانيتها للتسلّح. (أنظر مقالنا بجريدة الشعب بتاريخ 26 أكتوبر و2 نوفمبر 2002 بعنوان "الأهداف الإستراتيجية للحرب ضد الإرهاب").
ولنعد الأن إلى مقولة "دعه يعمل ، دعه يمرّ" أو كما عبّر عنها بأكثر عمق المفكّر "محمد هنيد" عندما قال "دعه ينهب ، دعه يمرّ". فهذه المقولة المنسوبة لآدام سميث كما يظنّ الكثيرون هي في الحقيقة ظهرت قبل ذلك بكثير. وكان ذلك بالضبط سنة 1681حين اجتمع وزير المالية الفرنسي "جان بابتيست كولبير" مع مجموعة من كبار رجال الأعمال الفرنسيين ووجه لهم السؤال التالي: أيها السادة، كيف يمكن للحكومة الفرنسية مساعدتكم؟ وأجاب الحاضرون قائلين بالفرنسية "laissez-faire" بمعنى "اتركوا الأمور تمضي كما هي". قصة هذا الاجتماع ذكرها لأول مرة وزير المالية الفرنسي "رينيه دي فوير" في مقال نشره عام 1751 بمجلة "الاقتصادي" الفرنسية. وفي خمسينيات القرن الثامن عشر، قام الاقتصادي الفرنسي "فنسنت دي جورناي" (وهو أحد منظّري المدرسة الفكرية المعروفة باسم "الفيزيوقراط" Physiocratie التي ظهرت حوالي سنة 1750 بفرنسا وقد أخذت هذا الإسم من خلال الكتاب الذي أصدره أحد أعلامها وهو "ديبون دي نيمور" والذي أسماه "حكومة الطبيعة") بتطوير المصطلح مطلقًا عبارة "laissez-faire, laissez-passer" أو "دعه يعمل ، دعه يمر" وذلك أثناء دعوته لإزالة القيود التنظيمية المفروضة على التجارة والصناعة في فرنسا. وأصبحت بذلك هاته العبارة الشهيرة شعارا لليبرالية الاقتصادية وأكثر من إستعملها في كتاباته هو "آدم سميث". لكن في علاقة بمقالنا هذا فإنّ مقولة "سميث" التي يعمل منظروا العولمة الليبرالية الحاليون على ترويجها وتشجيع مختلف بلدان العالم على تطبيقها هي مقولة "لا يمكن لأي برنامج إقتصادي ليبرالي أن ينجح دون ضرب أو تدجين الحركة النقابية". وقد أسالت هذه المقولة لعاب يوسف الشاهد ومجموعة المستشارين الليبراليين الذين يتحلّقون حوله وإنطلق في محاولة تجسيدها على أرض الواقع ممنّيا النفس بنجاح مخطّطه من أجل التخلّص من أشرس من يقف في وجه دولة الفساد ألا وهو الإتحاد العام التونسي للشغل. طبعا يوسف الشاهد يتحرّك في إطار مناخ عالميّ معادي للعمّال والعمل النقابي يخدم صالحه (حسب توهّمه طبعا) ويشجّعه للسير قدما في مخطّطه. فتقرير إتحاد النقابات العالمي لسنة 2018 يؤكّد على إنحسار مجال الحقوق والحريات النقابية في العالم مقابل إزدياد وإحتداد الجشع الرأسمالي. ومن أهمّ ما يمكن إستخلاصه من هذا التقرير الذي شمل دراسة حالة 142 بلدا هو :
• إرتفع عدد البلدان التي تعتدي بشكل سافر على الحق النقابي (سجن وإختطاف وتعذيب النقابيين) من 44 بلدا سنة 2016 إلى 59 بلدا سنة 2017
• 87 % من البلدان تعرقل حق الإضراب أو تمنعه
• 81 % من البلدان لا تعترف بحق التفاوض الجماعي
• 65 % من البلدان تمنع حرّية التنظيم النقابي والإنخراط في النقابات
• 9 بلدان سجّلت فيها حالات إعدام لمسؤولين نقابيين سنة 2017 وعلى رأسها كولومبيا التي شهدت إعدام 19 مسؤولا نقابيا
هذا هو الإطار العام الذي يتحرّك فيه يوسف الشاهد والذي تدعمه سياسة ثقافية رجعية تخدم سياساته المعادية للجماهير الشعبية مثلما نظّر له "آدام سميث".
2. تفشّي الثقافة الرجعية ذات المضمون المعادي للعمّال
يعيش العامل في ظلّ العولمة الليبراليّة الحاليّة ثقافتين متباعدتين ومتناقضتين. ثقافة عمّاليّة هي بدون شكّ تقدّميّة بمحتواها الوطني والسّياسي والإجتماعي أي أنّها منحازة إلى الطبقات الكادحة تعبّر عن آمالها وطموحاتها وأحلامها ، وأخرى بورجوازيّة هي بالضرورة إستهلاكيّة/رجعيّة مفعمة بتكريس التفاوت الطّبقي أي أنّها منحازة إلى الطبقة الرأسماليّة وتعبّر عن مصالحها وبرامجها ورؤاها.
وتعمل الثّقافة البورجوازيّة المعولمة "ثقافة النفايات ونفاية الثقافات" على سلب العمّال الثقافة الأولى ودفعهم نحو عصرنة فرديّة مصطنعة. «فعصرنة الثقافة لا تعني في نهاية الأمر إلاّ سيطرة الثّقافة الإمبرياليّة على الثقافات المحليّة لتلك الشعوب وطمس ثوابتها الوطنيّة وضرب معالمها الحضاريّة والإنسانيّة. إنّه سعي إلى إذابة هويّة تلك الشعوب وفسخها»1.
ومع تنامي وتطوّر وسيطرة وسائل وتقنيات الإتّصال والمعلوماتيّة أصبح العامل يقف عاجزا عن الوصل بين ماضيه التراثي النيّر الذي أسّس له روّاد الفكر الإشتراكي وتجسّد عبر العديد من التجارب الثوريّة والوطنيّة التي فتحت آفاقا رحبة للعمّال والكادحين في مختلف أنحاء العالم وبين العصرنة البورجوازيّة المغتربة عنه ، فأصبح منفصما في شخصيّته مغتربا في ثقافته وعاجزا على مواجهة تجلّيات العولمة الليبراليّة.
لذلك أصبح العامل اليوم يعيش في عالم من الوهم ونسق من الخيال تصنعه له أبواق الدّعاية للفكر البورجوازي عبر الإغراءات الكاذبة والجري وراء السّراب والحلم بالربح السهل وتكديس الثروة (أنظر ألعاب الحظ التي أصبح لا يخلو منها برنامج تلفزي واحد).
يقول الدكتور الحبيب الجنحاني في هذا الخصوص : «بدأ المختصّون في الدّراسات المستقبليّة في إجتماع نخبة قيادة العالم بفندق فيرمونت بمدينة سان فرانسيسكو في خريف 1995 يتحدّثون عن مجتمع العشرين ، أو مجتمع الخمس في القرن المعولم الجديد ، أي أنّ عشرين في المائة سيكون لهم عمل يدرّ عليهم دخلا يسمح بمستوى معيشي محترم ، أمّا البقيّة من المواطنين الفائضين عن الحاجة فسينضمّون إلى جحافل العاطلين. إنّ الليبراليّة الجديدة الحاضنة لإيديولوجيّة العولمة قد إستفادت من تجارب الشقيقة الكبرى : الرأسماليّة في عصرها الكلاسيكي وأدركت أنّ عصر الصورة لا يسمح لسكّان أرخبيل الثّراء بالتمتّع بحياة الترف والبذخ دون إزعاج وكوابيس مفزعة فلا بدّ إذا من التفكير في إلهاء الثمانين في المائة وتخديرهم والإستفادة لتحقيق ذلك من أحدث وسائل الإتّصال في مجال الفرجة والإلهاء فليس من الصدفة إذن أن يكون أحد كبار المختصّين في القضايا الأمنيّة ومستشار الأمن القومي في البيت الأبيض سابقا الخبير الأمريكي ذو الأصول البولنديّة بريجنسكي من أبرز نجوم إجتماع فندق فيرمونت ، وجيء به ليقترح على الحاضرين من رجال السياسة والمال أسلوبا يمكّن من سدّ رمق المواطنين الفائضين عن الحاجة ، وتسليتهم حتّى يواصلوا العيش في عالم الأحلام ويستمرّوا فاغري الأفواه أمام ما تمطرهم به الأقمار الصّناعيّة من صور وبرامج. وتفتّحت قريحة الخبير في المسائل الجيوـ ستراتيجيّة عن مقولة الإلهاء بمص حلم الأثداء المخدّرة مشيرا بذلك إلى الحليب الذي يفيض عن ثدي المرضعة والمتمثّل في المساعدات الإقتصاديّة والإجتماعيّة التي تسدّ الرّمق بالإضافة إلى الخليط الآخر المتمثّل في ثقافة "ماكدونالد" و"والت ديزني" أو ثقافة أفواج الفتيان المتحلّقين أمام منازلهم في أحياء الصفيح بالدار البيضاء أو أحياء شبرا بالقاهرة أو أم درمان بالخرطوم يتهامسون حول مفاتن صدر باميلا أندرسون سباحة الإنقاذ في المسلسل الأمريكي "باي واتش" وكأنّها إحدى بنات الحي التي يمكن أن تصبح يوما ما زوجة أحدهم»2.
ونظرا لكلّ ما تقدّم فإنّنا يمكن أن نجزم بأنّ العامل اليوم أصبح ممسوخ الشخصيّة ، فاقدا للهويّة وغير قادر بالتالي على التأقلم مع الآخر فهرب إلى الأنا وتخفّى وراء الذات وطغت بالتالي الأنانيّة (Egoïsme) وحب الذات (Individualisme) على الوحدة العمّاليّة والتضامن العمّالي. والنتيجة هي إنحسار ثقافة المقاومة وتراجع الإنتساب النقابي في مختلف أنحاء العالم. ومن هذا المنطلق يمكن الحديث ، مع الأسف الشديد ، على أنّ العولمة الليبرالية الشرسة تمكّنت من تحقيق إحدى أهدافها ولو لحين (لأنّنا لا يمكن أن نستهين بقوّة وعظمة الطبقة العاملة عندما تتوفّر لها القيادة اللازمة) ألا وهو ضرب وحدة العمّال ونضاليّتهم.
لذلك يمكن القول بأنّ «العولمة من خلال السياسات الليبرالية الحديثة التي تعتمد عليها إنّما ترسم لنا صورة المستقبل بالعودة للماضي السحيق للرأسماليّة. فبعد قرن بلغت فيه الأفكار الإشتراكيّة والديمقراطيّة ومبادئ العدالة الإجتماعية ، تلوح الآن في الأفق حركة مضادّة تقتلع كلّ ما حقّقته الطبقة العاملة والطبقات الوسطى من مكتسبات ، كل هذه الأمور ليست في الحقيقة إلاّ عودة للأوضاع نفسها التي ميّزت البدايات الأولى للنظام الرأسمالي وهي أمور ستزداد سوءا مع السرعة التي تتحرّك بها عجلات العولمة المستندة إلى الليبرالية الحديثة»3.
كلمة أخيرة حول جوهر الثقافة الإمبريالية فهي في تمظهراتها الحاليّة المرتبطة بالعولمة الليبرالية ثقافة "إستهلاكيّة شبابيّة". فهي إستهلاكيّة بإعتبار أنّه لم يحدث في التاريخ أن إستطاعت ثقافة ما أن تمسّ كلّ الأمم والشعوب ومختلف الطبقات والشّرائح والأجناس مثل ما يحصل الآن. فالكوكا كولا تباع في ساحة تيان آن مين في الصين كما تباع في الساحة الحمراء في موسكو وفي العاصمة الأفغانيّة كابول ونجدها تؤثّث أيضا حتّى طاولات ثوّار جبهة فرباندو مارتيفي السلفادور وغيرها من الشعوب.
وهي شبابيّة بإعتبار وأنّ الثقافة الإمبريالية تمكّنت من توحيد كلّ شباب العالم كما لم تتمكّن قوّة أخرى من توحيدهم عبر التاريخ (لاحظوا التركيز على الأطفال والشباب في الومضات الإشهاريّة في كل تلفزات العالم). فالليبرالية الجديدة التي تبحث عن توسيع السّوق لترويج سلعها إنتبهت إلى أنّ الشباب يمثّل قوّة شرائيّة صاعدة فركّزت ثقافتها الإستهلاكيّة على هذه الشريحة. فالشباب العربي كما الشباب الآسيوي كما الشباب الأوروبي كما الشباب الأمريكي وأخيرا الشباب الأقينوسي يأكل الوجبات السريعة نفسها كالهمبورغر والكويك والبيتزا ويشرب من المشروبات الغازية نفسها كالكوكا والبيبسي والهواي ويلبس ملابس الماركات العالميّة نفسها كالنايك والفيلا والكالفين كلاين ويستمع إلى المجموعات الموسيقية نفسها كمايكل جاكسون ومادونا وسبايس غيرلز ويشاهد الأفلام السينمائيّة نفسها كحرب النجوم ولاين كنك وقادزيلا وتيتانيك ويقلّد تسريحات الشعر نفسها كالمارينز وترافولتا ويلبس اللباس الخليع نفسه كلباس الهيب هوب وشاكيرا. إذا لم يعد هناك شكّ في القوّة الإندماجيّة للثقافة الإستهلاكيّة لدى الشباب وهو ما يطرح تحدّيات كبيرة أمام قسم الشباب العامل والمرأة بالإتحاد العام التونسي للشغل بالأساس.
ووعيا بخطورة هذه المرحلة وإنطلاقا من دفاعنا عن عمل نقابي مناضل مستند إلى الإرادة القاعديّة ومستقل عن أعداء العمّال يربط بين النضال النقابي المطلبي وبعده السياسي والطبقي أي بالنضال ضدّ الإمبرياليّة وعملائها وفي ظل الغزو الثقافي الإمبريالي والرجعي الذي يعمل على تكريس التخلّف وتبليد الفكر وتعطيل ملكة النقد والإبداع لدى الجماهير الشعبيّة عامّة والعمّال خاصّة فإنّنا لا نرى غير تكريس ثقافة عمّاليّة داخل الإتحاد العام التونسي للشغل ترتقي بدور القواعد العمّاليّة نحو ما هو أفضل ممّا يجعل منها صمولة الفعل النقابي في الساحة الإجتماعية ، بالإضافة إلى المساهمة في قيام حركة ثقافيّة تقدّميّة بديلة ذات الخصوصيّة الوطنيّة والبعد الأممي.
فالثقافة الوطنيّة كجملة معارف وقيم وتراث نيّر ذات طابع طبقي بالضرورة كما تعتبر سلاحا من أسلحة نقد السائد وهدمه وبناء البديل الثقافي التقدّمي وهي بالتالي تلعب دورا أساسيّا في تفجير الوعي لدى العمّال وتمنحهم زادا نظريّا يمكّنهم من التصدّي للفكر الإقطاعي والثقافة الإمبرياليّة وتحدّد لهم الأصدقاء من الأعداء.
3. "كلاب الحراسة الجدد" في خدمة الحكومة الرجعية العميلة
في الحقيقة لم نكن في حاجة للخبر الفضيحة الذي نشرته صحيفة "الغرديان" البريطانية في أواخر شهر جوان الفارط لنكتشف وجود "صحفيين فاسدين" باعوا ضمائرهم ومستعدّين لبيع أوطانهم من أجل حفنة من المال. هذا الرهط من أشباه الصحفيين سمّاهم "سارج حليمي" في كتاب أصدره سنة 1997 بـ "كلاب الحراسة الجدد". "الغارديان" كشفت عن قيام الحكومة البريطانية بتمويل حملة دعائيّة لدعم وسائل إعلام تونسية محلية بهدف تبييض حكومة يوسف الشاهد بعد أحداث جانفي 2018، التي شهدت إحتجاجات شعبية في مختلف ولايات الجمهورية ضد قانون المالية الحالي. ورغم إسراع الحكومة وسفارة بريطانيا بتونس بتكذيب هذا الخبر فإنّ الوثائق التي نشرتها رءاسة الحكومة البريطانية (بعد التحقيق الذي وقع فتحه من طرف البرلمان) على صفحتها الخاصة أكّدت حصول ذلك الأمر. "ومن بين الوثائق المنشورة، تبين وثيقة خاصة ببرنامج دعم الاقتصاد والحوكمة للحكومة التونسية الخاص بالفترة الممتدة من شهر أفريل 2017 إلى غاية شهر مارس 2018 ، تبين أن المملكة المتحدة تدعم حكومة الشاهد عبر مساعدات مختلفة. ومن بين أهداف هذه المساعدات التي أعدت الحكومة البريطانية تقارير مفصلة عنها نجد أن من بين الأهداف الأساسية مساعدة الحكومة التونسية عبر الأموال والخبرات في المجال الإتصالي للتسويق لسياساتها وقراراتها وإقناع الرأي العام بالإصلاحات وكذلك أيضا إيجاد حلول إتصالية في زمن الأزمات. ويتكفل بملف الدعم الإتصالي مكتب الإتصال والأبحاث بالحكومة البريطانية. ومن بين الملفات الكبيرة التي وقع التركيز عليها خلال الفترة المذكورة، أي من شهر أفريل 2017 إلى شهر مارس 2018 ، نجد الترويج لملف "الإصلاحات الاقتصادية" خاصة خلال الاحتجاجات الشعبية ، إضافة إلى معالجة الدوافع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لعدم الاستقرار في المناطق المهمشة وكيفية تعامل الحكومة مع التوترات والأزمات الاجتماعية. البرنامج الذي أعدته الحكومة البريطانية الخاص بدعم الاقتصاد والحوكمة للحكومة التونسية، كشفت الوثائق أنّ تكاليفه الجملية بلغت 16.6 مليون دينار"(4). وفي هذا هذا الإطار إنطلقت الحملة الإعلامية ضدّ الإتحاد وقياداته بتحرّك أبواق الدعاية للرأس مال القذر أولائك المدافعين عن الوفاق الطبقي والداعين إلى سلم إجتماعية يكون فيها العرف هو السيّد والعامل هو العبد فإنبرت الأقلام التي يقطر حبرها حقدا وكراهية للعمال والتي تنتمي إلى الصحافة الصفراء صحافة الإصلاح الهيكلي وإقتصاد السوق (أنظر مقالنا تحت عنوان "صحافة الإصلاح الهيكلي والفكر الواحد" بجريدة الشعب عدد 468 بتاريخ 6 فيفري 1999 ص 16) التي عوّدتنا على إنحيازها المفضوح لرأس المال ودفاعها المستميت عن كلّ المشاريع المملاة من طرف الصناديق المالية الإمبريالية النهابة (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي) من برنامج الإصلاح الهيكلي إلى مشروع التأمين عن المرض مرورا بالخوصصة وإتفاق الشراكة مع الإتحاد الأوروبي وبرنامج تأهيل المؤسسات وغيرها من البرامج والمشاريع التي لم يجني منها العمال إلاّ الطرد وغلق المؤسسات والتفقير والتهميش.
غير أنّني أريد التأكيد على أنّ هاته الحملة المسعورة رغم إشتدادها يمكن قراءتها من زاوية إيجابيّة. كيف ذلك ؟ الكلّ يعلم بأنّ الضعيف (منظمة كانت أم حزبا) لا يمكن أن يجلب إنتباه السلطة العميلة أو يقلقها لأنّ ضعفه يعني عدم قدرته على التأثير في الواقع لكنّ القويّ (حزبا كان أم منظّمة) يمكن أن يرعب السلطة ويمثّل لها أرقا دائما وبالتالي يجعلها تقرأ له ألف حساب وتعمل طبعا لكي يخلو لها المجال كلّ ما في وسعها لتحييده أو إزاحته من طريقها. وحديثنا قياس فالإتحاد العام التونسي للشغل يعتبر اليوم رقما صعبا داخل الساحة السياسية والإجتماعية بوزنه التاريخي الناصع لكن أيضا بفعله الآني الذي يمثّل صمّام الأمان للدفاع عن القطاع العام وعن الخدمات الاجتماعية وعن التوزيع العادل للثروة بينما بالمقابل أمضت الأحزاب الرجعية الحاكمة (بشقيها الليبرالي والديني) على كلّ الإتفاقيات الخيانية ذات المضمون اللاوطني واللاديمقراطي واللاشعبي وأهمّها إتفاقية الشريك المميّز وإتفاقية القرض الإئتماني ومستقبلا إتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق (الشاهد أكّد في آخر زيارة له إلى الإتحاد الأوروبي بأنّ تونس ستمضي على الإتفاقية خلال سنة 2019) دون الحديث طبعا عن عشرات القروض التي رفعت نسبة المديونية إلى أرقام خيالية لم تعرفها تونس حتى في أتسع الفترات التي عاشتها في ظل نظام العميل بن علي. كما أثبت الإتحاد بأنّه أكبر من كل الأحزاب مجتمعة ويمكن ذكر مثالين إثنين فقط ، الأوّل هو إضرابي صفاقس في 12 جانفي 2011 وتونس العاصمة في 14 جانفي 2011 حيث نزلت مئات الآلاف من الجماهير الشعبية تلبية لنداء الإتحاد وليس الأحزاب وهو ما عجّل بهروب العميل بن علي والثاني هو إجبار الإتحاد للأحزاب الحاكمة وعلى رأسها حركة النهضة/النكبة التي كانت تقود حكومة "الترويكا" وذلك برءاسة علي العريّض سيّء الصيت على التنازل عن السلطة والقبول بالإنخراط في "الحوار الوطني" بداية من 5 أكتوبر 2013 (رغم الشرعية الانتخابية التي كانت تملكها والتعبئة الشعبية التي حصلت عليها عبر تركها للسلفيين يرتعون في تونس عبر الحملات الدعوية ومؤتمر السلفيين بالقيروان وغيرها إضافة إلى فسحها المجال لما سمّي زورا وبهتانا بـ "روابط حماية الثورة" للقيام بأدوار مشبوهة تخدم المشروع الظلامي القروسطي الذي حاولت حركة النهضة/النكبة تركيزه في تونس وقد مثّلت تلك الروابط الذراع العسكري للحركة الذي نفّذ عملية الإعتداء على مقر الإتحاد العام التونسي للشغل يوم 4 ديسمبر 2012 وكذلك رمي الفضلات أمام مقراته في عديد من الجهات في شهر فيفري من نفس السنة) وتبني خارطة الطريق التي وقع وضعها من طرف المنظمات الأربع الراعية للحوار. هكذا أثبت الإتحاد أنّه "أكبر قوّة في البلاد" وهو ما يخيف كما قلت الماسكين بزمام السلطة وعلى رأسهم يوسف الشاهد إبن المدرسة الأمريكية (درس في أمريكا وإشتغل في سفارة أمريكا بتونس قبل 14 جانفي) هاته المدرسة المعروفة بعدائها للعمّال والتي تبيح إستعمال كلّ شيء مهما كانت خطورته من أجل إقصاء الخصوم.
ولنعد إلى الحملة الإعلامية التي تستهدف الإتحاد لنبيّن بأننا لن نستعرض كلّ ما حبّر وكتب من كلام عفن لا يمكن أن يصدر إلاّ عن صحافة المجاري ولن نتعرّض لسقط الكلام الذي يملأ به مدوّني حركة النهضة/النكبة صفحات الفايسبوك المدفوعة الأجر من شيوخ النفط وبول البعير جرذان وغلمان القرضاوي عميل المخابرات الأمريكية والصهيونية بل إخترنا مقالا واحدا يعبّر بكلّ وضوح عن "الحقد المقدّس" ضدّ منظّمتنا العتيدة الإتّحاد العام التونسي للشغل ذات السبعين سنة من النضال والتضحيات.
هؤلاء الذين أسماهم "سارج حليمي" بـ "كلاب الحراسة الجدد" إذ يقول في كتابه الذي يحمل نفس الإسم ما يلي "وسائل الإعلام الفرنسية تصرّح بأنّها ضدّ السلطة غير أنّ الصحافة المكتوبة والمرئيّة والمسموعة تحكمها صحافة الإنحناء والمجموعات الصناعية والمالية وفكر السوق وكذلك شبكة من المتواطئين. فريق صغير من الصحافيين الحاضرين دوما (والذين ضمنوا سلطتهم بتطبيق قانون الصمت) يفرضون رؤيتهم للخبر/البضاعة على مهنة أصبحت أكثر هشاشة هذه الفئة هي كلاب الحراسة الجدد لنظامنا الاقتصادي". طبعا إذا أنزلنا هذا التقديم المكثّف والمعبّر إلى واقعنا في تونس فإنّنا سنكتشف بدون أدنى عناء عن "دزّينة" من الصحفيين الذين ضمنوا سلطتهم بتطبيق قانون الصمت والذين لا يتخلّفون عن أي محطّة إعلامية من أجل تشويه الإتحاد وقياداته وإختلاق القصص والأكاذيب والأراجيف من أجل تقديمها على أنّها حقائق ومسلّمات بهدف خلق رأي عام معاد للاتحاد وللعمل النقابي والكل يتذكّر ما حصل خلال السنتين الأخيرتين خاصة عند تنفيذ إضرابات التعليم الثانوي.
المقال العيّنة الذي إخترته لفضح "كلاب الحراسة الجدد" في تونس كتبه المدعو أحمد الحبّاسي في الجريدة الإلكترونية "أنباء تونس" تحت عنوان "ماذا يريد الإتحاد العام التونسي للشغل من أبنائنا التلاميذ؟" بتاريخ 11 سبتمبر 2018 ، كلمات تقطر حقدا أعمى ضدّ الإتحاد بماضيه وحاضره إذ يبدأ مقاله الهابط بما يلي : «لا يكفي اليوم أن تصرّح قيادات الإتحاد التونسي للشغل بأنّها تطالب بفتح ملفات الفساد أو أنّها تقف مع حكومة الشاهد في هذه الحرب (وهي كذبة لا يصدّقها سوى السذّج) بل من الجدير بهذه المنظّمة بأن تقوم بحملة نظافة ذاتيّة تتطلّب منها كمّا كبيرا من مواد تنظيف أخلاقيّة». هكذا يعتبر هذا النكرة الإتّحاد يكذب في موقفه من الفساد بل يعتبره منظمة فاسدة غير قابلة للتنظيف. ثمّ يضيف «من العار أن يتمسّك الإتحاد ونقابات التعليم المنخرطة فيه في كل بيان يهمّ التعليم بما سمّاه نفاقا وبهتانا بالهجمة الشرسة التي يتعرّض إليها دون أن يقوم بكشف الجهة التي تمارس هذه الهجمة وذلك من باب الإيهام بجريمة ومن باب توزيع دم الإتحاد على القبائل كما يقال». هكذا ينفي هذا "الصحفي" الهمام وجود هجمة شرسة تستهدف الإتحاد متناسيا أنّه أحد من يشارك في هذه الجريمة. سيل الأكاذيب والتشويه لم يقف عند هذا الحدّ بل يمرّ إلى السرعة القصوى في إستعمال ألفاظ لا يمكن أن تخرج إلاّ من "فم أبخر" حسب التعبير الشعبي وصلت إلى حدّ تحريض الشعب التونسي ضدّ الإتحاد. فلنواصل القراءة «من العار نهاية أن يسمح الأمين العام لنفسه ولهذا الرجل المشبوه (وهو يقصد لسعد اليعقوبي – التوضيح من عندنا) بأن يجاهر ويهدّد التونسيين في مستقبل أبنائهم الدراسي مهما كانت التعلات الواهية والخزعبلات المفبركة والنيات السيّئة التي يضعها كأسباب لهذا التهديد فالرجل وغلامه أضعف من أن يوجها هذه التهديدات لكافة الشعب التونسي وعلى كل فطالما تبينت نيات الإتحاد في ضرب السنة الدراسية المقبلة بعد أيام قليلة فقد أصبح من واجب هذا الشعب بأن يعمل بكل الطرق القانونية على محاسبة هؤلاء المتسببين في تقويض السلم الاجتماعية وإهانة الشعب وإنهاك ميزانيته المنهكة أصلا (...) لا أحد يتحدّث اليوم عن الإتحاد إلاّ باسم "إتحاد الخراب" ولا أحد يصف هؤلاء الذين يخرجون على مدار السنة الدراسية في إضرابات عشوائية وبشعارات بائسة لقيطة إلاّ بمرتزقة التعليم الذين وظفتهم الآلة الإعلامية والخطابية والنيات والمخططات المشبوهة للاتحاد لضرب الاستقرار في البلد وإنهاك الاقتصاد بمطلبية مادّية مجحفة وغير مبررة أصلا ولعل هناك اليوم من يتهم الإتحاد مباشرة بكونه يتعمّد هذه الإضرابات الوحشية المتكرّرة في أكثر من ولاية ومكان لخدم أغراض الجماعات الإرهابية». شخصيّا بعد قراءة سقط الكلام هذا أقول لرهط مثل هذا الشخص الذي يصف بعض قيادات الإتحاد بالمشبوهين والغلمان والمرتزقة بل يذهب إلى إتهام الإتحاد بخدمة أجندة الإرهابيين ، أقول له "لك ملح البحر ومزبلة التاريخ".
إنّ هذا التوجه المفضوح لأباطرة صحافة الإصلاح الهيكلي وإقتصاد السوق ، أباطرة الصحافة الطبقية "كلاب الحراسة الجدد" يجعلنا نجزم بدون أن نكون مخطئين بأنّنا أمام وسائل إعلام أكثر فأكثر طاعة ، وصحفيون أكثر فأكثر إنحناءا وأخبار أكثر فأكثر رداءة.
هكذا إذا نلاحظ أنّه في عصر الدولار ولعنته صار أشباه الصحفيين يحرّضون الأعراف على أن يصولوا ويجولوا ويوزّعوا قرارت الإيقاف والعزل والطرد بل يشجّعون على سحق العمال بالمفاضلة وحسب مقتضيات الغاية. ليس تشاؤما لكنهم يتمادون علينا ويمتعون أسماعنا بمادة كلامية عن الخنوع والإستسلام والقبول بالأمر الواقع. إستئصال الإرادة من سواعد العمال وتكريس الفوارق وفتح الباب على مصراعيه أمام الليبرالية الشرسة هو هدفهم. تحويل الدفاع عن الحقوق والمكتسبات إلى خيانة والركوع من الفرائض. الدفاع عن حقنا في الشغل يسميه منظروا الليبرالية الشرسة وأبواق دعايتها تطرفا وجنونا وبهذه التهمة يجب أن نساق إلى فرن هتلر (أنظر مقال أحد أباطرة الصحافة في عهد العميل بن علي عبدالعزيز الجريدي الذي كتب مقالا بجريدة الإعلان بتاريخ 2 أكتوبر 1992 تحت عنوان "المفسدون في الأرض" تمنّى فيه أن يقع رمي العمل التونسيون في فرن هتلر). من يرفع شعار الحق النقابي أو المسألة الديمقراطية متطرّف ملعون. ومن يقف في وجه الإذلال والإستغلال ليس سوى مفسد يهدّد وجود المؤسسة ومستقبلها بينما حين يقوم عرف بغلق المؤسسة بدون سابق إعلام وتشريد العمال ضاربا بذلك عرض الحائط لقوانين البلاد ، فهو يدافع عن حقه في التصرف في مؤسسته. لهم حق هرس رؤوسنا ولنا أن نستكين ونألف عنفهم الذي تدرّج في توصيفنا من لاوطنيين إلى متطرفين إلى مفسدين في الأرض. في نفس السياق يقول أحد النقابيين الأمريكيين متحدّثا عن الصحفيين في بلاده : «قبل 20 سنة كان الصحافيون يفطرون معنا في المقاهي الشعبية أمّا اليوم فإنهم يتعشون مع الأعراف في المطاعم الفاخرة لأنّهم لم يعودوا يخالطون إلاّ الأعراف وأصحاب القرار. لأنهم تائهون في عالم المال والأعمال ، لأنهم تحوّلوا إلى بوق دعاية لفكر السوق ، أصبح الصحافيون سجناء طبقة المستغلين».
أيها العمال احنوا رؤوسكم وأخفضوا أصواتكم كي لا تقلقوا راحة عبّاد رأس المال.
* عمّا تبحث أيها العامل المشاكس ؟
- ابحث عن شغل دائم وأجر عادل وكرامة إنسانيّة
* إختر ما يناسبك من عقد موسمي أو عقد غير قابل للتجديد أو حضيرة
- أبحث عن حقوقي المهنية
* عندك مجلس التأديب وفرصة تقول فيها ما تشاء ويفعل العرف ما يشاء
هذا هو موقف عبّاد رأس المال من العمال الكادحين ، لكنّنا نقول "كلّ الدواليب تتوقّف لو أرادت سواعد العمّال الجبّارة" والنوايا للمعتوهين الذين صدّقوا بأنّ الليبرالية الشرسة هي قدرنا. هكذا إذا يسعى العديد من الصحافيين المتكلّسين أباطرة صحافة الإصلاح الهيكلي وإقتصاد السوق إقناعنا بأنّه لا يجوز الإنحياز للعمّال ؟ ونسوا أنّهم بذلك منحازون لرأس المال ودورهم الأساسي هو الدفاع عن برامج ومصالح ورؤى البورجوازية ومقاومة كلّ محاولة للإنفلات من الإستغلال والإضطهاد. طيّب ! نحن متنازلون لهم عن هذه المكانة الغير لائقة -لأنّها مريحة لمثلهم- وإنّنا إخترنا بمحض إرادتنا وبدافع إنتمائنا فرضا وسنّة للطبقة المقابلة أن ندافع عن برامجها وطموحاتها وأحلامها كلفنا ذلك ما كلّفنا.
وإذا كان لا بدّ من التلطيف من سواد هذه الصفحة فإنّنا نجزم بإخفاق الدعاية في تحقيق أهدافها رغم الإمكانيات الجبّارة التي وضعت تحت تصرّفها. فالحركة الإجتماعية ، التي لازالت متوهّجة رغم التعتيم والتشويه، تفرض نفسها على صحافة المجاري (المكتوبة والمرئيّة والمسموعة) لأنها ليست إفتراضا وإنما حقيقة. فما يحدث في عديد المناطق المحرومة من صمود ومقاومة لا يمثّل خبرا أو حدثا هاما يجلب آلات التصوير حسب وجهة نظر بارونات صحافة الإصلاح الهيكلي وإقتصاد السوق غير أنّه ، ورغم كلّ ذلك ، تصمد تلك الأخبار وتجد لها مكانا بفضل الأصوات الصحفية المخالفة والرافضة للسائد وفيها من ضحى بسنوات من عمره من أجل تبليغ المعلومة الحقيقية. وكما عبّر عنه بول نيزان بقولة مشهورة : «رغم التصورات الطيّعة التي يرتّبها الصحافيون المعتنقون للفكر البورجوازي فإنّ الصحوة تعتبر نوعا من أنواع المقاومة». الإتّحاد أيضا لا زال شامخا بمناضلاته ومناضليه وبشهدائه وقيادييه وقد كان ولا زال وسيبقى الصخرة التي تتكسّر عليها كلّ المشاريع المعادية للعمّال وللجماهير الكادحة.
4. محاولة "كسر شوكة الإتحاد"
الكل يعلم بأنّ ضرب الحركة النقابية إمّا أنّه يقع بطريقة مباشرة مثلما حصل في تونس سنتي 1987 و1985 أي بالزج بالقيادات النقابية في السجون وتنصيب عملاء للسلطة على رأس المنظمة أو بطريقة غير مباشرة عبر شراء ذمم القيادة النقابية التي تصبح طيّعة في يد السلطة وتتبنّى دور "النقابة المساهمة" عوض "النقابة المناضلة". وبما أنّ لا الطريقة المباشرة قادرة عليها السلطة الآن لأنّها لا تقدر على مواجهة الرأي العام الوطني والعالمي (خاصة بعد حصول إنتفاضة 14 جانفي التي يعتبرها الرأي العام العالمي التجربة الوحيدة الناجحة فيما سمّي بالربيع العربي والتي كان للاتحاد دور محوري فيها من ناحية وأيضا بعد حصول الإتحاد على جائزة نوبل للسلام من ناحية أخرى) ولا الطريقة غير المباشرة المتمثّلة في تركيع الإتّحاد وتدجين الحركة النقابية عبر ترويض القيادة الحالية يمكن أن تنجح. تبقى طبعا عملية الهروب إلى الأمام والمتمثلة في إستعمال القوانين الجزرية التي أكل عليها الدهر وشرب مثل قانون التسخير وقانون الطوارئ وكذلك حشر القضاء والأمن والجيش في النزاعات الشغلية. كل ذلك من أجل خلق رأي عام تونسي مساند له بدعوى "مقاومة التسيّب والفوضى والتصدّي للإضرابات والإعتصامات التي أضرّت بالإقتصاد" حسب تعبير أبواق الدعاية للسلطة (أنظر الصريح أون لاين بتاريخ 8 سبتمبر 2018).
حكومة الشاهد تدافع عن مافيا الفساد : تعطيل نشاط الخط 13 للسكك الحديدية مثالا
طبعا يوسف الشاهد لا يقول لنا لماذا لم يستعمل هاته الأساليب مع المعتصمين الذين تقف وراءهم عصابات معروفة لنقل الفسفاط عبر الشاحنات والذين عطّلوا حركة سير القطارات على الخط عدد 13 لمدّة فاقت السنتين. فالكل يتذكر تلك الصورة المستفزة لمجموعة من الشباب والكهول وهم يبنون حائطا على السكة وإقامة خيمة عليها لمنع مرور القطار. انها رمز لتحالف الحكومة مع المافيا التي تدعي مقاومتها يقطعون خط نقل الفسفاط و خلاص أجرتهم مدفوع من طرف مافيات نقل الفسفاط عبر الشاحنات (نائب بمجلس النواب عن نداء تونس هو أحد من يملك تلك الشاحنات). يقطعون السكة ولا يقطعون الطريق الذي تستغله مافيا الشاحنات. حكومة الفساد ، تتفرج رغم علمها بأن خسارة الشركة سجلت 6867 يوم عمل و بلغت خسائرها المالية نحو 341 مليار. لذلك فإنّنا نجزم دون أن نكون على خطأ بأنّ يوسف الشاهد يخطّط لإفلاس الشركة الوطنية للسكك الحديدية وبيعها فيما بعد لأحد الفاسدين الذين أتوا به للسلطة. ولنقرأ ما كتبه المفكّر الأمريكي "ناعوم تسومسكي" حول طريقة التفويت في المؤسسات العمومية يقول : «إنّ الطريقة التقليدية المثلى المتبعة لخصخصة قطاع ما ، تبدأ أولا بقطع التمويل المالي عليه حتى لا يتطور ثم يتم تعيين مسؤولين إمّا غير أكفّاء أو حتى فاسدين. فتتراجع خدمات أو منتوجات المؤسسة ، فيغضب المواطن ، فيتم اقتراح الخصخصة على أنها الحل الوحيد فتجد الحكومة غالببية الشعب قابلة لفكرة الخصخصة».
في هذا الإطار نجزم بأنّ المخطّط الذي إنطلق فيه يوسف الشاهد (الذي يمنّي النفس بنجاحه والمتمثّل في "كسر شوكة الإتحاد" الذي أظهر أنّه عصيّ على التدجين) ، هدفه الواحد والوحيد هو حماية "دولة الفساد" ، "دولة الإستعمار الجديد" التي عيّنوه لتسييرها.
يقول محمد هنيد(5) في مقاله المعنون "دعه ينهب دعه يمرّ" : «في المنطقة العربية اليوم وفي داخل بنية النظام السياسي الاستبدادي تنشأ قاعدة جديدة على أنقاض القاعدة الرأسمالية وهي التي تسمح بتحرير " قطاع الفساد" من رقابة الدولة ومن رقابة المؤسسات المكلفة بعملية الرقابة من قانون وقضاء. القاعدة قديمة لأن الفساد ليس قطاعا من قطاعات دولة الفساد العربي بل هو قطاع القطاعات وأساس الأسس التي ترتكز عليها أنظمة التخلف العربية.
هاته الأنظمة إنما صُنعت استعماريا وتُحرس استعماريا من أجل تكريس الفساد وكل الأشكال الثقافية والسلوكيات الأخلاقية المرتبطة به لأنها قادرة وحدها على تحقيق هدفين أساسيين. يتمثل الأول في الحفاظ على المصالح الاستعمارية لهذه الدول ولشركاتها وبنوكها من نهب للثروات وسيطرة على موارد الدولة المستعمَرة. أما الهدف الثاني فيتمثل في منع الدولة من تحقيق أي شرط من شروط التغيير المؤدي إلى نهضة حقيقية عبر انتقال ثوري أو إصلاحي يسمح بالقضاء نهائيا على الفساد الذي هو القاعدة الحقيقية للتخلف.
الفساد العربي خاصة في بعض الدول الغارقة فيه حتى النخاع ليس ظاهرة بل هو الدولة نفسها فالفساد هو الدولة مع بعض الإيهام بوجود الدولة. أي أن الدول الغربية مثلا هي دول فيها فساد أو بعض فساد لكن في الدول المتخلفة القاعدة تنعكس ويصبح الكل جزءا والجزء كلا فالدولة طارئة على الفساد وليس العكس الدولة هي الفساد فهي بتعريف أدق "فسادٌ مع بعض الدولة».
حكومة الشاهد مع الأعراف ضدّ العمّال : حادثة قناة حنبعل سنة 2016 مثالا
أزمة قناة حنّبعل التي إستفحلت منذ شراء القناة من طرف مستثمر سعودي/فلسطيني خير دليل على إنحياز الحكومة الرجعية العميلة إلى الأعراف ضدّ العمّال. فهذه الحكومة التي إستنجدت بالقضاء وحرّكت جحافل البوليس لفكّ إعتصام عمّال معمل شوكوطوم بمنوبة لم تحرّك ساكنا عندما إستنجد صاحب قناة حنبعل يوم الإثنين 14 نوفمبر 2016 بـ "بلطجيّة" (مجموعة من الغرباء عن المؤسسة) لإقتحام المؤسسة وصدّ العاملين عن دخولها والإعتداء عليهم بإستعمال العنف وقد طال العنف خاصة كاتب عام النقابة الأساسية الأخ نجيب الجبالي وهو ما يؤكّد سياسة ممنهجة لضرب العمل النقابي داخل القناة.
هذه الحادثة تجعلنا نتساءل أيّهما أخطر على المؤسسة ، إعتصام العمّال الذين أفنوا أعمارهم في إزدهارها وهنا أقصد معمل شوكوطوم ، أم الإستنجاد ببلطجيّة لإقتحام المؤسسة وصدّ الأعوان عن دخولها وهنا أقصد قناة حنّبعل ؟ طبعا من وجهة نظر الحكومة الحالة الأولى هي الأخطر لأنّها تخدم العمّال وليس الأعراف.
حكومة الشاهد تلجأ لأساليب جديدة تضرب الحوار الإجتماعي في مقتل
أ. جلسات صلحية في آخر لحظة أو التنصّل كلّيا من تلك الجلسات
في البداية حريّ بنا أن نوضّح بأنّ قرارات الإضرابات (في كلّ أنحاء العالم وليس في تونس فحسب) وخاصة تلك التي تلي الإضرابات الإنذاريّة ، يقع إتخاذها في أوقات ذروة العمل (الإمتحانات ، تنقل العملة المهاجرين ، السفريات أثناء الأعياد والعطل إلخ.) وإلاّ فما معنى تنظيم إضراب التعليم مثلا خلال السير العادي للدروس أو تنظيم إضراب شركة الملاحة خلال فترة الشتاء التي تقل فيها الحركة ؟ ويكون الهدف من ذلك الضغط على الطرف المقابل ودفعه لتلبية مطالب النقابات التي تدافع عن الحقوق المادّية والمعنويّة لمنظوريها. هاته الحقوق التي تكون في أغلب الأحيان السلط المعنية قد داستها أو تنصلت منها. فكل الإضرابات القطاعية التي سنتناولها بالدرس (التعليم الثانوي ، سكك الحديد ، الشركة التونسية للملاحة) هي جاءت على خلفيّة تراجع سلطات الإشراف عن إتفاقيات ومحاضر جلسات ممضاة ولم تكن للمطالبة بحقوق جديدة أي أنّ النقابيين يضربون الآن للمطالبة بتطبيق محاضر الجلسات وهو ما يعني بأنّهم أحرص من السلطة على إحترام الحوار الاجتماعي ومصداقيّته لكن مع الأسف الشديد صحافة الإصلاح الهيكلي وإقتصاد السوق المنحازة كلّيا لحكومة "طاطا كريستين" لا تركّز على سبب الإضراب وإنّما عن نتيجته فقط وبالتالي هي تقوم بمغالطة الرأي العام ، خدمة للحكومة الرجعية العميلة المعادية للعمال ، بإظهار الإتحاد في مظهر المذنب والحكومة في مظهر الضحيّة بينما الحقيقة هي غير ذلك تماما فالحكومة ومن ورائها السلط المعنية بتلك الملفات هي المتسبّبة في الأزمات الاجتماعية التي حصلت وليس العكس. ولنعد إلى الإضرابات التي حصلت والتي سنتناولها بالدرس لنؤكّد بأنّ تسوية نزاعات الشغل الجماعية تضبطها مجلّة الشغل (الفصول من 376 إلى 390) وينصّ الفصل 380 (جديد) على ما يلي «يجب على اللجنة الجهوية أو اللجنة المركزية للتصالح أن تقترح حلاّ للنزاع في أجل أقصاه ثمانية أيّام من تاريخ سريان مفعول التنبيه» علما وأنّ الفصل 376-مكرّر قنّن عمليّة التنبيه بالإضراب إذ نقرأ «إنّ كل قرار بالإضراب أو بصدّ العمّال عن مباشرة عملهم يجب أن يسبقه تنبيه بعشرة أيام يوجّه من قبل الطرف المعني إلى الطرف الآخر».
لكن كلّ الإضرابات القطاعيّة ، منذ تعيين يسوف الشاهد على رأس الحكومة ، لها نفس القاسم المشترك وهو عدم إلتزام السلط المعنية بما ورد بالفصل 376-مكرّر. فآخر برقيّة إضراب صادرة عن الجامعة العامة للتعليم الثانوي في السنة الفارطة لم تحرّك سواكن وزارة التربية (هذه الوزارة التي يقودها الوزير التجمّعي الذي يحنّ إلى عهد الإستبداد والتعسّف) ولا اللجنة المركزية للتصالح إذ لم تقع الدعوة لجلسة صلحية لحلّ النزاع وهو ما أجبر جامعة التعليم الثانوي على إعلان "حجب الأعداد" عن الإدارة. هكذا إذا تضرب السلطة ممثلة في وزارة التربية عرض الحائط بتشاريع الشغل الجاري بها العمل "متغطّية" برأي عام معارض لقرار الجامعة بعد حملة إعلامية وصحفية لم يسبق لها مثيل لشيطنة جامعة التعليم الثانوي ومن ورائها إتحاد الشغل. وهكذا أضطرّت جامعة التعليم الثانوي بتدخّل من القيادة النقابية التي قدّرت بأنّ الوضع إنخرم لصالح الحكومة الرجعية العميلة ولم يعد يخدم قطاع الثانوي ولا الإتحاد ، إلى إلغاء قرار حجب الأعداد مؤجّلة بذلك مطالب منظوريها إلى بداية هذه السنة الدراسيّة. هذا التكتيك طبعا أفضى إلى الهدف الذي رسمته الحكومة وهو إجبار نقابة التعليم الثانوي على التنازل دون أي مقابل لكنّه من حسن الحظ فشل في تحقيق الهدف الثاني الخفيّ وهو حلق أزمة نقابيّة داخليّة.
التكتيك الثاني الذي إعتمدته حكومة يوسف الشاهد والمتمثّل في تعيين الجلسات الصلحية في آخر لحظة أي بعد الثمانية أيام التي ينصّ عليها القانون (الفصل 380 جديد من مجلة الشغل كما بينا آنفا) هو دوس آخر على تشاريع العمل. فخلال إضرابي أعوان الشركة الوطنية للسكك الحديدية وأعوان القيادة بالشركة التونسية للملاحة ، لم تنطلق المفاوضات إلاّ بعد الثمانية أيام التي حدّدها القانون. وإذا ركّزنا على إضراب أعوان القيادة بالشركة التونسية للملاحة ، الذي كان مقرّرا لبداية شهر سبتمبر ، نكتشف بأنّ السلطة وبعد أن عمدت إلى تشويه الإتحاد وشيطنته لدى الرأي العام الوطني من خلال إستغلال الإضرابات التي حصلت ، حاولت بكلّ خبث وسوء نيّة توسيع دائرة أعداء الإتحاد عبر تأليب مواطنينا بالخارج عليه بإستغلال إضراب أعوان الشركة وإظهار الإتحاد على أنّه سبب كلّ المصائب. لكنّ المحاولة فشلت مرّة أخرى بفضل ما يتحلّى به النقابيّون من قدرة على المناورة وتحاشي الضربات. فقد أوضح الاتحاد العام التونسي للشغل يوم الاثنين 3 سبتمبر في بيان بعنوان "ملابسات إضراب أعوان الشركة التونسية للملاحة" أنّ الإضراب معلن مسبقا ولم يكن إضرابا فجئيّا كما يروّج البعض. وأكّد الإتحاد على أنّ الإضراب تم إقراره على خلفية تلكؤ سلطة الإشراف في تنفيذ الاتفاقات المبرمة وتم الإعلان عن هذا الإضراب منذ يوم 7 أوت 2018 وذلك أيام 19 و20 و 21 أوت الماضي ثم انعقدت جلسة ، في آخر وقت أي يوم 18 أوت تعهدت فيها وزارة الإشراف ورئاسة الحكومة والإدارة العامّة على تطبيق ما وقع الاتفاق عليه في مناسبتين سابقتين فتمّ تأجيل الإضراب مرّة ثانية وأعلن عن تاريخ التأجيل وقتها إلى أيّام 2 و 3 و 4 سبتمبر 2018 على أن يتمّ تطبيق التعهّدات. علما وأنّ مسار التفاوض بدأ منذ ديسمبر 2017 وأفضى إلى اتفاق على جملة من المطالب لكن بعد تلكّؤ وزارة الإشراف والإدارة العامّة عن تطبيق ما تمّ الاتفاق حوله في ديسمبر، تمّ في مارس 2018 اتفاق ثان لتطبيق اتفاق ديسمبر ووقع تأجيل الإضراب الذي كان سينفّذ حينها. هكذا إذا يتّضح أنّ سياسة التراجع عن الإتفاقيات والضرب عرض الحائط بالحوار الاجتماعي هي سياسة ممنهجة لها أهدافها وأسبابها وخفاياها.
أمّا ما لا يمكن أن نقرأه في صحافة الإصلاح الهيكلي وإقتصاد السوق ولم يرد إلاّ في البيان التوضيحي للاتحاد فإنّ الإدارة ووزارة الإشراف لم تتحرّكا لعقد جلسة صلحية بناء على برقية الإضراب الموجّهة إلى الأطراف المعنية بتاريخ 07 أوت 2018 ولم تدعوا إلى أيّ حوار. وأوضح البيان أنه لولا اتصالات المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشّغل في شخص أمينه العام سويعات قبل بدء الدخول الفعلي في الإضراب (عند منتصف ليلة 03 من الشهر ذاته) ، لما تمّ الاتفاق على عقد جلسة يوم الأحد 2 سبتمبر الجاري ، وذلك في تجاهل تام لأصول الحوار الاجتماعي واستهانة بخطورة الإضراب في هذا الظّرف وتأثيراته على المؤسسّة. وسرد البيان تفاصيل الجلسة فذكر أنّ الطرف النقابي تجاوز استهانة الإدارة ووزارة الإشراف بالحوار الاجتماعي وتنازل بما يكفل التوصّل إلى اتفاق يحفظ حقوق الأعوان ويساهم في تجاوز الأزمة وضمان استمرارية العمل. وتم التوصّل وفق البيان بعد مفاوضات انطلقت منذ الثامنة من صباح الأحد 2 سبتمبر إلى نقطتي اتفاق نهائية ، ليتفاجأ الطرف النقابي بعد ذلك بقرار يصدر من جهة ما (ربّما الأربعة ذراري متاع القصبة) يقضي بعدم إمضاء الاتفاق بعد 5 ساعات من المفاوضات العسيرة والتنازلات المتتالية من الاتحاد لتنتهي بذلك الجلسة إلى الفشل. واتهم الاتحاد الجهات الإدارية والوزارية مرة أخرى بتعمد توتير الجوّ بين المسافرين والأعوان وخاصّة باتخاذ قرار التسجيل دون التوصّل إلى اتفاق وقبول المسافرين في وضع إضراب معلن ومنفّذ ممّا أدّى إلى الرفع من منسوب الإحتقان. هذه الوضعية الخاصة وحالة التشنّج التي زرعتها الإدارة لدى المسافرين أدّت بالطرف النقابي إلى تعليق الإضراب (تماما مثلما حصل في إضراب التعليم الثانوي) دون تحقيق مطالبه التي رفعها وفوّت بالتالي الفرصة على السلطة بإمكانيّة خلق حالة من التصادم بين الأعوان والمسافرين.
ب. الإستنجاد بالقضاء والقوة العامة لفك الإعتصامات
إصرار حكومة "طاطا كريستين" الرجعية العميلة على "ضرب" الإتحاد والتصدّي لآليّاته النضاليّة جعلها تكشّر عن أنيابها بإستعمال القوّة العامّة ضدّ عمّال معمل طوم/لابيتيسانت في منوبة المعتصمين أمام المعمل بعد أن قام العرف بصدّهم عن العمل وهي مسألة من النادر جدّا أن تحصل ولم تتعرّض لها صحافة الإصلاح الهيكلي وإقتصاد السوق التي أظهرت العمّال في مظهر المذنبين الرافضين للعمل والمعتصمين الذين يصدّون بقيّة العمّال الراغبين في العمل. هذه هي الصورة التي أرد كلاب الحراسة الجدد ترسيخها لدى الرأي العام لكن أتى بيان الإتحاد الجهوي للشغل بمنوبة ليضع النقاط على الحروف وينصف العمّال ويسقط الكذب والإرابة والهجنة التي تعرّضوا لها. فقد أكّد البيان على أنّ الإتحاد الجهوي أصدر برقية إضراب نفّذ بتاريخ 17 جويلية 2018 على إثر فشل التفاوض في مطالب فيها ما يعود إلى إتفاقيات أمضيت سنة 2011 لكن مع عودة العمّال إلى العمل فوجؤوا بتواجد عناصر غريبة عن المؤسسة قلي لهم بأنهم أعوان حراسة لكنهم لم يكونوا يحملون اية إشارة وإنطلق بذلك مسلسل القضايا العدلية الكيدية بدعوى أنّ العمّال يعتدون على عمال الحراسة وقد قام العرف بإرسال برقيّة صدّ عن العمل عن العمل (أي أنّه قام بإغلاق المعمل وهو ما أجبر العمّال على الإعتصام أمامه للمطالبة بالعودة للعمل) وتمسّكا بالحوار تمّ عقد 4 جلسات عمل في الولاية وجلستان في وزارة الشؤون الاجتماعية بحضور الوزير نفسه ثمّ جلستان أخرتان في مقر الإتحاد التونسي للصناعة والتجارة حضرها الأمين العام نورالدين الطبوبي صدر على إثرها بلاغ يؤكّد على أنّ أبواب الشركة ستفتح من جديد يوم 15 أوت على الساعة الثانية بعد الزوال لإستئناف النشاط لكن في نفس اليوم قامت إدارة المؤسسة بإتخاذ قرار إحالة أعضاء النقابة على مجلس التأديب وهو خلق حالة من التشنّج دفعت العمال للدفاع عن زملائهم وتعكّر المناخ من جديد وتأزّم الوضع أكثر فأكثر وهو ما عطّل العودة للعمل. ويضيف البيان ، يوم 4 سبتمبر تمّ الاتفاق مع صاحب المؤسسة شفويّا وبعلم والي منوبة على حلّ الإشكال فطالبه الإتحاد الجهوي بإمضاء إتفاق مكتوب كان من المفروض أن يحصل يوم 5 سبتمبر لكنّه تنكّر من جديد لذلك (ربّما بتدخّل أيضا من ذراري القصبة) وحصل ما لم يكن في الحسبان. فقد عمد صاحب المؤسسة (وهو المتعوّد على ذلك) بدعم من السلطة الجهوية (التي لم تحاول إثناء العرف على إتباع هذا الطريق وإقناعه بإعتماد طرق الحوار والتفاوض) إلى الإستنجاد بالقضاء ورفع قضية إستعجالية ضدّ العمّال بدعوى إعتصامهم أمام العمل وصدّهم لبقيّة العمّال عن العمل بعد أن قام بمسرحية سيّئة الإخراج تتمثّل في الضغط على بعض العاملات والعمّال وهم لا يتجاوزون عشرين عاملا من جملة 800 بالإعتصام أمام مقر ولاية منوبة مصحوبين بعائلاتهم وبالمسؤولين الإداريين للمؤسسة رافعين شعارات تندّد بالنقابة وتطالب بالعودة السريعة للعمل. طبعا وقع إستصدار إذن قضائي من النيابة العمومية بمحكمة منوبة يقضي بفتح المصنع بالقوّة العامّة. وفي الليلة الفاصلة بين يوم الجمعة 7 سبتمبر والسبت 8 سبتمبر وذلك حوالي الساعة الثانية صباحا قامت قوات من الحرس بمهاجمة المعتصمين وإيقافهم وكان عددهم 26 شخصا منهم 16 امرأة (إثنتنان منهنّ حوامل) و10 رجال والإعتداء عليهم بالعنف المادي والمعنوي ممّا إستوجب نقل البعض منهم إلى المستشفيات. كما قام أعوان الأمن بتلفيق تهم خطيرة جدّا ضدّ الموقوفين مثل تعطيل حرّية العمل والإضرار بملك الغير والتهديد بحرق المصنع والإستعداد لذلك (هكذا) دون نسيان إستعمالهم كلّ أنواع الإستفزاز والسب والشتم والهرسلة ضدّ الموقوفين.
هكذا اصبحت منطقة منوبة للحرس الوطني ملاذا للاعراف وتفقدية شغل للمفاوضات وهنا يتأكّد لنا بما لا يدع مجالا للشك بأنّ قيام السلطة الحاكمة بالزج بالسلطتين القضائيّة والأمنية في النزاعات الشغليّة والمهنيّة ليس بعمليّة معزولة وإنّما هو خيار ستلجأ إلى إستعماله في المستقبل في إطار مخطّطها المتمثّل في مواجهة الإتّحاد.
ج. اللجوء لآليّة التسخير والإستنجاد بالجيش
آليّة التسخير التي وقع إعتمادها بصفة مكثّفة خلال الإضراب العام يوم 26 جانفي 1978 تعتبر آلية لا تستعمل إلاّ في الحالات الإستثنائيّة أو في حالات الطوارئ بإعتبار وأنّ الحق النقابي مضمون دستوريا. علما وأنّ هذه الآلية وقع إلغاؤها في عديد الدول التي تعتمد الديمقراطية كخيار وتحترم العمل النقابي والإتفاقيات والمعاهدات الدولية. وإذا عدنا إلى النصوص التي تحكم هاته الآليّة نجد الفصول 389 و390 من مجلّة الشغل وكذلك الفصل 4 من قانون الطوارئ (الأمر عدد 50 المؤرخ في 26 جانفي 1978) وأخيرا الفصل 107 من المجلة الجنائيّة. وبعد إنتفاضة 14 جانفي 2011 إستعمل علي العريض/علي الرش (عندما كان رئيسا للحكومة) التسخير مرّتان. الأولى لمجابهة إضراب أعوان شركة النقل بواسطة الأنابيب من 22 إلى 25 أفريل 2013 والثانية للتصدّي لإضراب أعوان شركة إستغلال قنال وأنابيب مياه الشمال من 23 إلى 25 افريل من نفس السنة. لكنّه سرعان ما تخلّى عن هذه الآلية بعد ما لاحظه من فشل ذريع لعمليات التسخير بما أنّ الإضرابان حقّقا أهدافهما المرسومة وقد تأكّد بإنّ اللجوء إلى هذا الأمر في المستقبل سيضرب مصداقية الدولة وسيفرغ قرار التسخير من محتواه. لكنّ الصفعة الكبرى للاهثين وراء هذا الإجراء أتت من عمّال الشركات الجهوية لنقل المسافرين في بعض الجهات الذين أضربوا يوم 15 جانفي 2015 ولم يلتزموا بقرار التسخير الذي أمر به المهدي جمعة في ذلك الوقت وزير نقله إذ رفض السواق تنفيذ القرار ووضعوا الوزارة في التسلّل وفي حرج كبير أمام الرأي العام. أمّا عن إصرار يوسف الشاهد (الإبن المدلّل لحركة النهضة/النكبة حاليّا) على إعادة إحياء هاته الآلية فهو تأكيد آخر على العداء الذي يكنّه للإتحاد وللعمل النقابي تماما مثل سلفه علي العريّض/علي رش الذي يعتبر مثله مثل الحركة التي ينتمي لها معاديا شرسا للإتّحاد والعمل النقابي (أدبيّات الإخوان تؤكّد بأنّ العمل النقابي بدعة). وقد أمر يوسف الشاهد وزيره للنقل بإرسال أوامر التسخير لأعوان قيادة الشركة الوطنية للملاحة لمجابهة إضرابهم الذي كان مقررا لبداية شهر سبتمبر. وقد أكّد ذلك يوم الأحد 2 سبتمبر المدير العام للنقل البحري بوزارة النقل يوسف بن رمضان الذي قال إنه في صورة تمسك أعوان القيادة في الشركة التونسية للملاحة بتنفيذ إضرابهم فأنه سيتم تطبيق القانون واعتماد آلية التسخير وقد قامت الشركة بإعداد قرارات التسخير التي لا تنتظر إلاّ إرسالها إلى المعنيين بالأمر. غير أنّ فطنة النقابيين في الشركة وحسن قراءتهم للأحداث ومستجداتها جعلتهم يسحبون البساط من تحت السلطة ويقرّرون العودة للعمل وسياقة البواخر دون تسخير كان.
د. محاولة تكسير إضراب أعوان الشركة الوطنية للسكك الحديدية عبر تأمين رحلات عن طريق الحافلات
محاولات الإعتداء على الحق النقابي والضرب عرض الحائط بتشاريع العمل لم تقف عند ذلك الحدّ وإنّما تجاوزته ليقوم يوسف الشاهد بإبتداع طريقة جديدة لم يسبقه فيها أحد لمحاولة كسر إضراب أعوان الشركة الوطنية للسكك الحديديّة يوم 6 سبتمبر الفارط.
فقد أذن لوزيره للنقل الذي أثبت فشله الذريع في إدارة هاته الوزارة الهامّة بتسخير وزارة النقل لحافلات لنقل المسافرين على إثر إضراب أعوان الشركة التونسية للسكك الحديدية لتأمين سفرات الخطوط البعيدة وبعض خطوط الأحواز. وقد شوهدت عديد الحافلات أمام محطّة السكك الحديدية بالعاصمة في منظر مقرف ومستفز للأعوان المضربين وهو ما يذكّرنا بممارسات لا يمكن أن تصدر إلاّ عن الأنظمة العسكرية والبوليسية وليس عن نظام يتبجّح ليلا نهارا بأنّه آت من رحم "ثورة" 14 جانفي.
الجامعة العامة للسكك الحديدية أصدرت بيانا هي الأخرى ندّدت فيه بهذا الإجراء الغير مسبوق الذي لا يستجيب للضوابط القانونية معتبرة الأمر محاولة لضرب وحدة ونضالات الحديديين. وأعلمت الجامعة العامة للسكك الحديدية كافة منظوريها بـعدم الشرعية القانونية لهذا التسخير وتمسكها بحق منظوريها في الإضراب الشرعي دفاعا عن ديمومة الشركة، معبرة عن إدانتها لما وصفته بالمحاولات الفاشلة لكسر الإضراب.
وهكذا يقوم مرّة أخرى يوسف الشاهد بمحاولة تأليب الرأي العام ضدّ المنظّمة الشغيلة وإيهامه بأنّ الإتحاد يريد تعطيل مصالحهم بينما يعمل هو على تقديم الخدمات اللازمة لهم.
هل يحقّق يوسف الشاهد أهدافه أم ينتحر على سور الإتحاد ؟
لقد بيّنا في مقدّمة هذا المقال بأنّ ضرب المنظّمة الشغيلة لن يكون بصفة مباشرة مثلما حدث في السابق لذلك إستعملت الحكومة الرجعية العميلة تكتيكا مغايرا يرتكز على دعامتان إثنتان:
أوّلا : تأليب الرأي العام المحلّي ضدّ الإتحاد بالتركيز على أنّه أصبح يمارس السياسة مثل الأحزاب السياسية وتخلّى عن "دوره الطبيعي" المتمثّل في الدفاع عن مطالب منظوره المادية والمعنوية. كما تقوم من حين لآخر بالترويج بأنّ بعض القيادات المؤثرة فيه تنتمي إلى اليسار العدمي والجبهة الشعبية التي لا تعرف إلاّ سياسة الرفض. كما تريد إبراز الإتحاد على أنّه هو من يتحمّل مسؤوليّة الإضرابات والإعتصامات وبالتالي هو من يتسبّب في تعطيل مصالح المواطنين وجرّ عجلة الإقتصاد إلى الوراء. وبذلك تعمل السلطة على دفع الرأي العام للاصطفاف وراءها في مواجهتها للإتحاد. وثانيا : خلق أزمة نقابيّة داخليّة تؤدّي إلى مواجهة بين القيادة النقابية والقواعد وكذلك بين القيادة المركزية والقيادات القطاعية وهي تمنّي النفس بأن تصل تلك المواجهة إلى حدّ الإنسلاخ الجماعي من الإتّحاد وخاصة في القطاعات المؤثّرة مثل التعليم والنقل نظرا لعدم تحقيق المطالب التي رفعتها القواعد (وبالتالي إضعاف الإتحاد وإنزاله إلى منزلة بقيّة المنظمات النقابيّة التي خلقتها سلطة ما بعد 14 جانفي باسم التعد{ية النقابية من أجل إضعاف الإتحاد لكنّها لم تفلح). كما تتمنّى السلطة أن يحدث إنشقاق داخل المنظمة مثلما حصل سنة 1984 وتأسيس منظّمة لقيطة أسموها "الإتحاد الوطني" لكنّها سرعان ما ذابت. طبعا هناك فارق كبير بين ما تتمنّاه السلطة الحاكمة وما يحدث على أرض الواقع ، فارق فرضته القواعد العمّالية المتشبّثة بمنظّمتها العتيدة الإتحاد العام التونسي للشغل والمتمرّسة على مناورات السلطة العميلة وقد خبرت طيلة أكثر من سبعين سنة من النضال سياسات مختلف الحكومات التي تداولت على السلطة والمآمرات التي حيكت ضدّ المنظّمة وكيف أفشلتها النقابيات والنقابيون بإلتفافهم حول منظمتهم وتمسكهم بقياداتهم الشرعية سنتي 1978 و1985 والتصدّي للمنصبين وإرغام السلطة في كلّ مرّة على العودة للجادّة ورفع يدها عن الإتّحاد. فشل تحقيق هاته الأهداف دليل ساطع على الجهل المدقع الذي يميّز "الأربعة ذراري" مستشاري رئيس الحكومة بصيرورة العمل النقابي وآلياته وحساباته وبالتالي عدم الإلمام كلّيا بطريقة إشتغال "ماكينة الإتحاد". ونسيت أوتناست السلطة أنّ التكتيك النقابي لا يضاهيه أي تكتيك وأنّ خبرة الإتحاد قادرة على الوصول إلى تحقيق أهداف منظوريه بأقل الأضرار وفي أحسن الظروف وأنّ من يدوس على تشاريع العمل ويستعمل أجهزة الدولة لتشويه الإتحاد لن يستطيع أن يسير طويلا في هذا الطريق لأنّ الإتحاد عايش عشرات الحكومات التي كان مآلها الإندثار ولعنتها الجماهير الشعبية لكنّ الإتّحاد لازال شامخا ولازال الحضن الدافئ الذي يحتضن كلّ التونسيين عند إشتداد الازمات.
في الختام أقول بأنني أعتقد جازما وبحكم معرفتي الجيّدة بماكينة الإتحاد أنّ كلّ مشاريع هاته الحكومة الرجعية العميلة ستتكسّر فوق الصخرة الصمّاء للاتحاد العام التونسي للشغل. بل أجزم أيضا بأنّ يوسف الشاهد سينتحر فوق السور العظيم للاتحاد إذا حاول بيع مؤسسة عموميّة واحدة تنفيذا لبرنامج الخوصصة بدفع من "طاطا كريستين" وبتحريض من الرأس مال الجبان الذي يبحث عن اللقمة السائغ.
أمامنا أهدافهم ومشاريعهم وأمامهم صمودنا ومقاومتنا فإمّا اشتراكيّـــــــــــــــــــــــة أو بربريّة.
د. عبدالله بنسعد
تونس في 20 سبتمبر 2018






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,558,282,787
- التعدّدية النقابيّة آليّة بورجوازيّة لضرب وحدة الحركة العمّا ...
- تبادل حرّ أم تبادل لا متكافئ : -إتّفاق التّبادل الحرّ الشّام ...
- كيف السبيل لإعادة هيكلة الأراضي الدولية خدمة لجماهير الكادحي ...
- هل تعب -اليسار- في تونس من النضال حتّى يبحث عمّن يدافع عنه ب ...
- من جنون البقر إلى أنفلونزا الطّيور : مسار العولمة الليبراليّ ...
- هل إنتهى حزب البعث في العراق ؟ : لماذا يرفض حزب البعث التندي ...
- بين حزب البعث في العراق و-داعش- وبين الحقائق على الأرض والتض ...
- دستور 2014 : خدعة جديدة للعمّال وعموم الشعب وإنقلاب على مطال ...
- العولمة والتعليم في تونس : سلعنة المدرسة خدمة لرأس المال ، م ...
- في الذكرى 56 لإصدار مجلة الأحوال الشخصية بتونس : المطلوب مسا ...
- ميزانية 2012 : ميزانية تفقير المفقّرين والتخلي عن -السيادة ا ...
- على هامش الإنتخابات الرئاسية الفرنسية : لا علاقة لفرنسوا هول ...
- المشروع الفلاحي السويسري بالصحراء التونسية : هل هو حقا لإنتا ...
- المطلوب منوال تنمية أم إختيارات إقتصادية جديدة لتونس الغد. ا ...
- المطلوب منوال تنمية أم إختيارات إقتصادية جديدة لتونس الغد. ا ...
- المطلوب منوال تنمية أم إختيارات إقتصادية جديدة لتونس الغد. ا ...
- المطلوب منوال تنمية أم إختيارات إقتصادية جديدة لتونس الغد. ا ...
- المطلوب منوال تنمية أم إختيارات إقتصادية جديدة لتونس الغد. ا ...
- غرّة ماي مابين سنتي 1886 و1889 من إنتفاضة العمّال بشيكاغو إل ...
- الأهداف الإستراتيجية للحرب على الإرهاب


المزيد.....




- وزير الخارجية الإيراني ينفي زيارة شقيق ولي عهد أبوظبي لبلاده ...
- الصين تدعو الولايات المتحدة إلى الكف عن التدخل في شؤون هونغ ...
- -تويوتا- تدخل عالم السيارات الكهربائية بمركبة متطورة
- إسبانيا تلحق بركب المتأهلين لأمم أوروبا بعد تعادل قاتل مع ال ...
- واشنطن تتهم بنكاً تركياً بالالتفاف على العقوبات المفروضة على ...
- إسبانيا تلحق بركب المتأهلين لأمم أوروبا بعد تعادل قاتل مع ال ...
- واشنطن تتهم بنكاً تركياً بالالتفاف على العقوبات المفروضة على ...
- هل سعت إدارة ترامب لترحيل المعارض التركي فتح الله غولن؟
- -نبع السلام- تتحول لاختبار عسير للعلاقات الأميركية التركية
- لأول مرة... الشرطة العسكرية الروسية تسير دوريات أمنية في منب ...


المزيد.....

- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله بنسعد - كيف يعمل يوسف الشاهد على تطبيق مقولة -آدام سميث- : «لا يمكن لأي برنامج إقتصادي ليبرالي أن ينجح دون ضرب أو تدجين الحركة النقابية»