أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد إبريهي علي - الخليج: تعقيد النزاع ومخاطر التصعيد















المزيد.....


الخليج: تعقيد النزاع ومخاطر التصعيد


أحمد إبريهي علي

الحوار المتمدن-العدد: 5922 - 2018 / 7 / 3 - 10:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


جغرافية:
الخليج المتنازع على تسميته يقع جنوب غرب آسيا، بين ايران في الشرق، وعلى الساحل الغربي بقية دوله، العراق والكويت في الشمال ثم السعودية وقطر والبحرين وفي الجنوب الأمارات تليها عمان. وطول خط الساحل الايراني حتى نهاية خليج عمان 1760 كم . ويتراوح عرضه بين 370 كم و55 كم ، وعند اقصر عرض في مضيق هورمز 32 كم. وفي العمق يصل 92 م في الجانب الشرقي وعند سواحله الغربية لا يزيد عن 30 م. ومما يتصف به الخليج قلة المياه العذبة التي تنتهي اليه، ومصدرها، دجلة والفرات يلتقيان في شط العرب ونهر كارون، وبعض التدفقات الموسمية من شمال الشرق. ودرجة الحرارة مرتفعة في الخليج والتبخر اكثر من كميات المياه العذبة المتدفقة اليه، ولذلك تكون الملوحة مرتفعة.
الخليج بالمعنى الدقيق ينتهي عند مضيق هرمز وبهذا المعنى فان المضيق هو المنفذ البحري الوحيد للعراق وايران والكويت وقطر والبحرين. للعراق ثلاثة موانئ اثنان على الخليج والآخر ميناء البصرة على شط العرب الذي يصب في الخليج. وللكويت ثلاثة موانئ شمال غرب الخليج، ولدى ايران ثلاثة موانئ شمال الخليج ورابع عند مضيق هورمز والخامس على الساحل الأيراني من خليج عمان لجهة حدودها مع باكستان، و ثلاثة موانئ على بحر قزوين. وتُظهر الخرائط المنشورة للأمارات العربية ستة موانئ على الخليج وثلاثة اخرى على خليج عمان، ولقطر اربعة موانئ واثنان من المرافئ، وللبحرين اثنين من الموانئ ؛ اما عمان فلديها ميناء على مضيق هورمز وثلاثة على خليج عمان وآخر على البحر العربي؛ وللمملكة العربية السعودية ستة موانئ على الخليج ومثلها على البحر الأحمرحيث تدارحوالي 70 بالمائة من تجارتها الخارجية.
وبذلك يظهر ان السعودية هي الأكثر استعدادا للأستغناء عن الخليج ومداخله، خليج عمان وبحر العرب؛ وايران لا تنفعها موانئ بحر قزوين، المغلق، بديلا عن الخليج؛ وبقية الدول بما فيها العراق تعتمد منافذها البرية عند اعاقة الممر المائي لأي سبب. وعند النظر الى المرونة الاستراتيجية بدلالة المساحة بآلاف الكيلومترات المربعة: تأتي السعودية ثم ايران 2150 و 1648 ؛ و العراق وعمان والأمارات 437 و310 و 83 على التوالي ؛ والكويت وقطر 18 و 11 لكل منهما، والبحرين مساحتها اقل من الف كيلومتر مربع. ومن جهة التضاريس وتنوع الموارد وابعاد المجال الجيوسياسي تكون ايران اولا وبعدها السعودية والعراق وعمان على التوالي ثم بقية الدول.
سكان الخليج ومجملاته الأقتصادية:
سكان دول الخاليج 174.7 مليون نسمة عام 2017، حسب البيانات المنشورة من البنك الدولي، بتنوع أثني من العرب والفرس والكورد وآذاريين واتراك وبلوش وعراقيين قدامى واثنيات اخرى، وتنوع ديني ضمن هذه الأثنيات وأغلبهم مسلمون ،سنة وشيعة، ومسيحيون وايزيديون وزرادشت وديانات أخرى. يتوزع سكان دول الخليج بين ايران 46.5 بالمائة، وفي العراق 21.9 بالمائة ؛ وفي كل من السعودية والأمارات 18.9 بالمائة، و5.4 بالمائة؛ و 2.7 و 2.4 بالمائة على التوالي في عمان والكويت؛ وفي قطر والبحرين 1.5 و 0.9 بالمائة. ومن ضمن السكان المبينين في تلك التقديرات أجانب عددهم 27.7 مليون نسمة غالبيتهم في دول مجلس التعاون. أي ان السكان المواطنين في دول الخليج 147 مليون نسمة يتوزعون بنسبة 53.3 بالمائة في ايران، و 25.8 بالمائة في العراق، و 15.7 بالمائة في السعودية، في هذه الدول الثلاث 94.8 بالمائة من سكان الخليج المواطنين، وفي بقية الدول 5.2 بالمائة من مجموع السكان.
ويتفاوت ثقل السكان الأجانب بين الدول، وأكثر من نصف السكان اجانب في اربع دول خليجية، ونسبهم المئوية من مجموع سكان الدولة: في الأمارات والبحرين والكويت وقطر 88.4 ؛ 51.1 ؛ 58.9 ؛ 77.2 على التوالي ، وفي عمان والسعودية 24.6 ؛ 30 وأغلب الاجانب في دول مجلس التعاون قوى عاملة يعتمد عليها الاقتصاد كثيرا.
اقتصاد الخليج نفطي بدرجات متفاوتة وتنتج دوله، تقريببا، 30 مليون برميل يوميا من النفط عام 2018، نفط خام وغاز بترولي مسيّل وبعض النفوط غير التقليدية، للأستهلاك المحلي والتصدير، ويشكل الانتاج النفطي الخليجي حوالي 31 بالمائة من المعروض العالمي. وايضا يُصدّر الغاز من قطر وايران، ومنتجات الصناعة البتروكيمياوية من ايران ودول مجلس التعاون، واقيمت صناعات بطاقات انتاجية كبيرة تعتمد على الهيدروكاربونات مثل الأسمدة او كثيفة الطاقة مثل السمنت، الى جانب العديد من الصناعات التحويلية الأستهلاكية والوسيطة، لكن الاهمية النسبية للصناعات التحويلية بقيت واطئة، الى جانب المستوى المنخفض للزراعة، في توليد الناتج المحلي لدول مجلس التعاون. ومن بيانات البنك الدولي يقدر الناتج المحلي الأجمالي لدول الخليج، وهو المقياس المتعارف عليه لحجم الأقتصاد، 2101 مليار دولار او 2.1 ترليون دولار عام 2017 وللسعودية تقريبا ثلث الناتج 32.6 بالمائة؛ وإيران لها 20.9 بالمائة؛ والأمارات العربية 18.2 بالمائة؛ وللعراق 9.4 بالمائة؛ ولكل من قطر والكويت 8.0 و 5.7 بالمائة على التوالي؛ وعمان والبحرين 3.5 و 1.7 بالمائة لكل منهما. ويعادل اقتصاد الخليج 137 بالمائة من اقتصاد كوريا الجنوبية و 247 بالمائة من اقتصاد تركيا، وهذه المقاييس بدولارات اعتيادية ليست معدّلة. وعند حساب الناتج بدولارات دولية متعادلة القوة الشرائية PPP يرتفع كثيرا تقديرناتج الخليج، وتحافظ السعودية على حجمها النسبي، بينما يزداد الوزن النسبي للناتج الايراني الى 27 بالمائة من مجموع الخليج والعراق الى حوالي 11 بالمائة بحسابات تقريبية.
والأمارات انشط دول الخليج في التجارة الخارجية، واكثرها انفتاحا، بدلالة مجموع الصادرات واعادة التصدير والاستيرادات نسبة الى الناتج القومي، وبعدها عمان تليها البحرين ومن ثم وعلى التوالي الكويت وقطر والسعودية والعراق واخيرا ايران.
عمليا لا يستغني اقتصاد العالم عن كل النفط الخليجي لمدة تزيد على ستة اشهر دون اضطراب يهدد الأستقرار الأقتصادي وقد ينزلق العالم الى ازمة عميقة وشاملة. لكن يمكن الأستغناء عن جزء من نفط الخليج بمقدار ستة ملايين برميل في اليوم، او نحو ذلك، لمدة سنة او اكثر عبر تكيّف في الاسعار يتحمله إقتصاد العالم واستنزاف المخزون الأحتياطي التجاري لحين زيادة الانتاج من المصادر غير التقليدية او من النفوط التقليدية عالية الكلفة انسجاما مع الاسعار الجديدة.
وعلى فرض انقطاع مورد العملة الاجنبية من صادرات النفط، لغرض التحليل، فإن السعودية تستطيع ادامة استيراداتها بالمستويات الأعتيادية لمدة سنتين او أزيد، ومثلها وربما اكثر الأمارات العربية وقطر والكويت، بينما تواجه عمان والبحرين وضعا صعبا، والعراق يستطيع لمدة سنتين مع تقنين للمستوردات. اما ايران فقد حافظت على إحراز فائض في ميزانها الخارجي واستطاعت تبعا لذلك تكوين احتياطيات، رغم المطالبة الواسعة لتحسين مستويات المعيشة، ومن المتوقع تعرض اقتصادها الى ارتباك، عند انقطاع صادرات النفط، ما لم تتمكن من التصرف بارصدتها، خاصة وانها تتجنب الأقتراض من الخارج.
الخليج في الأستراتيجية الأمريكية ومجلس التعاون:
غالبا ما تهتم الدراسات الاستراتيجية للخليج بالطاقة لكن اهتمام دول اوربا بهذه المنطقة سبق النفط بمدة طويلة منذ بداية القرن السابع عشر. وجاءت عناية السياسة البريطانية بالنفط اواخر العهد العثماني في العراق و ايران، و معها فرنسا وهولندا، وطالبت امريكا بحصة من النفط بعد الحرب العالمية الاولى ارتباطا بدورها في مساندة الحلفاء ضد دول المحور. وأصرّت أمريكا نهاية الحرب العالمية الثانية على الانفراد بنفط السعودية في مقابل ترك نفط ايران لبريطانيا والمشاركة في نفوط بقية الدول.
ولقد دأبت الولايات المتحدة على تأكيد اهمية امن الخليج في استراتيجيتها الدولية لتأمين استدامة انسياب مصادر الطاقة الى الاسواق الدولية، لكن سياساتها العملية لا تدل على قلق من احتمال تعرض أمن الخليج الى مخاطر بهذا المعنى، كما دلت تجربة حرب الثمانينات وما بعدها. بل لمقاصد اخرى فحواها ردع ومعاقبة المعارضين لهيمنتها في الشرق الأوسط، وبانسجام مع فهمها لأمن حلفائها. ولو كان القلق على مصادر الطاقة هو العامل الاول في السياسة الخارجية لكانت المانيا وفرنسا والصين والهند هي الأكثر اشتغالا على عوامل الامن والاستقرار في هذا الجزء من العالم، ولا يعقل ان تلك الدول اطمأنّت الى حرص الأخ الأكبر على أمنها الأقتصادي ومصالحها الحيوية.
وتبالغ الدوائر الأمريكية كثيرا في وصف التهديدات ألأمنية لمضيق هورمز ، " وإن اقتصاد العالم يمكن ان يُخنق من هناك"، والملاحظ ان شهادة الجنرالات، والأوساط القريبة منهم، امام الكونغرس هي المصدر الرئيسي لهذا التهويل لتبريرانتزاع المزيد من الأموال والدعم السياسي للماكنة العسكرية. وفي الواقع ايران لم تحاول إغلاق مضيق هورمز حتى في اقسى ظروف حرب الثمانينات لكنها تريد الأعتراف بمزاياها الجيوسياسية.
لقد تشكل مجلس التعاون الخليجي عام 1981 تحسبا لتداعيات الحرب العراقية الأيرانية وللتحالف في مواجهة ايران، هذا ما يُذكر في العديد من الوثائق، وتطور التعاون العسكري بين دول المجلس والولايات المتحدة في سنوات تلك الحرب وتكثّف حضور القوة الأمريكية للتضييق على ايران، التي اخرجتها الثورة من السيطرة الأمريكية ووضعتها امام تحديات جسيمة. وبموازاة هذا السياق كانت تجري الحرب في افغانستان، والتي ظهر فيما بعد انها عملية سيكو- ثقافية عميقة لتعميم العنف.
ومنذ غزو الكويت، عام 1990، وحرب الخليج الأولى والى عام 2003 تحول التركيز من ايران الى محاصرة العراق. وبعد احتلاله، وضعفه العسكري، عاد الأنشغال بإيران ضمن سياق سياسي، وآليات متعددة الأوجه، اعادت بناء كل الشرق الأوسط على اساس جديد.
ولقد اخفقت محاولات تطوير منظمة مجلس التعاون نحو كيان اتحادي ابتداءا من مشروع العملة الواحدة الى مبادرة السعودية اواخر عام 2011 لتكوين اتحاد يتولى مسؤولية الدفاع والسياسة الخارجية والتجارة والعملة. وربما اعاق التفاوت الواسع في الحجم السكاني والقوة الاقتصادية والعسكرية بين الدول تكوين الاتحاد. اضافة على اختلاف دول المجلس في الموقف من انظمة الحكم ومختلف القوى السياسية في المنطقة ومجريات الربيع العربي والحروب الداخلية، وفي السياسة الملائمة تجاه ايران. وعموما من الصعب تصور الاتفاق على تقييم المخاطر واساليب مواجهتها بين دول مجلس التعاون.
وتتواجد القوات الأمريكية او تستخدم عشرين موقعا في دول الخليج منها واحد في العراق ، ميناء ام قصر، و19 في دول مجلس التعاون اهمها قاعدة العيديد Al Udied في قطر التي تتسع لأيواء 120 طائرة مقاتلة و 10 آلاف من الأفراد ومقر القيادة العسكرية المركزي والقيادة المركزية للقوة الجوية. وباستثناء ثلاثة مواقع في الداخل السعودي وجدة على البحر الأحمر البقية كلها على الساحل او على مقربة منه بين شمال الخليج ونهاية خليج عمان وموقع على ساحل البحر العربي، ويوجد 35 الف من القوات الأمريكية في منطقة الخليج، اضافة على حاملة طائرات وسفن حربية. وحسب تقرير خدمات ابحاث الكونغرس CRS في 23 مايس 2018، لدى دول مجليس التعاون 498 طائرة مقاتلة منها 261 للسعودية و 138 للأمارات؛ و 104 طائرة هليكوبتر هجومية ؛ و1733 دبابة ، Tank ، منها للسعودية والأمارات 1067 ؛ واسلحة أخرى.
اما إيران فإن اسلحتها التقليدية واطئة التقنية ولا تكافئ جيرانها في الطيران الحربي، ويذكر ان لديها 330 طائرة حربية وهليكوبتر، والطائرات الحربية من مصادر مختلفة منها امريكية قديمة تمكنت من ادامتها وطائرات روسية سيخوي وميغ ومن دول اخرى. ولديها سفن حربية، وغواصات صغيرة ، لكنها تعوّل على الزوارق الحربية السريعة والألغام البحرية والصواريخ المضادة للسفن والغوّاصات للدفاع عن مداخل ايران في خليج عمان ومضيق هورمز ؛ وسلاح القاذفات ضد الدبابات لديها فعال اضافة على صورايخ مضادة للطائرات. وتذكر التقارير الأمريكية ان ايران لا تصنّع اسلحة كيمياوية وبيولوجية، و ليست لديها مخزونات منها، لكنها قادرة إن اردادت ومن المستبعد تعاملها مع هذه الأسلحة. واجمالا تبقى قدراتها في الاسلحة التقليدية قاصرة، ولذلك حاولت تعويض هذ النقص بالقوة الصاروخية والتي تصل مدياتها 2000 كم. ويبدو ان تركيز ايران على الصواريخ وتسليح جماعات موالية لها في المنطقة من وسائل تعويض نقص قدراتها الدفاعية بالأسلحة التقليدية. وبالمجمل توصف القدرات العسكرية الايرانية بانها دفاعية كما هي استراتيجيتها العسكرية.
اتخذ مجلس الأمن الدولي قراره رقم 2231 في حزيران 2015 معتمدا خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA ، وهي التسمية الرسمية لأتفاقية الدول الست والأتحاد الاوربي مع ايران بشأن البرنامج النووي، وبموجب هذا القرار انهى مجلس الأمن العقوبات على ايران التي فرضتها قرارات سابقة. ثم اخضع نقل السلاح التقليدي من وإلى ايران لموافقته ولكل حالة على حدة. ويشمل هذا التقييد كافة الأسلحة التقليدية المبينة في قائمة تفصيلية تعتمدها الأمم المتحدة لتوثيق الأسلحة التقليدية. وينتهي هذا التقييد في 18 اكتوبر من عام 2020 أي بعد خمس سنوات من سريان الأتفاقية حول البرنامج النووي التي اقرها مجلس الأمن في حزيران من عام 2015 بقراره 2231 آنف الذكر.
اتفاقية خطة العمل المشتركة تضمن عدم امتلاك ايران للسلاح النووي ، وقد الزمت الأتفاقية ايران بعدم تطوير صواريخ حاملة لرؤؤس نووية. ولقد خرجت الولايات المتحدة من تلك الاتفاقية ولم تلتزم قرار مجلس الأمن. وساعدت دبلوماسية أسرائيل والسعودية والأمارات العربية، وجماعات الضغط المؤيدة لهذه الدول، على تشدد مواقف امريكا تجاه ايران وجاء النقض في هذا المنحى. ويستشف ان الدول الثلاث حاولت اقناع الولايات المتحدة بتوجية ضربة لأيران، لكن الولايات المتحدة، ربما، تنتظر مبادرة الحرب من هذه الدول وبمساندة من دول اخرى في المنطقة، لكن دول مجلس التعاون تخشى التورط.
ان تفوق حلفاء امريكا على ايران بالقوة العسكرية واضح، واستمرار هذا التفوق مضمون، وامريكا ايضا لا تريد الانسحاب العسكري كليا من المنطقة، ولذلك كيف تُفسّر الحرب ان بادرتها امريكا او حلفائها، فإن لم تكن إستراتيجية إيران دفاعية في النوايا تتكفل موازين القوى التزامها المزقف الدفاعي.
الخصومات السياسية وخطابها في بيئة النزاع:
يبدو ان الولايات المتحدة تتابع العلاقات الدولية لأيران بالتفصيل وتعمل على قطع او اضعاف تلك العلاقات ما استطاعت. وتفهم الولايات المتحدة، والسعودية، العلاقة بين ايران والعالم بمنطق المباراة الصفرية، فلا تريد المملكة السعودية انهاء النزاع بين الولايات المتحدة وايران، إذ تعدّه خسارة لها، وتحاول الولايات المتحدة منع التعامل الأعتيادي بين ايران والعالم إذ تراه إضعافا لقوتها. وأدى هذا النهج، وخلاصته ان الدنيا لا تتسع لكلينا، الى تأزم المنطقة ودفع جميع الأطراف نحو حافة الحرب وبصفة مستمرة. و ان بقاء المجتمعات والدول في اجواء الحرب لمدة طويلة يؤدي الى الأعتياد على التوازن مع النزاع والتهديد والأستعداد للحرب، وبالنتيجة الخوف من المصالحة والأرتياب من السلام.
تنظر الولايات المتحدة الى العراق وما يجري به وعليه من زاوية نزاعها مع ايران، وبحساسية شديدة تجاه القوى السياسية التي كانت لها علاقات مع ايران ايام المعرضة، او التي نشأت فيما بعد في سياق الحرب الأهلية التي كان لجميع حكومات ومجتمعات دول الجوار حضور فيها بشكل او بآخر . وقادت هذه المقاربة الأمريكية للوضع العراقي، من بين عوامل أخرى، الى تأخير تسليحه وابقاءه دون ادنى امكانات في القوة الجوية، خاصة، لحين تشكيل حكومة العبادي، وكان لهذه السياسة دورها في التدهور الأمني الذي قاد الى احتلال الأرهاب للموصل ووصوله قريبا من بغداد. ومن الواضح ان البيئة السياسة في الشرق الاوسط لا تساعد على الاستقرار وتهدد باضافة المزيد من الدول الفاشلة، وتشكلت هذه البيئة انطلاقا من الخليج وسياسة امريكا في الخليج. ان الاتصال الجغرافي – الثقافي بين دول الخليج حقيقة في التاريخ والحاضر. ولا تسمح العقلانية السياسية انكار ذلك الأتصال والهروب منه بل تأكيد استقلال الدول وسيادتها. وهناك فرق جوهري بين تأكيد الأستقلال ،والسيادة وتكافؤها بين جميع دول الخليج، ونفي الحقائق الموضوعية والأنغلاق.
تُتّهم المطالبة بحقوق مدنية، وانشطة المعارضة السياسية، بالخيانة الوطنية والعمالة، وفي نفس الوقت غالبا ما تحصل المعارضة وحركات التمرد المسلح على دعم خارجي. وهذا معروف في تاريخ العراق الملكي والجمهوري، وسوريا آنذاك ، ولبنان، وحرب اليمن التي اطاحت بالملكية، والحرب الداخلية في عمان في الستينات والسبعينات، وما جرى في العراق ويجري الآن في سوريا وليبيا واليمن وغيرها. بينما يتكررفي تقارير وتصريحات امريكا واسرائيل بأن ايران هي الدولة الوحيدة التي لها صلات تعاون مع احزاب وحركات سياسية ومجموعات مسلحة في المنطقة وتدعمها . وفي واقع الحال ان الكثير من الدول، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية ودول عربية، لها مثل هذه العلاقات والتدخلات في دول المنطقة ونزاعاتها الداخلية ومعارضاتها، بما في ذلك مع المعارضة الأيرانية. اما القول باننا نساند وندعم قوى الخير والمحبة والسلام وعدونا يحارب الى جانب قوى الشر والظلام، فهذه دعاية سياسة ساذجة او اعلام حربي.
ايران تخلت عن تصدير الثورة منذ بداية التسعينات، لكنها حافظت على خطاب ايديولوجي فحواه ان البنية السياسية والاقتصادية في المنطقة تديم الاضطهاد والاستضعاف ويزيدها التدخل الغربي ضعفا وتشويها، وان دولة اسرائيل ليست شرعية والغرب يتحيز لها على حساب حقوق الشعب الفلسطيني. ومن الجهة الاخرى توصف ايران بالقسوة في معاملة المعارضة مثل مجاهي خلق، والتضييق على البهائية، كما تعترض الامم المتحدة بصفة مستمرة على احكام الأعدام، بتعبير آخر انها بعيدة عن النموذج الليبرالي وديمقراطيتها مقيدة بولاية الفقيه في رايهم.
ترى ايران ان الولايات المتحدة ساعدت حلفاءها من الدول العربية واسرائيل على عزلها، واشاعة ثقافة رافضة لها تشوّه صورتها لدى شعوب المنطقة، وتقصيها عن الشؤون المشتركة في الخليج وهي جزء منه وامنها مشروط بنطاقه الجيوسياسي. وقد ساعدت هذه السياسة، في رايها على انتشار التشدد والارهاب وعدم الاستقرار. بينما تتذمر امريكا واسرائيل وخصوم ايران الآخرين من راديكالية ايران في علاقالتها الدولية وانخراطها في الشأن الفلسطيني ودعمها لحزب الله والحوثيين ومجموعات مسلحة موالية لها في العراق ونظام الحكم في سوريا. وانها تحرّض على انظمة الحكم الحليفة للغرب واسرائيل . ويستنتج من التقارير المنشورة عن الدوائر الامريكية ومنها خدمات ابحاث الكونغرس CRS ان الولايات المتحدة تتبنى موقف اسرائيل، الى حد كبير، والتي تصف ايران بانها الدولة الأكثر عداءا لها. و ايضا، كانت الولايات المتحدة ولم تزل مستفزّة من رفض ايران ، سياسيا، لوجودها العسكري وهيمنتها ، وتحمّل الولايات المتحدة ايران المسؤولية عن هجمات استهدفتها واسرائيل في الخارج بين عامي 1979 و 2011 تتهم بها حزب الله او المجموعات التي تشكّل منها، اضافة على دعم حماس ونهج المواجهة المسلحة بين المنظمات الفلسطينية واسرائيل.
ويبدو ان هذه الأزمة ورغم تشعبها في تفاصيل كثيرة يمكن ارجاعها ببساطة الى ثلاثة عوامل: اسرائيل والمشكلة الفلسطينية ؛ مضاعفات الأنقسام الديني/ الاثني في المنطقة ؛ ومطلب الهيمنة الأمريكية. واذا ترفّعت الحكومات عما تحتويه الثقافة السائدة من مضامين عنصرية وفاشية وكراهيات فأن الحرب بين ضفتي الخليج مستبعدة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,611,783,075
- اللانظام وتقويض فرص الأستقرار في المنطقة
- العراق منتصف القرن الماضي: عناء وأمل
- إقتصاد الأردن و- الأصلاح الهيكلي-
- متى تنهض اجهزة الدولة العراقية بواجبها في حماية حقوق الأنسان
- تدويل العراق تحت الفصل السابع للميثاق
- لقد تغير اقتصاد العالم متى تستجيب السياسة
- الفقر في العالم
- تجديد التعاقد على الديمقراطية في العراق
- مفهوم النظام ومركز المسؤولية في ادارة العراق
- كلمة في استفتاء الاقليم
- حول تقرير مجموعة عمل مستقبل العراق وسياسة امريكا في الشرق ال ...
- مفردات غائبة في مجموعة من مقالات الحوار المتمدن
- نحو مقاربات مختلفة لمواجهة المشكلة المالية وتحريك الاقتصاد ف ...
- كهرباء العراق : ارقام ومقارنات
- الوطنية الاقتصادية لليمين والاداء المضطرب للنظام الدولي مع ا ...
- الانتخابات القادمة في العراق: مرة اخرى
- نظام الانتخابات في العراق وتداول مواقع النفوذ
- فهم النزاعات والحروب الداخلية بوسائل البحث التجريبي
- ملاحظة حول النفط والهيمنة في السياسة الدولية للولايات المتحد ...
- ترامب والتطلعات الأقتصادية لناخبيه


المزيد.....




- فرنسا -تأسف- لتأخر السعودية في تمويل تسليح جيوش دول منطقة ال ...
- انعقاد الدورة الثامنة للمؤتمر الدولي لضحايا الإرهاب في نيس ا ...
- جونسون: لا دليل على تدخل روسي في الانتخابات البريطانية واستف ...
- أقنعة زائفة ومريبة -أكثر واقعية من الوجوه البشرية-
- الوكالة الدولية للطاقة الذرية تطالب إيران بتوضيحات بشأن آثار ...
- مصر تعلن عزمها إطلاق قمر صناعي سيحدث طفرة في البلاد
- نائب عن -الليكود- يتحدى نتنياهو ويتطلع إلى تشكيل الحكومة
- تقرير: مصرع الآلاف بسبب الألغام الأرضية عام 2018
- الرئيس الإسرائيلي يكلف البرلمان اختيار رئيس للوزراء لتجنب ال ...
- شاهد: مقتنيات هتلر وفساتين زوجته وتذكارات نازية أخرى في مزاد ...


المزيد.....

- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر
- عرج الجوى / آرام كرابيت
- تأثير إعلام الفصائل على قيم المواطنة لدى الشباب الفلسطيني (د ... / هشام رمضان عبد الرحمن الجعب
- توقيعات في دفتر الثورة السودانية / د. أحمد عثمان عمر
- كَلاَمُ أَفْلاَطُونْ فِي اُلْجَمَاعِيِّةِ وَ التَغَلُّبِيِّة ... / لطفي خير الله
- الديموقراطية بين فكري سبينوزا و علال الفاسي / الفرفار العياشي
- المسار- العدد 33 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد إبريهي علي - الخليج: تعقيد النزاع ومخاطر التصعيد