أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبد الكريم يوسف - بوح ربيع خمسيني














المزيد.....

بوح ربيع خمسيني


محمد عبد الكريم يوسف

الحوار المتمدن-العدد: 5893 - 2018 / 6 / 4 - 18:16
المحور: الادب والفن
    




ثقافة البوح تكثر في الملاحم الأدبية والقصائد الشعرية والأدب الصوفي ولكنها تقل أو تكاد تنعدم في الحياة اليومية وخاصة بين أشقاء الروح ، ويجتهد المجتهدون في تبرير البرودة العاطفية بين الأحبة بأقنعة وأشكال شتى يأتي في مقدمتها كبرنا على هذا الكلام وفي حقيقة الأمر ما كبرنا ، وعلينا دائما أن نعود للبدء والعود أحمد . هي الحياة بقواعدها واستدامتها إن أحسنا القراءة والاستخلاص من بين السطور .
وضع الشاعر التركي ناظم حكمت الأمور في نصابها في أجمل أبيات من الشعر الجميل حيث تفوح رائحة السوسنة وعطر الزهور حين قال:
منذ أن وطأت قدماك أرض غرفتي
أورق البيتون وصار أخضرا
بعد أربعين عاما ، أورق البيتون وصار أخضرا .
عندما قرأت هذه السطور في ديوان ناظم حكمت شعرت وكأنه يتحدث بلساني وكينونتي إلى الأبد ، لو لم يكتب ناظم حكمت هذه الأبيات لكنت بادرت بكتابتها رغم أن الفارق في السن بيني وبين حكمت يقارب السبعين عاما .
عندما دخلت السوسنة في حياتي أورق البيتون المسلح وصار أخضرا وبدأت الحياة تدب في عروقي فهي الصديقة والحبيبة وهي شريكتي في كل المحن . الحياة سجن كبير لا يمكن الانعتاق منه إلا بحب الحياة والاستدامة في الحب والانسياب الطوعي في لجج المحبة . الأنثى في حياتي نسغ حياة وعصير من روح الإله تدخل ردهات عقلي وتفاصيله وترفعه في لمحات استغراقية طويلة لا أستفيق منها . الاستغراق بعدٌ فلسفي رابع ، ومن يمتلك ثقافة الاستغراق يحول المستحيل إلى ممكن.
عندما دخلت السوسنة في حياتي برعم الزهر واخضرت الأرض فهي تؤمن أن الذهب الخالص يكون في العقل وليس في اليد وأن الحلي الحقيقية هي ما يمتلكه الإنسان من خير ومحبة وعرفان بجميل . عندما أعود للبيت مساء أبوح لها بتجربتي خلال النهار فتلملم كلماتي بأبعادها في مسافة تناظرية قلما يمتلكها شريك في الحياة .
عندما دخلت السوسنة في حياتي تعلمت احتساء الأحلام وتعلمت الاستغراق وصار المونولوج الدرامي جزءا من هواجسي اليومية . كنت أصيغ الأحلام قصصا ورؤى مستقبلية وكنت أنزف الكلمات فتتولد المعرفة كغصن ريحان وجزع سنديان . قلت لها ذات مرة : "أنت جذري في الأرض " فأجابتني : " وأنت أغصاني الممتدة عاليا في السماء " . صرت أرى فيها السنديانة التي أستريح بظلها ، أغفو كطفل ينام في حضن أمه تداعب النسمات شعره فيهفو ويغفو ويحلم في طقوس عبادة لا تنتهي ولا يريد لها أن تنتهي .
عندما دخلت السوسنة في حياتي صارت الألوان أكثر زهوا فهي تتمنطق بالحب وسكينة الروح والأمل وتستنطقني كل مساء فلا أنام على همّ قديم وزرعت في رأسي أن كل صباح بداية جديدة وأنني يجب أن أكون ابن اللحظة فلا أنام على همِّ قديم .
عندما دخلت السوسنة في حياتي بدأ الكون يتغير في عيني وصرت أطمح للتغيير والتحسين وصرنا نتجه صوب قريتنا مسقط رأسنا لنعيش اللحظة فأنجزنا بالتصميم بيتنا الريفي وحديقتنا التي لا ننساها وتلفت نظر من يمر بجوارها فيسرق لحظة جميلة يخلدها بصورة وصارت محجتنا ومركز استجمامنا فالبيت الريفي في نظر السوسنة قيمة فكرية لا تباع ولا تشترى فيه نمارس جنوننا والتصاقنا بأمنا الأولى الأرض ، نقلب حياتنا ، نبتعد عن المجتمع والتقنية والتكنولوجيا لنستمتع ببوح الزهور ونستخلص دروس الحياة وعبقها فالحياة في المدينة وبسبب البيتون تجعلك قصير النظر أما في الريف وبسبب الانعتاق الروحي والبعد الشاسع تتعلم بعد النظر. تنظر للكون الفسيح وتتشارك مع الناس حب الحياة .
برعمت حياتي مرتين وتجدد خضارها تماما كما يتجدد الربيع في بلادي . الأولى عندما دخلت السوسنة في حياتي ، والثانية عندما صار توأمنا شبابا . نور تشبه أمها في كثير من الأمور وهي أشد منها في مراقبتي وتدقيق تفاصيل حياتي أما كرم فيشبهني كثيرا في الكثير من الأشياء . يتحدث الأولون عن شجرة العائلة وأنا شجرتي لا زالت صغيرة تبرعم في الربيع وتهفو نحو الغد .
أسأل السوسنة دائما : أنعيش حتى نصير جدا وجدة ؟ فتبتسم وتقول : "من يدري . كل شيء ممكن. " أروي لها الحكايات المستقبلية وأقرأ لها الكثير من ترجماتي ومقالاتي وكتبي وهي أول من يقرأ وآخر من يعلق وتصدقني دائما فيتحول الحلم إلى واقع وتتحول الأحرف إلى أفكار أصوغها بلهفة العاشق، فتنتشر على الصفحات في كل دول العالم وبثلاث لغات هي العربية والانكليزية والفرنسية . السوسنة آخر من يدقق صياغة الكلمات وأول من يقرأها على الصفحات البيضاء والصفحات الالكترونية .
هي المعافاة ورجعة الروح وعودة الوعي . هي استقراء سليم غير ارتجالي للمكونات النبيلة في هذا الوطن الجميل – السوسنة – والمعافاة إنما تكون بالاستنطاق الحي للكلمة . الكلمة تدمي مرتين عند اختزانها في قلوبنا وعند البوح بها . ألستم معي في ذلك ؟





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,361,026,323
- العظماء والمرأة
- مجتمع المخابرات الأمريكي
- مصادفات غيرت مجرى التاريخ
- لودفيغ فان بيتهوفن - الجزء الأول
- مستقبلنا المشترك
- موزارت الإنسان - الجزء الثالث
- موزارت الإنسان 2 - دراسة موسيقية سياسية اقتصادية لأوبرا الفل ...
- موزارت الإنسان - الجزء الأول
- ستمطر ماء النار
- مهارات الإصغاء
- نهاية البداية
- الصحة والسلامة والطوارىء في منشآت الغاز المسيل
- أشياء يجب أن تعرفها عن الفيزياء الكمية
- تاريخ التدخل الأجنبي في سورية
- التنمية الإدارية والعقد النفسية في القطاع العام والخاص والمش ...
- سورية من صراع الوجود إلى صراع الحدود
- أركان الدعاية المضللة في الحرب على سورية
- التنمية الإدارية ومؤشرات النجاح في تحسين الصورة الايجابية لل ...
- التنمية الادارية والبرمجة اللغوية العصبية للعاملين في القطاع ...
- مفاهيم تنفيذ العقود في سورية بين الإدارة ونظرية الأمير ونظري ...


المزيد.....




- صابرين: أنا لست محجبة! (فيديو)
- الخارجية المغربية: ننوه بجهود كوهلر ومهنيته
- استقالة المبعوث الأممي إلى الصحراء المغربية لدواع صحية
- إسبانيا .. أزيد من 270 ألف مغربي مسجلون بمؤسسات الضمان الاجت ...
- محكمة إسبانية تمدد البحث في قضية جرائم ضد الإنسانية مرفوعة ض ...
- شاهد: هكذا استقبل الجمهور عملاقة السينما في مهرجان كان في فر ...
- فرقة روسية تعزف موسيقى صوفية على أكثر من 40 آلة
- شاهد: عازف البيانو السويسري ألان روش يقدم عرضا موسيقيا " ...
- فازت بالمان بوكر.. -سيدات القمر- لجوخة الحارثي تحلق بالرواية ...
- الدراما المصرية في رمضان.. العسكري يجلس على مقعد المخرج


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد عبد الكريم يوسف - بوح ربيع خمسيني