أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - أحمد بدوي - السياسة وأزمة التعليم في مصر















المزيد.....

السياسة وأزمة التعليم في مصر


أحمد بدوي
الحوار المتمدن-العدد: 5893 - 2018 / 6 / 4 - 09:44
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


تتخذ أزمة التعليم في مصر عدة أبعاد سياسية وفنية، ومما لا شك فيه أن التعليم الجيد يلعب دورا مهما في تطور المجتمعات ونهضتها؛ ولذا وجب توجيه النظر والاهتمام الكبيرين للأزمة وأبعادها وإعطائها الأولوية القصوى التي تستحقها من البحث والتوصيف والمناقشة واقتراح الحلول. وعلى الرغم أنه لا يمكن أبدا بحث قضية التعليم المصري وأزمته في سطور قليلة أو مقالة واحدة، ولكن أحاول فقط طرح بعض النقاط المتعلقة بالأمر وبشكل مختصر، مما قد يساعد على فهم الأزمة وأبعادها.

يأتي البعد السياسي على رأس الأزمة وحلها، متمثلا ذلك في تقدير الدولة أولا لأهمية الملف، وتوافر الرغبة السياسية للإصلاح والتطوير، ومن ثم تركيز الجهود والخطوات العملية والشراكة المجتمعية. يستوجب هذا على الدولة ضمان وتوفير البيئة والدعم السياسيين الكاملين كأولوية ملحة وضرورية، بما يتبعه ذلك أيضا من توفير الموارد المالية. وبذلك يرتبط أيضا هذا البعد السياسي لأزمة التعليم بالبعد الفني الآخر المتعلق بتطوير العناصر البشرية والمادية للعملية التعليمية.

تأتي الموارد البشرية على رأس البعدين السياسي والفني لأزمة التعليم، وهذه الموارد لا تنفصل أبدا عن المجتمع وهمومه ومشاكله بل هي جزء منه. وعلى الرغم أن العدالة الاجتماعية هي مطلب مستقل بذاته إلا أنها ترتبط بالبعد السياسي لأزمة التعليم من خلال عنصر الموارد البشرية. فيجب ضمان حياة كريمة وعادلة للمدرسين والطلاب دون شعورهم بثمة تمييز ضدهم من قبل الدولة أو فارق اجتماعي كبير. هكذا يكون عنصر الموارد البشرية في البعد السياسي أكثر أهمية منه كعنصر فني يتعلق فقط بالتدريب والتطوير والإدارة والإمكانيات.

نتفق جميعا أن المحصلة النهائية للعملية التعليمية الناجحة والمنشودة لابد أن تؤدي إلى مجتمع من المواطنين الأسوياء أقوياء الشخصية الذين يعرفون حقوقهم وواجباتهم، ويدافعون عنها، ويقرون فيما بينهم قيم رفيعة ثابتة مثل الديمقراطية، والمواطنة، والانتماء، والعمل، وغير ذلك. وبما أن الدولة هي التي تقوم على هذه العملية التعليمية، فلابد أن تقدم هي أولا الشفافية والنموذج الحي لتطبيق وترسيخ هذه القيم. فإذا كنا حقا نريد من وراء التعليم ومنتجه مجتمعا ديمقراطيا حرا وقويا، فلابد أن تنعكس هذه الإرادة ليس فقط نظريا في المناهج التي يتلقاها الطلاب في المدارس والجامعات، بل أيضا عمليا في الواقع الذي يعيشونه ويتأثرون بكل تفاصيله.

لابد أيضا من توفير الحرية والإمكانيات التي تسمح لهؤلاء الطلاب بالحركة، والانفتاح، والاحتكاك، واكتساب الخبرة، الكافيين لبناء الشخصية القوية الدقيقة وفهم العالم حولهم. لن يتحقق ذلك كله إلا بالإصلاح السياسي والدعم الذي يلزم أن تقدمه وتتعاون فيه كل مؤسسات الدولة المدنية مع المنشآت التعليمية ومواردها البشرية وأنشطتها المتنوعة لتحقيق أهداف العملية التعليمية. وفي المقابل يجب أيضا على هذه المنشآت التعليمية أن تكون عمليا في خدمة المجتمع وتوعيته والنهوض به.

بالانتقال للبعد الفني فلا يمكن فصله أبدا عن البعد السياسي. فنيا يقوم التعليم المصري في جانب كبير منه على التلقين غير القائم على تنمية التفكير أو الإبداع عند الطلاب، كما أنه لا يساعد على اكتشاف مواهبهم وتنميتها. يجب أن تتكفل الدولة أولا بقوانين حاكمة جديدة وجادة تهدف إلى زيادة عدد المدارس بمراحلها المختلفة، وتحديد أولوية ذلك، والعمل عليه بكل الطرق الممكنة والشراكة المجتمعية، بما يؤدي إلى تقليل الكثافة الطلابية في الفصول الدراسية، وزيادة عدد المدرسين، وتقليل النسبة بين عدد الطلاب والمدرسين.

يجب أيضا التفريق بين المعرفة من ناحية وطريقة ومنهجية الحصول عليها من ناحية أخرى. التعليم الجيد يهتم ويركز على كيفية ومنهجية وطريقة الحصول على المعرفة أولا، ثم تأتي المعرفة نفسها وتحصيلها. يساعد ذلك التعليم الطلاب ويدربهم على ذلك، بما يؤدي بهم في نهاية المطاف إلى إبداع المعرفة بأنفسهم والإسهام إليها. وبدلا من فرض مناهج ثابتة يتم تلقين الطلاب بها، يمكن أن تقتصر بعض المناهج أو أجزاء منها في بعض المراحل التعليمية على مجموعة من الأهداف المعرفية والقيمية، ويترك للطلاب المجال الحر لكيفية وطريقة واختيار مصادر ومراجع تحصيلها واكتسابها. هذا بدوره يساعد أيضا على اكتشاف ميول الطلاب المعرفية واستغلالها الاستغلال الأمثل بما يفيد المجتمع. وهنا يجب الإشارة إلى الفارق النوعي بين فروع المعرفة الطبيعية الثابتة والفروع الإنسانية النسبية. التاريخ مثلا هو من فروع المعرفة الإنسانية، وتختلف سردياته في المراجع المختلفة، وفقا لعوامل كثيرة ومتنوعة، وهو أيضا أكتر ما يتم تزويره وفرضه على الشعوب في الدول المتخلفة. لابد من إعطاء الفرصة للطلاب للبحث بأنفسهم في موضوعاته في المراجع المستقلة، وتوفير الإمكانيات لذلك، ثم يقومون بكل حرية بعرضها ومناقشتها والاستفادة منها من خلال دراسة منحنياته وأحداثه وفترات النهضة والانحدار وأسبابها وعواملها، ثم يربطون ذلك كله بالواقع الذي يعيشونه ويتأثرون به. أنها مهمة شاقة، ولكنها غير مستحيلة، فقط إذا توفرت البيئة السياسية الداعمة والمناسبة.

يجب أيضا أن يتم فتح آفاق حرة للطلاب للتحرر من ضغوط المجتمع وطموحاته المادية والسلطوية في بلد يعاني تاريخيا من مشاكل مزمنة ومتراكمة. هذه الضغوط هي التي ترسم مستقبل الأجيال الصغيرة وتشكل اختيارهم غير الحر. يجب هنا أن تضمن الدولة فرص حقيقية وعادلة من خلال التعليم لمخرجاته على اختلاف ميولهم وتخصصاتهم. فتضمن بذلك الدولة أيضا للمواطنين العدالة بين كل فئات المجتمع الوظائفية، وشعور المجتمع بأهميتها على حد سواء، والقضاء على الفساد والمحسوبية والرشوة في مؤسساتها، إلي جانب قيام الدولة بدورها الخدمي في كل المجالات. هذا كله لن يتحقق إلا بالإصلاح السياسي والاجتماعي الذي يشمل تحقيق العدالة الاجتماعية، واحترام حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية، وتمكين الشعب لممارسة دوره السيادي في إطار وضمن قواعد ومؤسسات ديمقراطية.

أن أزمة التعليم في مصر لا تنفصل ابدا عن أزمة السياسة والمجتمع، بل هي جزء مهم منها ومتداخل معها، وهذا يعني بالضرورة أن محاولة الدولة حلها فعليا أو مجرد إدعاء ذلك بالتركيز فقط على الجوانب الفنية، هي محاولة محكوم عليها بالفشل والاستحالة.

وأخيرا فمن المؤكد أن مصلحة الأنظمة المستبدة أن تحافظ على مجتمعات يسودها الجهل والتخلف والضعف؛ لأنهما خير ضمانة لعدم ثورة هذه المجتمعات عليها وأيضا سهولة نهبها واستغلالها والسيطرة عليها، وهذا أيضا يذكرنا بالمقولة النازية الشهيرة: "كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدي".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,057,010,103
- الليل وعبدالله أقارب
- مرحبًا بك في -العصر المظلم الجديد-
- المتحف المصري الكبير وفساد الدولة الكبير
- المال الخليجي في دكان مصر
- شبه الدولة المصرية
- كرة القدم والمصريون


المزيد.....




- بالفيديو.. جسم غريب يشق سماء العراق ويسقط وسط البلاد
- شركة الخدمات الأمريكية Airbnb تقطع صلاتها بالمستوطنات الإسرا ...
- لهذه الأسباب يؤيد الاتحاد الأوروبي قراراً بفرض عقوبات ضد إير ...
- بوتين وأردوغان: خط أنابيب "ترك ستريم" يكتمل وليس م ...
- ظهور مفاجئ للوحة تذكارية عن صدام حسين شرقي لندن
- لهذه الأسباب يؤيد الاتحاد الأوروبي قراراً بفرض عقوبات ضد إير ...
- دعوات أبو تريكة وصلاح للخطيب بعد العملية الجراحية
- واشنطن بوست: لماذا منشار عظام لعملية خطف يا صاحب السمو؟
- ألمانيا تفرض حظرا للسفر وتجمد مبيعات السلاح للسعودية
- حافظ بشار الأسد بين أهالي دمشق القديمة (صور)


المزيد.....

- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين
- خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة / محمد رؤوف حامد
- تدريس الفلسفة بالمغرب، دراسة مقارنة بين المغرب وفرنسا / وديع جعواني
- المدرسة العمومية... أي واقع؟... وأية آفاق؟ / محمد الحنفي
- تقرير الزيارات الاستطلاعية للجامعات الليبية الحكومية 2013 / حسبن سالم مرجين ، عادل محمد الشركسي، أحمد محمد أبونوارة، فرج جمعة أبوسته،
- جودة والاعتماد في الجامعات الليبية الواقع والرهانات 2017م / حسين سالم مرجين
- لدليل الإرشادي لتطبيق الخطط الإستراتيجية والتشغيلية في الج ... / حسين سالم مرجين - مصباح سالم العماري-عادل محمد الشركسي- محمد منصور الزناتي
- ثقافة التلاص: ذ.محمد بوبكري ومنابع سرقاته. / سعيدي المولودي
- دليل تطبيق الجودة والاعتماد في كليات الجامعات الليبية / حسين سالم مرجين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - أحمد بدوي - السياسة وأزمة التعليم في مصر