أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناجح العبيدي - الانتخابات العراقية: العتبة الانتخابية وكثرة الطباخين















المزيد.....

الانتخابات العراقية: العتبة الانتخابية وكثرة الطباخين


ناجح العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 5888 - 2018 / 5 / 30 - 16:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الانتخابات العراقية: العتبة الانتخابية وكثرة الطباخين
لم يكد مقتدى الصدر ينتهى من الإعلان من وضعه "اللمسات الأخيرة" على تشكيل الحكومة الجديدة، حتى بادر حيدر العبادي بعد يوم واحد فقط لزف هذه البشرى السعيدة والتصريح بأنه أيضا بصدد وضع آخر البهارات على الطبخة الحكومية. لا أحد يعرف من أين تأتي هذه الثقة العالية بالنفس التي يبديها كل من زعيم التيار الصدري ورئيس الوزراء المنتهية ولايته بقدرتهما على إنضاج التشكيلة الحكومية على الرغم من أن كتليتهما "الكبيرتين"، سائرون والنصر، تضمان معا أقل من 30 % من المقاعد وتحتاجان إلى التحالف مع قائمتين أخريين على الأقل لضمان الأغلبية. لا يمكن وصف اللقاءات الجارية بين رؤوساء الكتل منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات بمفاوضات ائتلافية حقيقية، بل هي في أحسن الاحوال مجرد مشاورات أولية لجس النبض.
سيضم البرلمان الجديد 31 "كتلة" بالتمام والكمال. وإذا أضيفت إليها مقاعد المكونات فإن العدد سيرتفع إلى 36 "كتلة" و 3 نواب مستقلين. القليل منها يستحق تسمية "كتلة" لأن أغلبيتها تتألف من نائب واحد أو اثنين أو ثلاثة. عمليا لا يمكن الحديث عن كتلة كبيرة لأن أكبرها تحالف سائرون فاز بأقل من سدس المقاعد، اي أن عمالقة الدورة الجديدة هم في الواقع أقزام بالمعنى السياسي ويبدون أشبه بالأعور في مملكة العميان.
في ظل هذا التشظي يبدو للأسف الالتزام بالمواعيد الدستورية أشبه بالمستحيل. يتطلب انتخاب رئيس الجمهورية مثلا أغلبية الثلثين، أي ما لا يقل عن 220 نائبا. تكفي نظرة سريعة على الخارطة السياسية للتوصل إلى أن ذلك لن يتحقق إلاّ إذا اتفقت قوائم سائرون والفتح والنصر ودولة القانون والحزب الكردستاني الديمقراطي والوطنية والحكمة على سبيل المثال، أي السبعة "الكبار" على الأقل. بطبيعة الحال لن يوافق كبار الطهاة إلاّ إذا كانت الطبخة "وطنية" و"عابرة للطوائف" من وجهة نظرهم، أي أن يتم التوصل إلى صفقة شاملة للرئاسات الثلاث تضمن حصول كل جهة على قطعة مناسبة من الكعكة. من البديهي أن لا أحد يريد الانضمام طواعية للمعارضة لأن الحزب في جوهره يطمح دائما للسلطة أو لجزء منها على الأقل. لكن الاتفاق هذه المرة سيصبح أكثر صعوبة مما كان عليه الأمر في الانتخابات السابقة. في عام 2014 استحقت قائمة نوري المالكي لقب الكتلة الكبيرة لأنها حصلت وحدها على 92 مقعدا. هذا ما سهّل أيضا عملية الانقلاب على المالكي وإخراج نسخة جديدة من حكومة المحاصصة من خلال استمالة أقطاب قائمة دولة القانون حينها، وفي مقدمتهم حيدر العبادي وحسين الشهرستاني ومهدي العامري. أما اليوم فإن توازن القوى يبدو أكثر تعقيدا، لا سيما وأن الكتل الفائزة نفسها تعاني من خلافات وتشققات داخلية والتي من المرجح أن تظهر إلى العلن عندما يحين توزيع المكاسب والمغانم.
ليس من المبالغة القول بأن حالة التبعثر والتشظي نتيجة كثرة الأحزاب والقوى والتيارات داخل البرلمان تشكل التحدي الأكبر للديمقراطية العراقية. نتيجة لهذه الظاهرة لا تعاني العملية السياسية من تعثر تشكيل الحكومة ومخاطر الفراغ الدستوري بعد كل انتخابات فحسب، وإنما أيضا من عدم وجود حكومة فاعلة قادرة على اتخاذ القرار وغياب معارضة قوية. أما الخطر الأكبر لمأزق الديمقراطية هذا فيتمثل في التمهيد لعودة الاستبداد والديكتاتورية. هناك توجهات وآراء منتشرة في المجتمع العراقي تُغلف الدعوة الصريحة والمبطنة للمستبد "العادل" والحنين لـ"عهد الاستقرار" بشعارات رفض نظام المحاصصة ومكافحة الفساد ومظاهر فشل الدولة وعجزها عن حل الكثير من الأزمات السياسية والاقتصادية والخدمية. لا يستبعد أن يشهد هذا الخطاب الشعبوي ازدهارا أكبر إذا فشلت الكتل الفائزة في التوصل إلى حل وسط وحكومة توافقية ، أي حكومة محاصصة، ولكن بتسمية جديدة مثل "الدولة الأبوية". وإذا تم القبول بالدولة الأبوية التي تحرص على جميع أبنائها وتكافئ طاعتهم وتعاقب عقوقهم فإن الترويج لفكرة "الأب القائد" تصبح مجرد تحصيل حاصل.
مثل هذه التجارب مرت بها بلدان أخرى. لعل أشهرها تجربة ألمانيا في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي عندما استغل حزب هتلر النازي تبعثر المشهد السياسي للقضاء على النظام الديمقراطي والانفراد بالسلطة. لهذا اعتمدت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية عتبة انتخابية تبلغ 5%، ما يعني أن كل الاحزاب التي تفشل في الحصول على 5% من الأصوات تبقى خارج البرلمان. يطبق هذا المبدأ حاليا بنسب متفاوتة في كل الديمقراطيات الراسخة التي تعتمد نظام الانتخاب النسبي (التصويت للقائمة). صحيح أن هناك اعتراضات على العتبة الانتخابية، خصوصا من القوى الصغيرة، إلاّ أن فقهاء القانون الدستوري يؤكدون أنها لا تنتهك الحقوق الأساسية ومعايير العدالة والمساواة، وإنما توازن بين حرية الاختيار ومقتضيات الاستقرار السياسي للبلاد.
بالطبع هناك أمثلة على إساءة استخدام نظام العتبة الانتخابية في بعض البلدان لإقصاء المعارضة، كما يحصل في تركيا حيث تبلغ 10 %. غير أنه تكفي عتبة انتخابية في العراق مقدارها 3% فقط لكي تتقلص دائرة الكتل الفائزة بحسب نتائج انتخابات 2018 إلى 9 فقط دون أن يؤثر على التنوع المطلوب. ولو تم اعتماد العتبة الانتخابية قبل الانتخابات فإن الخوف من الإخفاق في دخول البرلمان سيدفع أحزابا كثيرة للاندماج والانصهار في تجمعات أكبر. لا شك أن مثل هذا الوضع سيُسهل عملية الاتفاق داخل السلطتين التشريعية والتنفيذية ويُسرع باتخاذ القرار ويُقلل من فرص المساومات غير المبدئية ويساعد في الحد من الخطاب الشعبوي وأسلوب المزايدات.
لا يعتبر استبعاد القوى الصغيرة والهامشية من البرلمان انتقاصا للديمقراطية، بل تحصينا لها. فالحزب الذي لا يحظى بثقة 3 % من الناخبين، لا يستحق أن يكون ممثلا في البرلمان وعليه أن يلوم نفسه ويغير نهجه حتى ينجح في المنافسة على الأصوات وتخطي هذه العقبة. من البديهي أن يتم استثناء مقاعد المكونات (أي ممثلي الأقليات الدينية والعرقية) من هذا الشرط لضمان تمثيلهم في البرلمان.
كثيرا ما يقال بإن قانون الانتخابات في العراق لا يراعي القوى الصغيرة ويتم الاستشهاد في ذلك بطريقة سانت ليغو المتبعة. هذا الادعاء يتنافى بكل بساطة مع النتائج الفعلية للانتخابات التي تشير إلى وجود أكثر من عشرين كتلة صغيرة في البرلمان الجديد. جميعها لن يكتفي بامتيازات السلطة التشريعية وإنما مستعد بكل قواه لخوض المعركة على المناصب التنفيذية على أمل بأن يكون طرفا، ولو صغيرا، في الصفقة الشاملة. من المؤكد أن جذور تشظي المشهد السياسي تكمن في تنوع الانتماءات الإثنية والدينية والمذهبية وطغيان الهويات الفرعية على الشعور الوطني. غير أن غياب العتبة الانتخابية يساهم في تعميق عوامل الفرقة والاختلاف.
لا أحد يعرف الفترة التي ستستغرقها عملية تشكيل الحكومة الجديدة. لكن من المؤكد أن المفاوضات ستكون ماراثونية وشاقة. في نفس الوقت لا تسمح الاستحقاقات والمواعيد الدستورية بترك الطبخة تنضج على نار هادئة، لا سيما وأن كثرة الطباخين تُنذر بإفسادها.

د. ناجح العبيدي
30/05/2018





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,522,277,910
- مقتدى الصدر وإغراءات السلطة الكاريزمية
- مصر: هل يُصلح الاقتصاد ما يُفسده السيسي؟
- كارل ماركس: نبيّ رغم أنفِه
- ماركس والعولمة
- هل انتهت الأحزاب في العراق؟
- مدافع ترامب التجارية
- الانتحار بين السياسة والدين (الحلقة الثانية)
- الانتحار بين السياسية والدين (الحلقة الأولى)
- الانتخابات العراقية...الناخب الحائر!
- الخمينية والوهابية تترنّحان
- الجوانب المظلمة لأزمة الكهرباء في العراق
- الفساد بين الحيتان الكبيرة والقروش الصغيرة
- تصدّع البيت الأوروبي
- مسرحية الحريري: التغريد خارج النص
- الميزانية العراقية وعقدة حصة الإقليم
- عندما يحلم العراقي!
- فخ المديونية في العراق
- الدين: محرك أم معيق للتنمية الاقتصادية؟
- أرصدة كردستان المالية في الخارج: من أين لك هذا؟
- التصعيد التركي والصمت الكردي!


المزيد.....




- فضول الأطفال: هل لدى النمل دم؟
- الدوري الإسباني.. برشلونة يواصل انطلاقته المتعثرة
- ليبيا.. قوات الوفاق تستعيد السيطرة على معسكر اليرموك
- ترحيب أممي بعرض الحوثيين وقف الهجمات على السعودية
- ورطة جديدة للرئيس الأميركي.. بايدن يطالب بالتحقيق في اتصال ب ...
- الرئيس الكولومبي يدعو المجتمع الدولي لمعاقبة مادورو
- السجائر الإلكترونية.. قصة الأنفاس الأخيرة
- بعد اتصال ترامب برئيس أوكرانيا… بايدن: تصرف مشين
- اليمن... التحالف يقصف أبراج اتصالات لـ-أنصار الله- في صنعاء ...
- فرانس برس: مواجهات في السويس خلال تظاهرة معارضة للسيسي


المزيد.....

- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- إيران والخليج ..تحديات وعقبات / سامح عسكر
- رواية " المعتزِل الرهباني " / السعيد عبدالغني
- الردة في الإسلام / حسن خليل غريب
- انواع الشخصيات السردية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الغاء الهوية المحلية في الرواية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الابعاد الفلسفية في قصة حي بن يقظان / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناجح العبيدي - الانتخابات العراقية: العتبة الانتخابية وكثرة الطباخين