أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هشام الطوخى - و لكنها تدور!! ... مصر بين عصرين من الخرافة






















المزيد.....

و لكنها تدور!! ... مصر بين عصرين من الخرافة



هشام الطوخى
الحوار المتمدن-العدد: 1493 - 2006 / 3 / 18 - 11:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


نتحدث عن عصرين من عصور التخلف التى شهدتها مصر ، استمر العصر الأول عدة قرون خضع فيها المصريون لسلطة الجهل وتلبستهم روح الخرافة ، و باسم طاعة ولى الأمر وتوقير الأشراف ورجال الدين سلم المصرى فى أرض السادة ظهره لكرباج العسكر وسلم أهله لشهواتهم ، يغتصبون اناثه ويلوطون فى ذكوره .

بالجهل استحلوه ... أخضعوه بالكرباج ، وعبدوا روحه برؤاهم وتفسيراتهم الدينية ، وحافظوا على وجوده جائعاً عارياً حافياً بنصف وجبة من السبانخ والبصل !

انتهى العصر الأول بمقدم جيشين يتصارعان على النفوذ الدولى ، هزم أحدهما الآخر فى معركة أبى قير البحرية عند الاسكندرية ، ثم احتل المدينة فى ثلاث ساعات !

شهد عبد الرحمن الجبرتى سنوات نهاية عصر الخرافة الأول ، أرخ لها واصفا اياها بسنى الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة والوقائع النازلة ، وتضاعف الشرور

فى يوم الأحد العاشر من شهر المحرم الحرام من عام 1213 ه - الموافق لعام 1798 - وردت الرسائل على يد السعاة من الاسكندرية تقول بظهور أسطول من سفن الانجليز أمام ساحل المدينة وقف على البعد بحيث يراه أهل الثغر ، ثم توالت الرسائل بأن المراكب التى وردت الثغر عادت راجعة ، فاطمأن الناس وسكن القيل والقال .

يقول الجبرتى : " أما الأمراء فلم يهتموا بشئ من ذلك ، ولم يكترثوا اعتماداً على قوتهم وزعمهم أنه اذا جاءت جميع الافرنج لا يقفون فى مقابلتهم ، وأنهم يدوسونهم بخيولهم .." !(1)

" ولما كان الأربعاء العشرون من الشهر المذكور وردت مكاتبات من الثغر بأنه فى يوم الاثنين ثامن عشره وردت مراكب وعمارات للفرنسيس كثيرة ، فأرسلوا فى البحر ، وأرسلوا جماعة يطلبون القنصل وبعض أهل البلد ، فلما نزلوا اليهم عوقوهم عندهم ، فلما دخل الليل تحولت منهم مراكب الى جهة العجمى ، وطلعوا الى البر ومعهم آلات الحرب والعساكر ، فلم يشعرأهل الثغر وقت الصباح الا وهم كالجراد المنتشر حول البلد .... وفى يوم الثلاثاء نادوا - فى مصر المحروسة - بالنفير العام ، وخروج الناس للمتاريس " (2) ...

" وخرجت الفقراء وأرباب الأشياء بالطبول والزمور والأعلام والكاسات وهم يضجون ويصيحون ويذكرون الله بأذكار مختلفة ، وصعد السيد عمر أفندى نقيب الأشراف - أحفاد قبيلة قريش فى مصر - الى القلعة ، فأنزل منها بيرقاً كبيراً أسمته العامة البيرق النبوى ، فنشره بين يديه من القلعة الى بولاق وأمامه وحوله ألوف من العامة بالنبابيت والعصى يهللون ويكبرون ويكثرون الصياح ومعهم الطبول والزمور ..... وجلس مشايخ العلماء بزاوية على بيك ببولاق يدعون ويبتهلون الى الله بالنصر ..... أما بلاد الأرياف فانها قامت على ساق يقتل بعضهم بعضاً وينهب بعضهم بعضاً ، وكذلك العربان أغارت على الأطراف والنواحى ، وصار قطر مصر من أوله الى آخره فى قتل ونهب واخافة طريق ، وقيام شر ، واغارة على الأموال وافساد المزارع وغير ذلك من أنواع الفساد الذى لا يحصى ، وطلب أمراء مصر التجار من الافرنج ، فحبسوهم فى القلعة ، وبعضهم بأماكن الأمراء ، وصاروا يفتشون فى محلات الافرنج على الأسلحة وغيرها ، وكذلك يفتشون بيوت النصارى الشوام والأقباط والأروام والكنائس والأديرة ، والعامة لا ترضى الا أن يقتلوا النصارى واليهود ، فيمنعهم الحكام عنهم ، ولولا ذلك المنع لقتلتهم العامة وقت الفتنة ... " !

" ولما كان يوم الجمعة سادس من صفر 1213 - 20 يوليو 1798 - ولما اقترب طابور الفرنسيس من متاريس مراد بيك حضر عدة وافرة من عساكر الأرنئود من دمياط ، وطلعوا الى انبابة وانضموا الى المشاة وقاتلوا معهم فى المتاريس ، فلما عاين عسكر البر الشرقى القتال ضج العامة والغوغاء من الرعية وأخلاط الناس بالصياح ورفع الأصوات بقولهم : " يا رب ويا لطيف ويا رجال الله " ونحو ذلك وكانهم يقاتلون ويحاربون بصياحهم وجلبتهم .."

" ولما أحاطهم عسكر الفرنسيس دق طبوله وأرسل بنادقه المتتالية ومدافعه ، وانعقد الغبار ، وأظلمت الدنيا
من دخان البارود وغبار الرياح ، وصمت الأسماع من توالى الضرب بحيث خيل للناس أن الأرض قد تزلزلت والسماء عليها سقطت ، واستمر الحرب والقتال نحوثلاثة أرباع ساعة ، وكانت هذه الهزيمة على العسكر الغربى فغرق الكثير من الخيالة فى البحر لاحاطة العدو بهم ، وظلام الدنيا ، ووقع البعض أسيراً فى أيدى الفرنسيس ، وملكوا المتاريس ، وفر مراد بيك ومن معه الى الجيزة ، فصعد الى قصره وقضى بعض أشغاله فى نحو ربع ساعة ، ثم فر الى الجهة القبلية ، وبقيت القتلى والثياب والأمتعة والأسلحة والفرش ملقاة على الأرض ببر انبابة تحت الأرجل .... ولما انهزم العسكر الغربى حول الفرنسيس المدافع والبنادق الى البر الشرقى وضربوها ، وتحقق أهل البر الآخر الهزيمة ، فقامت فيهم ضجة عظيمة ، وركب فى الحال ابراهيم بيك والباشا والأمراء والعسكر والرعايا ، وتركوا جميع الاثقال والخيام كما هى وفروا لم ياخذوا منها شيئاً ..." وهم يصرخون و يصيحون يا خفى الألطاف نجنا مما نخاف

اكتشف المصريون منذ ذلك اليوم أن العقل المستعبد للخرافة عقل واه ، لا يصمد أمام العقل الذى يسيره العلم والمنطق أكثر من ثلاث ساعات ! وأن حالة العزلة المتعالية التى جربوها قروناً تحت حكم وكلاء الله وخلفائه من سلاطين الاسلام وزعماء الدين أصحاب دعاوى التميز العرقى والدينى غير قادرة الا على انتاج كائن مشوه ، مسخر لخدمة سادته من طبقة الحكام و علماء الدين والأشراف ، يكدح لينتج من أجل رفاهيتهم ، ويجوع لتمتلأ خزائنهم بالنعم ، ويتزوج لينجب لهم الخدم الذكور والجوارى من الاناث .

تولى محمد على الحكم عام 1805 بارادة شعبية مصرية ومرسوم عثمانى ، آمن منذ اللحظة الأولى بأن الجهلة المتعصبون لذواتهم العرقية والدينية غير قادرين الا على انتاج العزلة و التخلف والفتن ، وأن الدولة العصرية القوية لا يمكن أن تقوم الا برجال يعرفون قيمة العقل ويعملون بالمنطق ، فاستخدم العلماء من كل الأجناس والأديان لانشاء المدارس التى تقدم العلوم الحديثة البديلة لعلوم الجهل التى تقدمها الكتاتيب والمدارس الدينية والأزهر ، وأنشأ لأول مرة فى تاريخ الشرق الكليات العلمية الحديثة المتخصصة .

، وفى سنوات قليلة صار فى مصر طلبة يستخدمون العقل - لا التلقين - فى الدراسة داخل مدرسة الطب ومدرسة الولادة ومدرسة الصيدلة و مدرسة الطب البيطرى ومدرسة المهندسخانة - الهندسة - ومدرسة الفنون والصنائع ومدرسة المعمار المدنى ومدرسة التعدين و مدرسة الكيمياء و مدرسة الادارة ومدرسة الألسن - الترجمة - و مدرسة الرى ومدرسة الزراعة ومدرسة الموسيقى ومدرسة الفرسان ومدرسة المشاة ومدرسة المدفعية ومدرسة الترسخانة - البحرية - ومدرسة الذخيرة ومدرسة الاشارة والمدرسة الحربية ومدرسة أركان الحرب !

أرسل محمد على الكثير من المصريين النابهين الى أوروبا للتدرب على استخدام العقل والتعلم من الحضارة الزاهية التى أنتجها الانسان فى هذه المنطقة من العالم . فى عام 1809 - بعد أربع سنوات من انفراده بالحكم - أرسل نيقولا مسابكى الى ايطاليا ، وعثمان نور الدين الى باريس - كان رائد الليبرالية المصرية رفاعة رافع الطهطاوى اماماً لأربعة وأربعين طالباً أرسلوا الى باريس فى بعثة عام 1826 - .

أثمر ايمان محمد على بالعقل ورفضه للعنصرية عن تضاعف مساحة الأراضى الزراعية فى مصر ودخول أكثر من مئتى صنف زراعى جديد فتضاعف الانتاج الزراعى لأكثر من سبعة أضعاف ، أما على المستوى الصناعى فقد أصبحت مصرعام 1830 - بعد ربع قرن فقط من تجربة الدولة المدنية التى يحكمها العقل - أكبر منافس للدول الأوروبية فى صناعة القطن والنسيج والصوف والكتان والجلود والسكر والزجاج والأسلحة كالبنادق والمدافع والسفن الحربية ، وصار الأسطول البحرى المصرى من أعظم الأساطيل البحرية فى العالم .

يقول محمد على فى نهايات حياته " ان هدفنا لم يكن تحقيق الأرباح وانما صبغ الشعب بالصبغة الصناعية " ، " وأن تاريخى الحقيقى يبدأ عندما فككت قيودى وأخذت أوقظ هذه الأمة من تخلف و سبات الدهور " (3 )!

من تلامذة التنوير الذين استخدمهم محمد على لايقاظ الأمة المصرية من تخلف وسبات الدهور محمود باشا الفلكى .

ولد محمود أحمد الملقب بمحمود باشا الفلكى عام 1815 (4) بقرية الحصة التابعة لمديرية الغربية - تابعة لمحافظة القليوبية الآن - وفى عام 1824 وهو فى عمر التاسعة أحضره شقيقه الأكبر الى الاسكندرية .. مدينة كل العالم التى أخرجها محمد على من تحت رماد تخلف العصور الوسطى ، وأعاد لها مجدها القديم لفترة امتدت حتى منتصف القرن العشرين .

تعلم فى مدارسها الجديدة التى أنشأت لتكون جسراً يعبر عليه أبناء مصر الى مستقبل ينبذ عار الخرافة وخزى المتاجرين بالجهل ، الذين يكتسبون أرزاقهم من تعبيد الناس لشعاراتهم وتفسيراتهم الدينية .

حصل على شهادة الابتدائية ثم انتقل الى مدرسة الترسخانة البحرية التى أنشأها محمد على فى الاسكندرية وأدراها مهندس فرنسى يرأس طاقماً من المدرسين الفرنسيين والايطاليين .

تخرج محمود الفلكى بعد خمس سنوات والتحق بمدرسة المهندسخانة ( كلية الهندسة ) فى بولاق التى كان يرأسها أيضاً الفرنسى مسيو لامبيير !

تخرج مهندساً عام 1839 ، وعين مدرساً للرياضيات برتبة الأسبران - ملازم - فى مدرسة المهندسخانة .
أثناء هذه الفترة ترجم عن الفرنسية أول كتاب عرفته اللغة العربية عن علم التفاضل والتكامل !

أسندت اليه مهمة ادارة المرصد الفلكى الذى ألحقه محمد على بالمهندسخانة ، وألف كتاباً بعنوان "نبذة مختصرة فى تعيين عروض البلاد وأطوالها وأحوالها المتحيرة ، وذوات الأذناب واللحى " وهو مخطوط محفوظ بدار الكتب المصرية برقم ك 3996 . طوع من خلاله اللغة العربية للتعبير العلمى بأسلوب يخلو من التحذلق البلاغى يختلف كلياً عن كل الأساليب القديمة التى كانت مستخدمة من قبل .

فى عام 1850 أرسله على باشا مبارك وزير المعارف فى بعثة علمية استغرقت تسع سنوات الى باريس - عاصمة النور - لدراسة الطبيعة ، نشر خلالها مجموعة من البحوث الفلكية والجيوفيزيقية فى المجلات العلمية الأوروبية .

فى عام 1854 قام بقياس شدة المجال للمركبة الأفقية للقوى المغتاطيسية الأرضية فى ثلاثين مدينة ألمانية وبلجيكية تبنتها أكاديمية العلوم البلجيكية ، ونتيجة لهذا النجاح والاعتراف البلجيكى بأهمية بحوثه كلفته الحكومة المصرية بتوسيع منطقة أبحاثه ، فأجرى دراسة أخرى شملت الجزر البريطانية وبلجيكا وهولندا وفرنسا ، عين فيها الميل المغناطيسى للمحصلة الكلية للمجال المغناطيسى الأرضى فى خمس وأربعين محطة أرصاد فى مدن هذه الدول ، وحقق شدة المجال فى اثنتين وعشرين محطة ، وأنهى أرصاده بايجاد خريطة دقيقة لهذه المنطقة الجغرافية ، وقارن نتائج أبحاثه بالنتائج التى توصل اليها العالم الفلكى الانجليزى ادوارد سابين عام 1837 ، والتى اقتصرت فقط على الجزر البريطانية ، فصار محمود الفلكى من أوائل رواد علم دراسة المغناطيسية الأرضية - الذى ابتدأت أبحاثه عام 1834 على يد عالم الرياضيات الألمانى الفلكى جاوس - ، وكان محمود الفلكى - المصرى - أول من خرج بنطاق هذه الأبحاث عن نطاق الجزر البريطانية ، فتبنت أبحاثه أكاديميتى العلوم فى باريس وبلجيكا !

عاد محمود باشا الفلكى الى مصر عام 1859 وقد بلغ الرابعة والأربعين من عمره ، منحته الحكومة المصرية رتبة البكوية ورقته الى رتبة الأميرالاى ، وانتخب عضواً بالمجمع العلمى المصرى - الذى كان نابليون بونابرت قد أسسه أثناء الحملة الفرنسية عام 1798 - ثم صار وكيلاً له ثم رئيساً فيما بعد ، وانتخب أيضاً وكيلاً للجمعية الجغرافية المصرية تحت رئاسة العالم الألمانى شفينفورت ، ثم صار رئيساً للجمعية فى أواخر حياته ، وكلفته الحكومة المصرية بالاشراف على المرصد الفلكى وتوسيعه وتطويره بعد نقله من بولاق الى العباسية .

كلفته الحكومة المصرية برسم خريطة طوبوغرافية لكامل القطر المصرى استغرق العمل فيها عشر سوات كاملة ، جاب خلالها أراضى مصر جميعها .

ضربه عشق الاسكندرية مدينة كل الثقافات التى تدرب فيها عقله على التفكير فبدأ يبحث فى ماضيها عن تاريخ وحدة الانسان وزهو حضارته الواحدة ، فقام بحفريات فى كل شبر من أرضها واكتشف تحت رماد عصور التخلف الوسطى الكثير من آثار عصرها الذهبى من بقايا البطالمة والرومان ، رسم خريطة كاملة لها حقق فيها شوارع المدينة القديمة وأحياءها وقنواتها الجوفية وخزاناتها وصوب الأخطاء المتعلقة بسورها القديم التى وقع فيها علماء الحملة الفرنسية ، وحدد أماكن القصور الملكية والمتحف والمسرح والمنار ومعبد السيرابيوم وضواحيها كمدينة الموتى نيكروبوليس ( القبارى والورديان ) ، وسرسونيزس ( العجمى ) ، ونيكوبوليس ( الرمل ) ، واليوزيس ( الحضرة ) ، وماريا المندثرة ، وأشار الى موقع المقبرة الملكية السوما ( مقبرة الاسكندر ) فى حى كوم الديماس ( كوم الدكة ) (5).
كان عمله أول عمل كامل ناتج عن دراسة عملية فى أرض الواقع سجله فى دراسة باللغة الفرنسية ، نال عمله تقديراً هائلاً من أوساط المهتمين بالعلم وعاشقى تاريخ المدينة ، ولقى صدى كبيراً بالتحديد فى كوبنهاجن عاصمة الدانمارك التى نشرت احدى مطابعها نتائج هذه الدراسة (6) لأول مرة عام 1873 !

اكتشف محمود باشا عام 1870 مقياس النيل القديم بادفو ثم مقياس أسوان الذى كان قد اختفى نحو ألف عام تحت التراب ، وحقق طول الذراع البلدى والمعمارى والقصبة ووزن الرطل والدرهم وحجم القدح والأردب ومساحة الفدان وكثير من الموازين والمكاييل المصرية القديمة ، وتبنت نتائج هذه الدراسة أكاديمية العلوم البلجيكية عام 1873 !

فى نهايات حياته جمع محمود باشا الفلكى بيانات عن فيضان النيل وتحاريقه لمدة أربعين سنة ابتدات من عام 1825 الى عام 1864 وكتب نتائج بحثه فى كتاب بعنوان " فى التنبؤ عن مقدار فيضان النيل قبل فيضانه " صار بعد ذلك أساساً لتقديرات الرى فى مصر ، ثم نشر بياناً للأرصاد الجوية فى مصر من عام 1868 الى عام 1877 .

عين محمود باشا الفلكى وزيراً للمعارف المصرية مرتين ، كانت أخراهما منذ يناير 1884 الى يوم وفاته فى 19 يوليو 1885 .

فى عام 1860 انتخبه علماء الفلك فى أوروبا لرصد كسوف الشمس فى 18 يوليو من هذا العام ، فسافر الى مديرية دنقلة فى السودان واستخدم أجهزته الخاصة فى تعيين زمن ابتداء الكسوف الجزئى والكسوف الكلى وانتهائه وما اقترن بهذا الحدث من ظواهر فلكية ، ثم اجرى بحوثاً خاصة جغرافية ومغناطيسية ، وأرسل نتائج هذه الرحلة فى تقرير موسع الى أكاديمية العلوم بباريس ، أقرته الجمعية فى جلستها المنعقدة فى 22 يوليو 1861 ، أشادت به وقدمت الشكر والامتنان لجهوده المضنية وأبحاثه العظيمة من أجل الانسانية وسجلت كل هذا فى محضر رسمى (7),(8) ، ونحن نقتطع من هذا التقرير هذه الفقرة :

" Mais les Arabes d`aujourd`hui comprennent mieux la magie moderne , qui` est la science elle - meme , deja meme ils n`ont plus besoin d`etrangers : ils ont leurs savants indigenes , des Arabes aujourd`hui font marcher la science , montrant ainsi que la race qui a transmis a l`occident la science de l`antiquite n`a point degenere . "

وترجمة هذه الفقرة تقول : " لكن العرب اليوم يفهمون جيداً السحر الحديث الذى هو نفسه العلم ، فلم يعودوا فى حاجة الى الأجانب فلديهم علماؤهم الوطنيين ، انهم اليوم يواكبون العلم ويثبتون أن الجنس الذى نقل فيما مضى العلوم القديمة لم يعد بعد متخلفاً " !!!

كان هذا فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر !!!

أما اليوم ونحن فى النصف الأول من القرن الواحد والعشرين - بدايات عصر الخرافة الثانى - يتحالف مرة أخرى أصحاب الكرباج وأصحاب شعارت الدولة الدينية والأشراف الجدد من أجل عزل الانسان فى مجتمعاتنا عن حضارة الانسان فى باقى العالم ، يرفعون شعارات العنصرية العرقية والدينية ، ويبثون فى كل مكان روح الاستعلاء والكراهية للبشر ممن ليسوا على صورتهم أو أديانهم أو عقائدهم أو مذاهبهم ، ويقسمون العالم الى دارين .. دار الايمان ودار الكفر ، يبشرون بمستقبل من الدم ، مستقبل من الخرافة يعود فيه البشر الى عصور الظلام الوسطى حيث يسهل استحلال الانسان من جديد .

فى عصر الخرافة الثانى يتم ينبذ العلم والمنطق ويعاد انتاج الجهل ، ويتنافس المتنافسون فى المصالح على اقامة السدود أمام العقول ، يعبدون الناس بالأدلة الدينية التى تفسرها كل طائفة حسب ما ترى وتهوى ، يحاكمون الناس - باسم التوكيلات التى منحها لهم الله - ويحكمون بالمعصية و الكفر و الخيانة الوطنية ، التى لا تعنى عند أتباعهم الا الاستتابة والقتل المباشر أوالغير مباشر بالقنابل أو بالأحزمة الناسفة !

الدولة الدينية التى أنشأت محاكم التفتيش وأحرقت آلاف البائسين من البشر وحاكمت جاليليو عام 1632 وأحرقت كتابه " حوار بين منظومتين عالميتين : النظام البطليموسي والنظام الكوبرنيكي " والذى أيد فيه نظرية كوبرنيكوس القائلة بأن " نظرية مركزية الأرض ليست سوى خيالات ملفقة وأن الأرض هى التى تدور حول الشمس " ، هى دولة الشعارات و الارهاب والعنصرية التى أسقطها الانسان فى أوروبا ليقيم على أنقاضها دولة كرامة الانسان .

هذه الدولة المتخلفة هى التى يراد لها اليوم أن تقوم فى بلادنا المنكوبة بالطغيان والاستبداد والجهل والفقر والجوع فماذا ستنتج غير محاكم التفتيش الجديدة التى ستحرق الانسان باسم الفتاوى الدينية ؟!
نحن لا نتحدث عن افتراضات .. فمحاكم التفتيش بدأت فى العراق وحكمت بذبح البشر أمام عدسات الفيديو ، والفتاوى الملعونة المريضة بالنرجسية والسادية جاهزة وتتوالد كل يوم مئات المرات ، ونحن ها هنا نقدم نموذجاً لهذه الفتاوى التى يمكن بها استحلال أعناق كل المصريين و العرب والمسلمين ، بل والقضاء على كامل الجنس البشرى مرة واحدة والى الابد !

يتحدث الشيخ الجليل ابن باز مفتى السعودية الأسبق وأستاذ شيوخ الوهابية السلفية التيمية عما يسميه ب " الأقوال الباطلة التى تتحدث عن دوران الأرض حول الشمس ودوران الشمس حول نفسها فيقول :

( وكما أن هذا القول الباطل مخالف للنصوص فهو مخالف للمشاهد المحسوس ومكابرة للمعقول والواقع لم يزل الناس مسلمهم وكافرهم يشاهدون الشمس جارية طالعة وغاربة ويشاهدون الأرض قارة ثابتة ويشاهدون كل بلد وكل جبل في جهته لم يتغير من ذلك شيء، ولو كانت الأرض تدور كما يزعمون لكانت البلدان والجبال والأشجار والأنهار والبحار لا قرار لها ولشاهد الناس البلدان المغربية في المشرق والمشرقية في المغرب ولتغيرت القبلة على الناس حتى لا يقرّ لها قرار وبالجملة فهذا القول فاسد من وجوه كثيرة يطول تعدادها.... ثم هذا القول مخالف للواقع المحسوس فالناس يشاهدون الجبال في محلها لم تسيّر فهذا جبل النور في مكة في محله وهذا جبل أبي قبيس في محله وهذا أُحد في المدينة في محلّه وهكذا جبال الدنيا كلها لم تسيّر وكل من تصور هذا القول يعرف بطلانه وفساد قول صاحبه ، وأنه بعيد عن استعمال عقله وفكره قد أعطى القياد لغيره كبهيمة الأنعام فنعوذ بالله من القول عليه بغير علم ونعوذ بالله من التقليد الأعمى الذي يردي من اعتنقه وينقله من ميزة العقلاء إلى خلق البهيمة العجماء ..) (9) .
( ثم الناس كلهم يشاهدون الشمس كل يوم تأتي من المشرق ثم لا تزال في سير وصعود حتى تتوسط السماء ثم لا تزال في سير وانخفاض حتى تغرب في مدارات مختلفة بحسب اختلاف المنازل ويعلمون ذلك علماً قطعياً بناء على مشاهدتهم وذلك مطابق لما دل عليه هذا الحديث الصريح - حديث سجود الشمس - والآيات القرآنية ولا ينكر هذا إلا مكابر للمشاهد المحسوس ، ومخالف لصريح المنقول ، وأنا من جملة الناس الذين شاهدوا سير الشمس وجريانها في مطالعها ومغاربها قبل أن يذهب بصري وكان سني حين ذهاب بصري تسعة عشر عاماً وإنما نبهت على هذا ليعلم القراء أني ممن شاهد آيات السماء والأرض بعيني رأسه دهرا طويلا والله المستعان وبالجملة فالأدلة النقلية والحسية على بطلان قول من قال إن الشمس ثابتة أو قال إنها جارية حول نفسها كثيرة متوافرة وقد سبق الكثير منها فراجعه إن شئت.....
فمن زعم خلاف ذلك فقد كذّب الله وكذّب كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ...... ومن قال هذا القول فقد قال كفرا وضلالاً لأنه تكذيب لله ، وتكذيب للقرآن وتكذيب للرسول (ص) لأنه عليه الصلاة والسلام قد صرح في الأحاديث الصحيحة أن الشمس جارية وأنها إذا غربت تذهب وتسجد بين يدي ربها تحت العرش كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - وكل من كذب الله سبحانه أو كذب كتابه الكريم أو كذب رسوله الأمين عليه الصلاة والسلام فهو كافر ضال مضل يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً ويكون ماله فيئا لبيت مال المسلمين كما نص على مثل هذا أهل العلم .."!!!

ونحن هاهنا فى بدايات القرن الواحد والعشرين - نحن الذين تعلمنا فى مدارس محمد على الابتدائية أن الأرض كروية وأنها تدور حول الشمس التى هى مركز المجموعة الشمسية - لا نملك الا أن نكرر على أسماع أصحاب دعاوى الدولة الدينية ، ومرضى شهوة تعبيد الناس مقولة جاليليو التى قالها عام 1632 ............... " و لكنها تدور " !!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظات :

1- عجائب الآثار فى التراجم والأخبار - عبد الرحمن الجبرتى - تحقيق د عبد الرحيم عبد الرحمن - الجزء 5 - ص2 -
2- المرجع السابق - ج 5 - ص 8-11
3- 150 سنة على وفاة محمد على .. مقال عن تجديد سؤال النهضة - د/ محسن خضر- شبكة المعلومات
-4-ترجمة حياة محمود الفلكى - بقلم حفيده محمود صالح الفلكى
5- الاسكندرية القديمة كما اكتشفها المؤلف بأعمال الحفر وسبر الغور والمسح وطرق البحث الاخرى - محمود باشا الفلكى - ترجمة محمود صالح الفلكى - محافظة الاسكندرية - الهيئة المحلية لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية - دار نشر الثقافة بالاسكندرية - 1967
6- Memoire Sur L`Antique Alexandrie , ses faubourgs et environs decouverts , par les fouilles , sondages, nivellements et autres recherches - Mahmoud Bey Astronome - Copenhague - imprimeris de bianco luno .par F.S.MUBLS - 1872
7- محاضر جلسات الأكاديمية العلمية الفرنسية - جلسة 22 يوليو 1861 - الجزء 103
8- وثيقة رقم 3947-7114 مكتبة الجمعية الجغرافية المصرية - مكتبة محمود الفلكى
9-الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب - مطبوعات الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة سنة 1395 - ص 23






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,386,063,918
- عن الدولة الدينية .. الجزء الأول : الاسكندرية .. مدينة الفتن
- سانتا كلوز المصرى ... دماء فوق العشب فى حديقة المهندسين
- نص الاعلان العالمى لحقوق الانسان ... هل يمكن أن نتبناه ؟
- نص كلمة د / نصر حامد ابو زيد فى الجمعية الفلسفية المصرية - ا ...
- امبراطورية الاخوان : تعبيد الناس والثورة على العالم
- الزرقاويون فى شارع ليبسيوس : بين رسائل البنا وقطب ورسالة الع ...
- الوهابيون عند حصن بابليون و الميكيافيلليون يتصارعون حول زعام ...
- المجاذيب
- العبور الى المستقبل ... الطريق الى حافة الجسر
- الزرنيخ
- أهل الكهف
- انتخابات عصر التحنيط
- المصريون : شرعية الحاكم المقدس
- العقل الأبوى : موت العقل العربى
- نحن والتطرف : الصمت شريعتنا والمجد للصامتين


المزيد.....


- العلمانية بين الدفاع و الهجوم / عمرو البقلي
- أحقا ؟ تنظيم الجهاد .. تاب عن الارهاب ؟! / صلاح الدين محسن
- ما أقدس (الكفر) إزاء هذا الإيمان القبيح / فخر الدين فياض
- العاشقان الراحلان: العراقي والبغدادي! / عزيز الحاج
- قوة الصمت و لغز النوم / إبراهيم إستنبولي
- مادة التربية الإسلامية / سامر أبوالقاسم
- قضية إيرفنج: بين حدود السياسي.. والمطلق الديني..؟! / هاني نسيره
- العلمانيين وصراعهم الغير متكافئ مع الدينيين في الشرق / جورج المصري
- حجب أم كفر؟ / سمير إبراهيم خليل حسن
- الكنيسة بين مفهوم المسيحيين والمتأسلمين / مدحت قلادة


المزيد.....

- عين على «داعش» و«النصرة» وأخرى على «الإخوان المسلمين»
- بالصور والفيديو .. مساعد وزير الداخلية لمدن القناة وسيناء يت ...
- المصالحة الخليجية تنقل نشاط القرضاوي إلى تونس
- بالصور..محافظ الفيوم يهنئ الأقباط بقداس "عيد القيامة"
- الجزائر.. الجبهة الإسلامية للإنقاذ تصف الانتخابات بـ«المهزلة ...
- المسيحيون يتهمون -الحيتان الكبيرة- بمحاولة -الاستحواذ- على م ...
- الدولة الإسلامية في العراق والشام
- قبل أن يصبح الإسلام هو المشكلة
- مجموعة -MBC- تقرر تمديد إيقاف برنامج الإعلامي باسم يوسف
- محكمة مصرية تدين قياديا بجماعة الإخوان لإهانة القضاء


المزيد.....

- مالك بارودي - خرافات إسلامية / مالك بارودي
- دية ما يتلفه الحيوان- الإسلام نسخة منتحلة من اليهودية 3 -10 / كامل النجار
- مشروع الورقة السياسيَّة المقدَّم للمؤتمر التأسيسيّ ل«اتِّحاد ... / اتحاد الشيوعيين الأردنيين
- الإسلام نسخة منتحلة من اليهودية / كامل النجار
- مالك بارودي - الإسلام دين شرك ووثنيّة / مالك بارودي
- حول مقولة كارل ماركس -الدين أفيون الشعوب- / مجيد البلوشي
- مدينة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام والعلم / برويز أمير علي بهائي بيود
- مشروع تثقيف القرية المصرية / سامح عسكر
- تأريض الإسلام ج2 الشيطان والإنسان / زاغروس آمدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هشام الطوخى - و لكنها تدور!! ... مصر بين عصرين من الخرافة