أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - قحطان الفرج الله - سليمان العطار ... المترجم مفكرا قراءة في -الكيخوتي- المقال الأول:















المزيد.....

سليمان العطار ... المترجم مفكرا قراءة في -الكيخوتي- المقال الأول:


قحطان الفرج الله

الحوار المتمدن-العدد: 5844 - 2018 / 4 / 13 - 03:45
المحور: الادب والفن
    


"المستقبل لا يمثل قيمة في نظري، فبمَن أنا مُرتبط: أبالإله؟ أم بوطن؟ أم بالشعب؟ أم بالفرد؟


إنّ جوابي سخيف بقدر ما هو صادق: لستُ مُرتبطًا بأيّ شيء سوى بالإرث المذموم لسرفانتس."


ميلان كونديرا


تختلف القراءات حسب الأزمنة والعصور وعلى هذا بنى "تود وروف" نظريته حول التأويل؛ بحيث يرتبط العمل الأدبي بعلاقة بين النص وصاحبه، أو بين العمل الأدبي وزمنه، وقد يحلل التداوليون عناصر القول بالوظائف التي تؤديها تبعًا لسياقها الموضوعي، ولكن تظل روح الاستمرارية في العمل الأدبي هي التي تتحدى الزمن؛ لترتبط بكل عمل روائي ينتمي إلى جوهر وجود الإنسان وديمومته.


إذا كان صحيحًا أن الفلسفة والعلوم قد نسيتا لوقت معين وجود الإنسان "فالظاهر على نحو جلي أنّ مع "سيرفانتس" تشكل فنّ أوربي كبير، وهذا الفن ليس سوى استكشاف ذلك الوجود المنسيّ"


فماهية المغامرة التي أخرجت دونكيشوت من رخاء العيش إلى عالم الفروسية التي انقرضت، فراح يبحث عن المظلوم؛ ليزيل عنه الظلم، ويحقق لحبيبته "دولثينيا دل توبوسو" ملامح الإنسان النبيل الذي يلقي بنفسه في مغامرات الهلاك في سبيل تحقق ذاته الإنسانية. فهي ليست رواية أخلاقية أو رواية للتسلية فقط، وقد أيد ذلك كونديرا ورأى أن من أرد نقد رواية دونكيشوت نقدًا أخلاقيا أو مثاليـًا فما أصاب من الحقيقة شيء رواية سيرفانتس هذه رواية ذات بعد استكشافي أنطولوجي.


فعملية الانسلاخ من الواقع إلى عالم الخيال -الذي أسموه خطأ بالوهم في هذه الرواية- تعزز رؤية الفرد للانطلاق من الذاكرة الشخصية للفرد إلى الذاكرة الجماعية لتشمل لغز "الزمن الجماعي" بالنظر إلى الماضي، وتُقوم مساره، وتُدرك تاريخه "مثل رجل عجوز يُدرك بنظرة واحدة كامل حياته المنقضية"


أما الخلطة السحرية بين الخيال والواقع التي يقدمها دونكيشوت تبعًا لثقافته الواسعة بعصره والعصور التي سبقتها؛ فتقوده ليستكشف ذاته وذوات الآخرين حوله؛ لتحمل بعدًا فلسفيًا في البحث عن معنى للوجود الإنساني والسخرية مما يفرق بينه وبين أخيه.


لعل الصراع القائم بين الخير والشر، بين البقاء والفناء، بين الجميل والقبيح، هو التي قاد العطار إلى تعلم الإسبانية في أسبوع حتى يتابع أخبار الحرب (حرب السادس من أكتوبر) التي التهمت معها أخاه العميد/ سليم العطار "رحمه الله"، ولعلها نفس المفارقة "الكيخوتية" التي جعلت أستاذه/ عبد العزيز الأهوانين "رحمه الله" يمزق البدايات الأولى لمشروع ترجمته لهذا العمل العظيم.


لهذه الترجمة أبعاد حضارية وثقافية مكتملة الأركان؛ فهي ليست مجرد نقل لكلمات من لغة إلى أخرى، ولا رصد لحكاية طويلة تتسم بالكثير من المفارقات المضحكة، إنها ولادة لفن عظيم تبلور وخرج بهذه الصورة التي تعد الآن الجذر الذي أنبت آلافا بل ملايين النصوص الإبداعية.


أعتقد أن مهمة العطار لم تكن يسرة؛ لأن هذا النص من النصوص المؤسسة لفن الرواية، وعملية ترجمته تحفها الكثير من المخاطر، ولكنه امتلك من الأدوات التي ابتعدت بعض الشي عن لغة المرحوم الأهواني الجزلة بصورتها الشاعرية والبلاغية الدقيقة والتي تكاد تتخاصم مع السخرية الصاخبة وروح النص، وترجمة عبد الرحمن بدوي التي تنتمي إلى الالتزام الحرفي والمدرسي الواضح الذي أفقده كثيرًا من العذوبة والسلاسة؛ لتصبح ترجمة العطار لهذا النص ترجمة لها أهميتها الثقافية لمترجم من طراز المفكرين، وناقد من طراز الموسوعيين.


كان العطار واعيًا لعدة أمور تاريخية وفنية، وفلسفية هامة. نابعة من واقع تشربه بالثقافة الإسبانية، والاطلاع على تاريخ أسبانيا القديم والحديث، فهو يعرف تمامـًا ما تقوم عليه رواية دونكيشوت من موتيفات هدم وبناء، وبانطلاقها من الواقع إلى الخيال ومن الخيال إلى صدمة الواقع، ويدرك كذلك أن شخصية بطل الرواية تقوم على نواة واقعية؛ ثم تنفلت من واقعيتها في أفق الخيال الواسع، ثم تتشكل؛ لتعود من جديد إلى واقعيتها.

يعي العطار تاريخيـًا المشكلة التي قامت على اضطهاد المورسكيين وإجبارهم على تغير ديانتهم، والظروف التاريخية والاجتماعية التي خلفت الكثير من الضحايا في محاكم التفتيش؛ فيتصالح مع النص ولا ينفتح على النص بخلفية أنه نص عدواني يقوم بمهاجمة دين عظيم كالإسلام. يرشده هذا الوعي إلى أن ينحو من محاولة قصقصة أو تحريف النص الأصلي بما يتماشى ورغبة جمهور القراء، مما قد يؤدي إلى قمع معناه الإنساني العميق، بل يقدر الظرف التاريخي الذي أولد هذا النص وجعله نصـًا حضاريـًا يمجده المسلمون والمسيحيون والعالم أجمع.

هذا الفهم صنع من كتاب دون كيخوتي حوارًا بديعـًا بين حضارات عصره يمتد نوره إلى اليوم، إنه يمثل علما مسيحيا لا يحسن رؤية الإسلام في ظل نماذج جامدة شكلها الجهل أكثر من أي سبب آخر لتشكيلها، أما الإسلام فهو في ذلك العصر أيضا يحكم على المسيحية طبقا لنفس النموذج الجامد.


وقد غذى هذه النماذج الحرب التي دارت بين دار الإسلام ودار المسيحية على أرض إسبانيا، ثم على أرض أوربا في زمن العثمانيين؛ حيث النموذج الجامد المسيحي الذي يرى في الإسلام صورة منحرفة للمسيحية. أما النموذج الجامد الإسلامي؛ فيرى المسيحية دينا سماويا صار وثنيًا وأما رواية دون كيخوته فتسخر من النموذجين.


هكذا فإن الثقافة الموسوعية التي وعت الترجمة واحدة من أهم أدوات سليمان العطار الإجرائيةالتي حولت النص المترجم إلى إضافة نوعية وثقافية واعية وليس استلابا وذوابا في ثقافة الآخر. كذلك فإن نصه المنقول لم يصبح ذا بعدًا ومنظورًا من اتجاه واحد، بل هو تلاقح وحوار ثقافي وحضاري مستمر وكما قال الجاحظ (255هـ): لابد " للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في نفس وزن علمه في المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيها سواء وغاية"


أهم عنصر ارتكزت عليه ترجمة العطار لهذا العمل هو الفهم العميق لثقافة النص المترجم من لغته الأم إلى اللغة العربية، فراح يقلب هذا النص الطويل بين مضامين المعنى الحرفي، والمعنى السياقي، والمعنى الثقافي فمن المعلوم أن النصوص الإبداعية " تتأرجح بين المعاني السياقية المبنية على التضمين والإيحاء وبين التقريرية والمباشرة الحرفية " وبمعنى آخر استطاع العطار التمييز ببراعة بين اللغة العادية المتداولة واللغة الانزياحية وعليه فالتمييز"بين المعاني الحرفية ذات الطابع الخبري، والمعاني السياقية التي ترتبط بسياقها الوظيفي هذا يفضي إلى الانتقال من مستوى الدلالة إلى مستوى التداول" واستكشاف أبعاد النص الوظيفية والسياقية مقاما وزمانا ومكانا.


لقد أفاد العطار من دونكيشوت كما أفادت المكتبة العربية من ترجمة هذا النص فقد أضافت له كما أضاف هو لها، فمن متطلبات المترجم المعاصر "أن يكون لديه تصور كوني والتصور الكوني المعاصر هو الفلسفة الإنسانية التي تجعل الإنسان محورا؛ إذ منه الانطلاق وإليه العودة"


وأخيرا يطرح العطار التساؤل الفلسفي العميق الذي يجعل الإجابة هي الحافز القوي لقراءة هذا النص واستكشافه.


لماذا يحمل الكتاب كل هذا المجد الإنساني؟


كما يقول تولستوي عن سرفانتس "يقول كل شيء ولا يقول شيئا: إذا غزا كوكب الأرض كائنات من كوكب آخر، وعقدوا محكمة لسكان الأرض طالبين منهم تقديم مبرر للتمتع بهذا الكوكب الأرضي الجميل، سيقدم سكان الأرض الكيخوتي إلى قضاة المحكمة قائلين : "هذا وحده مبرر كاف"".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,388,605,345
- -من الصوت أصنع لوحة، ومن اللوحة اصنع صوتا- رواية وحي الغرق ق ...
- -من الصوت أصنع لوحة، ومن اللوحة أصنع صوتا- رواية -وحي الغرق ...
- يوميات مفكر... (في مديح الألم لسيد البحراوي)
- بين أزمة الكتابة ومحنة المثقف قامت العشائر الثقافية.


المزيد.....




- الخلفي : الحاجة ملحة إلى تأهيل العنصر البشري في مجال الإعلام ...
- الجامعات السورية: معاناة من -نزيف العقول وتحجر المناهج وقلة ...
- الحملات الانتخابية في موريتانيا... شعر وموسيقى
- -من إن بلاك-.. يتصدر إيرادات السينما
- بالفيديو.. تجوّل معنا في متحف قطر الوطني
- انعقاد مجلس الحكومة يوم الخميس المقبل
- وفاة مرسي.. الرواية والتداعيات
- انطلاق مهرجان "فاس" للموسيقى العالمية العريقة بدور ...
- انطلاق مهرجان "فاس" للموسيقى العالمية العريقة بدور ...
- خطة مصرية أوروبية لتطوير المتحف المصري بالقاهرة


المزيد.....

- مسرحيات (برنارد شو) توجهات لتوعية الإنسان / فواد الكنجي
- الملاكم / معتز نادر
- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - قحطان الفرج الله - سليمان العطار ... المترجم مفكرا قراءة في -الكيخوتي- المقال الأول: