أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناجح العبيدي - الانتحار بين السياسة والدين (الحلقة الثانية)















المزيد.....

الانتحار بين السياسة والدين (الحلقة الثانية)


ناجح العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 5799 - 2018 / 2 / 26 - 14:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس الإسلام هو أول دين يواجه مشكلة في التفريق بين مفهومي الاستشهاد والانتحار. قبله اتخذت اليهودية وبشكل خاص المسيحية موقفا ينطوي أيضا على نوع من الازدواج والحيرة. كلا الديانتين تحرمان الانتحار بشكل قاطع. ينطلق هذا التحريم من أن الإنسان لا يملك حق التصرف بنفسه وجسده وروحه وإنما هو ملك صرف لخالقه. وامتد هذا الموقف الديني إلى القوانين الوضعية في كثير من البلدان التي كانت حتى وقت قريب تعاقب"جريمة" الانتحار أو محاولة الانتحار لأن حياة الإنسان "ملك للقيصر أوالوطن والدولة" ولا يحق له التفريط بها . حتى عام 1966 كانت إسرائيل تضع الانتحار تحت طائلة العقاب، بينما ألغت بريطانيا النص القانوني الذي كان يعامل الانتحار كجريمة في عام 1961. لم يأتِ هذا التغيير التشريعي فجأة وإنما عبر قرون من الجدل حيث لعبت أفكار التنوير دورا كبيرا في التعامل الموضوعي مع الانتحار دون أحكام مسبقة. قبلها بقرون حاول علماء اللاهوت المسيحي تبرير عقيدة الاستشهاد التي رافقت نشوء المسيحية ولاحقا عملية انتشارها في الإمبراطورية الرومانية حيث واجه الآلاف من المؤمنين اختبارا صعبا: إما الموت بطريقة بشعة أو إعلان البراءة من المسيح. في هذا الشأن يشير الباحث ماخو إلى أن الكثير من القضاة الرومانيين كانوا يستغربون جدا لأن الكثير من المسيحيين الأوائل كان يفضلون عذاب الاستشهاد على إعلان ولاء شكلي للقيصر الروماني. ومن دون شك فإن هالة الشهادة ساهمت في انتشار المسيحية وتحولها لاحقا إلى دين رسمي للإمبراطورية الرومانية.
أخذ الإسلام من الديانات السابقة مبدأ تحريم الانتحار: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا} (النساء: 29-30). لكن عقيدة الشهادة تسربت إليه منذ البداية بتأثير من المسيحية. في البداية كان الإسلام أيضا يفهم الاستشهاد على أنه الموت صبرأ ، أي تحمل عذاب الموت بدلا من التخلي عن الدين. لهذا توصف سمية أم الصحابي المعروف عمار بن ياسر بأنها أول شهيد في الإسلام بعد أن تعرضت مع عائلتها لعذاب قاس بسبب إيمانها. غير أن نظرة الإسلام انقلبت رأسا على عقب بعد تحوله إلى دين للغزو والجهاد.هنا أصبحت الشهادة وتمجيد الموت عنوانا للحرب الدينية ولإثارة الرعب في صفوف الأعداء. لهذا دأب قادة جحافل المسلمين على تهديد سكان البلدات المستهدفة بالغزو برسائل تتضمن عادة النص المخيف :"لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كحبكم الحياة". مثل هذا النص يتردد اليوم أيضا في رسائل الفيديو التي يرسلها الإرهابيون الإسلاميون إلى "الغرب الكافر".
غير أن انتشار وباء الإرهاب الانتحاري في العالم الإسلامي وضع أيضا الفقهاء ورجال الدين أمام قضية شائكة، لا سيما وأن أغلبية ضحايا الاعتداءات الانتحارية هم من المسلمين. من جهة هناك التيار المحافظ المتمسك بتحريم القرآن الصريح للانتحار. لهذا أفتى بعض رجال الدين بعدم جواز الصلاة على جثمان محمد البوعزيزي الذي دخل التاريخ باعتباره أشهر مثال على الانتحار الاحتجاجي في العالم العربي عندما أضرم النار بنفسه في أواخر عام 2010 ليشعل شرارة ثورات ما دعي بالربيع العربي. لكن الشهرة الطاغية للبوعزيزي وانبهار الإعلام والرأي العام بانتحاره دفعت شبانا في عدة بلدان عربية لتقليده وحرق أنفسهم في الساحات العامة ولكن التأثير بقي محدودا. في المقابل يرى التيار الراديكالي المنتشر داخل صفوف الإسلام السياسي في الموت سلاحا فتاكا قادرا على تعديل الكفة في ظل تفوق أسلحة الأعداء. ولعل أبرز ممثل لهذا الموقف هو الداعية الشهير ورئيس "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" يوسف القرضاوي الذي أجاز ما وصفه بالعمليات الاستشهادية في فلسطين حتى لو استهدفت المدنيين الإسرائيليين. لا يختلف هذا الموقف لمفكر الأخوان المسلمين كثيرا عن تصرف الرئيس العلماني صدام حسين الذي كان يدفع مكافآت مالية مغرية للانتحاريين الفلسطنيين قبيل الإطاحة به على يد الأمريكيين. وكان من الملفت للنظر أن تبث قنوات تلفزيونية عربية تقارير مصورة عن مهرجانات "عرس الشهيد" في غزة والضفة الغربية حيث تقوم أرامل الانتحاريين بالزغردة قبل أن تستلم المكافأة المالية. حينها انتبه بعض العراقيين إلى أن ثمن الشهيد الفلسطيني في نظر النظام الديكاتوري كان أعلى بكثير من نظيره العراقي.
غير أن الدافع الأقوى بالنسبة للمهاجم الانتحاري الإسلامي تبقى المكافأة والأجر والثواب في الآخرة. وهذا ما وظفه أيضا صدام حسين خلال السنوات الثمانية للحرب العراقية – الإيرانية من خلال ترديد الشعار السائد في العالم الإسلامي :"شهداؤنا في الجنة وقتلاهم في النار". مع ذلك يصعب حقا فهم سبب تتغلغل هذه الفكرة إلى عقول الكثير من الناس رغم كل مآسي الحرب. لم تكن حالة نادرة أن تظهر أم عراقية على شاشة التلفزيون لتقول بثقة بإنها أنجبت ثلاثة أولاد وكانت الشهادة مصير أحدهم ولكنها لن تتردد في تقديم الاثنين الباقيين قربانا للوطن والقائد. كما عمد النظام إلى ترسيخ فكرة الشهادة في الفن والشعر والأدب والإعلام. وتوج ذلك بإنشاء نصب الشهيد من تصميم النحات العراقي المعروف إسماعيل فتاح الترك. هنا أيضا تبدو الرموز الدينية واضحة من خلال القبة المشطورة. وإذا كانت مظاهر الإهمال تبدو حاليا واضحة على النصب التذكاري الضخم الواقع في منطقة قناة الجيش في بغداد، فإن ذلك لا يعود إلى رفض العهد الجديد لفكرة الشهادة بحد ذاتها، وإنما بالدرجة الأولى للعلاقة الملتبسة لقوى الإسلام السياسي الشيعي الحاكمة حاليا مع ضحايا الحرب العراقية-الإيرانية. ولهذا ليس من المتوقع أن تفكر الحكومة العراقية بتحويل نصب الشهيد ذي القيمة الفنية والجمالية العالية إلى نصب لتكريم ضحايا الحروب والقمع وللتحذير من ولياتها كما فعلت بلدان كثيرة.
للإنصاف يجب القول بأن فكرة تمجيد الموت لا تقتصر على قوى الإسلام السياسي أو نظام البعث، بل هي ثقافة متجذرة في أوساط المجتمع عموما. ألا يثير التساؤل مثلا أن يطلق الحزب الشيوعي العراقي - أعرق حزب و أبرز ممثل للتيار العلماني في البلاد – على نفسه "حزب الشهداء"؟ لا جدال في أن كل من ضحى بنفسه من أجل مبادئه وأفكاره وصمد بوجه التعذيب والقمع الفاشي يستحق التكريم والتقدير والإشادة من الأجيال اللاحقة، ولكن التكريم شيء واستعارة رمز ديني يُمجد الموت شيء آخر. من المؤكد أن "الشهيد" الشيوعي لم يكن يبحث عن الموت ولم يستخدمه كسلاح لإيقاع الأذى بالآخرين، ولكن ذلك لم يمنع الحزب من توظيف هالة الشهادة والاستعداد للموت من أجل المبادئ لإظهار تميّزه عن بقية الأحزاب ولدغدغة عواطف جمهور مسكون بقصص التضحية بالنفس. كما أن تسمية "الشهيد" بحد ذاتها توحي بنوع من الفخر في حالة تستدعي قبل كل شيء الحزن على الضحية وإدانة الجاني.
يندر أن تجد عراقي لا يتأثر وهو يسمع قصيدة "براءة" للشاعر مظفر النواب عندما تقول الأم لابنها السجين الشيوعي: "يا بني ابن الجلب يرضع من حليبي....ولا ابن يشمر لي خبزة من البراءة". في هذه القصيدة تحث الأم ابنها على الصمود وعدم تقديم تعهد خطي للسطات بالتنصل عن الحزب، حتى لو تطلب الأمر موته وترك ولده يتيما. وإذا كانت النظم الديكتاتورية تتحمل مسؤولية وضع سجناء سياسيين أمام مثل هذا الخيار القاسي وغير الانساني، فإن الأجواء السائدة داخل الحزب الشيوعي خصوصا والمجتمع عموما أجبرت الكثيرين على تحمل آلام التعذيب والسجن وأحيانا الموت بدلا من إبداء تنازل شكلي أمام جلاديهم. وهي تجربة تُذكر بسلوك الشهداء المسيحيين. صحيح أن الأنظمة القمعية في العراق ليست بهذه السذاجة لتقبل براءة شكلية، ولكن شيوع ثقافة الاستشهاد والصمود حالت أيضا دون طرح هذه الإمكانية للنقاش، بل وساهمت في دفع كثيرين نحو الانهيار والاستسلام الكامل أمام الجلادين عندما يعجزون عن اجتياز هذه الاختبار غير الإنساني ويتوقعون في نفس الوقت اللوم وربما الشماتة من رفاقهم لأنهم لم يُظهروا الصمود اللازم و"خانوا القضية". من الواضح أن الأمثلة المذكورة تشير إلى أن هناك خيطا رفيعا لا يزال يفصل بين الانتحار وبين مفهوم الشهادة المتأصل في الثقافة العربية والإسلامية.
في ختام كتابه القيم يتوصل أستاذ تاريخ الثقافات توماس ماخو إلى أن عصر الحداثة توصل عبر عملية بطيئة إلى إعادة تقييم الانتحار ودلالاته الأمر الذي تجسد على عدة مستويات، أهمها تجريده من هالة البطولة والتمجيد التي كانت تحيط به وعدم شيطنته واتخاذ موقف أخلاقي إزائه وإلغاء القوانين التي كانت تُجرّمه. ولم يتحقق ذلك إلاّ من خلال تشريحه بالكامل، أي بحثه وتحليله بطريقة علمية مجردة والكتابة عنه بحرية ودون محرمات دينية أو اجتماعية. ويبدو أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية لا تزال تتردد في سلوك هذا الطريق.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,687,806,305
- الانتحار بين السياسية والدين (الحلقة الأولى)
- الانتخابات العراقية...الناخب الحائر!
- الخمينية والوهابية تترنّحان
- الجوانب المظلمة لأزمة الكهرباء في العراق
- الفساد بين الحيتان الكبيرة والقروش الصغيرة
- تصدّع البيت الأوروبي
- مسرحية الحريري: التغريد خارج النص
- الميزانية العراقية وعقدة حصة الإقليم
- عندما يحلم العراقي!
- فخ المديونية في العراق
- الدين: محرك أم معيق للتنمية الاقتصادية؟
- أرصدة كردستان المالية في الخارج: من أين لك هذا؟
- التصعيد التركي والصمت الكردي!
- كردستان: استفتاء أم استطلاع؟
- عراق ما قبل الانتخابات: اصطفافات جديدة فوق رمال متحركة!
- وسكتت الجزيرة عن الكلام المباح!
- عقلية الراعي والقطيع بين الماضي والحاضر
- مجلس .’’التآمر’’ الخليجي!
- الأزمة القطرية: وزراء عدل للبيع!
- اللغة التجارية في القرآن (2 / 2)


المزيد.....




- أحد أفضل الأشياء التي تقدمها لطفلك.. نصائح حول نوم الأطفال
- ما هي المشاكل المحتملة لتكيسات المبيض؟
- عريقات لـCNN: -خدعة القرن- تدمر طريق السلام.. وما يفعله ترام ...
- ارتفاع قتلى كورونا بالصين إلى 80 ورئيس الوزراء يزور بؤرة الف ...
- مجلة أمريكية تقيم الفعالية القتالية لـ -مي-24-
- روسيا ترسل الفوج الثاني من -إس-400- إلى الصين
- -قاذف بنات نجران-...هاشتاغ يثيرغضبا في السعودية
- رضيع يعاني من -فيروس- يرافقه مدى الحياة بسبب قبلة... صور
- طائرة ركاب إيرانية تخرج عن المدرج أثناء هبوطها في مطار ماهشه ...
- فيروس كورونا الجديد يضيع -فرصة- على العشاق في الصين تتكرر كل ...


المزيد.....

- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناجح العبيدي - الانتحار بين السياسة والدين (الحلقة الثانية)