أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمودي عبد محسن - أنثى المعنى















المزيد.....

أنثى المعنى


حمودي عبد محسن
الحوار المتمدن-العدد: 5767 - 2018 / 1 / 24 - 03:01
المحور: الادب والفن
    



الشعر فن تلفظ لغته في أعماق الشاعر، ليجد طريقه منتجا قولا بوحدة لغوية بنيوية متميزة لفظا بوحدة المعاني مع عالم الشاعر الذي يحيياه سواء كان ذلك حسيا جماليا أو تداعيا جدليا مع الذات، لذلك يعتبر الشعر انعكاسا فرديا للعالم الموجود، إذ لا يستطيع الشاعر أن يتجرد عن ذاته دون الحالة التي تفرض عليه أن يقول بها لغة ذات معنى جمالي، وهنا أشير إلى أن العرب لم تقل سابقا كتب شعرا بل كانت تردد قال شعرا. هذا، وكنت أخوض حوارات عديدة مع المرحوم عبد الغني الخليلي عن الشعر، وكيف يقوله الشاعر، وغالبا ما كان يقول: الشعر ملكة.
كان عبد الغني الخليلي شاعرا، وحافظ شعر الجواهري الكبير، ومعاصره، وهو من مدينة النجف كما الجواهري منها. ذات مرة سألته: كيف كانت الملكة تحل على الجواهري؟ لم يوضح لي ذلك بل كان يقول: هذا لا يعرفه أحد غير الجواهري نفسه لكنني أحيانا كنت أراه سواء كان جالسا لوحده أو ماشيا لوحده في الهواء الطلق يتمتم مع نفسه.حينئذ كنت أقول: أننا ننتظر منه قصيدة.
نعم، الشعر ملكة رائعة، تتواصل مع اللغة والخيال في الأعماق، تختمر، وتنضج، وقد تستمر تحرث نفسها في داخل الشاعر عدة سنوات حتى يقولها الشاعر مثل بلورة ناصعة البياض والأمثلة كثيرة على ذلك في الشعر العربي القديم، ونحن لسنا بصددها الآن.
وبما أن الشعر أصبح حرا متداولا في البلدان العربية الذي بدأه بدر شاكر السياب ونازك الملائكة في العراق وصار كتابة، وقد تجرد من القافية والوزن وقواعده الصارمة وفقد نظامه وتفتت وحدته في الأبيات الشعرية، وهناك من يقول: أن الشعر المقفى مات بموت الجواهري. وهذا أيضا ليس حديثنا وإنما حديثنا عن ديوان الشعر الحر للارا ملاك الموسوم بعنوان (أنثى المعنى) الصادر عن دار نلسن في أواخر عام 2017.
العنوان يثير جدلا في مجمل قصائده، إذ يتعدى المفهوم اللغوي المجرد من أن الأنثى ـ منسوب إلى الأنثى خاصة المرأة ـ أو حتى جسد ونفس بل جعلته الشاعرة من خلال قصائدها له معنى يتوضح ويفسر ككيان متفاعل مع التكامل في الكيان الآخر ـ الرجل ـ فالأنثى هذا المخلوق الرقيق الحساس الشفاف الصادق الرومانسي الخفيف الظل الذي يترك أثره الحنون الجميل العفيف الطاهر في هذا التكامل الحياتي الذي لم تنصفه الأساطير الدينية القديمة إلا ما ندر بالرغم من أن هذه الأنثوية كانت في المجتمعات البشرية الأولى سيدة المجتمع كما تدل عليها الآثار الأركيلوجية حيث كان يسمى المجتمع الأمومي، فالعنوان يتصدى إلى العديد من المفاهيم المتحجرة الجامدة التي تبتغي أن تكون الأنثى مجرد جسدا للمتعة والولادة والخدمة، فهي معنى وجود تمتلك بعدا ثقافيا واجتماعيا، يتناغم في هذا الديوان مع محتوى القصائد في وحدة جمالية ذات قيمة دلالية تغذي النفس بنكهة خاصة في عطرها ولونها، تتموضع القصيدة من صور وأحداث ذات قصدية سواء كان ذلك في الهوى والحب والعشق باختلاف معاني المفردات، لتشكل لارا في القصيدة انسياقا وصفة متحدثة منادية، تصنع ذاتها الخاصة التي قد نجد فيها الرمزية أو المباشرة أو حتى التوافق التأملي في أثر طقوسي زماني، وكذلك نجد فيه الانتقال من الأنا الفردية إلى الأنا الكونية كاستيقاظ من لغز غامض مما أعطى للقارئ فسحة واسعة يتحرك فيها، ليدرك هذا الانسجام المتفاعل مع الحواس الهادئة تارة والانفعالية تارة أخرى كمحسوس ليحدد معنى الأنثى كتجربة معاشة، وكمحسوس تخاطبي في إيقاع القصيدة ذاتها التي لها ثمرتها، ولها ذوقها عندما تقول الشاعرة في قصيدة (حين أكتب):
أكتب
أنفض الصلاة
ينكفئ الغبار
تتجلى..
صورتك في خبايا الروح
تنبض منذ زمن
فالشاعرة وحدها تنسج خيوط المعنى من خلال المفردات في القصيدة، ليكون المعنى قبل كل شيء فرداني عن الثنائية المتبادلة مع المحبوب الغائب كما لو أنه من الماضي أي أنه الخاطر، وأنه التداعي الجدلي المتمحور في أنثاها ـ الأنا ـ لتجعل الحالة قصة لا فرار منها، ولا يمكن إخفائها مما تجعل القارئ يختص بقصة قد مر بها بأشكال مختلفة، ويفسرها كما يريد، ويتأثر لها، لأن لغة الشاعرة الحيوية المعاصرة تجعله يغيب فيها برضى أو تمرد أو غضب، فهو لا يستطيع أن ينأى عن الحب الذي مر به بطريقة أخرى، فالشاعرة أنشأت معنى أنثاها، وحررت نفسها من قيود الحيز المغلق في التقليد الاجتماعي الضيق كي يرى القارئ العالم من مفهوم كوني وحدوي بعيدا عن الفوضى والعبث سيما وأن مجتمعاتنا العربية تمر اليوم في نزاعات وخصومات وتناقضات وتقلبات سياسية ـ اجتماعية تثقل عاتق المرأة وتذل وتحط من طاقتها الكونية.
أجل، هذه الشاعرة انطلقت من أنثاها بوحدة قصائد حيوية نشطة، بثقافة متجددة، بمفاهيم محددة، خالقة عالمها التأملي الرافض للحيز المغلق من واقع مؤلم، المتستر بتقاليد مغلفة. أنه ظهور لانطلاقة في توحد القصائد بوحدة موضوع الحب، فمهما كان المحبوب غائبا، ويبدو متخفيا للقارئ، ومتخيلا ظاهرا في نفس الوقت، فهو المحبوب، ومهما تم فصل القصائد إلا أنها مرتبطة بالقصائد الأخرى، فكل قصيدة تستدعي أثر الأخرى، لتتوحد معها رغم اختلاف العناوين، فالقصيدة الأولى تتعاقب مع الأخيرة، والأخيرة تكمل الوسطى، فكلها متوازية مترابطة في إطار مضمون عنوان الديوان، لذلك نجد تنوعا في رمزية الجسد، ورمزية الزهور والألوان ومكونات الطبيعة بتأثير وعي الذات والخروج منها بتحرر على نحو متفاعل، وربما متناقض في المفردات كي تغذي الشاعرة روحها بانتعاش حين تقول في قصيدة (أنا الباحثة فيك):
حبك تباشير خلاص
استرخاء حميم حكم أصابعي
فقيدتك بي..
كلما نظرت في السماء
رأيتني فضية اللون
بعيدة الملمس حد التماهي
قريبة الشعور
وكأني ملح عينيك..
أن الشاعرة أنعشت المتخيل للقارئ من خلال صور الجسد، والولوج إلى فضاء الصورة الذاتية ـ العاطفية، والجسدية ـ الحسية وفقا لمبدأ تغذية القارئ بصورة الحدث، ليغرق في معترك الصور الذهنية سواء كان ذلك استفزازا أم تمثلا تأويليا كي يستجلي ذلك من خلال كينونته ووعيه ليبلغ المعرفة عقليا وحسيا من تجربته الملموسة، فالجسد يحكي غرائبه الدفينة بخصائصه اللغوية السرية من خلال المفردات كي يدخل في التنوير الجدلي، فالقصائد على نفس واحد جمعت في هذا الديوان، وتطلق لنا العنان أن نقلل المسافة بينها.
وهكذا فان الديوان يحمل التلقائية الحسية وربما الانفعالية لتلك اللحظة التي لابد أن نمسك بها، فهي لحظة الأنثى ذات المعنى الجديرة بملاحقتها التي تكشف واقعها، وتطلق رقيها حنينا بخيال مقتدر، فالقصيدة تكشف لنا التوازي مع قائلها سواء كان ذلك غضبا أو ابتهاجا، وحين تكتم تخنق صاحبها لذلك فهي تنتج ليس من فراغ وإنما من أعمق الأعماق، وهذا ما نجده في ديوان (أنثى المعنى) حين تقول صاحبته في قصيدة ( خطوات):
قدمي صواب كامل
أجري نحوه
من دون حذاء
هذا الديوان للشاعرة لارا ملاك بحد ذاته كيان أنثى اخترع ذاته بلغته العاطفية الحسية المتجددة، بثمرة معانيه في حوار لا ينتهي على الإطلاق بموضوعه فلسفيا وسيكولوجيا، يمتلك لحظة حركة، ويمتلك إرادة نشطة وعلامة متميزة، تتداخل فيه مفاهيم العشق والهوى والحب بتعددية المعاني والمدلولات الروحانية ليترك أثره في نتاجه الخاص.

حمودي عبد محسن
2018.02.23





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,793,760,057
- فصل من رواية (مندا والسوسنة البيضاء) في قيد الكتابة
- لا لتجويع شعب كردستان
- رقصات على حافات الومض
- صورة مرعبة
- ابكوا على الكتاب وأهله
- الأمير الأعور (ميري كوره) فصل من رواية ( حب في ظلال طاووس م ...
- حكايات من أرباخا
- مئة رواية ورواية
- من دايتون إلى العدوان على الكعبة
- فكر ماركس اليوم الحلقة الثانية
- فكر ماركس اليوم
- الولي الصالح في بعشيقة
- اللسان الصوفي
- حديقتنا الخضراء
- المفكر والباحث فارس كمال نظمي
- الشرير فريق باشا / حب في ظلال طاووس ملك / رواية في قيد الكتا ...
- حب في ظلال طاووس ملك / عصا الراعي
- الحب الظيم
- قصيدة خالدة خليل
- حب في ظلال طاووس ملك / شجرة الزيتون


المزيد.....




- شاهد.. فنان فارسي يكرس تحفه الفريده لمونديال روسيا
- ممثلة إيطالية: اغتُصبت في مهرجان كان
- كلينتون ترتدي قبعة روسية وتقول لترامب: -إن لم تتمكن من التغل ...
- الممثل الخاص المشترك باليوناميد يزور قولو ويعرب عن قلقه إزاء ...
- شاهد: فنان مغربي يحول إطارات السيارات القديمة إلى تماثيل مذه ...
- شاهد: فنان مغربي يحول إطارات السيارات القديمة إلى تماثيل مذه ...
- مصر.. سخط محلي ودولي بسبب دراما رمضانية
- -يوميات رجل منقرض-: قصائد تبحث عن جواب
- رسائل المقاطعة
- صدور رواية -قبل ضياع الجنة- للكاتب صادق عبد القادر


المزيد.....

- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر
- المجموعة القصصية(في اسطبلات الحمير / حيدر حسين سويري
- دراسات نقدية في التصميم الداخلي / فاتن عباس الآسدي
- لا تأت ِ يا ربيع - كاملة / منير الكلداني
- الحلقة المفقودة: خواطر فلسفية أدبية / نسيم المصطفى
- لا تأت ِ يا ربيع / منير الكلداني
- أغصان الدم / الطيب طهوري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمودي عبد محسن - أنثى المعنى