أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سلمان رشيد محمد الهلالي - المركزية السنية والاقليات في العالم العربي















المزيد.....


المركزية السنية والاقليات في العالم العربي


سلمان رشيد محمد الهلالي
الحوار المتمدن-العدد: 5764 - 2018 / 1 / 21 - 11:57
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


المركزية السنية والاقليات في العالم العربي
(انا اتمرد .... اذن انا موجود) البير كامو
سبق وان عرفنا المركزية السنية (Centrism Sunni)في مقالانا السابق عن (المركزية الغربية والمركزية السنية) وقلنا بانها عبارة عن تصورات وسلوكيات وخطاب واساطير ومفاهيم ثقافية وسياسية واجتماعية تفرضها الاغلبية الاسلامية السنية – العروبية على مجتمعها وشعوبها واتباعها اولا , وعلى الطوائف والمذاهب والاقليات التي تعيش ضمن محيطها الجغرافي ومجالها الثقافي ثانيا . وقد تبلورت المركزية السنية مع تاسيس الدولة الاموية القبلية , وتصاعدت مركزيتها نحو مدايات اقوى واشمل مع الدولة العباسية , وترسخت في سطوتها ومسارها مع الدولة العثمانية , واتخذت صورا واشكالا اكثر مركزية وجموحا مع تكوين الدول الوطنية والعلمانية , والتي لاتختلف في بنيتها الاصلية والحقيقية وتشكيلاتها التقليدية عن تلك الدول العروبية – الاسلامية السابقة . وقد فرضت هذا التمركز السني انماطا وصورا عدة على مجمل الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاخلاقية في العالم العربي والاسلامي , لسنا بصدد استعراضها , ولكن يبقى الاشكال الخطير هو رؤيتها ونظرتها الاقصائية والاستعلائية للاقليات الاثنية والمذهبية والدينية التي تعايشت معها قرون طويلة .
ان الهويات البدائية او التقليدية : هى تلك الهويات القبلية والاثنية والمذهبية والدينية التي تولد مع الانسان دون ان يكون له يد باختيارها , وهى تشكل في حالات معينة خميرة تحدد التوجهات الفكرية والايديولوجية لاتباعها وابنائها . وقد نادى اغلب المفكرين والمصلحين الى ضرورة تجاوز المجتمعات والافراد على حد سواء هذه الهويات الفرعية الى تبني الهويات الكونية التي تخلق وسطا انسانيا مشتركا بين الافراد , او تقمص الهويات والوطنية التي تصنع تضامنا سياسيا محليا ضمن الدولة الواحدة , فضلا عن الهويات العلمانية الاخرى مثل القومية والليبرالية والماركسية . وقد تبارى المثقفون العرب - والعراقيون خاصة - في التسامي عن تلك الهويات البدائية بصورة كبيرة جدا , فيما كان المثقفون والمتعلمون الذين يرجعون في اصولهم الاجتماعية الى الاقليات الاثنية والمذهبية والدينية في العالم العربي كالمسيحيين والكورد والشيعة والامازيغ واليهود والاقباط والصابئة والدروز وغيرهم الريادة في تبني تلك التوجهات الكونية والقيم الوطنية والايديولوجيات المساواتية , وذلك من اجل بلورة المشترك الثقافي مع المركزية الاسلامية السنية (التمركز السني) وحيازة المقبولية والاعتراف من تلك المركزية الجامحة بنظرتها الاستعلائية والاقصائية الى تلك الاقليات . وقد اشترطت هذه المركزية ضمنيا عدم قبول اي متعلم او مثقف بين صفوفها الا من كان متخليا عن هويته الثقافية والمذهبية والاثنية والدينية , فيما لم تفرض تلك الشروط القاسية على ابنائها واتباعها الذين استمروا بالحفاظ على هوياتهم البدائية والتقليدية - ان لم تكن قد عززتها لاحقا - من خلال قرارات حكومية .
الا انه من جانب اخر – ومن سوء حظ اتباع هذه الاقليات - ان بعض تلك الهويات الكونية قد اصبحت معارضة للانظمة السياسية الحاكمة في العالم العربي كالماركسية والليبرالية - وحتى بعض التوجهات القومية والاسلامية الثورية - واخذت تشكل خطرا على تلك المركزية التي تعدها السلطات الحاكمة خط الصد الاول في الدفاع عنها , فعملت السلطات الحاكمة - وبذكاء منقطع النظير – الى استهداف اولئك المعارضين من اتباع تلك الاقليات , ليس من خلال التوجهات الكونية التي ينادون بها , لان فيها نوعا من المشروعية الدولية والمقبولية الشعبية , بل عملت على استهداف هوياتهم الاصلية التقليدية (الاثنية والمذهبية والدينية) والايحاء بان تلك التوجهات الليبرالية والماركسية الكونية , هى جسرا لتلك الهويات واتباعها للاستيلاء على السلطة , او لتدمير تلك المركزية الاسلامية العروبية السنية او النيل منها بالتعاون مع العدو الخارجي المفترض تقليديا (امريكا , الصهيونية الماسونية , ايران) فعمدت الى المكافحة الثقافية ضد المثقفين الذين يرجعون في اصولهم الاجتماعية الى تلك الاقليات , ولم يشفع لهم تساميهم وتعاليهم عنها طوال تلك العقود , واتهمتهم بالغدروالخيانة والتامر والتخلف والتبعية من خلال مؤسساتها الاعلامية وسردياتها التربوية والعسكرية وغيرها . وكان رد فعل المثقفين - او مايعرفون عصريا بالانتلجنسيا - قد اتخذ مسارين :
الاول : انسياق اغلب اتباع تلك الاقليات – للاسف - الى تلك الاتهامات الباطلة والظالمة واصبحت المقاومة والمواجهة عندهم , ليس من خلال نقدها والسخرية منها وتعريتها وتحليلها كخطاب اقصائي والغائي تبلور تاريخيا من قبل الحكومات الاموية والعباسية والعثمانية التي كانت تنظر الى تلك الاقليات بعين التخوين والتكفير والالغاء والاتهام بالعمالة والاباحية والعجمة والاجنبية وموالاة الاخر وغيرها , وانما من خلال تبني تلك الاتهامات والرضوخ لها وتبني مقولاتها واطروحاتها , بل وربما في حالات معينة المزايدة عليها في الرضوخ المطلق والتبني الشامل اليها ومحاكاة اصدائها لاشعوريا او ببغاويا , كما في كتاب الاستشراق لاادوارد سعيد (فلسطيني الاصل - مسيحي) ومؤلفات زكي الارسوزي (علوي – سوري) وتنظيرات ميشيل عفلق (مسيحي – سوري) وكتابات شبلي العيسمي (درزي – لبناني) وتنظيرات سعدون حمادي (شيعي – عراقي) ومقالات رشيد الخيون (شيعي عراقي) وكتابات فؤاد الركابي (شيعي عراقي) وتنظيرات الياس فرح (مسيحي – سوري) حتى يمكن القول انهم قد اصيبوا بعقد نفسية واجتماعية عديدة بسبب تلك الاتهامات والمقولات والاستهدافات منها عقدة كيس الحاجة التي ذكرتها الكاتبة السورية وفاء سلطاني , او عقدة الخصاء امام الاب الميت التي ذكرها جورج طرابيشي , او العقد النفسية العالمية الاخرى مثل (تنادر او متلازمة استكهولم) مثلا .
الثاني : وهو العكس عند بعض المثقفين والمفكرين , اذ وجدنا عندهم شجاعة في التجاوز على تلك المركزية الاسلامية السنية وتعريتها ونقدها ليس بغرض طائفي – كما صور البعض – من المخصيين او المنحازين والمنساقين الى تلك المركزية - بل لغرض تنويري واصلاحي وعقلاني , وهو علمهم ان العالم العربي والاسلامي لايغادر طفولة التاريخ ابدا – بحسب هيغل - ولايدخل باب التنوير والحداثة والتقدم مادامت هذه المركزية قائمة , سواء اكانت بنظرتها التكفيرية والتخوينية والاقصائية للاقليات او برؤيتها الاحادية والسطحية والاستعلاية للامور الاخرى . ويبدو لي ان اول من انتقد المركزية السنية الاسلامية – العروبية في العالم العربي هو المفكر العراقي الدكتور علي الوردي (شيعي - عراقي) في كتبه (وعاظ السلاطين ومهزلة العقل البشري واسطورة الادب الرفيع) وتابعه رائد الحداثة العربية المفكر السوري – اللبناني ادونيس(علوي – سوري الاصل - لبناني) في كتابه (الثابت والمتحول عند العرب) والمفكر الجزائري التنويري محمد اركون(امازيغي - الجزائر) في كتبه (نقد العقل الاسلامي واين هو الفكر الاسلامي المعاصر ومن الاجتهاد الى نقد العقل الاسلامي والفكر الاسلامي نقد واجتهاد وقضايا في نقد العقل الديني) والمفكر جورج طرابيشي (مسيحي- سوري) في كتبه (المثقفون العرب والتراث ومن اسلام القران الى اسلام الحديث وهرطقات والمعجزة وسبات العقل في الاسلام) والكاتب صادق جلال العظم (مسيحي- سوري) في كتابه (نقد الفكر الديني) وحسين مروة (شيعي- لبناني) في كتابه (النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية) وعبد اللطيف الحرز (شيعي- عراقي) في كتابه (الشيعة ومحنة الاختلاف في العقل العربي) والمنظر انطوان سعادة (مسيحي- لبناني) وكتابه (نشوء الامم) والكاتبة وفاء سلطاني (علوية- سورية) في مقالاتها ودراستها المنشورة في موقع الحوار المتمدن على الانترنت وغيرهم .
وقد يعترض احدهم على هذا الراي بدعوى انه يواجه ثلاث من التحديات الموضوعية والعلمية وهى :
الاول : ان اتهام المثقفين الذين يرجعون باصولهم الاجتماعية الى احدى الاقليات في العالم العربي بالخصاء والرضوخ للمركزية السنية , انما هو تجني وظلم فادح , لان هذه الاراء التي يطرحونها هى اراءهم والمقولات التي ينادون بها هى مقولاتهم التي تبنونها ضمن افقهم المعرفي المستقل وضمن سياقهم الفكري – الايديولوجي المحدد الذي استند الى معطيات ووقائع حقيقية على الارض , وليس تردد ببغاوي او صدى لمقولات المركزية السنية – كما تقول –
في الواقع ان هذا الراي هو من الموضوعية والعقلانية بمكان , ويشكل نقدا صلدا لتلك الاطروحة . فالمثقفين من اتباع الاقليات هم في الاخير انتلجنسيا , والانتلجنسيا لها خطابها المعرفي المحدد الذي يخضع الى سمات زمانية – مكانية . الا ان السؤال يبقى قائما : كيف نميز بين (الصدى) و(الراي الستقل) عند هولاء المثقفين المتهمين بهذه الخاصية ؟؟ كيف نتاكد من تبرءت تلك الانتلجنسيا من سمة الرضوخ والتبعية العمياء لهذا الخطاب ؟ فمن المؤكد تماما باننا نحن في العالم العربي امام خطابين منعزلين , (خطاب التبعية وخطاب الاستقلال) اذ لو كان هناك خطاب واحد وعليه اجماع عند جميع المثقفين , ويعبر عن روح العصر , فلماذا ظهرت عندنا العديد من الاراء المستقلة التي تخالف مطارحات تلك المركزية ؟؟ واهمها اراء الكتاب والمفكرين الخمسة الذين سبق وذكرناهم . اذن القضية تخضع الى نوعية الخطاب الذي تنادي به تلك الانتلجنسيا , فاذا كان الخطاب هو صدى للمركزية السنية , وشبيه له من حيث المنطلقات والمصطلحات والمفاهيم , فانه – شئنا ام ابينا – هو تردد لاشعوري وببغاوي لتلك المركزية , تبلور بسبب عقدة الخصاء او عقدة كيس الحاجة التي ذكرناها سابقا . واما اذا كان الخطاب مستقلا تماما وحياديا من حيث المتبنيات والمطارحات والمقولات – كان يكون خطاب تنويري وحداثوي وليبرالي وموضوعي – او حتى حيادي في نقد جميع المسلمات الضمنية في العالم الاسلامي سواء اكان عند المركزية السنية او عند الاقليات - كما وجدنا ذلك في انتقاد الاسماء التي ذكرناها سابقا للمفاهيم والمقولات المسيحية والشيعية واليهودية - فانه خطاب مستقل وعقلاني غير منحاز , وبالتالي ليس صدى للمركزية السنية او خضوعا لها .
الثاني : ان التشابه في المنطلقات والمتبنيات السياسية والاجتماعية والفكرية في خطاب المركزية السنية ومثقفي الاقليات ليس بالضروة ان يكون صدى او تردد ببغاوي – كما تقول – اذ ربما تكون الحقيقة الموضوعية على الارض تفرض سماتها المشتركة على جميع المثقفين , سواء اكانوا من اتباع المركزية السنية نفسها , او من يدور في فلكها ومدارها من اتباع الاقليات (فاللوغوس هو في الاخير من يحكم العالم) .
اعتقد ان هذا الاشكال او التبرير يحمل اساءة للمثقفين اكثر مما يحمل العذر , لانه – وبهذا القول – فان يفترض ان الحقائق جواهر اصلانية (ترنسندنتالي) متعالية - بلغة كانط - معلقة في السماء يمكن الحصول عليها من خلال العقل والتامل والذكاء او الاطلاع المركز والحياد والموضوعية . في الواقع ان هذا الراي – للاسف الشديد – هو السائد عند الاغلبية الساحقة من الانتلجنسيا العربية , فهم حتى الان يسيرون وفق منهجية العصور الوسطى بالنظر الى الحقيقة المنعزلة عن الواقع او السلطة , والتي يمكن الحصول عليها بالعقل والذكاء , وهو بالتالي يشكل احد اسرار تخلفها وتراجعها وتاخرها عن مواكبة المناهج العلمية الحديثة لما بعد البنيوية وما بعد الحداثة . فالحقيقة بحسب هذه المناهج عبارة تاويلات متغيرة عبر التاريخ - بحسب لغة نيتشة - او نسبية بحسب الرؤية الخاصة لها – كما عند البرغماتيين - او هى اختراع او انقياد الى نمط معين – بحسب لغة فوكو - (فلاحقيقة ساطعة يمكن القبض عليها وانما هى تنتج عبر الخطابات والرويات والسلطات والمؤسسات) كما يقول علي حرب . واما نصيحة فوكو للمثقفين فهى خالدة بهذا الشان (لاتحاولوا ان تمتلكوا حقيقة ثابتة , انما تفحصوها اولا سترون اننا نكتشف فيها عن شبكة علاقات متوترة باستمرار)(لان المعرفة اضحت لاتقول الحقيقة وانما تعمل على تبرير للمؤسسات القائمة ...... والحقائق التي جرى تمجيدها انما هى اوهام - نسيت انها كذلك - بفعل المنفعة والتكرار) ولاحاجة الى القول بانه لاتوجد في العالم العربي والاسلامي سلطة امضى واقوى واشمل من المركزية السنية في انتاج الحقيقة وتسويقها وفرضها , كنسق بديهي ومسلم به لايحتاج الى البرهان والمراجعة والتاكد , لانها – ببساطة - هى التي انتجت شبكة السلطات والمؤسسات والروايات والخطابات المعقدة , وحولتها من خلال ارادة القوة الى حقائق ومسلمات فرضت هيمنتها وسطوتها , ليس على اتباعها ومتلقيها فحسب , بل حتى الاخر المختلف بالثقافة والتوجه والميول , واصبحت نوعا من المسلمات التي لايجوز نقدها او تعريتها او تحليلها او اعادة تقويمها , لان ذلك يدخل في دائرة التابو المحرم والمحظور على الانتلجنسيا الاقتراب منه او تجاوزه , فهو يرتكز على امتدادات دينية وسياسية واقتصادية واجتماعية نافذة ومعقدة , كان اهم نتائجها الاقصائية فرض الهيمنة على الاخر من اتباع الاقليات , ووضعهم في خانة الاستهداف والملاحقة . اذن يمكن القول ان مايعتقده المثقفون بعامة - ومن اتباع الاقليات الدينية والمذهبية والاثنية في العالم العربي بخاصة - من حقائق ويقينيات مسلم بها , انما هى نتاج السلطات والمؤسسات النافذة استطاعت فرضها من خلال اليات الضبط والتعمية والقوة والتكرار – والتكرار سلطة كما يقول بارت – تصاعدت مداياتها بفضل الاعلام والزمن والترهيب والايحاء حتى اعتقد المثقفون انها اراءهم التي عقلوها اراديا وعقلانيا , وانهم تبنونها باختيارهم وحريتهم وليس لاي سلطة اخرى عليهم من سبيل .
الثالث : ان القول ان المفكرين والكتاب الكبار الذين ذكرنا اسمائهم في معرض تجاوزهم وتحررهم ونقدهم للمركزية السنية في العالم العربي والاسلامي , انما هو نوعا من المغالطة , ليس لان هذه الاسماء الكبيرة قد تجاوزت الهويات التقليدية والمنظورات البدائية فحسب , وانما لان نقدهم للمركزية السنية كان يشمل ايضا نقدهم للمرتكزات الدينية والمذهبية عند الاقليات الاخرى ¬- كما في نقد علي الوردي واركون وطرابيشي للشيعة والسنة – وبالتالي اعتبارهم ناقدين للمركزية السنية عن وعي واصرار فقط , انما هو نوعا من المبالغة التي لايمكن التصديق بها .
في الواقع ان هذه الاشكالات والماخذ على هذه الاطروحة انما هى احدى اهم تفردات هؤلاء المفكرين والكتاب . فهم لم ينطلقوا في نقد المركزية السنية من خلفياتهم وهوياتهم الطائفية والدينية والاثنية , وانما من منظوراتهم الكونية وقيمهم الليبرالية والعلمانية واهدافهم التنويرية , لعلمهم المؤكد ان تطور المجتمعات الاسلامية السنية وتقدمها نحو افق الحداثة والتنوير , انما هو في المحصلة النهائية تطورا لباقي الاقليات التي تعيش بين ظهرانيها , وان نقدهم قد شمل جميع المسارات المتاخرة في الدين الاسلامي , وعند جميع المذاهب الشيعية والسنية على حد سواء , وربما قد اعتمدوا في وقت من الاوقات منهجية التقية وتوزيع الحسنات والسئات على جميع المذاهب لغرض ابعاد التهمة عن انفسهم بالطائفية والانحياز , لانهم يعرفون حساسية المركزية السنية واتباعها من النقد والتعرية والتقويم , ولكن مجرد قيامهم بتلك الخطوة , انما هو عمل رائد وشجاع ومتميز, ورغم ذلك فانهم لم يسلموا من توجيه سهام النقد والتخوين لهم بسبب تلك الدراسات والتجاوزات على التابوات التي صنعتها تلك الانظمة والسلطات والمؤسسات التي تندرج في نظامها السياسي والمعرفي . فالاتهامات بالطائفية والشعوبية لاحقت ادونيس اكثر من اي مفكر او كاتب اخر في العالم العربي , ليس من قبل اتباع المركزية السنية من الطائفيين بل وحتى من المخصيين . وذكر بهذا الصدد الروائي الاردني مؤنس الرزاز : ان ميشيل عفلق وحين قرا كتاب ادونيس (الثابت والمتحول عند العرب) طلب في حضوري من الدكتور عبد الله عبد الدايم بالرد عليه , لان اعتبر هذا الكتاب يشكل خطرا وتقويضا للمشروع النهضوي العربي , ولاحاجة الى القول ان المشروع العربي الذي نادى به عفلق وغيره بعد الحرب العالمية الثانية هو مشروع المركزية السنية الذي تاثر بصورة او باخرى بالتوجهات النازية والفاشية الاقصائية للمنظورات الثقافية للاقليات الاخرى , وتهميشها واقصائها عن المسارات السياسية والثقافية , وهو مايشكل نكوصا عن مشروع النهضة العربي الليبرالي او التنويري الذي تبلور في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين من خلال جيل النهضة الذي كان للاقليات دور السبق في تاسيسه وقيامه ودعمه . واما الاتهامات التي وجهت لعلي الوردي ومحمد اركون وصادق جلال العظم وحسين مروة ووفاء سلطاني بالعمالة والشعوبية والفارسية والعلمانية والالحاد فهى عديدة ومتنوعة ولايمكن حصرها او حتى عدها .
لقد كان خطاب المركزية السنية والاعلام العربي والرسمي التابع له بعد الحرب العالمية الثانية يؤكد على الدوام ان مشكلة العالم العربي هى في الاقليات التي تشكل طابورا خامسا للدول الغربية والاجنبية المعادية , ووجهت بهذا الصدد سلاحها الامضى نحو اليهود والمسيحيين والشيعة والكورد والامازيغ والاقباط , واتهمتها بجميع القبائح الرائجة والمضمرة والمنقرضة التي اخترعها هذا العقل العصابي , ابتدا من من التخوين والعمالة الى الردة والانحلال والتكفير , بل وادرجت عقوبات جماعية ضدها بسبب تلك الاتهامات اتخذت مسارين :
الاول : المسار الحكومي والمتمثل بالانظمة القمعية والديكتاتورية التي لاحقت هذه الاقليات من خلال التهميش والاعتقال والتهجير والتعذيب والاعدام , فضلا عن المكافحة الثقافية والتخوين والتبعية .
الثاني : المسار الشعبوي والمتمثل بالتنظيمات الارهابية والحركات الغوغائية التي خضعت لتاثيرات المتخيل والاعلام الرسمي والموروث الديني والسرد الاسلامي ضد الاقليات واتهامها بالكفر والردة والالحاد والاباحية والعلمانية .
واستمرت هذه النغمة الاقصائية للاسف قائمة حتى الان بفضل عوامل سياسية واجتماعية ودينية وقومية وطائفية عديدة . ولكن في الاونة الاخيرة – وبعد استفحال افة الارهاب وتداعيات الربيع العربي - ظهرت اصوات شجاعة اعلنت صراحة ان مشكلة العالم العربي ليست في اقلياته الاثنية والمذهبية والدينية – كما صور ذلك التمركز السني – العروبي , وانما في اغلبيته التي مازالت ترواح في مدارات التخلف والاستبداد والرجعية والارهاب والالغاء والحقد والتمييز والجهل والكسل والفساد والنظرة المؤدلجة والاقصائية للاخرين . ويكفي ان تلقي نظرة الى خارطة العالم الاحصائية او تقارير منظمات الامم المتحدة تجد ان الدول العربية في الدرك الاسفل من التخلف والتراجع في جميع مسارات التعليم والمواطنة والتنمية والديمقراطية والتسامح والعدالة , فيما تجد من جانبا اخر تضخما هائلا ومفرطا للذات والكبرياء الفارغة والاستعلاء على الاقليات والاخرين المختلفين بالثقافة والتوجه الديني والسياسي , وهذا التضخم شكل واحدا من اهم الحواجز الحديدية التي تعيق التنوير والتحديث وعمليات النقد والتقويم والاصلاح للتمركز السني – العروبي المتخلف . وسبق ان ذكرنا بان مهمة نقد هذه المركزية وتعريتها وتقويمها والاخذ بها الى مصاف التنوير والتحديث هو مسؤولية المثقف السني – العربي اولا , لان النقد عندما ياتي من الاخر – وخاصة من اتباع الاقليات الاخرى – فانه يشكل تحرجا وتحسسا من اتباع المركزية السنية – سيما وانها تعتبر تلك الاقليات عنوانا للخيانة والعمالة والتبعية , فكيف يمكن ان يدور الزمان وتقبل منها النصائح والارشادات والنقد ؟ حتما ان جرحا نرجسيا كبيرا سوف يصيبها من جراء ذلك , الا اننا وجدنا من جانب اخر ان الانتلجنسيا السنية – العروبية عندها تعاليا هائلا وهروبا حقيقيا من النقد والتحليل للمرتكزات الثقافية التي شكلت اساس التراجع والنكوص عند التمركز السني , وبالتالي لم يبقى امامنا الا الاعتماد والاتكال على مثقفي الاقليات الاثنية (الكورد والامازيغ والاقباط) والمذهبية (الشيعة والعلويين والدروز) والدينية (المسيحيين واليهود والصابئة) وغيرهم في الطرق المستمر على هذه المركزية ليل نهار , وتحليل ركائزها وتفكيك مقولاتها , وبالطبع لايفسر احدا ان عملية النقد والتعرية هى غاية بذاتها , وانما هى وسيلة لمشروع اكبر واهم , وهو ان النقد والتفكيك سيعمل على تفتيت هذا التمركز ويضعفه على مر الزمن , وبالتالي يسمح لمالات المراجعة والتقويم والدراسة بالنفاذ الى جوهر المشكلة في العالم العربي , ومن ثم التمهيد لطرح الحلول (التنويرية والتحديثية) الناجحة بهذا الشان , عسى ان تعي هذه المركزية السنية – العروبية ذاتها الحقيقية , وتعترف بقصورها وتخلفها وتراجعها في مختلف الميادين السياسية والاخلاقية والاقتصادية والثقافية .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,060,275,287
- مقاربات نقدية في مؤلفات عزيز السيد جاسم ومشروعه الفكري
- لماذا خذلت الانتلجنسيا العراقية علي الوردي ؟؟ (القسم الثاني) ...
- لماذا خذلت الانتلجنسيا العراقية علي الوردي ؟؟ (القسم الثاني) ...
- لماذا خذلت الانتلجنسيا العراقية علي الوردي ؟؟ (القسم الثاني) ...
- الليبرالية دين العصر ..
- العراق ليس في محور المقاومة ..
- هل يقبل العرب العراق كما هو ؟؟
- هل ان جميع العراقيون عملاء ؟؟ تطور مفهوم (العميل) في العراق ...
- هل ان جميع العراقيون عملاء ؟؟ تطور مفهوم (العميل) في العراق ...
- هل ان جميع العراقيون عملاء ؟؟ تطور مفهوم (العميل) في العراق ...
- هل ان جميع العراقيون عملاء ؟؟ تطور مفهوم (العميل) في العراق ...
- تحولات الطبقة الوسطى(البرجوازية) في العراق خلال (150) عام (1 ...
- تحولات الطبقة الوسطى(البرجوازية) في العراق خلال (150) عام (1 ...
- اشكالية العلاقة بين الحزب الشيوعي والمؤسسة الدينية في العراق ...
- اشكالية العلاقة بين الحزب الشيوعي والمؤسسة الدينية في العراق ...
- تحولات الطبقة الوسطى(البرجوازية) في العراق خلال (150) عام (1 ...
- تحولات الطبقة الوسطى (البرجوازية) في العراق خلال (150 عام )( ...
- دعوة الى تغيير اسم محافظة ذي قار الى سومر
- الطبقة الوسطى والتغيير في العراق
- من كتب مقالات جريدة الثورة عام 1991 ؟؟


المزيد.....




- أمين هيئة كبار العلماء السعودية: المملكة لم تُبن على المذهبي ...
- السيسي وشيخ الأزهر.. مبارزة جديدة على الهواء مباشرة
- بعد عُمان.. نتنياهو في زيارة وشيكة لدولة إسلامية
- مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى بحراسة مشددة من الاحتلال الإس ...
- الخارجية الفلسطينية تنتقد عجز المجتمع الدولي أمام جرائم إسرا ...
- «الإسلامية المسيحية»: قانون تهويدي جديد لخدمة المشروعات الاس ...
- في تقريرها -مع إيقاف التنفيذ! عام على لجنة توفيق أوضاع الكنا ...
- إسرائيل ترتب لزيارة نتنياهو لدولة -إسلامية-
- أكبر دولة إسلامية في العالم تفتخر بتعايش الثقافات
- باكستان تستدعي القائم بالأعمال الأمريكي عقب تصريحات ترامب بش ...


المزيد.....

- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سلمان رشيد محمد الهلالي - المركزية السنية والاقليات في العالم العربي