أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فواد الكنجي - الجزء الثاني، غادة السمان والرقص مع البوم، نص شعري في الحداثة و المعاصرة















المزيد.....


الجزء الثاني، غادة السمان والرقص مع البوم، نص شعري في الحداثة و المعاصرة


فواد الكنجي
الحوار المتمدن-العدد: 5751 - 2018 / 1 / 8 - 04:28
المحور: الادب والفن
    


-2-
هل شاهدت مرة بومة في سيرك ؟
أنها مخلوق يستعصى على التدجين
و يرفض التسول العاطفي و منطق اللعبة الاستعراضية..
هل شاهدت بومة تحاول إضحاك احد
او جره إلى مداعبتها ككلب زينة يهز ذيله ؟
هل شاهدت مرة بومة مستقرة في قفص تغرد لذلها ..؟
هل عرض عليك احد شراء بومة من سوبر ماركت المخلوقات الداجنة
البومة لا تباع
لكنها تحلق إلى ما تحب و من تحب، أفلا تحبها ..؟


-3-
صليت كي تبزغ الشمس و حين بزغت أحرقتني
رعيت سنبلة و حين كبرت أكلتها و سممتني
هتفت باسم الحرية
و حين أطلت عربات تحمل ألويتها دهستني
أنا بومة الخيبة
غدر بي كل من أحببته
وظف نفسه ناطقا باسمي بعدما كممني
و ها أنا في العراء بلا عزاء
انشد طوال الليل إحزاني
و فوق ذلك يتشاءمون مني !

فهذا المقطع من القصيدة ، تركز (غادة السمان) على مفردات النص لتركيز انتباه اليها بأنها كائن مغترب بلا عزاء وبين تأويل وعدمه، فان هناك إحساس بالعزلة تم صياغتها في هذا النص للمقاربة بكيان (البوم) وعيشه على هامش العالم ليرتفع النص إلى مستوى العزلة ومن ثم إلى مستوى التشاؤم، فـ(البوم) هنا أداة تشبيه بالأساس ولكن تطرحه (غادة) باعتبار يمكن فعلها إن يغير مصير الطائر باعتباره طائرا رمزيا، في وقت الذي يحتمل عند البعض بكونه رمز للحكمة، وطائر (البوم) ردفين كما هو حال عند (غادة السمان ) ولكن رمزه عند غالبية العرب ما هو إلا رمزا للخراب ونذيرا بالشؤم وطائر شرير و رمز للموت، وهو منحى استغلته كل الأساطير الشعبية القديمة فأشير إليه على أنه مخلوق شرير، يحوم الليل بحثا عن ضحاياه من البشر، وعزز هذا المفهوم نعيبه وصياحه الحاد، كما واتخذ (البوم) كرمز للعناد، ولهذا استخدم لدى بعض المنظمات والشركات والفِرق الرياضية شعارا تعبيرا في بعض الأحيان عن القوة لكونه من الطيور الجارحة سريعة الانقضاض، أو تعبيرا عن الحكمة ورمزا للمعرفة، وان منحى اهتمام الأساطير القديمة بالطائر (البوم) وما تم تناقله قد جاء تأكيد من خلال مجسمات الآثار التي وجدة في منحوتات (الأشوريين) التي اكتشفت في بلاد الرافدين (العراق) أو في اثأر (الإغريق) مما يعطي الانطباع عن مدى اهتمام الفنان قبل حوالي سبعة آلاف عام أو أكثر في بلاد ( أشور) في تصميم (البوم) في منحوتاتهم لما له من رمز يفسر وفق رؤية تلك الأقوام .
ولهذا ضل هذا الطائر مدار اهتمام الأدباء والفنانين على مر التاريخ وقد استخدم الطائر(البوم) رمز في كثير من إعمالهم الأدبية والفنية حيث استخدم كل من الأدباء (جون غاي) و( وملتن) و(بريان) و(ولر بروكتر) و(إدوارد ليرن) و (أ.أ. مايلن) و(جيمس ثيربر) و(ج. ك. روالنج ) طائر (البوم) في كثير من حكاياتهم وقصصهم وقصائدهم الشعرية من أمثال الشاعر الفرنسي (لافونتين) .
كما وقد استخدم (البوم) كعنصر فني في العديد من لوحات فنية لكبار الفنانين التشكيلين من أمثال الفنان (هيرونيمس بوس) و) ألبريخت دورير) و)مايكل أنجلو( و( فرانسيسكو غويا) و(بابلو بيكاسو) و( إدوارد لير) و(باول كلي) و(ماكس إرنست) و(سلفادور دالي) .
فلا غرابه لنا إن نرى بان هذا الطائر يثير مشاعر الأديبة (غادة السمان) في عالمنا العربي لتكتب عنه متخذة منه على غير ما راحت الأسطورة العربية بالتشاؤم منه، بل كما قالت((إنني لا اكره البوم لا أتشاءم منه و لا أتفاءل به، و أجده طائرا جذابا بعينيه الواسعتين اللامتزلفتين و أحبه كما أحب بقية مخلوقات الله..)) وهذا ما أكدته في مقالتها التي ذكرناها سابقا في هذا المقام .
ومن هنا سنحاول في عملها (الرقص مع البوم) كعمل أدبي رائع موازي لكل الإعمال الإبداعية التي طرحوه الأدباء والفنانين الذين اتخذوا من (البوم) كرمز استخدموه في إعمالهم الإبداعية، فمقاربات الجمالية لقصيدتها النثرية في هذا العمل وما استخدمته (غادة) من ظواهر وعلاقات نفسه وشعورية وفهمها للعالم على أساس وعيها كشاعره يتجلى بوضوح في النص الشعري المقدم هنا، هو بالذات افتراض ضمني بأسلوبها الواعي وبجماليات النص الشعري، ولهذا فان أي نقد لا يمكن إن يتم ما لم نأخذ الصورة الشعرية لـ(غادة السمان) باتجاه الأخر أو العالم الخارجي أو من العالم الداخلي (الذاتي) إلى النص الشعري المرتبط بذاتها، بمعنى إن نأخذ الكل بحالة واحدة، لان التحليل النص الشعري في (الرقص مع البوم) لابد من الوقف في التكوينات الجمل المصورة التي تعبر عن الفكر المطروح وخاصة في صور التراكيب المتناقضة للصورة وحيز التأويل فيها لان (غادة السمان) وان كانت تعبيرية المنطلق ولكن الرمزية تشمل أيطار لافت في قصائدها لحجم حالات التراكيب الفكرية والشعورية التي تلجئ إليها باتجاه الظواهر ووفق إحساسها الذي يحملها بشفافية وبراحة التعبير في سياق مفرداتها وطريقة اختيارها الايجابي:
-4-
اتسخ إصبعي بالحبر فصار اسود
غمست إصبعي الثاني في البحر فصار ازرق
لامست القمر بالثالث فصار فضيا
هدهدت خد الغابة بالإصبع الرابع فصار اخضر
وضعت الخامس على شفتيك كي تصمت و لا تقول لي انك تحبني
فصار إصبعا من ضوء
غمسته في العسل و كتبت لك به على المرآة:
حبك عيدي و عيناك قدري إلى ابدي
عند الفجر شاهدت المرآة و قد كتبت لي بالهباب الأسود:
يا لك من كاذبة صادقة ككل الحمقى العشاق ...
-5-
ثمة مصاص دماء لطيف نتغزل به جميعا و ندين له بالولاء اسمه الحب
أصيب بالهياج في طفولته
و أصيب بالجنون في مراهقته و بالفتور في كهولته
أصيب بفقدان الذاكرة في شيخوخته
لكنه ما زال يحكمنا ...

فهنا (غادة السمان) تذكر الظواهر وتحدده وفق صورة بسيطة و شفافة ومريحة لتحمل دلالاتها خلف تنوع الصور لتجمع المتناقضات في آن واحد ولغاية المقاربة لكي تتحرك ثقافتنا باتجاه مدلولات الصور والاستدلال الفكري لنتائجها لأنها تطرح مقدمات لنتائج تأتي كحاصل تحصيل من هذه المقدمات بلغة المنطق لتتدخل أفكارنا كقُراء للنص في صياغة خبراتنا المباشرة لها، و (غادة) تفعل ذلك لإرباك الاستقرار من خلال طرح المتناقضات وهذه هي رؤية إبداعية لان في هذا الطرح الشعري ما هو إلا تأكيد بعدم وجود ثقافة مغلقة وهذا يفسر بأننا نتجه لفهم نصوصها بعمق ثقافتنا في إدراك علاقة الظواهر وإبعادها المختلفة تأويلا وبدلالات رموزها وفك شفراتها، فان كانت (غادة السمان ) تراوغ في استخدام مفردات لأنها تريد استفزاز القارئ للمتابعة النص رغم إن القصيدة النثرية تستخدم المفردة العادية ولكن من يجيد حرفيتها يستخدمها لاستفزازنا كما تفعل (غادة السمان) مبتعدة عن المفردة الشائعة والمبتذلة:
-6-
لماذا احبك ؟
لان كل الأسماك المجلدة الممدة في برادات السوبر ماركت تعود إلى الحياة حين تراك و تطير عبر النوافذ إلى الفضاء
لتسبح من جديد و لكن في برك الغيوم
فهل يدهشك ان اشتعل حياة بحضورك في حياتي ؟
-7-
قلت لي : الحب خط مستقيم هكذا
و رسمت خطا فوق البحر
و لحظتها ولد الأفق !
للظلام فضل على حبنا
فلولاه لما عشقت ضوء حضورك في عتمتي
-8-
حين حطت الذبابة على صورة " الرقم 1 " الهائلة الضخامة في الساحة العامة ارتجف الحارس غضبا منها و أطلق عليها النار و شنقوه قبل إن يشرح لهم حقيقة ما حدث...

هكذا تتصاعد طرح لمفردات عند (غادة السمان) بتدريج لتعميق طرح المباشر العميق في المفرد ليكون إثبات الفكر والوصول إلى المغزى المفردة عبر التأويل لنكون مباشرة أمام المغاير من المعنى السائد، وهذا ما نسميه (الوعي المركب) يجمع ما بين المفردات ونقيضها لتحافظ القصيدة النثرية بروح النص الذي يستفزنا بقيمة المعنى الذي يطرح لنا ليهز ضميرنا الإنساني .
-9-
الصعب كان التهام التفاحة الأولى
و بعدها التهمنا التفاح كله حتى الضجر
ثم التهمنا شجرة التفاح بإدمان من لا يدري لماذا ثم هرولنا إلى السوبر ماركت و اشترينا "تنكات" التفاح المعلب و بتاريخ صلاحية واضح!
-10-
أتذكر دائما تفاحة البراءة الأولى في بيتي الحجري في دمشق
بيتي بأحجاره الحية التي تتنفس ليلا في الظلام و تتنهد سرا و لا يسمعها غير ساكنيها
فللجدران قلب و أذن !
أتذكر إن حجارة البيت انتحبت طويلا ليلة رحيلي عن دمشق
وحدها كانت تعرف إنني لن أعود و كان صوتها نواح قبيلة من البوم
-11-
حين أكون وحيدة في البيت اسمع أصوات تخاطبني و أتحاور معها و صوتها يشبه كثيرا صوتي
بل يخيل إلى أحيانا إن صوتها هو صوتي لكنني لست متأكدة من ذلك لا لست مجنونة
فانا اعرف كيف أغلق عليها الباب جيدا بالمفتاح حين أغادر بيتي !!

هنا نلاحظ كيف (غادة السمان) تعيش أقصى حالات الهذيان وفي نفس الوقت وهي في أوج الوعي وهذا التناقض المنسجم لا يكون غريب حين يشتد بها حالة الاغتراب والحنين إلى عشها الأولى في دمشق ألذي غادرته دون العودة وهي في لحظة مغادرتها تيقن بأنها لن ترجع، فالظلام وسماعها لتنفس حجارة المنزل وتنهيدة الذي لا يسمعه إلا (غادة السمان) فهي تيقن يقينا لماذا كان ينحب ...؟
فإحساسها رغم الظلام يضيء بما يدور أو سيدور لاحقا، فهذا الإجماع المتناقض او المتناقص المتجانس تدرك (غادة) حين تكون في قلب الظلام لأنها تحب هذا الظلام وتتجانس معه لأنها تعسس بالغيبيات وهو ما يكشف لها الكثير من الإسرار كما تكتشفه (البومة) ولهذا فهي تحبها لأنها تشبه المشاعر وحبها للظلام .
-12-

لاسليك، تعلمت كيف أقف على راسي في السيرك
و كيف اركض في الحلبة بثياب مهرجة
من أجلك تعلمت كيف اتارجح في الفضاء بلا شبكة تقيني السقطة القاتلة
و كيف أروض السباع و النمور و امشي على يدي
من أجلك تعلمت كيف أقود صاروخا إلى القمر
و كيف أتحدث بلغات الأرض كلها و اهتف :
"حبك عيدي و رغباتك إرادتي"
و حين اكتشفت إنني لم أكن أكثر من مضيفة أخرى في سيركك الكبير
تعلمت من أجلك لغة الصمت كي لا أعاتبك .. و أقول بمرارة انك خذلتني .

في هذا المقطع تأخذنا (غادة السمان) إلى كل ما لا نراه في وقت الذي تجانس إجماع المتناقض، فهنا الخيال يحلق إلى ألأفق، تصور المشاهد وفق تناقضات الصور تعبيرا عن حالته الهذيان والبؤس والمرارة والوحدة في أكثر التراكيب قسوة باتجاه الأخر الذي تريد إن توصل رسالتها كما تشعر بها لحظة كتابتها لان في داخلها تتعايش متناقضات الواقع بقسوة لا تطيقها فتقول في واحة من أقسى ما تقوله (غادة السمان):

-13-
تسكعت في الغابة شاهدت ضفدعا ...
قبلت الضفدع فصار أميرا ...
و حين فتح عينيه قال لي باحتقار:
من أنت أيتها الضفدعة ؟
هذا هو الإحساس المر والإحباط القاسي بهذا الحضور فالمشهد بتركيبه المنطقي يثير انتباهنا بأكثر صورا تعبير ووضوح لما تعانيه الكاتبة وتعيش في حالة الصراع صراع قائم كأسلوب تفكير وكحالة وعي .

-14-
سامحني يا بطل قصتي
حملتك سر حبي و أسقطته عليه و أنت لا تريد الحب بل الحرية
أثقلتك بإحزاني الشخصية و أنت بلا ذاكرة كورقة بيضاء
حملتك قضاياي و أطلقتك في التظاهرة و جلست في مقعدي الوثير إمام التلفزيون أراقبك تحت رصاص جلاديك
لا تقلق سأبعثك حيا في روايتي القادمة !
-15-
ما زلت احبك رغم كل شيء
ففي شواطئك تعلمت
كيف أشرب ضوء القمر في صدفة بحرية

تصف (غادة ) سر حبها وقلقها وحيرتها عبر إسقاط ذات متأملة مناجية الحرية بعد أن اختلى التوازن بين الحب والحرية بين الحبيب الذي يختار الحب وبين وجدانها الذي يختار الحرية فتخيلت شخصية بطلها وهو وسط عالم مليء بالمظاهر السلبية لينتهي أمره تحت سيف الجلادين وهو يدافع عن أناس اليوم يجلسون براحة البال يراقبون مشهد إعدامه دون إن يثاروا ضد الطغاة ولكن تناشد ضميرها بان تحي بطلها خالد في كتاباتها القادمة ليكون بطلا حقيقيا أفنى حياته من اجل الحرية، لأنها مازلت تحبه فهي لطالما تتوجه إلى شواطئه حيث الحياة والضوء القمر والهدوء والسكون، تتوحد معه وتذوب في غمرته لأنها تعلمت منه كيف تخفف معاناتها .
-16-
قرع الفراق بابي
و حين فتحت له
إعطاني وردة الحب الآتي!
-17-
في كوكب رفع ورقة الألف دولار علما
أستحضرك بأكثر من المحبة و الإجلال
يا من غسل إقدام الفقراء بالحنان ..
و اخترع حضارة الوداعة...
حين توصد الأصوات أبوابها
و تمضي لتختبئ في الغرف المظلمة للروح
أظل اسمع صوتك فاتبعك
أنا المتعبة ثقيلة الأحمال ..
و حين يستيقظ الليل أزين شجرة ميلادك
بورد ابيض مقطوف من حقول قلبي واهمس:
ميلادك مجيد يا سيد المحبة .

هنا تناجي المخلص (المسيح) لتخفيف من معاناتها، فهي تجسد ذلك في ألفاظ كثيرة استخدمتها للإشارة إليه منها: المحبة، الإجلال، غسل أقدام الفقراء بالحنان، حضارة والوادعة، شجرة ميلادك، ميلا مجيد يا سيد المحبة، فهي تحتفل بميلاد المخلص بورود بيضاء للذي أتى وطرق بابها ومنحها وردة بيضاء، فهي أيضا بالورد الأبيض المقطوف من حقول قلبها تزين شجرة الميلاد فـ(الأبيض) رمز السلام والمحبة والصفاء التي تؤمن به وتريد منحه لكل العالم، ومن خلال هذه المعاني التي جسدتها (غادة) هما بالأساس حقلين مرتبطين أساسا الأول بالذات الكاتبة والثاني مرتبط بالمحيط، في وقت الذي يسود بصورة عامه مناخ واحد في عموم القصيدة (الرقص مع البوم) هو الحب والحرية رغم انطواء القصيدة على جمل من المعاني الجزئية والأحاسيس وجلها تتضافر لخدمة الموضوع العام (الحرية والحب) والتعبير عنهما بطريقة ذاتية بحته، ليتم كلا الحقلين (الحب والحرية) وفق تعبير الذات حد الذوبان كما هو واضح في مضمون ، لتكون لغة القصيدة (الرقص مع البوم)، لغة سلسة سهله مستخلصة من تجربة حية عاشتها الكاتبة في ظرف نفسي ظاهرة احتجاج وسخط وتمرد وباطنه العذاب والأسى والألم والمرارة، فـ(الرقص مع البوم) كتاب روح معذبة تتحدث عن روح المطلقة، وصراخ مخنوق مكتوم يتدفق من أعماق السحيقة لقلب الكاتبة، قلب متأجج حبا وشوقا إلى الحبيب، التي لم تعد سوى لغة التعبير الشعرية لتتنفس عن أعماقها وحالتها النفسية، و(غادة السمان) لا تكتم ولا تخشى إن تفضحها عواطفها فلا تحترس في إفشاء أوجاعها وحسراتها وصبابتها، فهي تنطق وتعبر بوضوح دون تردد ولا تورية وهو تعبير صادق دون انتحال لمبررات ولأعذار ومع أي أسلوب يعبر عن كل ما في أعماقها إفصاحا بالخط العريض أو بالتلميح أو بالإيجاز أو الرمز أو استخدام الأسطورة .

-18-
أتأمل زرقة عينيك من بعيد من المقعد المواجه لك في المقهى متكئة على أنقاض وطني في المسافة بين الجعة و الشمعة
و ذكريات البارود و الدم
عينان زرقاوان تمطران أفراحا و فم ينفث دخان غليونه عطرا
و أنا امرأة محاصرة داخل غليون العطر و اللهب اللا مرئي و إيقاع الطبول تحت قدمي العاريتين فوق الجمر
ها هي حكاياتنا تبدأ ممن النهاية
و المنشد الأعمى يغني : الشرق شرق و الغرب غرب
و لن يلتقيا إلا في لحظة انصهار كهذه!
أتأمل جنيات الليل الباريسي يرصعن غليونك بالشعر و النجوم
استمع إلى صمتك فأجده لغة جديدة لم اعرفها من قبل!
هل احبك أم إنني فقط أتعلم لغة الصمت التي كدت أنساها ؟
لعلي أريد فقط أن أنسى
أنني أحببت مرة رجلا خطوط يده تشبه خارطة وطني
وجهه يشبه عنترة بشاربي جدي
قلت له مرة ولم يصدقني : " احرص على صون القلوب من الأذى /
فرجوعها بعد التنافر يعسر / أن القلوب إذ تنافر ودها / مثل الزجاج كسرها لا يجبر"
قلت له ذلك و لم يصدقني …لم يصدقني
و ها أنا اصطاد النسيان داخل غليون بعين زرقاويتين
في المسافة بين البكاء و الكبرياء و ذكريات الياسمين

هذا هو الحضور والنص الذي ترينا (غادة السمان) حضوره، فالنص وان جاء صوره كما يتهيأ لنا بقراءته الأولى طبيعيا ولكن حين نمعن النظر في صور مفرداته نرى معانيه الحادة التي تيقظنا (غادة) لتصنع لنا إرباكا في المقصود وما تريد الذهاب إليه وعن طبيعة المواقف المتناقضة القائمة في عالمنا وعالمها كحالة الصراع دائمة لا نهاية لها، وهي الغرابة والغربة التي تشير إليها الكاتبة في عناصر وجود هذه الحياة. فـ(ذكريات البارود والدم) كما تقول غادة السمان هو فضاء الحاضر عندها هو ذاته مكان الإنسان في زمن يؤكد حضوره في الذاكرة, فالإشارة الرمزية للبارود ودم هي أوجه الحرب والصراع، فهنا النص يأتي متجاوزا تلك الدلالات ولكن في ذات (غادة) يعيش في الحدث ذاته فتتنفس العذاب في بنيته العميقة لكونها ما زالت تعيش في عمق تلك الأزمة لتكون الكتابة محطة تنفس لتخفيف وطأة العذاب وهي تعيش الذكريات في ظل أزمة ذلك المكان، فالمكان هناك والمكان هناك هو نص مهيمن حين تقول :((ها هي حكاياتنا تبدأ ممن النهاية
و المنشد الأعمى يغني : الشرق شرق و الغرب غرب
و لن يلتقيا إلا في لحظة انصهار كهذه! ))، وهذا الفعل هو ما يغطي ويعبر عن الحالة النفسية والسيكولوجية والاجتماعية للإنسان بما يعكس وطئته في ذات (غادة) فتحمل معاناتها في الإسفار والترحال الدائم، ولكن المكان يبقى بهويته معروفا رغم تغير وانتقال مكانها ولكن جوانب الحدث ما زال ماثلا في أعماقها السحيقة في ذلك المكان المعرف في ذاتها، وهو ما يولد لديها معانات فيفرز بحالة الكاتبة بعدم الاستقرار ودوام القلق .



-19-
و ركبت معك في منطاد الألفية الثالثة
من حديقة " اندريه سيتروين " على ضفة نهر السين
و حلقنا فوق غيمة من القهقهات أيها الحبيب الفرنسي
و بدل إن أرى باريس من علًّ
شاهدت على الأرض خارطة جراحي و تضاريس وطني
سقطت في الفضاء من منطاد الذاكرة و لم تنفتح مظلة النسيان لتنقذني
إذا شاهدت راسي ينزف على طرف رصيف باريسي
اتركه ينتحب إحزانه تحت المطر
و لا تلتقطه و تحنطه و تعلقه على جدار غرفتك !
-20-
إعطاني مرهما من الإزهار و الإعشاب السحرية لأدلك قلبي
به حين أنزلق إلى الألفية الثالثة
قال انه مثل مراهم العشاق في إحدى مسرحيات شكسبير حيث يعشق
المرء أول ما يراه و يرى الحمار ديكا بشريا رائعا
و صدقت آه صدقت و دلكت و انزلقت في الألفية لكن سكاكين الهزائم
كانت تخترق جلدي بنعومة شفرات الحلاقة
لا تتوهم يا صديقي أنها تمطر ما يحدث هو إننا نحن مائتان و خمسون مليون عربي نعرق خجلا و ننتحب مرة واحدة إمام أسوار مدينة الألفية الثالثة...
البكاء ينتحب على موائد سهر المنفيين إلى أوطانهم و المنفيين من
أوطانهم إلى طاولات مقاهي الغربة..
رغم كل شيء ها أنا اكتب بطاقات معايدة إلى وطني العربي مناشير حب ..
و أقول فيها دون إن اكذب : سأحبك قرنا آخر !

المشهد هنا أكثر قسوة في حضور متناقضات الحياة بين ما نصبوا وبين ما يفرضه الواقع علينا، فنسقط اسري الواقع ذاته، وأسرى أحلامنا التي أخذتها الرياح إلى المجهول في اللا اتجاه، فهنا (غادة السمان) تستيقظ في الألفية الثالثة لتجد ملايين من أبناء العروبة مغتربين في المنافي كحالتها فهذا التماثل المتجانس في الهموم العصر بتناقضه وانسجامه فهذا التناقض هو تناقض مقصود في صورة المشهد الشعري التي تكتبه (غادة) كحالة حادة الأكثر تراكبا مع عالم (غادة) في القصيدة الشعرية، بعبارة أخرى هو نص كحالة متناقضة في طبيعة محيطنا القائم على التناقض في الشرق الأوسط فيكون بهذه الحالة النص المقدم طبيعيا وفق طبيعة الواقع في عالمنا الشرقي ونحن نحمل هذه الهوية في هذا العالم، وهو الأمر الذي يحتم إن نراه بهذا الشكل المقدم في النص الشعري (الرقص مع البوم) كحالة قائمه لا يكن لنا إنكاره- ليس فحسب إثناء قراءتنا للنص- لان هذا ما نلتمسه وعلينا نقر بهذا الواقع المؤلم الذي يسم وجودنا ويشعرنا بمرارته أللاذعة، إذا فليس الغريب من الكاتبة (غادة) إن تراه كذلك وهي تعيش الألم الغربة بتفاصيلها ومع ذلك تلتزم بالوطن لأنه هو الرؤية التي تنطلق منه وتتجه إليه في المحصلة الأخيرة فيكون تأكيدها بقولها(( ...و أقول فيها دون إن اكذب : سأحبك قرنا آخر..! )) لتنهي حلمها بالقول:
- 21-
((...حين حصلت أخيرا على " الفيزا " المنشودة التأشيرة إلى الحلم قرأت على مدخل محطة القطار :
مات الصيف ..ماتت الريح ..ماتت الطائرات ..
مات السفر .. رحل الرحيل
و من يومها و أنا مقيمة في قاعة الانتظار
في محطة " سان لازار " الباريسية ...))
فالرغبة في التحرر من حلمها يموت في الانتظار، ولانتظار هو اقسي ما يدور لأنه يصنع إرباكا غير مستقر بحالة الروح فتعيش هذا الإرباك إلى ما لا نهاية في (الرقص مع البوم) لان غاية (غادة) من طرح هذا القصيدة هو لإحداث ارتباك والرغبة في تحرر من قيود المجتمع والفكر السائد ومن السياسة باتجاه أيقاظ الوعي لدعم منطلقات فكريه وجمالية حديثه كمحاولة منها لتحرر من عفن وركود ووطأة التصورات السائدة من حولنا .
يتبع في الجزء الثالث





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,866,149,918
- الجزء الأول، غادة السمان والرقص مع البوم، نص شعري في الحداثة ...
- عام يمضي.. وآخر يأتي.. وفي خلدنا أمنيات و أسئلة......!
- حرقة الأحزان .. أنستني متى ضحكتُ في هذا العمر....!
- كلما أتي إلى هنا .. كلما أمر من هنا .......!
- سأمضي .. لأنني أريد أن أمضي ......!
- جلال الطالباني كان محور اللقاء بين العراقيين
- هل سيكون مطلب الكرد في الاستقلال كمصير مطلب الأشوريين في الا ...
- لا أطيق ......!
- الإبداع الأدبي والفني والتحليل النفسي
- جماليات الشعر المعاصر وحداثته
- اللغة الأشورية .. الهوية .. والانتماء .. ودورها في نهضة الأم ...
- يوم الشهيد الأشوري، استذكار .. وتذكير
- انا .. موج البحر، فلا تقتربي شواطئي ....!
- هو ذا .. العراق .. هو ذا .. نصر العراق
- العراق يعلن النصر .. محررا أراضيه من اكبر منظمة إرهابية في ا ...
- علم النفس ونظرية (فرويد) في التحليل النفسي
- هيغل وآراءه حول علم الجمال والفن
- بومجارتن، أول مؤسس ومنظر في علم الجمال وفن الشعر الحديث
- مواجهة خليجية ضد دولة قطر
- لم يعد الحب باللون الأزرق .. ولا السماء .. ولا نهر دجلة .... ...


المزيد.....




- شاهد.. بوتين يرسم على سيارة الوزيرة العروس النمساوية تهنئة ب ...
- الصور الأولى من خطوبة الممثلة الهندية بريانكا شوبرا
- مهرجان سينما الشرق العربي في روسيا
- اكتشاف فوائد علاجية للموسيقى بالنسبة لمرضى الخرف
- لاعب الكريكيت السابق عمران خان يؤدي اليمين الدستورية رئيسا ل ...
- اكتشاف جبن في قبر فرعوني عمره 3200 سنة
- بالفيديو.. موسكو تستضيف مهرجانا دوليا للألعاب النارية
- صدور -من داخل الزنزانة- للاديب العراقي هيثم نافل والي
- الشاعر عن دعم ليرة تركيا بحجة دعم المسلمين: لماذا لم تدعم ال ...
- الممثلة الإباحية ستورمي دانيلز تغيب عن بيغ براذر في اللحظات ...


المزيد.....

- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فواد الكنجي - الجزء الثاني، غادة السمان والرقص مع البوم، نص شعري في الحداثة و المعاصرة