أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي محمد البهادلي - الحوزة النجفيَّة ومحاكم التفتيش الكاثوليكيَّة















المزيد.....

الحوزة النجفيَّة ومحاكم التفتيش الكاثوليكيَّة


علي محمد البهادلي

الحوار المتمدن-العدد: 5745 - 2018 / 1 / 2 - 00:48
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إنَّ مصطلح محاكم التفتيش يعني التحقيق في البدع والهرطقة، أو يُشير إلى ديوانٍ أو محكمةٍ كاثوليكيةٍ نشطت خاصَّةً في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، مهمَّتُها اكتشاف مخالفي الكنيسة ومعاقبتهم، فهي "سلطةٌ قضائيَّةٌ كنسيَّةٌ استثنائيَّةٌ" وضعها البابا غريغوري التاسع؛ لقمع جرائم البدع والردَّة، وأعمال السحر، في جميع أنحاء العالم المسيحيِّ، من القرن الثالث عشر إلى السادس عشر، وذلك حسب موقع ويكيبيديا.
وقد حدَّثنا التاريخ عن الكثير من الجرائم المُروِّعة التي ارتكبتها تلك المحاكم سواء على مستوى القتل أو التعذيب والسجن والنفي بحقِّ علماء ومُفكِّرين، بل حتى القساوسة ورجال الدين المسيحيّ لم يُسلِّموا منها فطالتهم يد تلك السلطة الغاشمة بمجرد مخالفة رأيٍ ما للكنيسة أو تفسير للظواهر العلميَّة أو للنصوص الدينيَّة لا يتواءم مع المزاج العامِّ للكنيسة الكاثوليكيَّة، فبلغ عدد ضحاياها بالآلاف ومنهم من أوصله إلى ملايين الضحايا؛ وبسبب التغيُّرات التي طرأت في أوربا سواء الفكريَّة والعلميَّة والسياسيَّة فقد تمَّ إلغاء تلك المحاكم لتُطوَى صفحةٌ سوداءُ من تأريخ الإنسانيَّة.
وبالطبع لم يسلم أيُّ دينٍ من الأديان السماويَّة، بل ربما حتى البشريَّة منها، من وجود ما يناظر (محاكم التفتيش الكاثوليكيَّة) ينصبها من يدَّعي تمثيله لتلك الأديان لغاياتٍ كثيرةٍ، منها التفتيش في عقائد الناس وأفكارهم وإدخال ثلةٍ منهم في الدين وإخراج آخرين منه، وتكفير آخرين ونعت آخرين بالشرك والزندقة تارةً وبالانحراف والخروج عن المذهب تارةً أخرى .. وغيرها من أساليب التعسُّف والقمع الفكريِّ والدينيِّ وعدم الاعتراف بفكر الآخر وعقائده ومُتبنَّياته العقديَّة، ناهيك عن وجود أسبابٍ أخرى لظهور مثل تلك المحاكم، منها: دينيَّةٌ وأخرى سياسيَّةٌ ومصلحيَّةٌ فئويَّةُ لتصفية الخصوم والمناوئين والمنافسين.
من الممكن أن نُدرجَ كلَّ الأنبياء والمرسلين في خانة الضحايا الذين تعرَّضوا لمحاكم التفتيش، بل إنَّ منهم من صعد مقاصل هذه المحاكم جراء أفكاره التجديديَّة وتجرَّع شتى أنواع العذاب وما تجربة النبيَّينِ العظيمين يحيى وعيسى حسب الرواية الإنجيليَّة عنا ببعيدٍ، أمَّا تجربة النبيِّ محمدٍ فكانت أكثر ضراوةً وهو القائل ما أُوْذِيَ نبيٌّ مثلما أوذيتُ فبعد أن كان الصادق الأمين قبل الجهر بنبوته بات الكذَّاب الأشر والساحر والشاعر والمجنون؛ فمن يريد إزاحة الجهل ويُحطِّم أصنام الضلالة ويطيح برؤوس المشركين المُسيطرين على الحياة الدينيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة حتماً سيُلاقى ذلك المصير ويناله نصيبٌ من الملاحقة والمطاردة والتضييق والشتائم والفرى.
لن أتكلَّم عن المعتزلة والأشاعرة والمحاكم التي نصبها أحدهم للآخر باختلاف توجُّهات الحكام العباسيِّين الذين اعتنقوا هذا المذهب أو ذاك والضحايا الذين ذهبوا؛ بسبب مقولاتٍ كلاميَّةٍ كمسألة خلق القرآن، ولا أتطرَّق لمصير الحلاج ولا شيخ الإشراق ولا الشهيدين الأول والثاني ولا أُعرِّجُ على تجربة السيِّد الطباطبائيِّ والسيِّد علي القاضي ولا الشيخ المُظَّفر ولا الشهيدين الصدرين، بل سأتحدَّث عمَّا جرى خلال الأيام القليلة المنصرمة من حادثةٍ يندى لها جبينُ المُؤسَّسات العلميَّة والمعاهد الدينيَّة.
فبعد أن اسْتُبْعِدَ السيِّد كمال الحيدريُّ من تقديم برنامجه الشهير (مطارحات في العقيدة الإسلاميَّة) الذي كانت تبثُّه قناة الكوثر وبتأليبٍ من مختلف الاتجاهات المرجعيَّة، لا سيما بعد دعواته المُتكرِّرة لتنقية التراث الإسلاميِّ عامَّة والشيعيِّ خاصَّةً ممَّا علق به من موضوعاتٍ وبدعٍ وخرافاتٍ، تُفاجئنا اليوم إحدى الفضائيَّات التابعة للعتبات المُقدَّسة في كربلاء التي تُدارُ بإشرافٍ من مُمثِّلي المرجعيَّة، تفاجئنا بتصريحٍ خطيرٍ عبر برنامجٍ متلفزٍ من شخصٍ يرتدي البزَّة الحوزويَّـة ويهجم هجوماً عنيفاً على السيِّـد كمال الحيدريِّ، مُدَّعياً أنه مُنحرفٌ عن الدين والمذهب، زاعماً عدم وصوله لمرتبة الاجتهاد، دون أن يكون لمُقدِّم البرنامج أيَّة ردة فعلٍ أو توضيحٍ أو اعتراض؛ ممَّا يدل على أنَّ ما ذهب إليه ذلك الحوزويُّ هو من مُتبنَّيات تلك القناة ورأيها أيضاً، ولا سيما أنَّها لم تُصدر أيَّ بيانٍ أو توضيح تعتذر فيه من المرجع الحيدريِّ.
إنَّ أسلوب تسقيط الشخصيات العلميَّة وإبعادهم عن دائرة الضوء والمنافسة على مقام المرجعيَّة بات مكشوفاً للقاصي والداني، كما أنَّ الاعتراف باجتهاد شخصٍ ما من عدمه غير مُقتصرٍ على ثلةٍ قليلةٍ هي تُحدِّدُ ذلك حسب أهوائها أو حسب مقاييس أيسر ما نُعبِّـرُ عنها بأنها مقاييسُ غير علميةٍ ولا يُمكنها تشخيص المُجتهدين وتمييزهم عن غيرهم، فضلاً عن تشخيص الأعلم منهم؛ لذا ينبغي لكلِّ من يرتدي اللباس الحوزويَّ أن يحترم نفسه أولاً وأن يحترم المُؤسَّسة التي يمثلها ولا يطلق أحكاماً لا تستند إلى الوقائع أو الحقائق والأدلة العلميَّة التي ينبغي للمُؤسَّسات الدينيَّة التابعة لمدرسة أهل البيت أن تستند إليها وتكون ديدنها الذي لا ينفكُّ عنها في تقويم الشخصيَّات العلميَّة.
إنَّ هذه الحادثة لا يُمكن أن تمرَّ دون حسابٍ، فعلى المعنيِّين إقامة دعوى قضائيَّةٍ ضدَّ تلك القناة وضدَّ الشخص الذي أساء للمرجع الحيدريِّ، فهو أي الحيدريّ ليس أقلَّ شأناً مثلاً من السيِّد صباح شبر والسيِّد مقتدى الصدر اللذين قامت الدنيا ولم تقعد؛ بسبب إساءة قناة السومريَّة بحقِّ الأول والعراقيَّة بحقِّ الثانية، والتحرُّك السريع لهيئة البث والإرسال باتِّخاذها إجراءاتٍ صارمةً تمثلت بإيقاف البرنامجين مُؤقَّـتاً، فضلاً عن صدور قراراتٍ قضائيَّةٍ بالغرامة، فالسيِّـد الحيدري كما هو معلومٌ أعلى مقاماً من الناحية العلميَّة من الشخصيَّتين المحترمتين المذكورتين، فضلاً عن أنَّه رفد المكتبات في مختلف المعارف سواء الكلاميَّة والفقهيَّة والتفسيريَّة والفلسفيَّة والأخلاقيَّة، فهل جزاء العالم والمُفكِّر والفيلسوف أن ندع الجهلة وأنصاف المُتعلِّمين يتهجَّمون عليه دون ردٍّ أو رادعٍ يردعهم عن تكرار تلك الإساءات؟! وهل السكوت عن فضائيَّةٍ خرقت أخلاقيَّات المهنة الإعلاميَّة وتلبَّست بلبوس أهل الجهل بإطلاق الشتائم والفرى والأراجيف فهل السكوت عن ذلك موقفٌ حكيمٌ؟! أم إنَّ الواجب المهنيَّ يُحتِّمُ على أصحاب الأقلام الحرَّة تبيان الحقيقة دون زيف أو رتوشٍ وتوعية الجماهير بضرورة تمحيص ما يسمعونه ويقرؤونه؟!
أمَّا الحوزات العلميَّة في النجف الأشرف فهل تُجوِّزُ لنا مثلاً أن ننشر في وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعيِّ رأياً فقهياً انفرد به أحد المراجع الأربعة في النجف (حفظهم الله) مُخالفاً المشهور، أو آخر كلامياً كأن يكون عدم اعتقاده بأحد المقامات من مقامات الأئمة أو المزايا الخاصَّة بهم (ع)، ومن ثمَّ نغمز ذلك المرجع وننعته بالانحراف عن المذهب؟!! علماً أنَّ هناك منهم من ينفرد بآراء خلافاً للمشهور في الفقه ولا يعتقد بأحد مقامات الأئمة التي يذهب الكثير من علماء الكلام إلى أنَّه ثابتٌ لهم (ع)، لذا ينبغي للحوزات سلوك منهج أهل البيت في الانفتاح الفكريِّ والتعاطي مع الآخر بإيجابيَّةٍ وتأكيد المشتركات وعدم التركيز على الاختلافات وعدم المبادرة إلى تفسيق الآخرين ووصمهم بشتى الأوصاف، فأهل البيت هم عدل الكتاب الذي قال : "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" وقال : "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" وقال أيضاً :"ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ " و : "تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" و "إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ".
وفي الختام نحن نعلم أنَّ أساليب التشويش على الآراء العلميَّة الرصينة والتوجيهات النيِّرة والدعوات الإصلاحيَّة؛ بغية إبعاد الشخصيات العلميَّة والمُصلحين عن دائرة الضوء والتأثير في المجتمع بات واضحاً كوضوح الشمس في رائعة النهار، فلا عجب فذلك النبيُّ الأعظم جاء؛ ليستنقذ الناس من الضلالة والجهالة فما كان من سدنة المعابد ومُتَّبعي آثار الآباء إلا أن يُوعزوا إلى سفهائهم أن يُشوِّشوا عليه: "وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا".




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,761,856,926
- محمد الدرة ودرة أولادنا
- هيأة النزاهة والحراك الجماهيري في مواجهة الفساد
- السعودية وحرب الفجار الجديدة
- ال(bbc) العربية...نقص معلومات أم تأثر بالأجندات
- النزاهة والفساد....والمواجهة الدامية
- أبجدية الثورة الإصلاحية الحسينية
- الولاء للوظيفة والولاء للحزب
- الباستيل العراقي،متى يقتحم؟!
- فساد الصقور
- الإطاحة بساسة الحرب والنهب
- الفرصة الذهبية لمواجهة الفاسدين
- صرخات الأحرار في زنازين الطغاة
- المرأة المضطهدة في المجتع الفاسد
- علي والعدالة الاجتماعية
- الشباب العراقي والتغيرات الاجتماعية والسياسية
- فساد التوقيت وتوقيت الفساد
- السيادة الوطنية في مهب الريح الأمريكية !!
- الدعاية الانتخابية وهدر المال العام
- بعد محاسبة الفاشيين جاء دور الفاسدين
- العمل الرقابي بين التأسيس والتسييس


المزيد.....




- شاهد:الرهبان الفرنسيسكان يؤدون الصلاة في البلدة القديمة في ا ...
- شاهد:الرهبان الفرنسيسكان يؤدون الصلاة في البلدة القديمة في ا ...
- بعد نحو عام على حريقها.. كاتدرائية نوتردام تقيم مراسم الجمعة ...
- فتوى سعودية حول دفن ضحايا كورونا
- القدس.. صلاة الجمعة العظيمة للمسيحيين الكاثوليك من دون المؤم ...
- فيروس كورونا: الكاثوليك والبروتستانت يحتفلون بعيد الفصح عبر ...
- السيد فضل الله يؤكد على ابعاد مواجهة -كورونا- عن السجالات ال ...
- بمناسبة إحتفال “التجمع” بمرور 44 عاما على تأسيسه ..”الأهالي” ...
- الحكومة ترد على «ما يُثار من شائعات»: لا صحة لفتح المساجد أو ...
- -الإفتاء المصرية-: الجمعة 4 ركعات في المنزل ولا يجوز الصلاة ...


المزيد.....

- مؤدلجو الدين الإسلامي يتحدون دولهم، من أجل نشر وباء كورونا ف ... / محمد الحنفي
- دراسات في الدين والدولة / هاشم نعمة فياض
- نوري جعفر رجل النهضة والاصلاح / ياسر جاسم قاسم
- تراثنا ... وكيف نقرأه في زمن الهزيمة: مراجعة نقدية (الجزء ال ... / مسعد عربيد
- مغامرات العلمنة بين الإيمان الديني والمعرفة الفلسفية / زهير الخويلدي
- المنهج التأويلي والفلسفة الهرمينوطيقية بين غادامير وريكور / زهير الخويلدي
- مستقبل الأديان والفكر اللاهوتي / عباس منصور
- للتحميل: التطور - قصة البشر- كتاب مليء بصور الجرافكس / مشرفة التحرير ألِسْ روبِرْتِز Alice Roberts - ترجمة لؤي عشري
- سيناريو سقوط واسقاط الارهاب - سلمياً - بيروسترويكا -2 / صلاح الدين محسن
- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي محمد البهادلي - الحوزة النجفيَّة ومحاكم التفتيش الكاثوليكيَّة