أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - زهير الخويلدي - مهنة الفيلسوف بين التعالي والمحايثة














المزيد.....

مهنة الفيلسوف بين التعالي والمحايثة


زهير الخويلدي
الحوار المتمدن-العدد: 5743 - 2017 / 12 / 31 - 02:33
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


" البناء الفلسفي هو ضرورة تفكيك ،أي تقويض ، يستكمل عن طريق عودة تاريخية للتراث، لكل ما يتم إرساله، وهذا لا يعني أبدا نفي التراث ولا إدانته وضربه بالسلب بل بالعكس التملك الايجابي لهذا التراث"1
إن كانت الفلسفة من حيث المنطلق تدرج ضمن بقية الأشغال الذهنية التي يقوم بها الكائن البشري لذاتها فإن مهنة الفيلسوف تكون مضنية وتطلب كثير من التضحيات والإصرار على التفكير والإحاطة بالأشياء.
إذا كانت ممارسة فعل التفكير الفلسفي هي التجربة التاريخية التي تضع الكائن المفكر في الطريق الذاهب بالإشكاليات المطروحة إلى التخوم والأقاصي فإن الرسالة الوجودية التي يجدر بالفيلسوف أن يضطلع بها هي تحرير الحقيقة من الظن والوهم والاغتراب واللاّحقيقة وتحقيق الحرية بالالتزام والانعتاق والاقتدار.
لطالما ظلت صفة الفيلسوف في المناخ العربي الإسلامي مستهجنة وغير مقبولة من الوسط الشعبي وفي الدوائر الثقافية النخبوية وتجلب السخرية وتدفع الحشود إلى إبداء التعليقات الممتعضة والتهكم الزائد على الحد وتجعل المعني بالأمر في موقف محرج لا يحسد عليه ويختار إما الهروب والانزواء والإقامة في موقع متعال أو الاحتماء بالسلطة ووضع نفسه على ذمة المؤسسات المعتنية بالشأن العام ويلتصق بالنظام.
التعالي يدرج الفيلسوف في العالم المعقول ويسمح له باجتياز حدود التجربة والخروج من دائرة المحسوس وفك أسرار الكون وتفسير أسرار الطبيعة وإدراك الحقائق الغيبية بطريقة حدسية والنفاذ إلى الجواهر.
غير أن وضعية التعالي تملؤه بالتنظير والمعرفة المجردة والتأمل تفرغه من الالتزام والتطبيق والتغيير في حين أن المحايثة تقربه من العامة وتجعله يحتك بصفة مباشرة بالجهل ويخوض معركة مع الرأي.
لا مناص إذن من عودة الفيلسوف إلى الصفة الأصلية التي تلبست به بحيث صارت معنى وجوده وعين ذاته وتشير إلى ضرورة أن يواصل التعقل والتدبير وأن يؤثر الحكمة ويبحث عن الحقيقة ويعتبر الكون.
لكن عمله لا يعد مهنة مهما تتطلب ذلك من خبرة وتدقيق ومثابرة ومراكمة مادام يدخل في باب الهواية والفن أكثر من باب الاحتراف والاختصاص ولا يمكن اعتبار الأعمال التي يؤلفها في دائرة العلوم الدقيقة مادامت تخضع لمنطق التجديد والتطوير وتجري عليها رياح النسبية والتاريخية وتغلب عليها النظرة الموسوعية ومنطق الفكرة الشاملة وتظل محل مجادلة وموضع نظر وتصحيح وتدخل في دائرة التأويل.
ما يلفت النظر أن حياة الفيلسوف مليئة بالغموض والتقلبات والمحن وأن شخصيته دربتها الظروف القاسية وصقلتها الدروب الوعرة التي سار فيها وأن المواقف المبدئية التي تبناها قد جلبت له الويلات والمخاطر.
يقوم الفيلسوف بأدوار كبيرة في التأليف بين العلوم والاختصاصات وفي الربط بين النظريات والجوانب العملية وفي الوصل بين العلمي والمجتمعي والوساطة بين الأكاديمي والثقافي ويبرم عقدا بين المعرفة والسلطة وبين الحقيقة والحرية ويجعل من الحياة الملموسة ورشة العمل الأساسية التي يوجه لها عنايته.
ليس الفيلسوف مجرد مختص في الأنساق الفكرية ولا هو من كبير العارفين في ميادين العلوم اللّدنية وإنما فنان في استعمال العقل وعاشق للحرية ومحب للعدل ومريد للحياة ومنتصر للكرامة ونابذ للفساد والتمييز.
يبني الفيلسوف المعرفة بواسطة المفاهيم ويشيد الأنساق بواسطة الحدود والقضايا والمبادئ والمبرهنات ويجعل من التأسيس الغرض الرئيسي لعمله ولكنه ما يلبث أن ينصرف إلى الهدم والتفكيك وإعادة البناء.
يتردد الفيلسوف بين الإيمان بالمطلق والمشاركة في النسبي وينتقل بالنضال الاجتماعي من أجل الحق إلى الصراع الفكري من أجل الاستثبات الوجودي للأمة في معركتها ضد الظلم والتمييز والازدراء و الشر.
لم يكن ضروريا أن يشتغل الفيلسوف بتعليم الحكمة وتدريس المعارف العقلية ولكن من اللازم أن يسهم في إنتاج المفاهيم وتشكيل الرؤى وتغيير التصورات واستبدال النماذج وتكوين العقول وبناء البرامج والبدائل.
يتراوح وجود الفيلسوف في قلب العالم بين الحضور والغياب وبين البروز والاختفاء وبين الامتلاء والقلق وبين الانسحاب والإقدام ويتخذ من النضال اليومي ضد الرداءة والتفاهة مسلكا وجوديا ومقاما للكائن و"إن أثر محو الحضور الخاص كون الخطر أو القلق للاختفاء الذي لا يشفي منه، للاختفاء من الاختفاء"2
المطلوب من الفيلسوف إعادة تأسيس عالم أصيل وجدير بالسكن بالتعالي على عالم الزيف والابتذال الذي يعاني منه الكائن الآدمي في الراهن والحرص على خلق ديناميكيات قيمية تسمح للذات بنحت المحايثة التاريخية للمعنى واتخاذ موقف مشرف من بشاعة الحاضر وتراجيديا أحداث العصر والمصارحة بالحقيقة من أجل مقارعة الآخر من الخارج بالأنا من الداخل وتغليب قيم الوعد والأمل والصداقة على آفات الشر والألم والاضطغان، وتدفع بالنسق المعرفي والسياق الاجتماعي من الانغلاق الفارغ إلى الانفتاح المثمر. فكيف يجعل الفيلسوف من محايثته اللصيقة لمجتمع المعرفة فرصة للانطلاق الفعلي نحو التعالي البناء؟ وماذا لو جعل من التعالي العلمي شرط إمكان توليد الحقيقة المجتمعية التي تبلور المحايثة العمومية للقيمة؟
الاحالات والهوامش:
[1] Ferraris Maurizio, écriture et sécularisation, in la sécularisation de la pensée , recherches réunies sous la -dir-ection de Gianni Vattimo, traduit de l’italien par Charles Alunni, éditions du Seuil, Paris,1988. P161
[2] Ferraris Maurizio, écriture et sécularisation, in la sécularisation de la pensée ,op.cit. p172
المرجع:
la sécularisation de la pensée , recherches réunies sous la -dir-ection de Gianni Vattimo, traduit de l’italien par Charles Alunni, éditions du Seuil, Paris,1988.

كاتب فلسفي





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- عواصف سنة 2017 ومنعطفاتها
- أغراض سياسة السرد
- النقد الفلسفي للتراث عند طيب تيزيني
- الفكر بما يعود الى ذاته
- الحقوق الفلسطينية في القدس في يوم الإعلان العالمي لحقوق الإن ...
- التعليم التكويني والتدريس التربوي
- التوجه نحو عقلنة المجالات غير العقلانية
- من أجل حياة إنسانية خالية من ذل العبودية
- ما جدوى الإطلالة على الحكمة المشرقية في الاحتفال العالمي بال ...
- الالتزام التاريخي للفلسفة السياسية
- أصوات فكرية عريقة عن تربية فلسفية جديدة
- أطياف ثورة 1917 واستذكار زمانية الوجود السوفياتي
- تزايد هجرة الشباب في ظل تعثر الحل التنموي
- عبور ثورة تشي جيفارا نحو الأممية
- علامة استمرار الدمقرطة هي قوة المشاركة وحرية الفعل
- اليسار الاجتماعي: فكرة ثورية ذات طموح اندماجي
- تشريح أصول الفكر العربي الإسلامي
- تاريخ الفلسفة مجرد تأريخ لميلاد المفاهيم وهجرتها
- حكمة الحد الأوسط في نظرية أرسطو
- التساؤل عن الإنية والبيذاتية عند هيدجر وسارتر وكيركجارد


المزيد.....




- تصريح صحفي صادر عن الحركة التقدمية الكويتية بخصوص الإنجازات ...
- الاشتراكي اليمني ينعي الرائد النقابي حسن الجراش
- بالفيديو... بوتين يزور مقبرة ضحايا حصار لينينغراد ويضع الورو ...
- بوتين يضع الورود على النصب التذكاري لضحايا حصار لينينغراد
- الشيوعي اللبناني يوجه رسالة انتخابية إلى الرئيس عون وحزب الل ...
- اللقاء اليساري العربي يدين قمع التحركات المطلبية في السودان ...
- بيان من المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني إلى جماهير الش ...
- خمسة وسبعون عاما على كسر حصار لينينغراد
- مقارنة ترامب بستالين أثارت سخرية الشيوعيين الروس
- رسالة انتخابية مفتوحة إلى الرئيس عون وحزب الله والآخرين


المزيد.....

- توطيد دولة الحق، سنوات الرصاص، عمل الذاكرة وحقوق الإنسان - م ... / امال الحسين
- الماركسية هل مازالت تصلح ؟ ( 2 ) / عمرو إمام عمر
- حوار مع نزار بوجلال الناطق الرسمي باسم النقابيون الراديكاليو ... / النقابيون الراديكاليون
- حول مقولة الثورة / النقابيون الراديكاليون
- كتاب الربيع العربي بين نقد الفكرة ونقد المفردة / محمد علي مقلد
- الربيع العربي المزعوم / الحزب الشيوعي الثوري - مصر
- قلب العالم العربى والثورات ومواجهة الإمبريالية / محمد حسن خليل
- أزمة السلطة للأناركي النقابي الروسي الكسندر شابيرو - 1917 / مازن كم الماز
- تقريرعن الأوضاع الحالية لفلاحى الإصلاح الزراعى بمركزى الرحما ... / بشير صقر
- ثورات الشرق الاوسط - الاسباب والنتائج والدروس / رياض السندي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - زهير الخويلدي - مهنة الفيلسوف بين التعالي والمحايثة