أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - بشير صقر - من ذكريات الطفولة والشباب – أحداث الطفولة ج 1/ 6















المزيد.....



من ذكريات الطفولة والشباب – أحداث الطفولة ج 1/ 6


بشير صقر

الحوار المتمدن-العدد: 5718 - 2017 / 12 / 5 - 23:36
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


يتكون النص من 6 أجزاء وخاتمة؛ ويبدأ جزؤه الأول المرفق ( أحداث الطفولة ) بـ " تقديم " يوضح دواعى كتابة تلك الذكريات. بعدها يتناول النص طفولتى فى مدينة شبين الكوم التى سكناها منذ عام 1945 عندما كان عمرى عامين ونصف بعد رحلة طويلة لوالدى- الذى امتهن التدريس منذ عام 1928- تجوّل خلالها فى الواحات والصعيد والوجه البحرى لمدة 17 عاما.كما يتناول صلتى بشعبة جماعة الإخوان خلال أيام الطفولة المبكرة وإشارة لصلة أبى بالجماعة حيث كان منتميا لها عدة سنوات فى أربعينات القرن الماضى وتطور علاقته بها إلى أن وصلت حدّ القطيعة النهائية.كذلك يتناول بشكل عابر بعض الأحداث فيما قبل دخولى المدرسة ، مشيرا للقيم التى تأصلت بمنزلنا واستهدفتها تربيتنا ، وإشارة أخرى إلى المناخ الذى كان سائدا بمصر بشأن حركة التحرر الوطنى.ومن ناحية أخرى يتعرض لصلتى بأحد الأندية الرياضية المنشأة حديثا والذى كان يمثل نموذجا لتطلعات الشباب فى المدينة آنذاك. ويعرج المتن فى الطريق إلى مختصرعن مسيرة والدى . ويتناول صلتى بقريتنا ( الماى ) وبجدتى فضلا عن صلتى الوثيقة بصديق الطفولة الفنان التشكيلى ثروت البحرالذى أصبح فيما بعد فنانا تشكيليا يعرض أولى لوحاته ببينالى ( معرض ) البحر الأبيض المتوسط وهو فى سن العشرين. وينتهى بتناول فترة التلمذة الثانوية وبأحلامى كفتى يافع ينظر للمستقبل.

تقديم :

تعرضتُ فى عام 2017 لموقفين متعارضين أثارا فى نفسى مشاعر متباينة دفعتنى لاسترجاع تاريخ قديم بأحداثه الساخنة والتأمل فيه.

كان الموقف الأول من بعض أقاربى بقرية الماى القريبة من مدينة شبين الكوم، بينما تعلق الآخر بصديقين قديمين زاملَنى أحدُهما فترة الدراسة الجامعية وعاصرَ الآخرُ نشاطَنا بالقرية. كان الموقف الأول بالغ الإزعاج وتجلّى إبّان وفاة شقيقى عبد الغفور وتدَخلَتْ فيه بعضُ الأطراف التى تمُتّ لى بصلة قرابة لفرض شكل محدد فى تشييع جنازته ودفنه فى مقابر أسرتنا بالقرية. وجرى ذلك التدخل فى الساعات القلية التى فصَلت خبر وفاته عن تشييع جنازته. كان هذا السلوك وثيق الصلة بموقف أسبق حدث من أحد أقاربى من ثلاثة أعوام واستهدف الإساءة لى ولسُمْعتى. ربما كان قريبى قد تم الزجُّ به وتحريضه واستغلال جهله أو سذاجته وانعدام خبرته لكنه على أى حالٍ قد حدَث وأثار دهشتى واستيائى ؛ إلى أنْ توفى شقيقى فكشف عن نوعية المحرضين له والمتواطئين من بعض المنتمين لجماعة الإخوان وبعض السلفيين.

هذا ولأن المصريين يدركون جميعا - فى الريف والحضر- أن العائلات المتخاصمة أو حتى التى يحكم العداء علاقاتها يقوم عقلاؤها فى حالات الوفاة بتعزية خصومهم والأخذ بخاطرهم وأحيانا ما تكون تلك المناسبة فرصة ثمينة للمصالحة بينها ؛ بينما فى حالتنا فما حدث هو العكس حيث جرى استغلال وفاة شقيقى عبد الغفور فى العبث بمشاعر أسرته و " اللغْوَصة " فيها.. وهو ما يُظهرمستوى من التدنى الأخلاقى والمشاعر الثأرية بالغة الانحطاط.

وكانت خلاصة الدرس الذى وجَب علىّ التنبُّه له .. هو أنه فى زمن الانحطاط والجَزْر تستثمرُ هذه الجماعة جهلَ كثير من العامة والسُذُّج والأقارب لتشويه النماذج والأشخاص التى تشكل - أو كانت تشكل- خطرا عليهم حتى ولو لم يكن هناك صدام مباشر معها فى الوقت الراهن.

أما الموقف الآخرالمعاكس فتمثّلَ فى واقعتين تفصِلْهما - أيضا- سنتان ؛ فأثناء " دردشة " مع أحد أصدقائى من زملاء الدراسة الجامعية.. تطرّق حديثنا إلى واقعة قديمة تتصل بنقلى من معهد أسيوط الأزهرى إلى معهد جرجا بمحافظة سوهاج ولم يكن قد مرّ على وجودى به أكثر من خمسة أشهر. تطرق حديث صديقى معى إلى نصيحة أشبه بالرجاء أن أكتب هذه الوقائع ليقرأها شباب اليوم لتفيدهم فى حياتهم فى قادم الأيام.

وتَطابَق مع " دردشتى " مع صديق الدراسة حديث آخر مع صديق حميم طالبنى بكتابة مجموعة من الذكريات القديمة عاصرناها معا فى قرية الماى منذ سبعينات القرن الماضى والتى – من وجهة نظره – تشكل جانبا مهما من تاريخ القرية؛ حيث تفتقد الأجيالُ الحالية أىَّ معرفةٍ بها؛ علاوة على أن هذا حقُها.. وواجبى ، لذا كانت كلا الواقعتين الأخيرتين تشكلان موقفا واحدا.. غرضه الأول هو تثقيف الشباب بأحداث ووقائع لا ينبغى تجاهلها أو إهمالها أو التقليل من شأنها.
من هنا كان لنصيحة صديقىّ وطلبهما بتسجيل بعض تلك الذكريات تأثير فى نفسى أبرزَ أهميتَه بل وضرورتَه الموقفُ الأول الذى جرى على حزئين الأول هو سلوك أحدد أقاربى والآخر ما حدث فى تشييع جنازة شقيقى فى 8 ينابر 2017.

وقد واكب مراجعتى لنفسى فى هذا الأمر استرجاعى لبديهية معروفة "أن الشجرة التى بلا جذور يسهل اقتلاعها ؛ كذلك فالشعب الذى بلا تاريخ – أو فقدَتْ ذاكرةُ أجياله تاريخَها- يَسهُل تضليله وقهره وإذلاله وبالتالى القضاء عليه". وكان من المنطقى أن أشرع فى سرد أهم ما عاصرناه من أيام الطفولة حتى الشباب. فأيام الطفولة عادة ما تكون ناصعة خالية من الشوائب وتمثل لوحة ومقدمة صادقة لكثير مما هو قادم بل وتفسّر عديدا من الوقائع اللاحقة التى قد تبدو كألغاز عَصِيّة على الفهم.

وبمزيد من التأمل رأيتُ أن قصْرَ تلك الذكريات على جزء محدود من شباب قرانا أو الأماكن التى تواجدتُ فيها أومررتُ بها يمثل نوعا من القصور أوالتقصير إزاء شباب آخرين فى مجتمعنا يحتاجون لحوار من هذا النوع تكون التجاربُ العملية عمودَه الفقرى وليس خطابا سياسيا مجردا.

الجزء الأول : أحداث الطفولة
،،،،،،،،،

أحداث فى الطفولة :

أتذكّرُ عندما كنا نقطن بمنزل ( أبو طاحون الساعاتى ) فى البر الشرقى بشبين الكوم .. اقتحامَ مجموعة من الأغراب بملابس مدنية لمنزلنا.. وقيامها بتفتيشه وخروجها منه بعد فترة من الوقت لاتتجاوز الساعة. لحظتها سألت أبى فى وجودهم : ما هذا ..؟ خصوصا وأنهم لم يكونوا من الأقارب أو الأصدقاء ولمْ (تشِى) وجوهُهم العابسة إلا بأنهم يبحثون عن شئ مُخبّأ .. لكن أبى لم يردّ على استفسارى. بعدها غادروا.. ولم يصطحبوا أبى معهم وأعتقد أن ذلك كان فى أعقاب مقتل رئيس الوزراء محمود فهمى النقراشى عام 1948، و بعد تلك المداهمة بفترة سمعت أبى يتحدث عن مقتل حسن البنا مرشد الإخوان.لكن ما ثبت فى ذاكرتى أن ملامحَ أبى لحظة التفتيش لم يَبدُ عليها الانزعاج رغم حالة الهرج التى صاحبت عملية الاقتحام.

فى تلك الآونة كان يقطن بالشارع المجاورالأستاذ زكى البحر صديق وزميل أبى فى المدرسة الذى كنت أصادقُ ولدَيْه ثروت وأسامة وأزاملُ أولَهما فى المدرسة وكانا تقريبا فى نفس عمرى. كنا نحن الثلاثة ضمن أطفال آخرين نرتاد شُعبة جماعة الإخوان المسلمين التى تقع على بعد ثلاثة دقائق سيرا من منازلنا. وكانت مباريات الكرة الشراب هى شغلنا الشاغل هناك سواء داخلها أو فى الشوارع المحيطة إذا ماكان فناء اللعب مشغولا بالاجتماعات أو الصلاة أو تدريبات المصارعة أو نشاط فرق الجوالة التى كان قوامُها شبانَ أقوياء.. يصدرون أصواتا عالية منتظمة أثناء تدريبهم.

إغلاق شعبة جماعة الإخوان:

فى صباح أحد الأيام .. توجهنا كالعادة إلى الشعْبَة .. فوجدنا جنديين ببنادقهم على بابها ، ولما همَمْنا بالدخول منعنا الجنود قائلين: ممنوع. ولاحظنا فى نفس الوقت وجود بعض الجنود ببنادقهم على سطح مبناها بل وسمعنا طلقات رصاص فى الهواء.

نظرنا لبعضنا فى دهشة ولأننا لم نفهم الموقف .. ولأن موعدنا فى لعب الكرة قد حان .. لم نعْبأ بالجنود وتقدمنا نحو الباب محاولين الدخول .. فزجرَنا أحد الجنود قائلا : إحنا مش قلنا ممنوع..؟ وحيث كنت متقدما خطوة عن زملائى.. أزحْتُ يدَ الجندى محاولا الإفلات منه .. فما كان منه إلا أن صفعنى على وجهى بشدة ؛ فأيقنتُ لحظتها أن الأمر ليس سهلا وتراجعت للخلف .. وتراجعنا جميعا. ولمّا ابتعدنا عنهم حوالى 10- 15 مترا قمنا بسبّ الجنود بشتائم خارجة وولّينا الأدبار وبحثنا عن شارع قريب من منزلنا لنبدأ اللعب.

وفى المساء رويت لأبى ما تم أمام الشعبة .. فقال لى : لاتذهب هناك مرة أخرى لأن الشعبة قد أغلِقت ؛ فسألته : لماذا ..؟ فلم يُجِبْ.

كان إغلاق مقر الجماعة بسبب قرار رئيس الوزراء النقراشى باشا بوقف نشاطها فى مصر نظراً لضبط أجهزة الأمن سيارة جيب تحمل أرشيفا للجهاز السرى المسلح ( التنظيم الخاص ) يتضمن تفاصيل وأسماء التنظيم وبعض خططه.هذا وقد عرَفتُ فيما بعد بطريق غير مباشرأن أبى كان عضوا بالجماعة آنذاك ثم عرفتُ بعدها من الصحافة أن إبن عم والدى إبراهيم الطيب صقركان رئيسا للجهاز السرى المسلح بمدينة القاهرة.

كان عددٌ من أصدقاء والدى يحضرون لمنزلنا ويتحدثون معا عدة ساعات ويغلقون باب الحجرة أحيانا، وفى الشعبة كنت أقابلهم وكانوا يسألوننى عن أبى ويرسلون له التحايا ويعاملوننى بلطف. بعد فترة عرفت أن هناك ثورة قام بها الجيش وشعرت بتعاطف أبى معها من خلال موضوعات التعبير التى كان يصححها فى كراسات طلابه. ثم بعد سنوات أخرى وخلال تردّدى على الشعبة مع أقرانى ( ثروت وأسامة البحر، وسعد منجى وعزت خضر ورضا رمضان وآخرين) لاحظت معاملة مختلفة لى من أصدقاء أبى بدأت بالفتور وتصاعدت بالتدريج حتى وصلت للتجاهل.ووضع ذلك أمامى علامات استفهام كبيرة فسألت أبى عن السبب فلم يُجبْنى وتحولْتُ لأمى فقالت لى: لا أعرف .


قطيعة مع الجماعة :

كبرْتُ وكبرَتْ معى علامات الاستفهام .. وبعد سنوات توصلت لفكرة " خبيثة " هى أن أسأل عددا من الشباب الذين على صلة بأبى عن السبب ؛ فأفْهمَنى بعضُهم أن أبى كان قد اختلف معهم بسبب معارضتهم للثورة .. وبعدها تحول الخلاف إلى خصام ثم إلى قطيعة واضحة. ولما كبرتُ أكثر عرفت أن الخلاف بينهم بدأ عام 1951 لكنه تحول إلى خصام بعد ثورة 1952 وقبل أحداث المنشية بالإسكندرية عام 1954 التى شهدت الاعتداء على جمال عبد الناصر.

هذا وبعد الأزمة بين الجماعة وضباطِ الجيش التى انتهت بوقف نشاطها والقبض على الآلاف من أعضائها ومحاكمتهم أدركتُ جيدا أن أبى اتخذ الموقف المضاد لهم ، وقد تأكدتُ من ذلك لأن إجاباته عن أسئلتى بشأن إعدام ابن عمه إبراهيم الطيب كانت إجابات لا تتضمن التعاطف بالمرة خصوصا وأن عمى محمود صقرشقيق والدى كان متحمسا للإخوان بشدة وكان يزور الطيب فى السجن- وهو ما لم يفعله أبى - ويشدّ من أزْرِه ويقول له ستكون شهيدا كالحسين- وهى عبارات سمعتُها منه شخصيا وأتذكرها جيدا- بل وسمّى ابنه باسمه ( إبراهيم الطيب).

كان أبى شيخا سُنّيا مستنيرا محبا للثقافة عاشقا للأدب؛ وأتذكر أنه ألّف مسرحية شعرية قرْبَ نهاية أربعينات القرن الماضى قام بتمثيلها طلاب مدرسته وحصلَتْ بها على المركز الأول فى المسرح على مدارس المحافظة فى تلك السنة، وكان من بين تلاميذه فيها ( إبراهيم سعفان ) الكوميديان المعروف فيما بعد .. بل وكان يستعير منى الروايات التى ندرسها ويقرأها وهو سائر فى الشارع من وإلى المدرسة .


صدام ما قبل المدرسة :

قبل التحاقى بالمدرسة كنت أتردد على أبى بمدرسته فى أى وقت سواء فى فترة العمل الصباحى أو فى القسم الليلى حيث دروس محو الأمية. وفى أحد الأيام طلبتْ منى أمى أن أذهب إليه لأوصيه بشراء بعض الاحتياجات المنزلية . وأثناء دخولى وجدت ناظر المدرسة واقفا على بابها الداخلى ؛ ولما رآنى قال: رايح فين يا ولد..؟ فأجبته : رايح لبابا. رد أبوك مين..؟ قلت: الأستاذ صقر . فقال: لا.. إرجع . قلت له : ليه ؟ أنا عاوْزُه..؟. ردّ بعصبية : أنا قلت لك إرجع. فكان ردى : لا سأدخل؛ فما كان منه- بعد أن اقترب منى – إلا أن صفعنى بكفه على وجهى. وإزاء المفاجأة وضعتُ يدى على مكان الصفعة وقلت له محتجا ومهددا : إنته بتضربنى ..طيب؟!.تراجعت للخلف خارجا من المدرسة وقمتُ بالبحث فى الشوارع المحيطة عن كمّ من الأحجار والطوب والزلط ملأت بها جيوبى وحملتها فى يدىّ وأمطرْت نوافذ المدرسة بها وبدأت بالنوافذ الأمامية ومنها حجرته.. ثم الجانبية وتكسّر زجاجها ثم ساد المدرسة هرج ومرج شديد وسمعت الناظر ينادى بعضَ العمال قائلا بصوت عال: هاتوه؛ وبعدها بثوان سمعت صوت والدى عاليا يقول: قف أنت وهو. طبعا ولّيْتُ الأدبار واختفيت فى لمح البصر بعد أن كان العمال قد تجاوزوا باب المدرسة الخارجى وجروا خلفى أمتارا ثم توقفوا.

عدت للمنزل ورويت لأمى ما حدث بالتفصيل وقلت : وكسرت له زجاج المدرسة. فعلّقتْ على روايتى قائلة : " حتى لو ضربَك ما تحدفش المدرسة بالطوب، إنت تقول لبابا وهوّه ياخد لك حقك ".

انتظرت فى المنزل لم أغادره وأنا فى غاية القلق والتوجس من رد فعل أبى . حضر أبى بعد ساعات وفور وصوله رمقتُه بنظرة متفحصة تستطلع رأيه .. فوجدتُه صامتا مستغرقا فى التفكير..لكنه لم يوجه لى أى لوم أو تقريع.. فاسترحت.

دخل أبى حجرته لتغيير ملابسه ودخلتْ أمى خلفه وسمعت حديثا خافتا توقعت أن يكون بشأن ما حدث، وبعد تناول الغداء قال أبى : الناظر أخطأ ، وأنت أيضا أخطأت ، لكن خطأ الناظر أكبر.. فلا تكرر قذف الحجارة والزلط مرة أخرى..فرددت عليه : حاضر يا بابا. واستدار داخلا حجرته.. بعدها شعرت أنى المنتصر.

بعد يوم سألت أمى: ماذا فعل أبى مع الناظر..؟ فقالت : " مِسْكُه بَسْتِفُه وقال له إنت كده بتْحبّب الولد فى المدرسة ولا بتكرّهه فيها..؟ وقال لى أيضا: " ضرب الطوب ده حاجه مش كويسة ".

التربية والقيم :

فى نفس الفترة ضبطنى والدى فى الصباح الباكر وسط مجموعة من الأطفال " عاملين زفّة خلف أحد القسس ونقوم بسبّه " وحيث كان فى طريقه لمدرسته وكانت الكنيسة تقع فى المسافة بينها وبين منزلنا فقد أشار لى بإصبعه فانسلخت من بين الأطفال ذاهبا إليه فقال بلهجة آمرة حاسمة: إذهب للبيت فورا ، فشعرت بعدم رضاه وانصعت للأمر. وفى صباح اليوم التالى سمعته يقول لأمى " أيقظيه وأَلْبسيه ملابسه ". وبعد تناول الإفطار خرجت معه وسألته : إلى أين ذاهبون ؟ فأجاب: ستعرف حالا. وفى الطريق وعندما وصلنا أمام الكنيسة مالَ ناحيتها وكان القسيس واقفا على بابها فتوقفتُ ؛ فنظر لى قائلا : سِرْ جانبى ولا تتأخر عنى. فسرتُ متأخرا عنه نصف خطوة وأنا خائف.. ولأول مرة أسمعه يلقى على " القسيس " تحية الصباح قائلا : صباح الخير.. رغم اعتياده على تحية أخرى هى السلام عليكم بلهجة فصحى. رد الرجل : صباح النور .. أهلا وسهلا. بعدها تبادلا حديثا قصيرا ثم مدّ القسيس يده لمصافحتى فبادلته المصافحة.سألنى عن اسمى: فأجبته.. فرفعنى من تحت إبطى لأعلى وطبعَ قُبلة على وجنتى ولامستْ ذقنُه الناعمة المعطرة وجهى ثم داعبنى بلطف وأنزلنى برفق إلى الأرض. بعدها استأنف أبى سيره وأنا بجانبه وبعد أن ابتعدنا عن الكنيسة حوالى20 مترا سألنى أبى : " هيه .. الراجل ده عمل لك حاجة". فقلت : لا . فسأل : " أُمّال كنت بتشتمه ليه إمبارح مع الأولاد..؟! فلم أستطع الإجابة وصَمَت. فاستأنف حديثه معى قائلا: الانجليز لما جم مصر هما إللى خلونا نعمل كده و نشتمهم علشان نزعل من بعض ؛ مع إنهم ناس كويسين وما بيضايقوناش طول عمرهم. وما دام ماحدش ضايقك أو شتمك أو ضربك .. لازم تعامله كويس زى ما بيعاملك وأحسن.

مدرس طوارئ الدين المسيحى :

بعد سنوات من هذه الواقعة عرفت من أبى خلال حديثه مع أمى أن ناظر مدرسته شكا له من مشكلة فى المدرسة تتعلق بمدرس الدين المسيحى الذى مرضَ فى منتصف العام الدراسى مرضا شديدا قد يستمر حتى نهاية العام ..وأنه لم يستطع انتداب بديل له . فرد أبى : إعْرِض الموضوع على مدرسى العلوم والرياضة المسيحيين. فرد:الناظر : لم يَفُتْنى ذلك ، وعرضتُ عليهم ولمْ يوافقوا، والإدارة التعليمية ترفض الانتدابات بعد منتصف العام. ففكر أبى وقال: عندك نسخة من كتاب الدين المسيحى..؟ فأحضرها الناظر. تناولها أبى وفى المنزل قرأها فى ليلة واحدة وفى الصباح أخطرَ الناظرَ: سأقوم بتدريس ما تبقى من المقرر ؛ والأهم أنه وضع امتحانه فيما بعد وصححه. وكانت قصة تداولتها مدارس شبين الكوم بمعلميها وطلابهاحيث كان والدى معلما للغة العربية والدين وكان محبا للفنون ومُغرما بالأدب خصوصا الشعر وكان من أجمل أوقاته تفسير وشرح الشعر الجاهلى والبحث فى سِيَر شعرائه. لكنه لم يكن متعاطفا مع إعطاء الدروس الخصوصية بالمرة إلا فى حالات نادرة وفى ظروف احتياجات ماسة لبعض الطلاب. وأتذكر أنه كان يأخذ رأيى فى تلك الحالات رغم أنى لم أكن قد تجاوزت الثالثة عشرة وكنت أشير عليه بأن هذا يستحق وذلك لا يستحق استنادا إلى معرفتى بالطلاب.

مولد آخر العنقود :

فى يوم 24 أكتوبر 1955عدتُ من مدرستى مبكرا عن المعتاد فوجدت والدى بالمنزل بينما أمى تبدو عليها مظاهر الولادة ؛ وطلبا منى الذهاب لقريتنا لاستدعاء إحدى قريباتنا للمساعدة فى هذا الحدث الهام ؛ وكنت آنذاك فى الثالثة عشرة.وعلى الفور استأجرت دراجة وذهبت للقرية قاصدا منزل خالى محمد وأخبرتهم بالأمر فاقترحوا أن تقوم بنت خالى بالمهمة . شددنا الرحال إلى شبين حيث طلبتُ من بنت خالى أن تسبقنى وتنتظرنى عند الشونة فى أطراف القرية؛ ومن هناك ركبتْ أمامى على الدراجة ووصلنا منزلنا قبيل الظلام. وبعد ساعات شرّفتْنا أصغر شقيقاتى التى أسميناها فيما بعد ..مهدية.

ولتسمية هذه المولودة الجميلة قصة طريفة؛ فبعد أيام من ولادتها جلسنا أنا وأبى وأمى لنختار لها اسما إلا أننا لم نُجْمِع على اسم واحد حيث تمسّك كل منا بالإسم الذى اقترحه. فقال أبى وهو ينادى شقيقى شفيع – وكان عمره سنتين - : هناك حلّ . أحضر والدى ورقة بيضاء وقسمها بالمسطرة ثلاتة أقسام متساوية وكتب الأسماء الثلاثة المقترحة وقام بطىّ كل منها وطلب من شفيع إحضار كسرولّة اللبن – الفارغة - وأعطاه الأوراق الثلاثة طالبا منه وضعها فى الكسرولة ورجّها عدة مرات وغطاؤها فوقها ؛ ثم طلب منه اختيار إحداها .. وبفضّ الورقة وجدنا الإسم مهدية .. فضحكت من قلبى بصوت عال لأنه كان الاسم الذى اقترحته .

وبهذه المناسبة لم يحدث مرة واحدة طيلة 17 عاما أن لاحظت أبى يُفرّق بين ولد وبنت من إخوتى ولا من غيرهم بل على العكس كان يشمل البنات بمعاملة شديدة الحنو والرقة ، وقد سمعتُ مصادفة – في وقت لاحق- أمى وهى تُحَدّث زوجتى أن أبى لم يكن يناديها – قبل أن تُنجِب- باسمها مجردا بل بعبارة " يا أستاذة "؛ وهو شئ لم يكن معهودا فى ذلك الزمن – ثلاثينيات القرن الماضى- خصوصا من زوج قوى الشخصية متعلم ومطلع إزاء زوجته الأمية.

بعد عامين أو ثلاثة كانت أمى تستدعى الخياطة لمنزلنا وتطلب منها أخذ " مقاسات " إخوتى الستة الصغار لتفصيل ملابسهم من نوع واحد من القماش ؛ حيث كان الفارق بينهم فى العمر سنة فى غالب الأحوال.. ونادرا ما تزيد عن ذلك.. ؛ ولذا كان ناظر مدرسة أبى – وهو نفسه من ضربنى قبل دخول المدرسة- يُعَلق على ذلك مازحا: يا أستاذ صقر .. " هوه كل سنة طفل "..؟ فيرد والدى عليه متندرا : أليس ذلك أفضل من أنى " أجيب كل سنتين جوز"..؟ . وكان الناظر مشهورا بإنجاب التوائم. المهم كانت أمى تطلب منى أن آخذ إخوتى السته للنزهة أو " للتمْشية " فى شوارع المنطقة لأنها كانت مطحونة فى أعمال المنزل الذى كان معظمه يدويا وبدائيا ويصعب عليها القيام بتلك المهمة. كان الأطفال الستة يرتدون زيّا متشابها تعلوه " مَرْيلة " أشبه بما يرتديه " السفرجية " فى المطاعم. وعندما تطأ أقدامهم أرض الشارع حتى يتجمع أصدقائى وجيراننا ولا يكُفّون عن الضحك وهم يشاهدون طابور الأطفال الستة وكل منهم ممسك بيد أخته أو أخيه ولا يستطيعون التفرقة بين طفل أو آخر أو بين ولد أو بنت. ويتندر الجمع قائلا " يا عم إبقوا إعملولهم أرقام علشان نميزهم من بعض ".

فى عام 1957 /1958 الدراسى كنت فى الصف الثانى الثانوى وكان أبى قد طلب منى قبل شهور أن أتخصص فى اللغة العربية فقلت له : سأتخصص فى المادة التى أحصل فيهاعلى أعلى درجة ولذا اخترت مادة الكيمياء. وفى هذا العام التحقت بفريق مدرسة المساعى الثانوية لكرة القدم وكنت أصغر اللاعبين سنا وحجما ونتدرب يومى الأحد والثلاثاء من كل أسبوع. وأتذكرأن والدى طلب منى قراءة تحقيق عن المناضلة الجزائرية "جميلة بوحَيْرد" بإحدى الصحف التى يداوم على قراءتها ؛ فقلت له : سأقرؤها بعد عودتى من التدريب .

فارسة سن المراهقة :

كانت جميلة بو حريد كما كان المصريون ينطقون اسمها .. شابة ناضجة مُشْبَعة بالجسارة والاعتداد بالنفس ممشوقة القوام رائعة الحسن قوية الشكيمة ولم تكن تتجاوز العشرين عاما، وقد اعتقلتْها سلطات الاحتلال الفرنسى للجزائر بعد أن أيقنتْ من انخراطها فى جبهة التحرير الجزائرية وقيامها بأدوار سرية خطيرة فى كتائب المقاومة الجزائرية المسلحة ؛ كما قامت بتعذيبها أشد التعذيب بل وقتلتْ أمامها بعضَ إخوتها ونكّلَتْ بها لكى تعترف بما كانت تقوم به فى المقاومة .. لكنها أبت.

ولذا كانت هذه الفتاة المناضلة مَحَطّ هوى كثير من الشباب المراهق أمثالى ذلك الهوى الذى لم يكن شبيها بالإعجاب بنجمات السينما لأنها – أى جميلة – شكلّت مثلا ورمزا للمقاومة الوطنية .. ولرفض القهر والاحتلال. هذا وكان أبى قد حدّثنى عنها طويلا وفهمت منه أنها تفوق عشرات الرجال فى الإرادة والعزيمة والجلَد وهو ما كان سببا أصيلا فى صمودها البطولى وتحوُّلِها إلى رمز عالمى للمقاومة أشبه بـ " جان دارك " الفرنسية مثلما صورها الشاعر نزار قبانى قائلا : [أجمل أغنية فى المغربْ // أجمل طفلة // أتعبتْ الشمسَ ولم تتعبْ ، وجراح جميلة بوحَيْردْ // هى والتحريرعلى موعدْ ، تاريخٌ ترويه بلادى // يحفظه بعدى أحفادى، ما أصغر جان دارك فرنسا // فى جانب جان دارك بلادى ].

كانت جميلة أحدَ الأمثلة الناصعة فى زماننا التى أثارت إعجابى كمناضلة نادرة وألهبت خيالى كفتى فى مقتبل الشباب ؛ وللحقيقة يرجع الفضل فى ترسيخ تلك القيم لأبى الذى نبهتنى أحاديثه وحواراته لذلك المسار الذى تعمّقَ فى مناخ منزلنا بالتدريج.

النشء الرياضى والقوة الصاعدة :
كان المنزل الذى نسكنه إبان مولد شقيقتى الصغرى مهدية فى شارع المدارس؛ وبالقرب منه أسس عدد من رجالات مدينة شبين الكوم ناديا رياضيا فى بداية الخمسينات كان اسمه ( نادى النشء الرياضى )؛ ونظراً لتميز مؤسسيه فقد ارتبط بهم كثير من شباب المنطقة وطلابِها وعديدٌ من شباب المدينة ، وكان موقع أمثالى من الفتيان وزملاء الدراسة هو الصف الثانى لهذا النادى. ومن الملفت للنظر أن اسم النادى لم يكن مطروقا ولا منتشرا وكان ينمّ عن عقليات تفكر تقف خلف النادى وخلف اختيار اسمه. ورويدا رويدا بدأتُ أتدرب مع فريق الصف الأول رغم أنى لم ألعبْ له نظرا لصغر سنى.هذا وتعددت أنشطة النادى وضمت إلى جانب كرة القدم ، الكرة الطائرة ، والبنج بونج والمصارعة بل وضمت لاعبين بعضهم كان – قبل ذلك – فى دورى الدرجة الأولى أو كان مرشحا لذلك. فمدرب النادى " حمدى القاضى " كان لاعبا بارزا بنادى الترسانة مع حمزة عبد المولى وحمدتو والنقلى وغيرهم ، وفريق المصارعة كان يضم سيد أحمد أبو الغار الذى أصبح فيما بعد لاعبا دوليا ثم مدربا للمنتخب القومى للمصارعة.

فى أحد الأيام كنت ذاهبا لوالدى بمدرسته ففوجئت به خارجا منها فى " زفّة " من الطلاب يحملون حقائبهم الرياضية .. فسألته إلى أين..؟ فأجاب : إلى ملعب الكرة فهناك مباراة بين مدرستنا ومدرسة أخرى. ذهبت معهم ؛ وفى المباراة كان أبى يشجع فريقه وينادى على اللاعبين بهمة ونشاط ؛ وقد لفت نظرى إعجابه بأصغرلاعبى فريقه ( طه شكر ) وخصّه بتشجيع خاص بل وتحفيزه قائلا : لو جبت جول حتاخذ عشرة قروش – وهو مبلغ يعول أسرة لمدة يوم كامل فى أول الخمسينات من القرن الماضى. المهم أن طه كان لاعبا بفريق النشء أيضا بل إنه لما جُنّد فى القوات المسلحة فيما بعد برز فى مباريات الكرة بالجيش وفوجئنا يوما بعلى زيور سكرتير النادى الأهلى آنذاك يسأل عنه فى شوارع شبين الكوم حتى عثر عليه؛ ولأن زيور كان رائدا آنذاك بالجيش فقد سألنا طه : لمَ لَمْ يقابلك فى القاهرة فأجاب طه : تقريبا لكى لايلفت النظر وليتمكن من ضمّى للنادى الأهلى دون منافسة من الأندية الأخرى.

" إحنا حريفة وروحنا خفيفة ولينا مكانة " :

كنا فى نادى النشء نقيم أمسيات سمر تتخللها الأغانى والاسكتشات والمونولوجات وتقليد الشخصيات وعلى ما أذكر كانت هناك أغنية ألّفها الكبار من لاعبى النادى وكنا نغنيها على لحن نشيد إحنا الشعب لعبد الحليم حافظ كان النشيد يقول ( إحنا الشعب إحنا الشعب // واخترناك من قلب الشعب ) بينما كلمات الأغنية تقول: (إحنا النشء .. إحنا النشْء // عندنا همّة وحاملين عبء ، يا أحْرَفْ كورة بالمنوفية // يا نادى يا كبير السبْق ) وفى مقطع آخر نقول : ( إحنا حريفة وروحْنا خفيفة ولينا مكانة // مهما بنتعب لازْمَنْ نكسب بـ اسكور ياما ) إحنا النشء .. إحنا النشء.. وهكذا..

كان نادى النشء أقرب تعبير عن الروح التى تخَلّقت فى مصربين شباب المناطق الشعبية فى المدن إبان ثورة 1952 وتسعى لاحتلال مكانتها فى المجتمع فى ظل الوضع الجديد بينما كان النادى البحرى (الذى غيّراسمه إلى نادى الجمهورية بعد الثورة ) هو نادى الصفوة ذات القيم والروح والعنجهة الإقطاعية فى المدينة. وأذكر عندما زارها اللواء محمد نجيب فى نهاية عام 1952 أو أوائل عام 1953 ودخل ناديها البحرى خرج غاضبا من مظاهرالبذخ التى استقبلوه بها ( من مأكولات وجاتوهات ومشروبات إلخ ). ومن هنا كان نادى النشء هو نادى الشبيبة الشعبية الصاعدة الجديدة فى المدينة والذى حاز على التفاف جماهيرى واسع يتجاوز فى تقديرى نشاط كرة القدم الذى كان أكثر سماته جاذبية ؛ وكان لاعبوه على درجة عالية من الكفاءة والحِرَفية و يحرزون المركز الأول سنويا فى دورى الدرجة الثاثة للوجه بحرى. وبالرغم من كل ذلك لم تتبناه الدولة بل- وفى مواجهته - أسست ناديا آخر للكرة اتخذ إسم (نادى منظمات الشباب) الذى ارتبط بأول تنظيم سياسى أنشأته الدولة بعد الثورة وكان لهما ( النادى ، والتنظيم السياسى) مقر مشترك مجاور لمدرسة المساعى الثانوية ، وسرعان ما اتخذت العلاقة بينه وبين نادى النشء طابع العداء المستحكم هذا بالإضافة إلى كراهية إضافية مقيتة وطبقية شملت جنبات نادى الجمهورية ( البحرى سابقا) ضد نادى النشء وهو ما لم يكن مفهوما آنذاك لأهالى المدينة. وطبعا لم أكن أدرك– وأنا فى هذه السن - حقيقة الكراهية التى يكنها نادى منظمات الشباب ونادى الجمهورية لنادى النشء، لكنى عندما كبرتُ وفهمتُ.. أدركتُ السبب.

لم يكن أبى يمانع ممارستى للرياضة بل كان يشجعنى؛ لكنه كان يرفق ذلك بضرورة التفوق الدراسى، وأذكر يوم قابلنى خارجا من المنزل ومعى حقيبة التدريب عصر اليوم السابق لامتحان الثانوية العامة منتصف عام 1959 فسألنى : إلى أين ..؟ فأجبته : إلى التدريب . فقال لى محذرا: إحرص على ألا تصاب.. لأنى عادة ما كنت أعود من التدريبات مصابا إصابة تعوق أحيانا ذهابى للمدرسة بسهولة.

إبحث عن الجذور :

كان أبى صديقا لى منذ وقت مبكر وعندما كنت أسترجع كثيرا من الوقائع التى شارك فيها وكنت شاهد عيان عليها.. أدرِكُ أن عددا من القيم الحميدة التى تبنّيتُها كان هو مصدرها. فقد لعب معى دورا تربويا عميقا ومؤثرا حيث كنت أتساءل كيف ولمَ تبنى أبى تلك القيم ..؟ وكانت الإجابة التى تطل برأسها هى أن تاريخه منذ طفولته هو من أسهم فى تشكيل طبيعته وطبْعِه وعقليته. وأتذكّر يومَ سألنى من هو أغنى الناس..؟ وكنت ما زلت طفلا فى المدرسة الابتدائية فأجبته: من يملك مالا كثيرا . قال: لا . قلت : إذن من يملك منازل وبيوت كثيرة . قال: لا . فقلت : من يملك حقولا كثيرة. قال : لا . قلت : لا أعرف. فرد علىّ: من يملك أصدقاء كثيرين.. والأصدقاء غيرُ زملاء العمل وغيرُ الجيران . سألته: لماذا ..؟ فأجاب :لأن له فى قلب كل صديق رُكْن، فالأصدقاء هم من يحبونك ويحمونك ويدافعون عنك ويتمنون لك الخير بل ويحبون بقية البشر ويفكرون بشكل جيد ويُعْمِلون عقولهم .. ومن يملك أصدقاء من هذا النوع هو أغنى الناس وليس من يملك مالا وفيرا, ولذلك شكّلَت هذه العبارة جانبا محسوسا من عقيدتى ومبادئى واتخذَتْ ملامحَ كثيرة كلما كنت أنمو وأكبر وأتعلم.

ففى العاشرة من عمره حفظ أبى القرآن وانتقل من القرية لمدينة القاهرة ليدْرُس بالجامع الأزهرعام 1913وحصل على الابتدائية الأزهرية عام 1917والتحق بمدرسة القضاء الشرعى ونظرا لمشاركته فى أحداث ثورة 1919 فُصِلَ منها وظل عاطلا لعدة شهور عمل بعدها جزارا لمدة 3 سنوات حتى عام 1922 ثم عاد والتحق بمدرسة المعلمين بشارع عبد العزيز بالعتبة وتخرّج منها عام 1928 ، وعاش حياة خصبة متنوعة بالقاهرة بكل ما كان يموج بها من أحداث. وهنا أذكر أنى فى عام 1980عثرتُ فى أوراقه على مجموعة من الخطابات متبادلة بينه – كطالب بمدرسة معلمين عبد العزيز- وبين عشرات الطلاب بمدارس المعلمين بكثير من محافظات مصر مؤرخة بعامى 1926 و 1927 كانت أعداد المدارس التى عثرت على خطاباتها لايقل عن 15 مدرسة تبدأ من قنا وحتى الإسكندرية ، وكانت فحوى الخطابات مجموعة من المطالب النقابية التى تشمل تلك المدارس وطلابها وكانت مدرسة معلمين عبد العزيز بالقاهرة هى مركز ذلك النشاط والخطابات. وقد فحصتُ تلك الخطابات مع ثلاثة من أصدقائى منهم إلهامى الميرغنى ومحمد داود وآخرين ، وقد حاولت البحث فيما بعد عن أى أثر للتنظيمات الطلابية النقابية فى تلك الفترة فلم أعثرعلى شئ. وقد استنتجنا من مجموعة الخطابات المشار إليها أنها النواة الأولى لأول تنظيم نقابى طلابى لمدارس المعلمين فى مصر . وكانت تجربة مثيرة نظراً لما تحتويه من مطالب متنوعة بعضها بدائى ومتواضع وبعضها ينم عن مستوى جيد من التفكير وسَعْى نحو عمل عام يتركز فى النشاط النقابى الطلابى، وكان ذلك بالطبع فى العقد التالى لثورة 1919 وربما من نتائجها.

رفَضَ زيجة أمه ثم اختار :

من جانب آخر زوّجَتْه أمه من إحدى قريباتها عام 1921 لكنه فضّ الزيجة سريعا ، ثم عاد للزواج عام 1938 من قريته.. أى بعد تخرجه من مدرسة المعلمين بعشر سنوات وأنجب طفلته الأولى عام 1940 التى لم يمتد بها العمر سوى ثلاثة سنوات وقد توفيت بعد إصابتها بالحمى بالواحات الداخلة حيث كان يعمل مدرسا؛ وقد أنجب أولاده الثلاثة الأُوَل هناك. بعدها تنقل أبى بين مدن الصعيد كالغنايم والبدارى ثم انتقل إلى الوجه البحرى وسرعان ما اصطدم بالباشا البدراوى عاشور أحد السادة الإقطاعيين وترك بُهوت. وفى النهاية عاد إلى المنوفية فى عام 1945 معلما بإحدى مدارس شبين الكوم . وخلال رحلة التدريس والتنقل اختلط بالعديد من المجتمعات فى الواحات والصعيد والوجه البحرى؛ وتعامل مع كثير من القوى السياسية لكنه لم يستمرمعها فى صلة حقيقية ومنها جماعة الإخوان التى ما أن انخرط فيها حتى اصطدم بها وغادرها سريعا واتخذ منها موقفا متشددا.

من هنا كانت الحصيلة الثقافية والقيمية والحياتية لأبى ؛ والتى تأسست عليها أسرتنا . ومن هنا كانت الدفّة التى وجّهتْها فى مسارها طوال حياتها. هذا ومن ناحية أخرى كان أبى بارا بوالديه وكانت أمه رغم جبروتها الطاغى عاشقة له لذا لم يَطُل بها العمر سوى عام واحد بعد أن توفى والدى (ابنها الأكبر) فى يونيو 1960. هذا وقد ورَثْتُ بالتبعية عِشقَ جدتى لأبى.. تلك الجدة التى كانت المرأة الوحيدة التى تحضر اجتماعات مجلس عائلة صقر بينما بقية المجلس من الرجال وضمنهم أحد أعمام أبى الذى كان يقاربه فى العمر وكان قاضيا شرعيا وشخصية نافذة، وقد مثلتْ الجدة الجبارة حزب المعارضة فى المجلس ولم يستطع إيقاف الشيخ محمد عبد الرحيم صقر .. القاضى سواها.ورغم هذا الجبروت كنت أنا الشخص الوحيد الذى يستطيع التحكم فى هذه الجدة ومثلتْ رغباتى لديها أكثرَ من أوامرَ فوريةِ التنفيذ .

الجدة الجبارة والعرين الحصين :

وكنت كثيرا ما " أزوغ "من المنزل فى شبين وأنا صغير متسللا إلى القرية -التى لا تبعد أكثر من 5 كم - فى نهاية الأسبوع لقضاء الإجازة هناك ، ولا أتذكّر أنى طلبت من جدتى طلبا أياً كان نوعه أو توقيته دون أن تحرص ( الجدة بدْرْبان ) على تلبيته فورا ودون نقاش. كانت جدتى تمثل لى حماية من نوع خاص وطالما كنتُ فى منزلها لم يكن شخص واحد فى القرية يجرؤ على المساس بى ؛ فهى لم تكن مجرد شخصية قوية مُهابة بل وصلبة البنيان فارعة القامة قادرة على العراك ومجادلة من الطراز الأول أيا كان من يتحدث معها.

أتذكر فى مرة أنْ كنتُ أُلاعبُ أحدَ أطفال القرية ( محمود الهندى ) لعبةَ الورق بأغلفة علب السجائر واختلفنا وتشاجرنا فما كان من منافسى إلا أن عضنى من صدرى لكى يهرب من العراك ولم يتركنى إلا بعد أن استعد للجرى ، كانت العضة دامية ومؤلمة وكان محمود يكبرنى بعام وأضخم منى . المهم أنى لاحقته وعَدوْتُ خلفه وضاقت المسافة بيننا وفى منعطف شارعه التقطتُ حجراً أثناء المطاردة ؛ بعدها وفى الأمتار الأخيرة قُبيْلَ منزله بدأ ينادى على أمه بصوتٍ مُستغيث وما أن فتحتْ أمُه الباب مذعورة حتى سقط محمود بسبب اندفاعه فى حِجْرِها وفى إثرِه الحجرُالذى معى؛ وانفجرت نافورة من الدم .. وولّيْتُ بعدها الأدبار عائدا لمنزل جدتى التى فوجئتْ بدخولى مسرعا وأنا " أنهج " وأتصبب عرقا واستندتُ على الحائط ألتقطُ أنفاسى، فانزعجتْ جدتى وسألتنى : مالَك يا ولد..؟ فأجبتها : لاشئ كنت أتشاجر من محمود الهندى ولمحَتْنى أحاول الاستدارة لأخفى أثر العضة والدم ؛ فجذبتنى من ذراعى .. قائلة : تعال قل لى .. لماذا تشاجرتم ؟ ، وقبل أن أجيبَها لامستْ يدُها صدرى عفوا فتأوّهْت .. ولاحظتْ الدم فضربتْ صدرَها بيدها قائلة : يا نهار اسود .. أنت مصاب..؟ . أمسكتْ يدى بقوة وجذبتنى وقالت: تعال معى سأضربهم لك " بالبُلغة ".. أولاد الكلاب.. وسحبتنى خطوات خارج الدار ، فقلت لها وأنا أحاول إعادتها للدار: توقفى ياجدتى ..لقد ضربتُه وأصبتُه بحجر فى رأسه وغرق فى الدم هو وأمه.. ولا داعى للذهاب إليهم. توقفتْ جدتى عن مسعاها وجلسنا ؛ ثم رويت لها ما دار بالتفصيل فهدأتْ. والمهم فى هذه الواقعة أنى توقعت – كطفل- أن تحضرَ أمُ محمود أو واحد من أسرته بين لحظة وأخرى ليشتبك مع جدتى لكن مرّتْ الساعة وراء الأخرى إلى أن حل الظلام ولم يحضر أحد فسألتها: لماذا لم يحضروا ..؟ فقالت : لا يجرؤون .. كنت سأكْمِل عليهم.، ومن يومها أيقنت أن هذا عرينى المتين وحصنى الحصين.

ثروت البحر.. أرشيف الطفولة :

منذ سنوات قليلة دق جرس تيليفونى الأرضى بشبين فى الثانية بعد منتصف الليل ، وإذا بالمتحدث ثروت البحر صديق الطفولة والصبا والفنان التشكيلى السكندرى الجميل وكان قد انتقل إلى القاهرة. وعندما قلت له : خير يا ثروت.. وجدتُه غيرَ متمالكٍ نفسَه من الضحك ، سألته : ما الذى يضحكك؟ ردّ وهو ما زال فى هذه الحالة : بشرى أختك . سألته : كيف؟ فردّ: دخلتُ من ربع ساعة لأنام .. وكانت زوحتى قد سبقتنى قبل 3 ساعات لأنها تستيقظ مبكرا للذهاب لعملها، وبمجرد استلقائى على الفراش تذكرت حلّة المحشى وبشرى.. فلم أتمالك نفسى من الضحك ولمّا لمْ أستطع التوقف واهتز الفراش وخشيت أن أزعج زوجتى .. غادرت السرير والحجرة إلى الصالة لأتصل بك؛ وأضاف المهم أنى تذكرت قصة حلة المحشى عديدا من المرات قبل ذلك وفى كل مرة كانت تتكرر حالة الضحك بهذه الكيفية.

أما عن هذه القصة .. فقد كانت فى بداية الخمسينات من القرن الماضى حيث كانت أمى تطبخ محشى الكرنب فى حلة ضخمة جدا وعميقة قطرها ما بين 70- 75 سم لأننا كنا أسرة كبيرة العدد وعاشقة للمحشى ، ولأننا لم نكن نملك ثلاجة كانت أمى تحتفظ بها فى البلكونة لحمايتها من الفساد ولم يكن يستطيع حملَ الحلة بصعوبة فى أسرتنا خلاف أبى وأمى سواى وأخى عبد الغفورحيث كانت ثقيلة جدا وهى مملوءةً بالطعام . وفى إحدى المرات طلبتْ أمى من عبد الغفور أكثر من مرة إحضارالحلة إلى المطبخ فلم يستجب وكنت أنا مشغولا ؛ ولما طال إلْحاحُ أمى تسللتْ بشرى للبلكونة- وكانت الثالثة فى الترتيب بعدى وبعد عبده- وأحضرتْ الحلة بصعوبة بالغة وسط استغراب الجميع وربما ذهولهم فقد كانت صغيرة على حملها ، وبعد أن تناولنا الغداء طلبتْ أمى من بشرى إعادتها للبلكونة بعد أن قضينا على نصف ما كان بها .. فردت بشرى : لا أستطيع حملها .. فانفجرالجميع فى الضحك وصارت نادرة من نوادرها نُمازِحُها بها حتى اليوم.

وفى تلك الفترة وإبان ترددى على شعبة الإخوان مع زملاء الطفولة دعانا أحدهم لمنزله لاستضافتنا وكان قريبا جدا من مقر الشعبة وكانت أسرته من الفلاحين وتشتغل بالزراعة. دخلنا إحدى غرف المنزل فى الطابق الثانى حيث كانت أسرته تقيم فى الدور الأرضى واستأذن صديقنا المُضيف – على ما يبدو لإحضار الشاى وغاب لبعض الوقت – وخلال دقائق معدودة فوجئنا جميعا بهجوم مباغت من البراغيث دفعنى لمسح أرجلى بيدى للتخلص مما علق بها من حشرات ، ولجأتُ لإبعاد أقدامى عن ملامسة الأرض لكن بقية الأصدقاء لم تفعلْ مثلما فعلتُ ربما خجلا . ولأن ما فعلتُه لم يَحْمِنى من لدَغات البراغيث التى تسرّبتْ إلى ملابسى و ضايقنى بشدة وأثار استيائى بل وأنسانى قصة الدعوة والاستضافة فلم أستطع أن أكتم رد فعلى إزاء حشرات بدا وكأنها جائعة من أسابيع وتتمتع بحاسة شم قوية ووجدَتْ عشاءها لدى هؤلاء الصغار فقلت وأنا فى غاية الضجر : "هما ولاد الكلب دول.. عايشين هنا إزاى"..؟! وضحك الصغار. لم نمكث فى الحجرة طويلا ونادينا على صديقنا صاحب المنزل وفضّلْنا الاكتفاء بما نلناه من علقة البراغيث على تناول الشاى.. ثم غادرْنا مسرعين.
ذكّرنى صديقى ثروت البحر بهذا الموقف بعد قصة حلة المحشى حيث كان واحدا ممن ذاقوا علقة البراغيث النهِمة.

كان ثروت البحر واحدا من فريق الكرة الشراب لمجموعتنا بمدرسة المساعى الإعدادية ( مع طلعت عبد الحارس ومحمد سرور وشوقى الشيخ وأنا ) وكان يتمتع مع هدوئه بطول قامته ومتانة عظامه وأقدامه الكبيرة ومشطها العريض ومن ثم بقوة تصويباته على المرمى.ففى وقت لاحق وفى إحدى الأمسيات كنا نلاعب فريقا ونحن حفاة وقرب نهاية المباراة وفى كرة مشتركة كان يصوبها على المرمى لامست قدمه أسفلت الشارع فإذا بشرارة تظهر من احتكاك أظافره بالأرض. وبانتهاء المباراة - ولأننا فزنا بنتيجة كبيرة - بدأ لاعبو الفريق المنافس يلومون بعضهم بعضا .. فإذا بأحدهم يقول : " إنتو جايبين لنا ناس برجلين زلط..؟!

المهم أن "أبو رجلين زلط " بعد تلك الواقعة بثمانية سنوات عرض أول لوحاته ببينالى البحر المتوسط وهو فى سن العشرين.
وهو فنان بالفطرة كأبيه العم زكى البحر ..يملك طاقة على التأمل والاحتفاظ بملامح وتضاريس وهالات تأملاته سنوات طويلة ليهضمها ويستولدها فى صور وأشكال وعبارات وصياغات جديدة لا تهمل التأمل القديم بل تحتفظ بروحه وحيويته ؛ كما أنه لم يكن فنانا صعلوكا ولا زورْبَويّا ولا متضارب المزاج .. بل يتسم بروح شعبية بالغة العمق تتجلى أكثر ما تتجلى فى قيمه وصداقاته وتفضيلاته .. هذا ولم أكن أستطيع - فى طفولتنا المبكرة - أن أعبر عن تلك التفاصيل والسمات كما أصورها الآن لكنى كنت أحسها مخلوطة معا .. وعندما كنا نغيب عن بعضنا يوما كنا نبحث كلٌ عن الآخر .. وما أن أراه أو يرانى حتى أطمئن .. ويطمئن.

التحقْتُ بمدرسة المساعى المشكورة الثانوية فى النصف الثانى من عام 1956، وبعد أسابيع معدودة من بدء الدراسة اندلعت حرب السويس ( العدوان الثلاثى ) ،وفى السنوات التى سبقتْها جرتْ أحداث كبرى منها محاولة اغتيال جمال عبد الناصر على يد جماعة الإخوان المسلمين بالإسكندرية وتأميم قناة السويس وقبلها صفقة الأسلحة التشيكية للجيش المصرى عام 1955 ومؤتمر باندونج لدول عدم الانحياز. كان المناخ السياسى آنذاك ساخنا.. وتعطلت الدراسة واشتعلت الحرب ثم حطّت أوزارَها وبعدها استؤنفت الدراسة.

ناظر سويسرى ومربى :

كان الأستاذ حسنى رجب يدير مدرسة المساعى المشكورة بشخصيته الجادة الحازمة ونظارته السوداء التى تخْفى ملامح وجهه الحزين لفقده أسرتَهُ بكاملها فى حادث سير ؛ كان الرجل مُهابا من الجميع طلابا ومعلمين وموظفين ومن مساعديه فى الإدارة. وكان يتناول غداءه اليومى بالمدرسة التى يديرها كساعة سويسرى ، وأتذكر أنه فى أعقاب تخرجى منها تقدمت لكلية المعلمين بروكسى بالقاهرة ؛ وفى الاختبار الشفهى دارمعظم حديث لجنة الاختبار معى حول شخصية حسنى رجب وتضاريسها المتنوعة .

التحقت بفريق كرة القدم بالمدرسة عام 1957 فى ( ثانية ثانوى ) وكنا نتدرب يومين فى الأسبوع فى نهاية اليوم الدراسى، ولم تقتصر أنشطتها على الرياضة بل شملت المسرح والفنون التشكيلية والتربية الزراعية والخط وغيرها.

وفى نشاط الهوايات اخترت التربية الزراعية وكان يشرف عليها رجلٌ ضخمُ الجثة محدودُ الثقافة لا يُحْسن التعامل مع الطلبة وقدرته على إدارة الفصل متواضعة.. لم يكن معلما بل مشرفا على حدائق ونباتات المدرسة ومن هنا أُسْنِدت له حصص هوايات التربية الزراعية.

وفى إحدى حصصها اصطدمْتُ بالأستاذ عبد المنعم عامر الذى قام بطردى من الفصل وتطوّرَالأمر حتى وصل إلى وكيل المدرسة الأستاذ كامل مينا خبير الرياضيات المعروف ومؤلف كتبها الدراسية المقررة علينا وكان شخصية نافذة ومتشددة.

طالبَنى كامل مينا بالخروج من المدرسة وإحضار ولىّ أمرى. ولم أستجبْ لطلبه فى اليوم الأول ؛ فطردنى يوما ثانيا كنت أقضيه فى إحدى الحدائق القريبة من المدرسة فقد كان آخر ما أتصوره وأتجنبه أن يعرف أبى بطردى. وساعتها لَمْ أعرف كيف تم استدعاء أبى إلى المدرسة رغم أنى لمْ أخبرْه وعرفتُ ذلك من عمال المدرسة الذين أبلغوا الإدارة بوجودى على بابها .
تم إدخالى وذهبتُ لحجرة الناظر فوجدت والدى يجلس على أحد المقاعد أمام مكتبه بينما الآستاذ كامل مينا والأستاذ عبد المنعم عامر يقفان فى الجهة الأخرى للمكتب . سألنى الناظر عما حدث وكان نفس السؤال قد تم توجيهه لعبد المنعم عامر قبل دخولى .أجبتُ الناظرَ بحقيقة ما حدث وأضفتُ أنه عند طردى فى المرة الأولى اعتذرت للأستاذ عامر ولكنه لم يُعرْنى انتباها؛ وكانت تلك النقطة فى صالحى بينما كان الطرد يومين لفتى فى سن المراهقة هو النقطة التى أدانت وكيل المدرسة وبالتالى مشرف التربية الزراعية.

كان أبى قد تحاور مع حسنى رجب فى وجود وكيل المدرسة بشأن اعتبار الطرد ليس عقوبة للطالب بقدرِ ما هو جريمة فى حق المدرسة خصوصا وأن المُبرّر تافه وهو ما ارتكن إليه أبى فى حديثه وأيّده حسنى رجب ؛ لكن صدامى مع مشرف التربية الزراعية كان النقطة التى ليست فى صالحى.

قام حسنى رجب من مكتبه - وعلى ما يبدو أنه شعر من حديثى درجة من التماسك وعدم الخوف - فبدأ فى التحرك فى أنحاء الغرفة وهو يتحدث عن ضرورة احترام الطلاب لأساتذتهم وأن هناك إدارة للمدرسة يمكن اللجوء إليها إنْ كان للطلاب شكوى ، وكان يقترب منى ويبتعد وهو واضعٌ إحدى يديه فى جيب بنطاله بينما اليد الأخرى يحركها يمينا ويسارا أثناء الحديث لتساعده فى إبراز معنى ما يقول ؛ وكنت أتابعه بدقة وحذر شديد ، وفجأة اقترب منى بينما يده المتحركة هى الأقرب فمِلْتُ بجسمى بعيدا عنها فإذا به يخرج يده الأخرى من جيبه ويصفعنى على وجهى .. فجُنّ جنونى ونظرتُ نحوه بغضب وغادرتُ الحجرة مُحْتجا ولم أستجب لمناداته بالعودة قائلا : "مش جاى".

ذهبتُ للفصل واستكملتُ اليوم الدراسى ؛ وعندما قابلت أبى فى المساء عاتبْتُه بشدة وقلت له : [ الوكيل كامل مينا .. يتعامل معى وكأن هناك ثأر بيننا .. ولن أتركه ، وعبد المنعم عامرهذا.. لا يفقه شيئا ووجوده كعدمه ولا أحد يحترمه ] .

بعد أن هدأتُ تحدث معى أبى مُوَضحا لى أنه أعطى الوكيل ومشرف التربية الزراعية دُشّا باردا لن ينسوه لأنهم أخطأوا بطردك والناظر وافق على كلامى تماما وكان ذلك فى وجود شخص آخر كان ضيفا على ما يبدو. لكنك بالمقابل تحرّشت بعبد المنعم عامر وكان ذلك هو بداية المشكلة ولذا عاقبك الناظر رغم أنه ضد طردك وفى نفس الوقت هو مقدرٌ اعتذارَك ومسرور لذلك.

بعد شهور كنا نتناقل الكرة أمام منزلنا الواقع بشارع البحر ولمحْتُ كامل مينا من بعيد قادما فى اتجاهنا ، وفى شارع جانبى جمعت مجموعة من الصبية عمرهم ما بين العاشرة والثانية عشرة وحرضتُهم على عمل " زفة " لوكيل المدرسة لمسافة 250 مترا.. حيث أحاطَه الأطفال وقاموا بالمطلوب. وفى اليوم التالى وأثناء دخولى المدرسة رمقته بنظرة ذات معنى أدرك مغزاها جيدا خصوصا وأنه شاهدَنى أمام منزلى عندما اقترب منا ؛ إلا أنه لم يكن يجرؤ على اتهامى أو اتخاذ إجراء ضدى؛ وبعدها تجنبنى تماما.

فى العام الدراسى التالى ( 1958 / 1959 ) وبتاريخ نوفمبر أو ديسمبر 1958 اصطفّت جميع الفرق الرياضية بالمدرسة فى طابور فى فناء المدرسة استعرضه حسنى رجب ناظر المدرسة كعادته تمهيدا للسفر لملاقاة مدرسة أخرى من مدارس المحافظة. كنت أقف بجانب زميلى محروس عبد الرحمن ( ثالثة رياضة ) حارس مرمى فريق المدرسة للكرة ، وتفقّد الناظرُأفرادَ الفرق وعندما مرّ أمامى توقف ونظر لى ولمحروس ثم استأنف سيره .. ولما انتهى قال: حسنٌ .. لكن بينكما اثنين من المشاكسين .. نريد منهما تشريف المدرسة وليس المشاكسة .. مفهوم ..؟ فرد أفراد الفرق جميعا : "مفهوم يا أستاذ .. إنشاء الله سنشرف المدرسة ". وبالمناسبة أصبح محروس فيما بعد حارسا لمرمى نادى النشء وبعد عامين حارسا لمرمى نادى طنطا الرياضى ثم نادى الأوليمبى السكندرى بالدورى الممتاز للكرة ، والتحق بالقوات البحرية ضابطا عاملا ، وبعد انتها خدمته فيها أصبح تاجراً لمواد البناء (أسمنت وحديد ) ..إلخ.

غضروف الركبة وتبدد أحلامى ووفاة أبى :

بعد شهر وعلى ملاعب المدرسة وفى إحدى مبارياتنا مع مدرسة بركة السبع أُصِبْت فى ركبتى من تدخل عنيف للاعب بالفريق الضيف، وتم استدعاء سيارة الإسعاف لنقلى للمستشفى العام وهناك أفاد الطبيب أن إصابتى على الأغلب فى الغضروف والأربطة وسيتم التأكد من ذلك من خلال صور الأشعة .

مكثتُ فى المنزل شهرا لم أتردد فيه على المدرسة سوى مرات معدودة ولم يتم علاجى نظرا لفقر الإمكانيات الطبية بالمستشفى وضعف إدراكنا بماهية تلك الإصابات التى كان علاجها يحتاج لطبيب إصابات رياضية متخصص. وبمرور الأيام قضَتْ هذه الإصابة على كل آمالى فى أن أكون لاعب كرة، كما أثّرَتْ بشدة على دراستى لأنى كلما كنت أحاول اللعب تتفاقم الإصابة.

ويمكن القطع بأن تلك الإصابة مثّلت نقطة التحول الحقيقية فى مسارى اللاحق نحو العمل السياسى العام لأن قضاءها على أهم طموحاتى آنذاك ( الكرة ) كان دافعا خفيا لولادة طموح آخر لم تكن فى ذهنى ملامحه ؛ لكن تلك الملامح تبلورت فيما بعد كلما زادت خبرتى وتطوّر وعيى.هذا وقد لازمنى وَلَعى بكرة القدم حتى الآن بل وتطوّرنحو البحث عن مدارس الكرة العالمية ومتابعتها.

وانتهى العام الدراسى 58 / 1959 وحصلتُ على درجات لا تسمح بالتحاقى بالمعهد العالى الصناعى حيث كنت أطمح؛ لكنها كانت كافية للالتحاق بالمعهد العالى الزراعى إلا أنى رفضت الالتحاق به وفضّلت إعادة السنة من خارج المدرسة ( منزلى ) لدخول كلية الهندسة.

ورغم ذلك فعندما استقر بى المقام فى المعهد الزراعى توثقت علاقتى بالتدريج بعلوم الزراعة التى كنت أستمتع بها جدا من الناحية النظرية لسبب هام هو أن خُلوّ المعهد الزراعى من هيئة تدريس مستقلة دفع إدارته لانتداب أساتذة من كليات الزراعة الأخرى- بجامعة القاهرة وعين شمس والإسكندرية - كانوا علماء فى تخصصاتهم وأثْروا الطلاب بعلمهم الغزير؛ وهو ما جذبنى لتلك العلوم التى لم تكن تتيسّر حتى لطلاب الكليات الثلاث العريقة منفردة..لأنهم لم يحظوا بمجموعة متميزة من العلماء نادرا ما تتجمع معا فى كل علوم الزراعة تقريبا كما كان الحال فى معهدنا. وفى هذا الصدد أشير إلى أنه رغم إعجابى بعلوم الزراعة النظرية أثناء الدراسة التى داعبت طموحى العلمى بعد أن أُحْبِطتْ طموحاتى فى مجال الكرة ..فإن الزراعة لم تكن ضمن طموحاتى العملية. ومن جانب آخر برزتْ قيمة ذلك الإعجاب الحقيقية عندما تحول مسارى نحو العمل السياسى والفلاحى بشكل خاص ؛ نظرا لأن العلوم الزراعية كانت أقرب العلوم للسياسة - وخصوصا السياسة العملية لا المجردة - من أية علوم أخرى كالهندسة التى كنت أتمنى دراستها والانتماء لها.

وفى 11 يونيو بدأت امتحانات الثانوية لعام 59/ 1960 وعقب انتهاء امتحان اللغة العربية بثلاث ساعت سقط أبى مصابا بذبحة ولفظ أنفاسه قبل حلول الظلام فأصابتنى حالة من الألم والإحباط الشديد لكننى تماسكْت. وفى بحر أيام تلت انتهاء الامتحان كان أخوالى ينقلون حياتنا من شبين إلى قرية الماى وهنا بدأت مرحلة جديدة صعبة واجهنا فيها الحياة كأسرة بلا عائل وأصبحتُ- رغم أنفى - محطَّ أنظار الجميع تَرْمُقنى أعينُهم فاحصة ناقدة . إلا أن أهم ما عانيته كان صدمتى فى معاملة بعض أصدقاء أبى التى شابها الكثير من الفتور والتجاهل.

من ناحية أخرى لم تكن مهدية قد التحقت بعدُ بالمدرسة؛ وشفيع فى الصف الأول الابتدائى؛ وتدرّج البقية فى نفس المرحلة ، أما عبد الغفور فكان فى الصف الأول الثانوى بمدرسة الزراعة.

،،،،،،،

وإلى أن نلتقى فى الجزء الثانى (رحلة إلى قريتى .. الماى) بعد يومين.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,608,577,681
- رسالة إلى من يريد أن يتذكر التاريخ أو يعرفه ..من أهالى قرية ...
- انجازات جحافل الشرطة فى ارياف البحيرة تغطى اخفاقاتها على طري ...
- حوار مع ابنتى الصغيرة حول عبارة شهيد
- أحنا وهمّا والزمن طويل : مثال عملى لدور الشرطة لمنع الفلاحين ...
- هل باع الفلسطينيون أرضهم..؟!
- مدرسة الفوالق والجيولوجيا.. أم مدرسة الإنسان والتاريخ..؟ الط ...
- خلية فيكتوريا كوليدج بالإسكندرية .. والحمض النووى الاستخبارا ...
- حروب حقيقية فى مصر.. ضد فلاحي البحيرة وعمال طرة والمسيحيين
- ملحق جريمة قتل فلاحة الكمبانية بحيرة
- ضابط بشرطة البحيرة يقتل فلاحة بقرية الكومبانية مركز دمنهور
- مجزرة شرطية جديدة لفلاحى الإصلاح الزراعى فى عزبة حبيب بالبحي ...
- فى كوم إشّو .. يا تهِشّه.. يا تنِشّه .. لكن لا نفقد الأمل - ...
- أخطر هجوم إعلامى روسى على المكارثية الجديدة فى واشنطون ..تعق ...
- صواريخ توما هوك الأمريكية فى البحر!.. كيف سربت روسيا إسقاطه ...
- مَهْرَب كوميدى من غرامة محكمة سويسرا فى قضية الغاز
- داروين وميتشورين وصواب المسار العلمى والسياسى
- مداهمات شرطية جديدة لفلاحي البحيرة.. لتنفيذ أحكام غيابية بال ...
- مهزلة هيئة الأمن القومى الأمريكي مع البنوك العالمية
- المجال يضيق أمام المنطق الأمريكى .. والأرض تحته لم تعد ثابتة
- التخبط يجتاح السياسة الأمريكية من كل اتجاه


المزيد.....




- طعن سيدة قبطية وابنيها في قرية بالمنيا المصرية
- محاولة عزل ترامب: مجلس النواب يحقق في احتمال كذب الرئيس خلال ...
- سياسيون عراقيون لرئيسي الوزراء والبرلمان: الإصلاحات خلال 45 ...
- الجيش اليمني: مقتل وإصابة عشرات المهاجمين من الحوثيين في الح ...
- -جريمة حرب محتملة-.. مقتل 10 في ضربة جوية في العاصمة الليبية ...
- موستانغ الكهربائية رهان التحول لشركة فورد
- نبيه بري: لبنان أشبه بسفينة تغرق
- وزير الزراعة : الدولة تدعم البحث العلمي الزراعي ومصر تمتلك إ ...
- رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية عن أسباب “انتف ...
- مدبولى في منتدي الأعمال المصري الأمريكي:الاستثمارات الأمريكي ...


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - بشير صقر - من ذكريات الطفولة والشباب – أحداث الطفولة ج 1/ 6