أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - الدين والضرورة ح1















المزيد.....

الدين والضرورة ح1


عباس علي العلي

الحوار المتمدن-العدد: 5684 - 2017 / 10 / 31 - 03:15
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الدين والضرورة

ح1
هل يقبل الإنسان مثلا أن يعيش بلا دين أي بلا خوف ولا أمل بجنة في عالم أخر؟, ماذا تنفعه الجنة إذا وهو لم يختبر ولو جزئيا شيئا من واقعها حتى يضحي بوجوده هنا لأجل موعود مؤجل غيبي متعلق بإرادة موجود غائب متخفي لا يظهر علنا ولا يحاول أن يمنحنا جرعة حقيقية من أمل بما يعدنا, فقط يأمرنا أو نحن نتوهم أنه يأمرنا بذلك, لا يهم في المسألة إلا حقيقة ما نخدع أنفسنا به أو نتوهم أنه حقيقة, لماذا علينا أن نخضع للدين كخضوعنا أو نزاعنا مع الطبيعة مع أختلاف في كل شيء يمكن قياسه أو تحسسه بين الدين والطبيعة, صراعنا معها صراع حقيقي يومي تفصيلي وكلي ولكن صراعنا مع الدين خفي وخجول ومتستر عليه ولا يمكن لأحد حتى أن يبوح لنفسه بوجوده خوفا من التكفير و التفكير .
الذين يظنون أن العقل الإنساني لا يصلح لهذه المهمة وليس بمقدوره أن يكون اللاعب الأساسي والقائد المتجدد في تقرير مصيرنا الوجودي، هم من يتمسك بقوة عن حصاد العقل الأول ويدافعون بكل قوة عن ما أنتج خلال رحلته الطويلة, وهذه من المفارقات العجيبة والغريبة حين تنحاز مرة لموضوع وبكل قوة وتدافع عن قضية الموضوع بأعتباره حكم حقيقي ثابت, تأت أنت في نفس السياق وبنفس الألية والمنطق ترفض أن يفعل الموضوع وظيفة القديمة وهي تكرار للعملية الأولى ومجاراة لذات المنطق، بحجة العجز الذاتي وقصورية العقل أن يفعل مثل هذه المهمة.
هذا التناقض يفترض سلسلة من النتائج تتعلق أولا أما بتعزيز العقل كونه الوسيلة والأداة والمنهج الذي أوصلنا لما بين أيدينا من نتائج ورفض فكرة تعطيلة أو فكرة القصورية الطبيعية فيه، أو رفض النتائج الأولى وكل ما بني عليها وجعلها مجرد نتائج أحتمالية وتخمينية، وبالتالي فهي معرضة حالها حال كل النتائج التي لم تتعرض للبرهان والمسائلة والنزول بها من مرتبة اليقين المقدس، وجعلها من ضمن كل النتائج الطبيعية الخاضعة دوما للنقد والتفنيد بأعتبارها مجرد معرفة قابلة لكل الأحتمالات.
ثانيا سيكون وفقا لهذا المنطق تعريض كل العقل بأعتباره منظومة ناقلة وبانية ومدركة للمعرفة إلى الحاجة للتشكيك الدائم وعدم الأعتماد على سلسلة الأحتمالات التي ينتجها بنظامه الخاص، مما يطعن بكل الحقائق التي عرفها العقل ومن ضمنها مسائل أساسية وتسليمية منها حقيقة وجودنا الأصلي وقد يكون هذا الموضوع أيضا مجرد أحتمال أو تخمين بحاجة إلى معيار تدقيقي وقياسي، نستطيع من خلاله معرفة حقيقة ما نحن فيه، لأن زج الأحتمال في موضوع الإستدلال يجعل من الأخير مجرد عبث أو تقدير معرض للإبطال .
إن إدراكنا وحاجتنا لمثل هذه الأسئلة الجوهرية هي تأتي في إطار بناء وعي حقيقي بالكثير من القضايا التي مرت وتسالمت عليها الأفهام، وأعتبرتها منجز يقيني غير خاضع للسؤال والنقد مما كون أتجاها عقليا قاد لمرحلة متقدمة من التحجر والتقوقع، وتقويض حرية العقل الإنساني في أكتشاف ممرات ونوافذ وأبواب ينطلق منها لفضاءات أرحب وأوسع، وخاصة في تلك المسائل التي تدخل فيها الدين أو بالأحرى القراءة البشرية للدين، عندما وجد نفسه محاصرا بها دون إجابة فأغلق باب التفكر والتدبر ليس لأن نتائجها غير معلومة ولكن لأنها تكشف عجز وفشل تلك القراءات من إدراك حاجة العقل للحرية، وعجزها هي أيضا أن تكون مع قدرها في مواجهة العقل وأسئلته ومطالبته بالحرية.
العجيب أن الكثير من الذين ينزعمون فكرة التحرر من السلفية الفكرية والبحث عن أفق عقلي جديد هم أكثر الناس خشية من مواجهة العقل، ومواجهة هذه الأسئلة وإثارة المزيد من التساؤلات الأعمق، والعلة في ذلك تعود لأنهم ليسوا قادرين ولا راغبين في المواجهة إلا بحدود تسفيه عقل الاخر ووضعه في موضع الشبهات، من خلال الطعن بالقاعدة العملية النظامية التي يبني الأخر عليها فكرته الخاصة, ومن هنا أما أن يكون العرض ساريا وعاما ومجردا خاليا من الخصوصية والتخصيص، أو التخلي عن المشروع كليا لأن الفكر ليس سوقا تجاريا بحاجة للربح والخسارة.
الخطاب التحريضي ضد العقل ومشروعة عقلنة الوجود وعقلنة كل النتائج التي نؤمن بها ونجعلها جزء من حركة وجودنا، تتطلب منا عدم التفريط بحقيقة العقل ولا بتحميله الفشل والخذلان المتكرر نتيجة عدم أستيفاء الواقع لضرورة هذه الثورة الفكرية العقلية، وعدم مواجهتها بالشجاعة المطلوبة التي واجه بها الفلاسفة الأوائل والمفكرون العقلانيون الكثير من الخزعبلات والأساطير الأولى، ووضعوا العقل البشري على جادة الإصلاح الوعيوي الذي من نتائجه هذه الثورة المعرفية والمعلوماتية، التي لا يتمكن الكثير منا مجاراة التوسع والإنطلاق المرعب لحدودها نحو حدود الأدنى منها يعد قصيا في فترة ماضية بسيطة.
من المهم جدا قبل الدخول في مفاهيم ضرورة الدين وعلاقته بالإنسان أن نفهم ماذا يعني الإنسان أولا؟، وما يعني أن يكون له حضور في الوجود؟, أهو مبني على أفتراض تأملي ليس له أرضية مبررة أم على حقيقة وجودية مجردة تقتضي وجوده لعلة الفاعلة بذاتها أو لسبب ما؟, الإنسان في التوصيف العلمي هو الكائن المشارك في منظومة الحركية والسيطرة الكونية لخصيصة واحدة فيه، أنه قادر على أن يتحكم بجزء من هذه المنظومة وأن يتفاعل معها بحدود تتيح له أن ينجح في ملائمة وجوده مع الرؤية الكونية، من خلال وعيه بالوجود ووعيه أيضا بأنه موجود أو يفشل بإدراكهما أيضا كأحتمال ثان.
هذا الوعي المميز مرتبط أيضا بوظيفة ومسئولية أن يكون أولا كإنسان متفرد بالنوعية والجنس عن الموجودات الأخرى، فقط بهذه الفكرة والصيغة البسيطة وأن لا يتعدى قوانينها التي أكتشفها أو التي سيكتشفها لاحقا, وبالتالي فهو موجود لأنه ضروري لأن تكتمل حركة المنحنى الوجودي نحو التمام الكلي هذا بالنسبة لوعيه الذاتي، ليتم دورته بالصورة التي تنتج في النهاية أضافة أيجابية قد تدفع بالوجود لمرحلة أكثر كمالية أو تنطلق به لمدى أبعد مما هو عليه الآن .
إذن الإنسان ككائن مطور ومتطور له خصيصتين في علاقته بالوجود، وهي علاقة الكل بالجزء والجزء بالكل الخصيصة الأولى أن وجوده الذاتي ضروري لأتمام مفهوم الوجود من خلال وعيه هو، والثانية أن بقاءه بالوجود مرتبط بتمام النتيجة الأولى وعليه أن يسعى لذلك لتحقيق التحقق من صدق وواقعية وعقلية المعادلة التي توصل لها من خلال الخصيصتين أعلاه، الخصيصة الأولى تترتب عليها مسئولية المشاركة في القيادة والتغيير وبالتالي حقيقة كون الإنسان عنصر وجودي قائم على حقيقة أكبر قد تبدو للآن ثابتة، أقوى من كونه أفتراض صنعه لنفسه وأمن به على أن نهاية ما في الأمر، وعليه أن يستغل هذا الوجود ليعبر عن قدرته في التمتع به والأستمتاع بما في الوجود من فرصة لا تتكرر له مرة أخرى, فهو ليس عبثا ولا يجب أن يكون عبثيا في تقدير وجوده ولا يسلك طريق العبثية في أداء وظيفة الوجود.
بالأعتماد على النقطة الأولى يتوجب على هذا الكائن أن يتوافق مع حقيقته ومع الوجود الحقيقي المادي الحولي من خلال الوعي الذاتي الفردي له ككائن مستقل في حركته الذاتيه، ولكنه مسير ضمن حركة عامة أخرى أكثر أحاطة وأوسع حتى من حدود وعيه, وكون هذا الوعي نقطة أرتكازية يستند عليها في تبرير وجوده، كان دوما مطالبا بأن يتوصل إلى درجة مناسبة منه ليكون قادرا أولا على إدراك هذه الحقيقة, وثانيا أن يصبح به متناسقا مع نتائج كونه حقيقية وجودية ثابته لا تقبل الإنكار أو النفي, وهنا كان عليه أن يبحث عن كل الوسائل التي تمكنه من بناء هذا الوعي وبناء إدراكاته بهذا الوعي، وتنميته ليصبح أمام حقيقة ((أن الوعي ليس تكوينا ثابتا لديه بل إنه وظيفة وعمل وبناء قابل للتغيير والتبديل بحس الإدراك والإحساس به من خلال ما يملك من منظومة تكيفية وتكوينية تقوده لذلك)), فلابد أذا من العودة لهذه المنظومة والنظر في أحوالها وقوانينها وتركيباتها قبل الدخول في موضوعية الوعي وتشغيله .
بدأت دراسة الإنسان لواقعه الوجودي من هذه النقطة لينتقل عبر سلسلة من التفاعلات الفكرية والتأثيرات والمؤثرات والأستعدادات الطبيعية ليصبح قادرا على التشخيص والفرز والتحديد والتوصيف، وصولا لمرحلة الترميز المعرفي وفق نظام المصفوفات الذهنية, ليجد نفسه أمام مجموعة متعددة ومتنوعة ومختلفة من هيكليات معرفية وذهنية تصورية ومادية، قسم منها متناسق والقسم الأعظم أما متضاد أو متعارض أو غير مفهوم, والسبب يعود ليس لأنها كذلك بالأصل ولكن لأن الإنسان موسوم أصلا بالنقص الطبيعي والسعي الطبيعي لجبر النقص، في محاولة دائمة لبناء معرفته الخاصة أو الطريق لأن يشيد الكمال الذي يمكنه بالتالي أن يكون عنصرا فاعلا ومحركا حقيقيا لجزء من عجلة الوجود .
هذا النقص الذي أدركه فيما بعد أوجب عليه أن يبحث عن مصادر تجبره ومصادر تبني قواعد الجبر ومصادر توفر له قياسات ومعايرات لفحص المتناسب والغير متناسب مع وجوده, فأنشأ لأول مرة مفهوم القيم والقوانين الفوقية التي يعتمدها على أنها السقوف التي يسير من تحتها أمنا دون أن يجعل من هذا السير بلا هدف أو غاية، وتحت ضغط الحاجة للثبات والتركيز ومحاولة جعل مبادئ أنطلاقية تدفعه لبناء المزيد من النتائج المتحصلة, هنا أستطاع أن يربط بين القيم والغايات منها وربطها أيضا بتبرير واع لوجوده، فأصبحت لديه الآن منظومة مركبة من العلائق والأهداف والرؤى تستطيع بمجملها أن ترسم له خارطة وجوديه، سماها أولا وجوبيات لتتحول إلى مفهوم ضابطي تحكيمي خلقي سلوكي مستهدف، وليس بالضرورة أن تكون موجودة على أرض الواقع لتكون بالنتيجة وأخيرا القيم الأخلاقية البدية والأبتدائية التي تحمي مكتسبه الوجودي.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,328,062,155
- الدين والضرورة ح2
- الإنسان المعاصر بين التدين والألحاد
- الدين والإنسان الأول
- شكر وأعتذار
- الأستثمار السياسي لمفهوم القوة في العلاقات الدولية
- نهاية الصبر_ فصل جديد من روايتي (حين يحزن القمر)
- ترميم الصورة _فصل جديد من روايتي (حين يحزن القمر)
- هنا البصرة الجرح الذي لا يموت، فصل من روايتي (حين يحزن القمر ...
- الطائر الصاعد .... فصل من روايتي (حين يحزن القمر)
- الحرية الفردية وإشكالات المعنى والدلالة
- الحرية الفردية وإشكاليات المعنى والدلالة
- فصل أخر من روايتي (حين يحزن القمر)
- فوبيا الظلم والمظلومية
- فصل جديد من روايتي (حين يحزن القمر)
- فصل من روايتي (حين يحزن القمر)
- لعبة القتل الحميد.......!
- فصل من روايتي (أيام الفردوس)
- تحديات الواقع للعقل الإسلامي ومجتمعه في ظل عالم متطور
- الحوار المفتوح........ ج22
- ترهات عربي ملحد


المزيد.....




- معهد ديني يدرب الطلاب الأجانب على تعاليم الإسلام الوسطي في ا ...
- نيوزيلندا تمنح عائلات ضحايا مجزرة المسجدين إقامة دائمة
- معهد ديني يدرب الطلاب الأجانب على تعاليم الإسلام الوسطي في ا ...
- نيوزيلندا تمنح عائلات ضحايا مجزرة المسجدين إقامة دائمة
- البرادعي وشفيق وموسى والإخوان.. أيمن نور يدعو 100 شخصية لحوا ...
- مهندس روسي يطرح تصميما معماريا معاصرا لكاتدرائية نوتردام (صو ...
- رئيسة وزراء نيوزيلندا ترد على الأنباء حول ارتباط هجمات سريلا ...
- انطلاق قمة اقتصادية روسية إسلامية في قازان
- شاهد.. إسرائيل تهدم منزل الفلسطيني منفذ عملية سلفيت
- محلات بيع الخمور تعود للموصل بعد مرور قرابة عامين على طرد تن ...


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - الدين والضرورة ح1