أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ادريس الواغيش - خُصوصِيّة القصيدة المغربيّة الحديثة عند الشاعر محمد السرغيني















المزيد.....


خُصوصِيّة القصيدة المغربيّة الحديثة عند الشاعر محمد السرغيني


ادريس الواغيش
الحوار المتمدن-العدد: 5656 - 2017 / 10 / 1 - 03:30
المحور: الادب والفن
    


خُصوصِيّة القصيدة المغربيّة الحديثة عند الشاعر محمد السرغيني
بقلم : إدريس الواغيش

1-”مَا قبْل الأشعَار الأولى” و”الأشعَار الأولى” عند محمد السرغيني:
عندما نقف اليوم على تجربة محمد السرغيني الشعرية، فإننا نستحضربالضرورة تجربة طويلة وغنية استغرقت حوالي(60) ستين عاما من الكتابة الشعرية، توجت بإصدار مُجلدين ضخمين يَضَمَّان أعماله الشعرية الكاملة، التي صدرت عن وزارة الثقافة المغربية في أكثر من(1200) ألف ومائتي صفحة.
وعلى الرغم من أن الشاعر محمد السرغيني له نصوصًا شعرية أخرى، إلا أنها لم تظهر في أعمَاله الكاملة، وتتضمن هذه المجموعة ”غير الكاملة” من أعمال الشاعر قصائد سبق أن نشرت في منابر مغربية وعربية، يصعُبُ على الباحثين الوصول إليها، و يمكن تقسيمها إلى قسمين: “ما قبل الأشعار الأولى“ و“الأشعار الأولى“.
هذا التقسيم يَنِمُّ عن إحساس بتطور تجربته الشعرية الطويلة، فإن كانت قصائد “ما قبل الأشعار الأولى“ تفصح عن نفس رومانسي طافح، يُحيل على بعض شعراء المَهجر مَوضوعًا وقالبًا، فإن "الأشعار الأولى" تنم عن بداية تشكل الرؤيا الشعرية لديه، لقد كتب أغلب القصائد المنضوية تحت هذا العنوان ما بين 1954 و1960م، وقد عرفت هذه الفترة في تاريخ الشعر العربي بالتأسيس للحداثة الشعرية، في أوج ذلك الصراع بين القصيدة الرؤية(وصفية) والقصيدة الرؤيا(رؤيوية) أو قصيدة الحكمة كما يسميها البعض، كما هو الحال في شعر( المتنبي- السياب- أنسي الحاج...، وغيرهم).
2- من بغداد إلى القاهرة وأوربا بحثا عن الخصوصية:
رحل محمد السرغيني إلى بغداد لاستكمال دراسته الجامعية، وهناك وجد نفسه محاطا بأقطاب الحداثة الشعرية العربية، أمثال السياب، البياتي، نازك الملائكة، جبرا إبراهيم جبرا وغيرهم، وعلى الرغم من أنه لم يكن متحمسا للقومية الوجودية التي كانت مجلة "الآداب" البيروتية تروج لها، وكان بذلك أقرب إلى مجلة "شعر" التي كانت تنزه الشعر عن الالتزام الذي يجعل القصيدة مشدودة بسلطة الواقع، إلا أن هزيمة 1967 شكلت نقطة فارقة في شعره أسوة بباقي شعراء الحداثة العربية.
هناك أمر يثير الانتباه في علاقة السرغيني بالنشر، فقد ظهرت له قصائد في المجلات والصحف منذ الأربعينيات، ولكن أول ديوان له لم يظهر إلا بعد ذلك بأكثر من أربعين عاما(1987)، عندما أصدر ديوانه الأول: "ويكون إحراق أسماءه الآتية" عام 1987. وبعد هذا التاريخ أصدر مجموعة من الدواوين تباعا: ”بحار جبل قاف” 1991، ”الكائن السبئي” و"وجدتك في هذا الأرخبيل" 1992، "من فعل هذا بجَماجمكم" 1994، ”احتياطي العاج” و "من أعلى قمم الاحتيال". فاس(2000) ثم ديوان ”فوق الأنقاض- تحت الأنقاض”(2012)؟.
تعبر هذه الأعمال عن انحياز إلى اختيار شعري ما فتئ محمد السرغيني ينميه ويطوره، وهذا لا يعني على الإطلاق أن ما سبق هذه الأعمال من أشعار مجرد تجريب بقدر ما يشير إلى أن الشاعر محمد السرغيني وجد طريقة خاصة به في كتابة الشعر، تبلور خصوصية القصيدة المغربية الحديثة المنفتحة على أفقيها العربي والإنساني في كينونته.
هذا يعكس في الواقع ثقافة الشاعر الموسوعية، وهي ثقافة تلتقي فيها عدة روافد الوجودي / الفلسفي- الشعبي- المغربي- الأندلسي- العربي / المشرقي...) وهو ما أعطانا شعرًا كونيًّا، فالسرغيني الذي يكتب بالعربية والفرنسية والإسبانية ويقرأ بالإنجليزية، يسهل عليه الجمع بين رسالة الغفران والكوميديا الإلهية، وبين صعلكة الشعراء العرب وعبثية الشعراء الغربيين بانسياب شعري يقل نظيره.
3- السرغيني يقتحم تجربة جديدة في المسار الشعري:
ابتداء بكتاب "وجدتك في هذا الأرخبيل" اقتحم محمد السرغيني تجربة جديدة في مساره الشعري، وذلك باعتماد شكل "الكتاب" بدل الديوان أو ”القصيدة- الديوان”. ويختلف الديوان عن الكتاب في أن الأول يضم بين دفتيه مجموعة من القصائد التي قد ترتبط مع بعضها بطريقة لا تفقد القصيدة كيانها كوحدة تتمتع بالانفصال عن غيرها، أما الكتاب فهو عمل شعري متكامل يخضع لبناء متماسك من القصائد التي يجمعها رابط عضوي. القصيدة عند السرغيني "فكرة مُبَيَّتة" بتعريفه هو نفسه، ينطوي على صنعة شعرية بتعبير القدماء. ولعل تأثر الشاعر منذ وقت مبكر بحداثة الرؤيا في الشعر العربي، كان وراء سعيه الدءوب من أجل قصيدة تنسج علاقة مع الوجود في وضعياته المختلفة لكي تقبض عليه، وينسجم هذا المنحى في الكتابة الشعرية مع توصيف للشعر، كان ابن خلدون قد صاغه في المقدمة حين عرف الشعر بأنه: ”علم لا مَوضوع له”.
4- تمايُز شعر السرغيني وإغناء الرصيد المعجمي في الشعر العربي المعاصر:
الشعر لدى محمد السرغيني مَعْرفة من نوع خالص، تقوم على الحدس والرؤيا وتلامس الواقع عن طريق رجع الذات. كما أن القصيدة عند السرغيني تجربة وجودية بالمعنى الأنطولوجي للكلمة، وهي تجربة لا يمكن أن تكون إلا فردية، وهذا ما يفسر تمايُز شعره في أكثر الأزمنة تعميما. كما أن إصرار الشاعر محمد السرغيني على إخراج قصيدته من دائرة اليومي والواقعي، وربطها بالتجربة والرؤيا، هو بمعنى من المعاني خوض في التصوف. ومن هنا كان صاحب "الكائن السبإي" من الشعراء الأوائل الذين أدركوا هذه العلاقة المحكومة بالغموض واللذة بين التصوف والشعر. لأن الخطاب الصوفي في الأساس هو اشتغال على اللغة قبل كل شيء، فهو يقارب "واقعًا" يستعصي على صيغ التعبير المعتادة، ولذلك فإن ما يُعرف به شعر محمد السرغيني من “غموض دلالي“، يعود إلى استحالة التطابق بين واقع التجربة بالمفهوم الذي تمت الإشارة إليه وبين واقع اللغة.
من هذه الزاوية، فإن السرغيني قد أغنى الرصيد المعجمي للغة العربية، سالكا في ذلك النحت اللغوي تارة والتوليد الدلالي تارة أخرى. ولكن اختراق الشاعر لنسق اللغة يقع بالأساس على عاتق الجملة الشعرية القائمة على التكثيف والانزياحات، وهو ما يشكل عنصرا آخر من أسباب “الغموض الدلالي“ في شعره، إضافة إلى الإكثار من ذكر أسماء الأمكنة والأعلام التي تتخذ بعدا عموديا يجعلها من صميم شعرية القصيدة، وذلك بصهرها في النسيج الصوري بشكل يُقوّي البناء العضوي للقصيدة.
5- محمد السرغيني والقصيدة العالمة:
محمد السرغيني يمارس كتابة ما يمكن أن نسميه "القصيدة العالمة"، حيث يتحول العمل الشعري لديه إلى مزيج من المعارف والفنون، لذلك لا يمكن للقارئ فك شفرات شعره إلا إذا كان على معرفة بالفضاءات التي مرَّ بها، وبالأسماء التي يوظفها، كما أن صعوبة شعره تنبع من التوظيف المكثف للتراث العربي والإنساني والاشتغال على اللغة. لكل هذا، فإننا عندما نتحدث عن شعر محمد السرغيني، فإننا نتكلم عن مدرسة شعرية ما زالت بحاجة إلى من يكتشفها، خاصة وأن النقد لم يُنصف شعر محمد السرغيني، لأن قصائده تتمَنَّع عن المقولات والمفاهيم المسبقة أو الجاهزة، فالدراسات التي أنجزت حول شعره قليلة، وهي على قلتها لا تلامسُ جَوهر الشعر عنده.
6- التملك الجمالي للغة العربية عند السرغيني:
لا نستطيع أن نستحضر إسم محمد السرغيني، دون أن ينتصب أمامَنا ذلك التملك الكبير للتاريخ الجمالي للغة العربية الذي تكشفه نصوصه، فالرجل عَبْر تِرْحَاله الطويل اختبَر تجربة قصوى في استكشاف منابع المعنى و موارد الحقيقة وأسس لعلاقة خاصة مع اللغة التي تنتفي معه كمجرد وسيلة أو أداة، بل ترتقي إلى مستوى ذات متشعبة الأصول، متمرسة على الحـــركة خارج الحدود الجــوفاء التي تملأها الادعاءات والأوهام.
ليس هناك من مبالغة، إذا قلنا أن محمد السرغيني قامة شعرية وثقافية كبيرة بالمغرب، و علامة قوية للدلالة على التطور الذي اخترق الوعي الثقافي للنخبة المغربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. إنه اسم لبَحث مُتجدد واشتغال متألق للقلق الجميل الذي يقف وراء كل ما هو عظيم في تجربة البشر،
حتى أن الكاتب التونسي حسونة المصباحي اعتبره بحق كشاف الثقافة المغربية ويلقي بالحجر في بركتها الآسنة. هو من دون شك علم بارز، وقامة إبداعية كبيرة في فضاء ثقافتنا المغربية المعاصرة ، وساهم بشكل قوي في تشكيل كياننا الوجداني والجمالي، وفي صياغة قلقنا الوجودي، وتهيئ حامل شعري لحرقته و سؤاله.

7- آخر العنقود: فوق الأنقاض تحت الأنقاض:
يضم الديوان/ الكتاب واحدا وثلاثين نصا تحت الأنقاض:
أعتاب اليوتوبيات، الشهب الاصطناعية، غريق شلاّل لوريط التلمساني، محلقات الكائن العُضوية، الأرض من الأعلى، لائحة بالوظائف الشاغرة، فوق الأنقاض، التقاط الإشارات، مَديح خَرَاب طبوغرافي لغة اللغات القادمة، خلاصة قراءاتي في كتب المملكة، مراسيم رثاء ثلاثة شعراء آشوريين، إصلاح أعطاب الطقس، تعديل بعض الصِّيَغ الجاهزة، أبو الفتح الأبْشيهيّ الألفية الأولى، أبو الفتح الأبشيهيّ الألفية الثانية، أبو الفتح الأبشيهيّ الألفية الثالثة، مُتواليات مُخيّم غجري، العَنقاء من النقطة الفاصلة، حصّالة النقود الخظفية، اللقاح واللقاح المُضادّ، الوثائق المُوازية، حلٌّ نهائيٌّ لألغاز الكيماء، الحَاجَة إلى استيراد الأسماء النادرة، ميقاتُ سقوط الثلج، الأرض الخرابُ واحَاتها ، للإحساس بالعلامات، كوجيطو ما بعد النقطة والفاصلة، جدولة الديون السابقة.
8- هدم الأصول:
إنها نُصوص خارج التصنيف الأدبي المتعارف عليه، تنتمي إلى كل الأجناس الأدبية، وتخرج عنها في الآن ذاته، ويمكن إدراجها داخل الشعر، ولكن بمفهوم آخر للشعر، المفهوم الذي يصير فيه موازيا للحرية، للأصل في انجذاره داخل رحم العالم الأول، ومن ثمة يعد هذا النص بناء لممكن القول يصير معه الشعر معرفة وتلاعبا بها، وهدما لأصولها في الوقت ذاته. الصورة لم تعد بوحا بوجدان أو التقاطا لتفاصيل العالم، بقدر ما صارت متجذرة في تكوينات المعرفة ذاتها، إنه ديوان ليس بالمُتعارف عليه.
9- غنى الرؤية والرؤيا في شعر محمد السرغيني:
غنى الرؤية والرؤيا بين الرؤية والرؤيا علاقة تتجاوز اللغوي والاشتقاقي إلى كون الأولى قاعدة أساسا لتلوين الثانية وتحديد معالمها، تتشكل الرؤية من ممارسة الشاعر للحياة، ومن احتكاكه بالواقع والناس، ومن علمه بقضاياهم وطموحاتهم، ومن معارفه، وخصوصيات انتمائه الفكري والثقافي والسياسي
أما الرؤيا فهي تجسيد لعصارة تجربة المتميزة بكل خصوصيات حركية النفسية والاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية. فهل ضم النص الشعري السرغيني في أصوله ما يتجاوز محدوديته؟ وهل استطاع أن يعيد الحوار بينه وبين المؤول؟. إن مقاربة هذا النص من زاوية الرؤية والرؤيا ستسعف في بيان الدور الذي لعبه شيخ الشعراء المقاربة المحدثين في تطوير الإبداع الشعري العربي عامة، ومفهوم الشعر عنده خاصة.
قلق يبرزه السؤال، وحزن ويأس تعبر عنهما عبارات:: “ألم“، “اللحود“، “العدم“، “الشجون“، “عذبتنا“، “نحني“ لم يتخلص الشاعر منهما إلا بالقلب وقد تحول إلى "فيلسوف ينظر إلى الأشياء من خلال العقل".
لكن الصلاة لهذا القلب لم تبعد الحيرة عن النفس فغمرها الشك
ما لنفسي حيري يدغدغها الشك وحتى في شدوها وغناها
وهي نهر من المشاعر والحسن ودنيا على اتساع مداها
هي نور سيحمل النور للناس وان هم تهيا وإلا ذاها
تطلب النور في الظلام وما هو سوى كبتها وكبت هواها
وعجبت أن يبقى النور في الليل فتمحى معالم انشاها
الهذا قد جئت بأنفس للأرض بشوق؟ وتجهلين رباها
شك يؤكد اتجاها نحو البحث عن الحقيقة، ويعكس اتصالا حادا ببعض التيارات الفلسفية البارزة في هذه الفترة:
ايه نفسي قد عذب الشك روحي فلقد ضاع لي اليقين وتاها
خاب ظني في منبع الشمس والنور وفي العالم الذي يتناهى
في نظام الحياة في الفَلك الدَّوَّار، هل توجد النجوم سواها؟
في جميع الطقوس، في مصدر الدنيا، أهل نفسًا ترى أنشأها؟
والملاحظ أن الشاعر خلال فترة البدايات كان ينتقل في تدرج مواز لاتساع أفقه المعرفي نحو طرح بعض القضايا ذات الصلة بواقعه النفسي، أو بواقعه العام أحيانا، أما شعرا كما سبقت الإشارة إلى ذلك، أو نثرا في مقالات كان ينشرها في بعض الجرائد الوطنية كـ "العلم" و "الرأي العام" يناقش فيها قضايا تهم وطنه المغرب، كقضية الانتماء الثقافي للشرق عوض الغرب، وقيمة الكلمة والحرف القويين اللذين سيعيدان للمغرب قيمته الثقافية.
10- كينونة المكان:
للقطار السريع الذي يربط الشرق بالغرب مقصورة لأداء شعائره
الوثنية يحرسُها حاجب، وتقوم على خدمة الراكبين بها نادلات
على رأسِهن وصيفة قل للوصيفة إن رافقتك إلى غرفة بسريرين
إن اللواتي تعَهَّدْنَني بالرعاية لما رأين خدوش السرير على
جبهتي المستغيثة قطعن أيديهن.
11- المكان: موقع الكتابة
يبدو اهتمام الشاعر بتسجيل مكان كتابة النص كبيرا، فقل أن نجد نصا شعريا قديما أو حديثا لمحمد السرغيني غير مذيل باسم مكان كتابته، ولذلك قيمة كبيرة في دراسة أشعاره، بما يفتحه هذا العمل من أفق للتحليل والربط عند المتلقي، فهو يضع حركة الشاعر المادية داخل مكان الإنجاز، وانتقاله من مكان لآخر بجانب حركته النفسية والإبداعية، ويساعد على بيان التأثر والتأثير بين المبدع ومكان الإبداع
ومع تسجيل سيطرة "فاس" مدينة الميلاد والإقامة، يبقى حضور المدن المغربية الأخرى والمغاربية، والعربية الأوروبية، موجودا ومنافسا لهذه المدينة المستبدة بالشاعر.
12- المكان: عنوان النص:
وللعنوان قيمته باعتباره العتبة الأولى لفهم النص، أو البهو الذي منه ندلف إلى دهاليز نتجاوز فيها مع النص عوالمه الممكنة، وهو الذي يمدنا بزاد ثمين لتفكيكه، ودراسته، ويقدم لنا معونة كبرى لضبط انسجامه، وفهم ما غمض منه، بل هو نقطة انطلاق كل تأويل في نظر بعض الدارسين، والمحدد لهوية النص عند آخرين، فاختياره ليس اعتباطيا بقدر ما هو تجسيد لرغبة في جعله معبرا لبسط تصور الشاعر وموقفه
وهو عند البعض الآخر الموحد لشتات النص، والبؤرة المركزية التي لا يمكن الاستغناء عنها في توضيح دلالته واستجلاء معانيه، بل منهم من يعتبره ذا وظيفة تناصية، لأن وراء كلماته إحالات بطريقة واعية، أو غير مقصودة الى موضوع ما، وعموما هو حامل الإثارة أو الإيحاء أو المفاجأة، أولها جميعا، وبنيته مستقلة في ذاتها.
13- جبروت المخيّلة ومركّبية الكتابة الشعرية عند السرغيني:
هو أحد بناة صرح الحداثة الشعرية المغربية، واحد من أفراد ذلك الرّعيل المستنير، الطّموح، والمتجاسر الذي سيحمل على عاتقه، عند نهايات العقد الخمسيني وبواكير العقد الستّيني من القرن الماضي، عبء انتشال التّعبير الشعري المغربي الحديث، سيّان من بين فكّي المؤسّسة الشعرية التقليدية الضّارية أو من بين الأنامل الرّخوة لمعتنقي إبدال شعري رومنتيكي كان قيد التّبلور في خمسينيّات القرن العشرين.
ولأنّ كلّ شاعر و حافزيّاته الموجّهة ومصائره المَسْطورَة، فسيكون من مَكرُمات القدر الشخصي وكذا الثقافي العامّ أن يخوّل لشاعر كمحمد السرغيني، الذي تلقّى تربية لغوية وشعرية اتّباعية وشاكس الإبدال الشعري الرومنتيكي مثل شعراء جيله، شاعر كان عالمه البدئي مجرّد حواري في القروسطويّة وزقاقاتها المتضايقة، الظّليلة، بينما شكّلت جامعة القرويين أفقه التّلقيني المتاح، كاريزما إبداعية فارقة، وجها اعتباريّا مفلقا في القادم من سني عمره. وبالتالي بصمة كتابيّة لا تشبهها، بقوة الفرادة، أيّما بصمة أخرى.
14- المكان: داخل النص:
تحضر الأسطورة، والمقدس الديني، والتاريخ والشخصيات البطولية والفنية والأدبية في شعر محمد السرغيني، معلنة عن ثقافة خصبة ومتنوعة تثري الرؤية، وتحتم على المتلقي أن يكون ذا ثقافة ليستطيع ولوج عالم النص الشعري السرغيني، لأنها الباب الوحيد الذي يمكن مقاربة النص عبره، خصوصا وشاعرنا لا يضع مقدمات ولا هوامش لنصوصه الشعرية الحديثة إلا نادرا.
15- الأسطورة:
وهي مغامرة العقل الأولى لحل مشكلات الإنسان البدائي، أو هي "الوهم الذي يهرب اليه الإنسان البدائي فرارا من حقائق الواقع القاسية، فهي "حكاية تحكي بوصفها أحداثا وقعت في زمن بالغ القدم، وهي تشرح الظواهر الكونية الخارقة وتفسر سبب نشأتها" وبهذا المعنى فهي قليلة الحضور في شعر شاعرنا.
16- المقدس الديني:
ويختلف عن الأسطورة والتاريخ بكونه ذد صلة بالديانات السماوية، وهو موجود بكثافة في النصوص الشعرية لشاعرنا على مستويين: نصوصا، وشخصيات ذات ارتباط بقصص ووقائع. أما النصوص فتجمد تأثره بالأسلوب القرآني خصوصا كما في قوله في الأمثلة الآتية:
وهو في توظيفه لهذه الشخصيات يعتمد وضع إشارات داخل النص توجه المتلقي نحو هوية الشخصية الموظفة دون أن تكون صورتها في النص هي الصورة الأصلية بحيث لا تطغى الإشارة على الرمز،
إن منهج الشاعر في كتابة نصه الشعري المعتمد أساسا على تداخل شخصيات متنوعة، وأحداث تاريخية وغيرها في تشكيل الصورة الشعرية يجعل مهمة الفصل بين المكونات والنظر إلى كل واحد منها من زاويته الخاصة عملية تعقد الفهم، والتأويل، ويفرض شمولية النظرة القارئة، وذكاء الربط المتوازن القائم على قاعدة الاتصال بحقيقة الشخصية الموظفة، السريع الانفصال عنها في حقيقتها، والارتباط بها في خصوصيتها داخل النص لا بعيدا عنه، والا فكيف يمكن التوفيق بين موسى عليه السلام، وأبي العلاء المعري.
17- الأمثال والحكايات الشعبية:
وحضورها في شعره يعكس اهتماما خاصا، واحتكاكا متميزا بهذا الموروث الفني الدلالة، الواسع الانتشار بين طبقات المجتمع، وتظهر براعة الشاعر في قدرته على تكييفها لإغناء نصه الشعري:
فتعلم الحجَّام في رأس اليتيم مستمدة من المثل الشعبي: تعلموا يا لحجامة في رؤوس اليتامى" وسلامة حنجرة الخليفة مستمدة من الحكاية التي تروى عن الحجَّام الذي عندما وصل المُوسي الى حنجرة الملك أثناء حلاقة لحيته طلب منه أن يزوجه ابنته، وكيف أن الملك عندما سقطت الصومعة أمر بقتل الحجام.
18- الشاعر محمد السرغيني وآفاق الكتابة الشعرية الثقافية:
الدكتور محمد السرغيني شاعر مغربي عاش وفيا لنهجه في الكتابة، وهو نهج شكله انطلاقا من تجاربه في الحياة ،لأن الإبداع تجربة إنسانية .كما أنه غذاه باطلاعه على التراث الأدبي والنقدي قديمه وحديثه،وبانفتاحه على الفلسفات والتيارات الفكرية والروحية والفنية مثل الماركسية والوجودية والتصوف والتشكيل والموسيقى، وهو ما انطبع في إبداعه وغير مسارات انحناءاته وأغراه بالتجريب والمغامرة، حتى بات من الممكن الحديث عن "الشعر الأطروحة" وعن "الكتابة الشعرية الثقافية" التي من شروطها امتلاك الأدوات التي تتيح لصاحبها قراءة وكتابة الأحداث واستجلاء المسكوت عنه وفك الأنساق المتحكمة في البنى الذهنية والخلقية والغيبية والأسطورية للمجتمع.
19- السرغيني/ القصيدة في مقابل سالفادور دالي/ اللوحة:
تتحول القصيدة إلى لوحة تبعث في قارئها النشوة واللذة كلما اقترب منها، وهي شعرية بصرية تغذي الدلالة، وتؤسس لمشروع جمالي تصبح فيه قصائد محمد السرغيني"رؤى مبيتة" دون أن "يقف عند حدود الظواهر الشكلية للكتابة،إنه يتجاوزها إلى حد ربطها بجدل فكري يبتدأ من البسيط فالمركب فمركب المركب،بحيث ينتهي إلى أن يصبح مقولة لها مساحتها التصورية والمفهومية، الإنسان ولا شيء غير الإنسان"
الهوامش:
1- عرض قدمته أمام طلبة الماسترالدولي المتخصص/ سنة ثانية(2017)،“ اللغة العربية والتواصل بين الثقافات“تحت عنوان رئيس: الحداثة في الشعر العربي المعاصر- محمد السرغيني نموذجا
2- غنى الرؤية والرؤيا في شعر محمد السرغيني- احمد زكي كنون (أكاديمي من المغرب)-01 يناير 2001- مجلة نزوى- ع 86
3- الصورة الفنية في قصيدة الرؤيا- تجربة الحداثة في مجلة "شعر" وجيل الستينات في سوريا- للدكتور عبدالله عساف – نشر دار دجلة – سوريا- الطبعة الأولى- 1996 – ص 166
4- يفرق عساف في كتابه السابق ذكره بين الرؤيا الصوفية، والرؤيا الشعرية بكون الأولى ترتكز على دعائم غيبية كما أنها ذاتية متطرفة لا موضوعية.. بينما تتسم الرؤيا الشعرية بالموضوعية والوعي.
5- مناقشة محمود أمين العالم لمداخلة جعفر ماجد المنشورة بكتاب،،في قضايا الشعر العربي المعاصر دراسات وشهادات " المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – تونس 1988- ص 301
6- مناقشة سليمان العبسي لمداخلة جعفر ماجد المنشورة بنفس الكتاب – ص 297
7- من مقال بعنوان "استراتيجية التسمية – التأويل وسؤال التراث" لمطاع صفدي- مجلة الفكر العربي المعاصر- العدد 30- 31 صيف 1984- ص 5
8- يقول محمد السرغيني في مقال بعنوان "أفكار أرضية" نشرته جريدة "الرأي العام" العدد 1053 السنة 12 بتاريخ 20- 1- 1960: "… عيبان نشكو منهما: "ركض مثقفينا في صبيانية نحو حضارة هشة جذورها في رمال الشاطئ وهروبهم من حضارة أم… والعيب الثاني: هو خوفهم من التجربة الجريئة الواعية، تجربة الحضارة الشرقية في إطار المفاهيم الجديدة للأشياء". إن المغرب الآن، محتاج إلى الكلمة والحرف، محتاج أن يلقي عليها ظلا ناصعا من الشرق، وخيطا من شعاع شمسه اللاهبة، فإنه يعيش بكلمة مستعارة وبخرف مترهل...“"
9- يراجع مقال منشور بجريدة "الرأي العام" تحت عنوان: "عوائق في طريق الطلائعية" العدد 1982 سنة 12 بتاريخ 10 أغسطس 1960، ومن أبرز أفكاره: "يجب أن تكون الثقافة موحدة الاتجاه، بعيدة عن الميوعة ميالة إلى التأكيد على قيمة الإنسان
17- 11- ديوان "من فعل هذا بجماجمكم" منشورات كلية الآداب – ظهر المهراز- فاس العدد -7- الطبعة الأولى 1994 – ص 89
12- حسن مخافي- محمد السرغيني- تجربة القصيدة ورؤيا الشعر- موقع وزارة الثقافة.
11- محمد السرغيني: جبروت المخيّلة ومركّبية الكتابة الشعرية- - بنعسى بوحمالة- جريدة الاتحاد الاشتراكي-14-04-2016
12- الشاعر محمد السرغيني وآفاق الكتابة الشعرية الثقافية- عبد الرحيم عوام- مجلة أنفاس نت- 27 مارس 2013
13- هناك بعض الفقرات نقلت بالكامل لتمساكها الدلالي(للأمانة العلمية)





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- التّشرْميلُوفوبيَا في فَاس
- كَبُرتُ في عُيُون القَمَر
- المؤتمر الوطني(19) لاتحاد كتاب المغرب في طنجة
- تجليَات بعضُ البُنى الفنِّيَة في القصَّة المَغربية
- شَمسٌ تنَامُ على صَدري
- حُسني مُبارك يوشِّحُ الرِّوائي نجيب مَحفوظ بقلادة مُزيَّفة
- بين السُّلوك الطبيعي وأجيال الضِّباع!!
- سُمَيّة البُوغافريّة تُفرجُ عن رواية“ أطيَاف ميشيل“
- حين أجدُك تضيعُ منّي الكَلمَات
- تخرج فوج (2015-2017):“الماستر الدولي المتخصص: اللغة العربية ...
- لا وقت للعُبُور
- الناقد الأدبي الدكتور عبد المالك أشهبون في ضيافة جمعية أصدقا ...
- مسابقة “صدى فاس للإبداع الفني والأدبي“ في دورتها الثانية
- مَغربُنا وإن جَار علينا ‼
- جمعية أصدقاء المكتبة الوسائطية بفاس تحتفي بتجربة الأستاذ الد ...
- مواعيد ثقافية: “استضافة كاتب“
- نَدوة دَولية بفاس تُسائل ”رهانات عَودة المَغرب للاتحاد الإفر ...
- حَدائق جْنَان السّْبيل بفاس تحتضن فعاليات”مُلتقى المَغرب الش ...
- الشاعر الواعد عبد المنعم رزقي يفوز بمسابقة ” تجارب شعرية” لل ...
- الآن عرفت...!


المزيد.....




- رحيل الأديبة والفنانة التشكيلية المغربية زهرة زيراوي
- فنانة أردنية تحتفل على الهواء بعيد ميلادها قبل أوانه
- سرقة الشاعر الفلسطيني محمود درويش
- الموناليزا بشارب ولحية في مزاد علني
- في ستوكهولم حوار ثقافي عن آلفرد نوبل ومعضلة جائزة الأدب
- في ملتقى الإذاعيين والتلفزيونيين .. احتفاء بالتدريسي السينما ...
- الممثلة جولييت بينوش تتكلم لأول مرة عن فضيحة هارفي وينشتاين: ...
- الممثلة جولييت بينوش تتكلم لأول مرة عن فضيحة هارفي وينشتاين: ...
- تحديات الدخول السياسي الجديد في ندوة الأحداث المغربية وأحداث ...
- مهرجان انطاليا للفيلم السينمائي: مشاركة دولية قوية وغياب عرب ...


المزيد.....

- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر
- بتوقيت الكذب / ميساء البشيتي
- المارد لا يتجبر..بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- من ثقب العبارة: تأملات أولية في بعض سياقات أعمال إريكا فيشر / عبد الناصر حنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ادريس الواغيش - خُصوصِيّة القصيدة المغربيّة الحديثة عند الشاعر محمد السرغيني