أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - عبدالحميد برتو - بيريسترويكا غورباتشيوف (1 من 9) بعض الأوليات كتاب غورباتشيوف















المزيد.....


بيريسترويكا غورباتشيوف (1 من 9) بعض الأوليات كتاب غورباتشيوف


عبدالحميد برتو
الحوار المتمدن-العدد: 5643 - 2017 / 9 / 18 - 23:59
المحور: ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا
    


أجهضت ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى 1917 على أيدي أبنائها وأحفادها، ومن خلال قيادة الحزب الذي أشادها، وعلى أيدي أعدائها أيضاً. ساعدت أسباب وظروف موضوعية وذاتية في ذلك الإنكسار المدوي، الذي بدا غامضاً وعسيراً على الهضم، وكذلك الحال بالنسبة الى تحديد ملامحه وأسبابه عند أوساط عديدة. وعلى الرغم من ذلك التداعي السريع يَقْرُ اليوم أعداؤها قبل مؤيديها، أن الثورة العظيمة قدمت منجزات هائلة ودروساً وعبراً كثيرة وكبيرة، ربما لا حصر لها، مما لا يترك مجالاً لتحوّل الثورة الى حدث عابر يطويه الوقت والنسيان.

تستدعي الإستفادة الدقيقة من دروس وعبر ثورة اكتوبر وإنكسارها، فرادى ومجتمعة، التأمل والتدقيق فيها جرى بعيون فاحصة وذهنية منفتحة. ومن أبرز تلك الدروس والعبر، أن دور الطليعة السياسية الثورية رئيسياً في كل التحولات، ولا يمكن الإستغناء عنه، سواءً في تحقيق الثورة الاشتراكية، أو في بناء وتعزيز المجتمع الاشتراكي الجديد. ولكن في الوقت نفسه يبغي معرفة أن "الطليعة" يمكن أن تكون قوة أساسية في هدم البناء الإشتراكي أيضاً، وذلك في حالة هيمنة الإنتهازية على قياداتها، وتسرب قوى الثورة المضادة الى صفوفها، والتأثير على طريقة تفكريها ومعالجاتها.

أرى حالياً بمناسبة مرور مئة عام على الثورة فائدة مهمة في عرض وتحليل ومناقشة كتاب ميخائيل سيرغيفيتش غورباتشيوف؛ آخر أمين عام للجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، الموسوم بـ (بيريسترويكا ـ والتفكير الجديد لبلادنا والعالم أجمع). وهو أهم كتاب في رواية تفاصيل التحولات في المنظومة الإشتراكية العالمية والتمهيد لها، ومعرفة نوعية التفكير السائد والمتنفذ في قيادة أكبر وأهم حزب شيوعي. وكذلك هو مهم من الناحية المنهجية عند تحليل البيريسترويكا، أو الحديث عن إيقاع خطواتها التدريجية. والعمل على التعامل مع مصدرها مباشرة، وليس نقلاً عن أصدقاء أو أعداء البيريسترويكا ـ إعادة البناء. كما يحمل الكتاب درساً ثميناً في التمرس، على معرفة اللغة التي يستخدمها، الذين يفقدون البوصلة الإجتماعية في الطروق الوعرة، بوعي وتخطيط أو بدونهما.

ظهرت الطبعة العربية الأولى للكتاب في عام 1988، عبر دار الفاربي في بيروت ـ لبنان. ونهض بمهمة ترجمة الكتاب خمسة مترجمين مرموقين، وشارك في الترجمة والمراجعة والتدقيق عن الروسية د. محمد أحمد شومان. ولم تظهر أية طعونات بشأن مستوى الترجمة ودقتها الى يومنا هذا، بل على العكس من ذلك، نالت تقديراً من جهات تقف في مواقع مختلف من حيث المنطلقات الفكرية.

تكمن أهمية الكتاب في أنه من صنع الشخص الأول بقيادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، أو على الأقل وُقِعَ الكتابُ بإسمه، وهو تولى توجيه وقيادة فريق العمل. كما إن الكتاب ليس مجموعة مقالات أو خطب منثورة هنا وهناك، أو جاءت في مناسبات إحتفالية عابرة. إنه يمثل نظرة شاملة وموقفاً محدداً إتجاه عرض واقع الاتحاد السوفياتي وآفاق تطوره اللاحق، ويمثل وجهة نظر التيار المهيمن في المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب، وكذلك أجهزة الدولة السوفياتية. ويمكن للقارئ في حالة القراءة المتأنية للكتاب، التعرفَ على مضمون البيريسترويكا الشامل والدقيق، كما عرضه رواده، ورصد العناصر غير الظاهرة في الكتاب للوهلة الأولى، أي المواقف الحقيقية لمبتدعي نهج "إعادة البناء" و"التفكير الجديد"، وهي الأهداف الرئيسية والأكثر أهمية، التي جرى السعي الحثيث للوصول إليها في نهاية الرحلة أو المطاف، هذا فضلاً عن أن الإطلاع على تجربة البيريسترويكا يخلق إستعدادات لبناء وعي مستقبلي في مجابهات مماثلة.

من المعلوم أن كل فعل إجتماعي يتطلب تنظيماً للسير به الى أمام، نحو أهدافه المعلنة أو غير المعلنة. وقد برهنت تجارب لا حصر لها، على أنه لا يمكن تحقيق أي فعل إجتماعي، حتى ولو كان في أبسط درجاته، دون تنظيم. وفي أي تنظيم يلعب الشخص الأول دوراً رئيسياً في توجيه مسار ذلك التنظيم، حتى ولو جاء ذلك الشخص بمساومات بين الأقوياء داخل التنظيم نفسه. وأحياناً يكون دور الشخص الأول من الأساس سلبياً للغاية وغير محصن من المواقف الشائنة. وقد تلعب مسيرة حياته دوراً مؤثراً على التنظيم، منها: تأثيرات الإنحدار الإجتماعي، العيش فترات طويلة في السجون، وعقد نفسية وعائلية وتراكمات أخرى. هذه حقائق يمكن إثباتها بسهولة على الرغم من كل ما يقال عن القيادة الجماعية أو الممارسة الديمقراطية أو الضبط الحديدي أو العلانية والشفافية الى آخره. وللتنظم أي تنظيم أمراضه كما جوانبه الصحية المشرقة. ومن عوامل التي تؤدي الى خلق تلك الحالات السلبية والايجابية في أي تنظيم يمكن الإشارة الى طبيعة كل التنظيم في ذاته، والى قوة العادة التي تطبع سلوك الأعضاء فيه، والى نوع الجرأة التي يتحلى بها الأعضاء والمحيطون، أو وجود حالات سرية داخل العمل السري، وتنظيم داخل التنظيم. لاشك أن هذه المسائل معقدة للغاية، وتستحق جهوداً أكبر من علوم الإنسان والنفس والمجتمع، ما يهمنا هنا تصور الموقع الذي جلس فيه غورباتشيوف، ومنحه تلك السطوة على مقاليد الحياة الحزبية بأسرها.

يقع الكتاب في 375 صفحة من القطع المتوسط، يضم مقدمة الى القارئ، وهو من قسمين: القسم الأول يضم فصلين: الأول البيريسترويكا، منبعها، جوهرها، وطابعها الثوري. الفصل الثاني عن البيريسترويكا، والاستنتاجات الأولى، ويتناول أربع زوايا أساسية، هي: لقد دبَّت الحركة في المجتمع؛ السياسية الاقتصادية والاجتماعية الجديدة في الممارسة؛ على طريق إشاعة الديمقراطية؛ والغرب والبيريسترويكا. والقسم الثاني: التفكير الجديد والعالم. ويضم خمسة فصول: كيف نرى العالم المعاصر؛ البيريسترويكا في الاتحاد السوفياتي والعالم الإشتراكي؛ "العالم الثالث" في المجتمع الدولي؛ أوروبا في السياسة الخارجية السوفياتية؛ ومشكلات نزع السلاح والعلاقات السوفياتية ـ الأميركية. وأخيراً خاتمة الكتاب.

أسعى في هذا المقال الى تتبع خطوات غورباتشوف. وتناول كل خطوة في سياق كتابه على حدة، بأمانة وحرص على الحقيقة لا غير، دون محاباة أو كراهية أو مؤثرات أخرى. ولكن في الوقت نفسه أعلن أني أنطلق أو أرتكز في القراءة والتحليل والمناقشة من خلال تبنى موقف الاشتراكية العلمية.

أعرض وأناقش كتابَ غورباتشوف فقط، ولست معنياً بما قاله الغرب من قصائد مديح له، ولا في طعونات وإتهامات خصومه أيضاً. أكد القادة الغربيون على أن غورباتشوف وضع روسيا على طريق الديموقراطية، وإنهاء الحرب الباردة، ومنحه الجوائز والأوسمة. مُنح غورباتشوف آخر زعيم سوفياتي، جائزة "نوبل للسلام" عام 1990، وفي عام 2008 منحه مركز الدستور الوطني الأميركي، وعلى يد الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش (الأب) وسامَ الحرية لدوره في إنهاء الحرب الباردة، وجرت مراسم الفعالية ضمن الاحتفال بذكرى الـ 20 لسقوط جدار برلين.

بعد أعوام من تفكيك الاتحاد السوفياتي حوّل الغربُ غورباتشوف الى رجل إعلان ، وتحديداً في عام 1997، وذلك حين قام غورباتشوف وحفيدته بالظهور على شاشة التلفازات الغربية في دعاية للبيتزا Pizza Hut، وفي عام 2007 ظهر في إعلانات لشركة الأزياء الفرنسية Louis Vuitton، وشارك في عددٍ من الإعلانات الأخرى، تحت مبررات كسب المال لمؤسسته الخاصة في مجالات "البحث"، كما صرح غير مرة. وقد سبق ذلك أن لعب غورباتشوف في عام 1993 دوراً في فيلم (بعيد، وقريب جداً!) للمخرج الألماني ويم ويندرس. كما شارك في العديد من الأفلام الوثائقي، منها سقوط "جدار برلين".

إتهم خصومُ الزعيمَ السوفييتي الأخير ميخائيل غورباتشوف فترةَ حكمه بالإهمال وسوء الإدارة، ومن أبرز معالمها أو من أبرز ما أشاروا إليه منها، إنها شهدت أسوأ كارثة في تاريخ المحطات الكهرونووية ـ كارثة مفاعل محطة تشيرنوبل في أوكرانيا السوفيتية، والتي تُعد أكبر كارثة نووية شهدها العالم، وقعت يوم 26 نيسان/ أبريل من عام 1986، ولكن غورباتشوف زار موقع الكارثة مع زوجته رايسا في عام 1989، أي بعد مضي ثلاثة أعوام عليها.

ذهب بعض منتقدي ودارسي التجربة السوفياتية بإتجاهات مختلفة فيما يتعلق بالأسباب وتحديد المسؤوليات، وتحركت القراءات بين الإشارة الى العوامل الداخلية، وأخرى الى العوامل والتدخلات الخارجية، وبين التطور الطبيعي وبين خيانة الاشتراكية، وهناك مَنْ جمع بين تلك العوامل الداخلية والخارجية معاً. ولم تغيب عن الأسباب تلك التي تتهم وتشير الى النشاطات الخاصة، وتتهم الرئيس السوفياتي وعدد من أنصاره بعلاقات مع منظمات أجنبية معادية، وذهب في هذا الإتجاه على سبيل المثال الكاتب الروسي إيغور يرماكوف الذي أشار الى دور المنظمات الماسونية وغيرها.

في البلاد العربية كانت نادرة التقويمات الجادة والمُغنية لمضمون البيريسترويكا، سواءً على مستوى التفهم أو النقد أو الإدانة. وربما ساعد في ذلك الإتجاه الحالةُ الثقافيةُ الغالبةُ عندنا، التي تمارس سلوكاً فكرياً يمكن وصفه، بأنه يقوم على التلّقي، أو التزمت والحدية، أما مع الموقف على طلال الخط، أو ضده على طول الخط، وأحياناً يتم الإنقلاب السريع في الموقف وحتى على الذات. كان الطابع العام الغالب عَقْدُ الآمال العريضة على البيريسترويكا وقادتها، ونظمت الندوات في بعض العواصم العربية، ولعبت المجلة النظرية للأحزاب الشيوعية ـ قضايا السلم والاشتراكية ـ من مقرها في العاصمة التشيكية ـ براغ، التي تمولها موسكو دوراً أساسية في إقامة تلك الندوات، وقد أخذت طابع الحفلات الخطابية ليس إلا.

أما رؤية غورباتشوف لنفسه ودوره في تطوير الاتحاد السوفياتي وإعادة بنائه، فقد قال: إنه "يريد أن يرد التاريخ على هذا السؤال"، مضيفاً إنه "يعتقد أن التاريخ سيخصص له المكانة المناسبة لمن قدم الخدمات الجليلة لبلاده". وهل هناك إطراء ونرجسية أبعد مما ذهب إليه قائد سوفياتي بموقعه؟

جاء رد التاريخ سريعاً متجاوزاً تقديرات الجميع. فقد مهد غورباتشيوف بـ"جدارة" الطريق أمام الثورة المضادة. وأكمل بوريس يلتسين عضو المكتب السياسي للحزب بقية المشوار. وما قيل عن الحريات والرفاهية وحرية الكلمة، أفرط بها ضابط (كي جي بي) فلاديمير بوتين، الذي بدأ أول رئاسة له بحرب في القفقاز، تقوم على أساس الأرض المحروقة، وهذا الأخير لم يزعجه لقب القيصر، بل سعى لتأصيله على أرض الواقع. لاشك في أن كل ما جرى في موسكو في الأساس عوامله الرئيسية داخلية، ولكن من الخطأ تجاهل تأثير العوامل الخارجية، خاصة حين يفتح صاحب الدار أبوابه ومنافذه الخارجية. ولكن ما يسجل لصالح بوتين في مجال العلاقات الدولية، أنه إستخدم القوة الموروثة من الاتحاد السوفياتي لإعادة جزء من الإعتبار لمكانة روسيا الدولية، وسعى الى تعزيز تحالفات بلاده الخارجية، وتمييز مواقفها الدولية عن الولايات المتحدة الأميركية. وهنا لست بصدد معاينة مواقف بوتين الدولية بما يملي عرض إيجابياتها وسلبياتها، من منطلق مصالحنا الوطنية من جانب، ومن جانب آخر مصالح الشعب الروسي، ولكن هذا الأمر ليس موضوعنا هنا.

تقوم منهجية هذا المقال على عرض أفكار غورباتشيوف، كما هو طرحها وبالنص، ثم مناقشتها على أساس منطلقات الماركسية ـ اللينينية، التي إدعى المؤلف أنه يرسم سياسته وخطواته على أساسها وفي ضوئها، ويؤكد الكاتب غير مرة على أن الكتاب هو ثمرة تلك الأسس، كما يحلو له تكرار ذلك.

يُظْهرُ المؤلفُ من الأسطر الأولى، توجهاً واضحاً في خطابه، بقوله: "وضعت هذا الكتاب وثمة رغبة تحدوني للتوجه الى الشعوب مباشرة، الى شعوب الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية والى شعوب البلدان الأخرى". ولكن النصوص اللاحقة تُظهر إهتمامَاً مميزاً بالشعب الأميركي تحديداً، وتُبين ما يشبه التجاهل لشعوب المنظومة الاشتراكية الدولية المعنية أساساً بما تطرحه البيريسترويكا. وهو ما إنعكس عليها من تحولات عاصفة بالمعنى الحرفي للكلمة، خاصة وإن البيريسترويكا كانت تخص بالأساس إعادة البناء الداخلي داخل الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية، ومن ثم تنعكس التحولات على السياسة الخارجية لهما، وعليه فهم موضوعياً الأجدر بالإشارة. كما يُبين الكتاب في فصوله اللاحقة أن إعراب غورباتشيوف عن الاهتمام بالشعوب مجرد تسويق، لما سوف يظهر لاحقاً، أي إنه معني بالإدارة الأمريكية تحديداً وحكومات دول غرب أوروبا، وهي التي تشغل إهتمام الكتاب بمجمله.

ذلك الإهتمام الخاص بالإدارة الأميركية يعكس بجلاء، حقيقة الى أين تتجه أنظار غورباتشيوف ورفاقه، وربما كان من المناسب عدم الإشارة الى أي شعب آخر، أو على الأقل إدراج شعوب كبيرة ومهمة مثل الصين على سبيل المثال، فالصين العقائدية كانت على صراع سابق مع موسكو، فيما يخص التحالفات الطبقية، وضد فكرة التعايش السلمي وما الى ذلك، وإن الصين على وشك أن تلامس موقع الإقتصاد الثاني في العالم، وهي قد تخلت في وقت مبكر عن الكثير من خيالها الآسيوي.

تنطوي عبارات وتوجهات غورباتشيوف على تجاهل للحزب الحاكم منذ أكثر من سبعة عقود في الاتحاد السوفياتي، وهو يتولى موقع المسؤول الأول فيه، حين يتوجه الى الشعوب السوفياتية مباشرة بإسمه الشخصي. ويخاطب العالم بذات الصفة، وذلك من خلال تأكيده في العبارة اللاحقة مباشرة: "ولقد إلتقيت كثيراً من زعماء الدول ورجالاتها، كما إلتقيت ممثلي أوساطها الاجتماعية"، وفي كل الأحوال كانت الحصة الكبرى من جهده منصبة على واشنطن وعلى مختلف المستويات.

يقفز غورباتشيوف بسرعة فوق التجاذبات في بلاده، وفوق كل الصراعات الاجتماعية في كل بلد على حدة، وعلى الصعيد العالمي، لتعمية الموقف بأسره بقوله: "ها إني كتبت هذا العمل وملئي ثقة بصوابية مداركهم، وإنني على ثقة أيضاً أنهم، مثلي تماماً، بل إننا جميعاً ـ وهذا هو الأمر الأهم ـ مسكونون بمصير كوكبنا". (الكتاب: ص5). فالقضية الأخيرة جوهرية للغاية، ولكنها تفقد الكثير من معانيها حين يكون الهدف من الإشارة إليها تجاهل جوانب حيوية أخرى.

وبصدد الفئات التي تطرح تساؤلات حول البيريسترويكا ـ إعادة البناء والتجديد، وكل ما يجري في الاتحاد السوفياتي. وضع الكاتب سلماً لإهتمام تلك الفئات بإنسيابة، أرادها أن تظهر غير مقصودة، حين تجاهل ذكر الطبقة العاملة، والإشارة الى رجال الأعمال. وهذا أمر له دلالة على نوع التفكير السائد في حزب الطبقة العاملة في فترة مضطربة ومشحونة بالإسئلة والتطلعات والنشاطات المتنوعة. كتب النص التالي: "تلك تساؤلات مشروعة، وكثيرون يسعون الى الإجابة عليها: ساسةً ورجالَ أعمال، علماءَ وصحفيين، معلمين وأطباء، رجال دين وأدباء وطلاباً وأصحاب مصانع". (الكتاب: ص6 ـ 7).

عاد ليضيف بأن البيريسترويكا تقع في مركز حياة المجتمع السوفياتي الروحية، بإعتبارها تهم مصير البلاد، ويتعاظم الإهتمام بها في البلدان الاشتراكية الأخرى، بإعتبارها تكابد مرحلة معقَّدة وصعبة جداً، والإهتمام الموجه لبلاده دفعه للموافقة على طلب الناشرين الأميركيين للقيام بتأليف هذا الكتاب موضع العرض والدراسة.

يرى بأن المجتمع السوفياتي يعيش زمناً غير عادي، وإن الحزب أخضع الوضع الذي تكوَّن حتى منتصف الثمانينات للتحليل النقدي، ويرى بأن التحولات التي أوجدتها البيريسترويكا، "بات من المستحيل العودة بالمجتمع القهقرى". (الكتاب: ص8).

وعلى الرغم من أنه يشير الى أن التأويلات في الغرب تُصور الوضعَ في الاتحاد السوفياتي بأنه كارثي، ويعكس خيبة أمل بالاشتراكية، وأزمة في أفكارها وأهدافها النهائية، ويعترف بأن ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة، ولكنه يقر ضمناً بذلك من خلال إعترافات مخففة ومغلفة، تفيد بأن دوافع طرح البيريسترويكا عدم الرضا عما حدث خلال السنوات الأخيرة، ولتغطية ذلك يشير الى الإحتفالات بالذكرى السبعين لثورة أكتوبر التي خلقت قاعدة مادية متماسكة وخبرة متراكمة وأفقاً روحياً للتحسين كما وكيفاً.

إن العبارة التالية تستحق الكثير من التأمل والتحليل وإسبعاد الإلتواءات البلاغية لإستجلاء الأبعاد الكامنة فيها، يقول غورباتشيوف: "ويؤكد البعض أن المهمات الهائلة التي طرحتها البيريسترويكا في بلادنا، إنما أملتها ضرورة ناجمة من المبادرات السلمية التي تقدمنا بها في الأونة الأخيرة على الصعيد العالمي. إن هذا الرأي تبسيطي تماماً. فمن المعروف جيداً أن الاتحاد السوفياتي يتبع منذ أمدٍ بعيد نهجاً سلمياً يتَسم بالرغبة في التعاون، فضلاً عن أنّه تقدم في السابق بالكثير من المقترحات، التي لو قُدَر الأخذ بها في حينه لأمكن تحسين الوضع الدولي". (الكتاب: ص9). ولكن المؤلف يوصل الحديث عن الإهتمام بهذه النقطة التي تخدم تقدم بلاده والعالم، على الرغم من تأكيده أن التفكير الجديد يذهب أبعد، ويشير الى إيجاد حلول للمسائل الاجتماعية الكبرى، والضغوط الجديدة للثورة العلمية ـ التقنية، والمعضلات ذات الطابع العالمي، وإن البشرية تواجه مهمات لا سابق لها، مثل ترابط الأزمات الدولية وتراكم السلاح النووي ومخاطر الصدفة، ويطيل الحديث عن نتاج الحرب التي لن تعرف منتصراً، ويجهد نفسه لإثبات أن عالم اليوم غير عالم الأمس. ويعرج على جهود قيادته في ميدان نزع السلاح وعن وجود الجميع في سفينة واحدة.

وبعد إعلان المخاوف من الموت النووي، يصل القائد "الشيوعي" الى حقيقة، أن العالم قد تغيّر، والمشكلات القديمة لا تُحَلَ على أساس نموذج تفكير سياسي موروث من القرون السابقة، وجاءت العبارة على وجه الإطلاق، وإن ضرب المؤلف مثلاً من خارج السعبين عاماً من عمر الدولة السوفياتية، بقوله هل يمكن التمسُّك بمقولة أن الحرب إستمرار للسياسة ولكن بوسائل أخرى.

وعلى أساس أنه يتحدث بصراحة (الغلاسنوست ـ العلانية) عن سياسة الولايات المتحدة الأميركية، حاول أن يمسك العصا من النصف. ولكن يبدو أن مهارته لم تطاوعه حتى نهاية المطاف. أشار الى رفضه التسليم أو القبول بنزعات واشنطن ودعاواها الهيمنيَّة على العالم، لكنه إكتفى بالتعبير عن عدم الإعجاب ببعض مظاهر السياسة والحياة الأميركيين، مع الأخذ بالحسبان في الوقت نفسه الدور الهائل، الذي تضطلع به الولايات المتحدة في العالم المعاصر، ولم ينسَ الأخذ بنظر الإعتبار المصالح القومية الأميركية المشروعة. وهنا تجاهل بالكامل طبيعة الرأسمالية في طورها الجديدة الراهن. وواصل إعرابه عن الأمل بأن تتوطد العلاقات الروسية ـ الأميركية، معترفاً بوجود ريبة أمريكية من بلاده، وإنها تُنظر إليها بوصفها عدواً و"إمبراطورية الشر"، ولا تتصرف معها بشكل حضاري. ويتوصل الى نتيجة تفيد بعدم السماح للوقت بأن يمضي إنتظاراً للحظة المثالية المناسبة، وسيواصل بحماسة لا رجعة فيها تطوير العلاقات بين البلدين، وليس من الصعب من خلال كل خطاب غورباتشيوف تلمس حالة الإنفتاح بهوس صوب إنماء العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية بأي ثمن، ولحد التواطؤ في العديد من المواقف.

يتبع:
منبع وجوهر وطابع البيريسترويكا





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الثوري والإصلاحي والإنهيار القيمي 2 من 2
- الثوري والإصلاحي والإنهيار القيمي 1 2
- مع الجواهري في بعض محطاته
- الإحتكام الى الشعب مرة أخرى
- الإحتكام الى الشعب
- بين عيد العمال ومئوية ثورة إكتوبر (6) الأخيرة
- بين عيد العمال ومئوية ثورة إكتوبر (5)
- بين عيد العمال ومئوية ثورة إكتوبر (4)
- بين عيد العمال ومئوية ثورة إكتوبر (3)
- بين عيد العمال ومئوية ثورة إكتوبر (2)
- بين عيد العمال ومئوية ثورة إكتوبر (1)
- هل هناك شيوعية بدون الماركسية اللينينية؟
- شخصية الفرد العراقي
- خواطر حول أيام دامية
- تحررت مدينة هيت ولكن متى تدور نواعيرها؟
- عملية سياسية مندحرة ولكنها مستمرة
- موجعة ذكرى الشهداء
- ثورة 14 تموز
- الفقراء يتضامون ... ويتبرعون أيضاً
- 31 آذار يوم مجيد لكل كادحي العراق


المزيد.....




- الكرملين يعلن أن بوتين التقى بشار الأسد في سوتشي
- الأسد عند بوتين لشكره على "إنقاذ الدولة" وموسكو تت ...
- بوتين يستقبل الأسد في سوتشي
- بالفيديو.. بوتين يستقبل الأسد في سوتشي الروسية
- الكرملين: بوتين سيجري اتصالا هاتفيا مع الرئيس الأمريكي دونال ...
- مصر: صيحات للشباب تتحدى تقاليد المجتمع
- اعتراف خطير من طيار أمريكي بشأن الطائرات الروسية في سوريا
- سوريا ونصف التجارة العالمية على طاولة سوتشي
- من كتب -مخطوطات البحر الميت- الأثرية؟
- هجوم إلكتروني -متقدم- يستهدف الحكومة السعودية


المزيد.....

- ثورة إكتوبر والأممية - جون فوست / قحطان المعموري
- الاشتراكية والذكرى المئوية للثورة الروسية: 1917-2017 / دافيد نورث
- الاتحاد السوفييتي في عهد -خروتشوف- الذكرى المئوية لثورة أكتو ... / ماهر الشريف
- ثلاث رسائل لمئوية ثورة أكتوبر / حارث رسمي الهيتي
- في الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917م الخالدة أهم أسباب إنهيا ... / الهادي هبَّاني
- هل كانت ثورة أكتوبر مفارقة واستثناء !؟ الجزء الأول / حميد خنجي
- الأسباب الموضوعية لفشل الثورات الإشتراكية الأولى / سمير أمين
- جمود مفهوم لينين للتنظيم الحزبي وتحديات الواقع المتغير / صديق الزيلعي
- مائة عام على الثورة البلشفية: صدى من المستقبل / أشرف عمر
- عرض كتاب: -الثورة غير المنتهية- / نايف سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - عبدالحميد برتو - بيريسترويكا غورباتشيوف (1 من 9) بعض الأوليات كتاب غورباتشيوف