أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زاهر بولس - سلامًا أيُّها المُغْتَصِبُون! عاموس عوز خادم الشّر!















المزيد.....

سلامًا أيُّها المُغْتَصِبُون! عاموس عوز خادم الشّر!


زاهر بولس

الحوار المتمدن-العدد: 5611 - 2017 / 8 / 16 - 20:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الثقافة قضيّة مركّبة جدًأ، والرسائل الثقافيّة معقّدة، لها مستويات متداخلة، أحيانًا تسكب ماء النار على اوتار قسم من المتلقين، وقارورة عطر على اوتار القسم الآخر، شرط ان يعتقد القسمان بان شذى العطر غمر كليهما. لكن اللاواعي يتلقى ما اراده الكاتب، وترسب الرسالة هناك طويلا، تتذوّت. ولهذا اسلوب وتقنيّات سلسة جميلة متطوّرة في السيطرة، حتّى لتظن المثقّف عالم نفس او عالم نفس جماهيري، او عالم نفس كوني اذا ما تُرجمت مقولاته الى لغات عِدَّة، رغم ان نزعاته كيديّة سطحيّة.

أصدر عاموس عوز، كاتب اسرائيلي ينتمي فكريّا الى الحركة الصهيونية، من مواليد عام 1939، كتابًا جمع فيه ثلاثة مقالات تحت عنوان "سلامًا أَيُّها المُتَعَصِّبُون"، باسلوب ممل بعض الشيء، سطحي، لكن سطحيته مريبة، ليكون بمتناول الجميع، فتتسرّب جرعات السمّ بسلاسة لا يشعر المتلقّي سوى بحلاوة العسل التي تكسوه. مستعملًا تقنيّات إعلام علم النفس الجماهيري، وعلم نفس الإعلام الجماهيري، مستخدمًا ثلاثيّة اللغة المبسّطة والافكار الثقافيّة المُسبقة والأمثلة العفويّة بتدبير مُسبَق.

يكتب عوز: "فهؤلاء الذين يفجّرون العيادات التي يتم فيها الإجهاض، والذين يغتالون المهاجرين في اوروبا، والذين يقتلون النساء والاطفال في اسرائيل، وأولئك الذين يحرقون بيتا وفي داخله أسرة فلسطينية كاملة، الأبوان والاطفال، في المناطق التي تحتلها اسرائيل، والذين ينتهكون حرمات الكُنُس والمساجد والمدافن، وإن كانوا يختلفون عن تنظيم القاعدة وداعش بحجم وفظاعة افعالهم، فهم لا يختلفون عنها بطبيعة جُرمهم".

عمليًا، وبفقرة قصيرة، يثقب وعينا بإبرة يُسَرِّب فيها عدة انواع من السموم، فتسري حتى ترسب في لا وعينا، تحت غطاء تقدّمي زائف، العسل الذي يغلّف السم، معاداته لعنف وإرهاب الجميع. فما قامت به اسرائيل من قتل واغتصاب وتهجير ومحاولة إبادة الشعب الفلسطيني في عام النكبة (1948) لا يُحْتَسَب! وشرعي، وكل عمليات المقاومة الفلسطينية داخل حدود (48) هي: " والذين يقتلون النساء والاطفال في اسرائيل"، وكأن على الفلسطيني ان يقبل بنتائج النكبة، ومن هنا يبدأ، بلا مقاومة ودون حق عودة! ويساوي بينها وبين "أولئك الذين يحرقون بيتا وفي داخله أسرة فلسطينية كاملة، الأبوان والاطفال، في المناطق التي تحتلها اسرائيل"، والمقصد من "المناطق التي تحتلها اسرائيل" المناطق التي احتلتها اسرائيل عام (1967)، وكأن التاريخ يبدأ من هنا، ويساوي بين المقاوم الفلسطيني ومستوطن (67) متناسيًا مستوطن ومحتل (48).

ان اختلافنا وعدم قبولنا للكثير من فكر القاعدة ورفضنا لأساليبها، لا يجعلها في سلّة واحدة مع داعش. فالقاعدة فكرا وتنظيما لها استقلاليتها "النسبية"، التقت مصالحها بمصالح الغرب في افغانستان وغيرها ضد الإتحاد السوفييتي في حينه، أما داعش فهو تنظيم من انتاج الولايات المتحدة وحلفائها بالكامل، وتعمل ضمن اجندتها، والأصح تسميتها بكتيبة من كتائب جيش الولايات المتحدة الامريكيّة، وتعمل بالتنسيق مع اسرائيل، وهي في سلة واحدة مع جيش الكيان الصهيوني وسوائب مستوطنيها، وعاموس عوز يحاول خلط الاوراق والتغطية من خلال لعبة تكثيف النَص وتغليفه السريع بعسل كرهه للعنف لدى الجميع!.

ويستبق عوز امكانية الاعتراض على سطحيته بالهروب الى الامام، مدافعًا عن مقولته بالهجوم على من يمكن ان يعترض طريق الفكرة، لأنها فكرة مؤسِّسة لكل مقولته في مقالته، فيضيف:"من لا يستطيع تدريج الشرّ، أو من يرفض تدريجه، قد يتحوّل بذلك الى خادم للشرّ"، ونحن إذ نتفق معه في مبدأ التدرّج نختلف معه في مضمون التدريج الذي يحاول من خلاله تبرئة ذمّة جرائم الصهيونيّة متحوِّلا بذلك الى خادمٍ للشر الذي حذّر منه، من حيث يدري! فياتبع مفصّلًا ان:"الذي يُدخل الأبارتهايد، والاستعمار، وداعش، والصهيونيّة، وانتهاك الاصول السّياسيّة، وحجرات الغاز، والتفرقة الجنسيّة، وثراء أرباب الأموال، وتلوّث الجوّ، فإنه يخدم الشر بمجرّد رفضه تدريجه".

اذا لم يكن ما مررنا به كفلسطينيين عام النكبة على يدي العصابات الصهيونية من ذبح وتهجير وإبادة وهدم قرى ومدن وحضارة ليس داعشيًا فماذا نسمّيه؟ وما نحياه الآن في كامل فلسطين، إن لم يكن ابرتهايد فماذا نسمّيه؟ وحصار غزّة شبه المطلق، حيث تحدد فيه اسرائيل كمية الغذاء والدواء لشعب يرزح تحت انياب الفقر والبطالة، في خضم برمجة تقصير معدّل الاعمار لدى شعب بأكمله، ماذا نسمّيه إن لم يشابه مفعول حجرات الغاز على أمد طويل، كي لا يثير الرأي العام؟

إن احدى التقنيات الناجحة لدسّ السُم وتسريبه الى وعي المتلقي، هي الذمّ بما يشبه المديح لمن تكره والمدح بما يشبه الذّم لمن تحب. فتقزّم بذلك حسنات من تكره وتعملق سيّئاته حين تبدو محبًا ولا يبدو زيفك. وفي المقابل، تقزّم سيئات من تحب وتعملق حسناته حين تبدو ناقدًا موضوعيًا، ولا يبدو زيفك. وبذا تحصّن صورتك الموضوعيّة امام المتلقي فيشتري بضاعتك الفاسدة الكاسدة دون ممانعة! ولا ادلّ على ذلك من لعبة اعطاء الامثلة، ويفعل عوز ذلك، ويتقن فعلته وفن التزييف، والزيف فن قديم مرموق في السياسة!

وحتّى لا اطيل عليكم اكثر، سأختار مثالين استعملهما عوز كي يشرح نظرته عن الارهاب والعنف وكرهه لهما لدى جميع الثقافات والشعوب، حتى اكشف المستتر في النَص. اليكم هذا النَص:"يتوق المتزمّت إلى تحويل هذا العالم الشّرير إلى ^عالم ملؤه الصلاح^،^العالم الآخر^ (مع او بدون الحوريات الاثنتين وسبعين اللواتي ينتظرنه هناك مكافأة وتعويضا له عن التضحية بحياته). وهكذا فإن ^العالم الآتي^ كثيرًا ما يتهيّا للمتزمّتين بمختلف الوان الزِّيف المُزيّن المُحَلّى". ولا زيف مُحَلّى إلا ما يكتبه عوز، فيخص العام بالخاص، فحين يصف كرهه للتعصب لدى الجميع يدس الحوريات في النَص فيربط بذلك ما بين الإرهاب والإسلام بسلاسة السُم الزعاف ويعممه، فيتحوّل المثال الخاص إلى الفهم العام في حين أوهمنا انه يهاجم العنف باشكاله لدى الجميع. وفي المقابل اذا اردت ان تعرف كيف يتعامل بنصوصه مع الإرهابي اليهودي، فتابع النصوص معه..!

هنا يستعين عاموس عوز بالكاتب الاسرائيلي، سامي ميخائيل، فيقتبس قصّة حدثت معه حين سافر ذات يوم في سيارة اجرة يقودها يهودي، وصفه فقط بالمتعصّب! "أثناء السفر شرع السائق يحدّث ويشرح لسامي كم هو مهم، بل وملحٌّ بالنسبة لنا، نحن اليهود، أن "نقتل كل العرب". أصغى سامي بأدب إلى أن انهى السائق عظته، وعوضًا عن الشجب والإدانة والتعبير عن الامتعاض، طرح على السائق سؤالًا ساذجًا:
-. ومن الذي يجب ان يقتل كل العرب، بحسب رايك؟
-. نحن اليهود! يتحتّم علينا! فإما نحن- أو هم! ألا ترى ما يفعلون بنا طوال الوقت؟
-. ولكن من بالضبط الذي يجب ان يقتل كل العرب؟ الجيش؟ ام الشرطة؟ ام لعلهم رجال الإطفاء؟ أم الأطباء بالمراييل البيضاء، بواسطة الحقن؟
حكّ السائق رأسه، صمت وفكّر لبرهة ثم قال:
-. يجب تقسيم العمل بالتساوي بيننا كلنا. على كل رجل يهودي ان يقتل عددًا من العرب.
لم يُزح عنه سامي ميخائيل:
-. حسنًا، لنفرض انك، كحيفاوي، أخذت احدى بنايات دور السكن في حيفا، وتنقّلت من باب الى باب، تقرع الجرس، تسأل الساكنين بأدب: عذرًا هل انتم عرب صدفة؟ فإن جاء الرد "نعم" اطلقت عليهم النار وقتلتهم. وبعد ان انتهيت من قتل كل العرب في البناية، نزلت السُلّم متوجهًا الى بيتك، لكنّك لم تكد تبتعد حتى سمعت فجأةً بكاء رضيعة آتٍ من الطبقات العليا. فماذا عساك تفعل؟ أتستدير؟ فتعود؟ فتصعد سُلّم الدّرج وتطلق النار على الرضيعة؟ نعم ام لا؟
لحظة صمت طويلة. السائق يفكّر. أخيرًا اجاب قائلًا:
-. إسمع يا سيّدي، أنت رجل شديد القسوة!"

ويضيف عوز معلقًا على هذه القصّة، نقتبس منها التالي:"هذه الحكاية تكشف عن شيئ من الفوضى التي تسيطر احيانًا على نفس المتعصّب: مزيج من الانسداد والعاطفيّة وفقر الخيال، عن طريق الرضيعة، قد ارغم ذلك المتعصّب الجالس الى المِقوَد على ان يُعمِل خياله، وبذلك حرّك في نفسه الوتر العاطفي. والسائق المُحب للأطفال قد ارتبك..". إلى هنا ينتهي الاقتباس.

ملاحظتان وأُنهي: الاولى، ان قصة سامي ميخائيل ليست مجرّد اوهام تدور في رأس ارهابي يهودي اسماه عوز بالمتعصّب، وانما حدث امثالها بالمئات في حيفا وغيرها عام النكبة، وقُتل فيها الرُّضَع!

والثانية، ان اختيار المثالين اعلاه ليس عفويًا ولا اعتباطيًا، بل تمّت صياغتهما بخبث ليبدوا واقعيين، وليظهر بهما عوز "ذلك الكاتب التقدمي الموضوعي"! انما في الواقع لعب عوز دور خادم الشر، من حيث يدري، مُثَبِّتًا بذلك صورة الارهابي المسلم الذي يقتل حتى الاطفال ليحظى بحوريّات الجنّة، نافيًا عنه صفة المقاومة لصاحب حق انساني اوّلي، وبهذا يحوي الفلسطيني المناضل، في ذهنيّة المتلقي. في مقابل "المتعصّب!" اليهودي الذي يشفق على الرضيعة ويعطي الأمل الانساني للمتلقّي! وبذا دافع عن جرائم الصهيونيّة بخفّة وخبث فترسُب المقاصد في لا وعي المتلقّي.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,715,519,171
- لَيْتَ النسور تُمَزِّقني!
- ليَفْرِد البَلُّور ذَيْلَهُ الطَاوُوسِي
- أَسِيْرُ اقفاصِهِ مُضْرِبٌ عَن الصِيَام (سجّان الرّوح يحاور ...
- سَأَضَع عنقي في المكان وأُغَادِر
- الفكرةُ خطيئةُ الفكرةِ الطَلِيقَة
- بَارْ -بر بَحَرْ- بَرْبَرْ/ أإبداع سينمائي فلسطيني أم قولبة ...
- *بيان تأسيسي: - اللجنة الشعبية في البلدة القديمة - في الناصر ...
- بيان مجموعة جدل: هدم منازل في قرية ام الحيران (فلسطين/ النقب ...
- كذب الهيلينيّون ولو صدقوا!
- وا حَبِيْبَاه
- الحريّة وسيرورة النقد والنقض: رسالة إلى جديد الوهم
- الوعي وثنائية القيادة والمصالح
- كُنْه قابليّة جدليّة
- للزُعَيِّم مُخَيْخٌ مِنْ قَصَبْ
- زُعَيِّم
- بيان مجموعة جدل: البلدة القديمة الناصرة فلسطين
- خاتم نسل الشياطينِ.. تظنّيني!
- موقف مجموعة جدل من قضيّة إدخال شركة تطوير(!) عكا الى مدينة ا ...
- عنقاء الورق
- جدل: إقرأ.. وكل عام ومدارسنا بخير


المزيد.....




- متحف اللوفر في باريس يفتح أبوابه ليلا لاكتشاف أعمال ليناردو ...
- وكالة الأنباء السورية: الدفاعات الجوية تتصدّى لصواريخ إسرائي ...
- وكالة الأنباء السورية: الدفاعات الجوية تتصدّى لصواريخ إسرائي ...
- كورونا.. ارتفاع عدد حالات الإصابة في إيطاليا إلى أكثر من 150 ...
- إسرائيل تشن غارات على مواقع للفصائل الفلسطينية في غزة
- إسرائيل تشن هجمات على أهداف لجماعة الجهاد الإسلامي الفلسطيني ...
- سوريا تؤكد إسقاط معظم الصواريخ المعادية وعدم إصابة أي من الم ...
- أمير قطر يلتقي العاهل الأردني في عمّان
- دفاعات الجيش السوري تتصدى لصواريخ معادية
- السلطان هيثم بن طارق يعلن أهم ركائز المرحلة المقبلة في عمان ...


المزيد.....

- الاحتجاجات التشرينية في العراق: احتضار القديم واستعصاء الجدي ... / فارس كمال نظمي
- الليبرالية و الواقع العربي و إشكالية التحول الديمقراطي في ال ... / رياض طه شمسان
- غربة في احضان الوطن / عاصف حميد رجب
- هل تسقط حضارة غزو الفضاء بالارهاب ؟ / صلاح الدين محسن
- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زاهر بولس - سلامًا أيُّها المُغْتَصِبُون! عاموس عوز خادم الشّر!