أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - فارس محمود - قضايا بصدد حق جماهير كردستان بالاستفتاء والانفصال!















المزيد.....


قضايا بصدد حق جماهير كردستان بالاستفتاء والانفصال!


فارس محمود

الحوار المتمدن-العدد: 5582 - 2017 / 7 / 16 - 22:49
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


لقد تم تحديد يوم 25 ايلول من هذا العام يوما لاجراء الاستفتاء في كردستان حول مسالة بقائها ضمن العراق او تشكيل دولة مستقلة. هناك قضايا تحتاج الى تامل وتناول وبحث اوضح برايي. عبر هذه المقالة، اود ان اتطرق الى بعض منها.

البارتي والبارزاني ام معضلة سياسية؟!
ان سؤال يطرح نفسه وهو: هل من الممكن الدفاع عن الاستفتاء واستقلال كردستان طالما ان "البارزاني من خلفه"؟ هل على الشيوعيين ان يرفضوا الاستفتاء والاستقلال لتاريخ البارزاني وحزبه واهدافهما وممارساتهم ومشاريعهم المعروفة.
برايي علينا ان ننطلق من المعضلة السياسية نفسهاوسبيل حلها. هذه المعضلة التي تمسك بخناق المجتمع في العراق وكردستان مايقارب ثلاثة ارباع القرن تقريبا. معضلة سفكت بها دماء غزيرة، ودمرت واحرقت بيوت، ومورست سياسات التهجير والتعريب، ورمي بالاف الشباب في السجون جراءها وتحولت الى معضلة سياسية خطيرة في المجتمع. هذه المعضلة التي خلقتها الحكومات القومية البرجوازية الشوفينية المتعاقبة، وتعكزت عليها ووظفتها واستفادت منها الاحزاب والتيارات البرجوازية القومية الكردية من اجل اهدافها الخاصة الضيقة، تحولت الى شق وعداء عميقين على اساس القومية العربية والكردية، ودفعت ثمنها الجماهير العمالية والكادحة في كردستان بدرجة اخص وفي العراق على الاعم. ان هذه المعضلة تحتاج الى رد اليوم اكثر من اي وقت مضى.
من المؤكد ان البارتي والبارزاني، يسعى للاستفادة من مجمل هذه العملية ويدفعها صوب الجهة التي تحقق اهدافه المباشرة. وقد يستخدمها ورقة ضغطبوجه الحكومة المركزية وخصومه المحليين او اسكات النقمة الداخلية. ليس هذا بغريب، ولا هو بامر غير متوقع. ولكن في هذه القضية لايوجد البارزاني والبارتي فقط، بل هناك مجتمع اوسع بكثير منه. بالنسبة لنا، ان المجتمع، قواه السياسية، ومن ضمنها قوى وجبهة الحرية والمساواة، تريد ان تنهي هذا الملف وتزيل هذه العقدة السرطانية الموجودة على كاهل المجتمع في كردستان.وان هذا هو الاساس.
ان يبغي البارزاني للدفع بهذه العملية الى الحد الذي يحقق فيه مصالحه المذكورة اعلاه، فعلى جبهة الحرية والمساواة، الاغلبية الساحقة الداعية لتقرير الجماهير لمستقبلها السياسي، وفي مقدمتهم الطبقة العاملة والشيوعيين والحزب الشيوعي العمالي الكردستاني، الدفع بحركة جماهيرية تجبر او تضع البارزاني وامثال البارزاني تحت الضغط الشديد للاقرار بهذا الامر والرضوخ لهذه الحركة الاجتماعية الواقعية.
ثمة خلل جدي برايي ان تعاملنا مع الامر على هذه الشاكلة، اي رفض الاستفتاء والاستقلال من هذه الزاوية. ان هذا النمط من التعامل يناسب تعاملمراقب خارجي، ليس له صلة او ربط بالمجتمع عموما وبالمعضلة القومية وحلها بالذات. ان مسالة تاسيس الدولة هي عملية، وفي هذه العملية، بوسع وعلى القوى السياسية ومن ضمنها نحن والطبقة العاملة والجماهير الداعية للمساواة ان تتدخل في هذه العملية كي تستطيع غدا ان ترسم ملامح الدولة المقبلة، شكل النظام السياسي القائم، الحقوق والحريات، هوية الدولة والخ. من المؤكد ان يسعى البارزاني لارساء دولة قومية، استبدادية، عشائرية بحد ما، ولكن الامر ليس مرتبطا به وحده، بل انه مرتبط بنضال الجماهير التحررية والقوى والتيارات السياسية الطليعية في ان يكون لها دور في جمع وحشد القوى من اجل ارساء دولة غير قومية وغير دينية في خضم هذه العملية. انها عملية نضالية، صراع سياسي-اجتماعي، وهذا امر قائم اليوم، وينبغي ان يشتد غدا لا لشيء الا لانه ان كانت السلطة اليوم هي مليشياتية على وجه الحصر، فكونها دولة غدا يرتب عليها مسؤوليات، وان نظرة المجتمع وتطلع المجتمع وتعامله معها يختلف غدا بالضرورة.
يسعى البارتي للعب بهذه الورقة او للدفع بهذه العملية وشروطها الى ذلك الحد الذي يخدم مصالحه. بيد ان المجتمع وقواه التحررية ليس بالضرورة عليهما ان يقبلا هذا، ويسيرا في النطاق ذاته الذي رسمه البارتي. على سبيل المثال، حول شروط الاستفتاء وظروف انعقاده، توفر اجواء الحرية والدعاية الحرة والانتخاب والاختيار الحر والواعي، شمول المناطق المتنازع عليها في هذه العملية، تحديد سقف زمني معلوم وواضح لتنفيذ ارادة الجماهير، ومنها التصدي وايقاف تطاول البارتي بتخوين من يتخذ موقف معارض للانفصال والاستقلال كما جرى اخيرا و...الخ.
وبهذا السياق، ارى من الضروري والمناسب ايراد هذا المقتطف الطويل نوعا ما والمعبر لريبوار احمد، اذ يقول:"على الشيوعيين ان لايضعوا تشكيل دولة علمانية وغير قومية كشرط للدفاع عن استقلال كردستان ودعمه. الاولوية بالنسبة لنا هي حل القضية الاساسية. اذ ستنهي الدولة المستقلة سواء اكانت دولة قومية او علمانية غير قومية القضية الكردية. بمعنى لايمكن ان ندعم اقامة الاستفتاء والانفصال بشرطان تكون الدولة المستقلة غير قومية وعلمانية. في الحقيقة انهما مسالتين مختلفتين. يقام الاستفتاء فقط للرد على القضية التالية: هل تريد جماهير كردستان الانفصال عن العراق او البقاء في العراق، وليس حول نوع الدولة التي يجب تشكيلها. بيد ان هذا لايقلل دون شك من اهمية وضرورة علمانية ولاقومية هذه الدولة اطلاقاً. لكن ينبغي ان يكون واضحا ان ماهية الدولة المؤسسة مرهونة بتوازن القوى الاجتماعية القائمة والحاضرة والمتدخلة في الميدان وفي كل هذه العملية، منوطة بتجابه القوى السياسية الاجتماعية. اذا للشيوعية والطبقة العاملة دور فعال ومؤثر، لاتكون هناك امكانية للاقومية وعلمانية تلك الدولة فحسب، بل يمكن ان تكون دولة اشتراكية وعمالية تؤمن علمانية ولاقومية هذه الدولة. وبالعكس، اذا تاسست بدور قوي للنزعة القومية واستناداً الى سياسة قومية، ستكون دولة قومية وتستند على الاكثر الى احكام الاسلام" ( ريبوار احمد، مقابلة مجلة ديدكاه سوشيالستي، رؤية اشتراكية، مجلة فكرية سياسية يصدرها الحزب الشيوعي العمالي الكردستاني، العدد 6).
ان سؤال يطرح هنا هل ان التاليب القومي ومسلسل الخداع والاكاذيب وايهام الطبقة العاملة والجماهير الكادحة والمحرومة سينتهي مع الاستقلال؟ كلا دون شك. سياتون بمبررات اخرى وخلق اوهام اخرى. اذ ان البرجوازية بنت حياتها وربحها واستغلالها وبقائها على اشاعة الاوهام والاكاذيب. طالما هي موجودة، فان تبليه المجتمع احد اركان بقاء نظامها. انها تبث الاوهام في الايام العادية وفي ايام الحروب ايضاً، في ايام الازمة، وفي ايام الرخاء، قبل الاستقلال وبعده، وكل يوم. ان من يتوقع برجوازية تديم عمرها بدون هذه الاوهام هو نفسه واهم. انها مهمتنا ودورنا نحن الشيوعيين هو كشف وتعرية وفضح هذه الاكاذيب والادعاءات والاوهام الموجودة مع وجود الراسمالية، وبالاحرى مع وجود الطبقات والمجتمع الطبقي. هذا من جهة، ومن جهة اخرى، نسحب البساط من تحت يد البارتي والاحزاب القومية الكردية الذين يعبئون الملايين حلفهم تحت مبررات "العرب" و"اعداء الكرد" وغيرها. بتحقيق هذا الطرح نسحب منهم هذا المبرر ونحن المشاكل والقضايا التي تمنح البرجوازيين القوميين قوة واقتدار بالضد من الاغلبية الساحقة للمجتمع وتطلعاتها.

22 عام ام مسار تاريخ!
ثمة سؤال مطروح هنا: بموقف الدفاع عن الاستفتاء والاستقلال، هل نقوم بنسخ والصاق لموقف منصور حكمت قبل 22 عام؟! والمقصود هو موقف منصور حكمت والحزب الشيوعي العمالي العراقي عام 1995 حول حل المسالة القومية عبر الاستفتاء واستقلال كردستان. يقال ان الظروف قد تغيرتعن ذلك الوقت و"من الضروري رؤية المتغيرات العالمية" والخ!
ان هذا التصوير الذي يقوم بربط موقف اليوم بقبل 22 عام هو غير صحيح وغير صائب وفيه مغالطة جدية مبطنة. ان تصوير الامر 1995ـ 2017 يبعث على التضليل ان توخينا الدقة للاسف. اذ لم يقفز احد من 2017 الى 1995 ويعود 22 عام للوراء لاستنساخ ولصق الموقف.
ولكن قبل هذا وذاك، صحيح ان الاوضاع تغيرت عن ذلك. ولكن هناك ركن اساسي من الركنين الذين ذكرهما منصور حكمت باقي. تغير، ولكن للاسوأ وبصالح مطلب الاستقلال. لاوضح. منصور حكمت اورد ركنين احدهما هو تحول كردستان الى مخيم للاجئين، لا هو دولة ولا هو جزء من دولة، فقط صالون انتظار يعتاش على الامم المتحدة، والاخر هو وجود نظام قومي فاشي في بغداد يمارس التمييز ضد الكرد ولايعتبرهم مواطنين متساوي الحقوق، اي عدم امكانية عودة جماهير كردستان للعراق بوصفهم اناس متساوي الحقوق. لا مجال لذلك. صحيح ان الان ليس هناك ظلم قومي، ولكن هناك قضية قومية، اذ تعمق الصراع العربي الكردي على امتداد 14 عام من الاطاحة بنظام صدام والحرب والاحتلال والعملية السياسية التي ترتكز على القوميات والاديان والطوائف لحد الاقتتال. اي ان احد الركنين باقي، اي وجود حكومة قومية عربية اسلامية لايمكن فيها، طبقا لماهيتها، تامين المساواة التامة للجميع ومنهم الاكراد، وفي الحقيقة لم يبقى على حاله وانما تعمق واشتد خلال السنوات الاربعة عشر الاخيرة وينذر بنتائج كارثية وخطيرة.
ان سبيل حل القضية الكردية هو امر برنامجي ووثيقة برنامجية اولا، وثانيا لم يكن المسار 1995-2017. ان تعامل الشيوعية العمالية واحزابها هو اكثر سياسية من هذا. لقد كان هذا طرحنا في 1995، وبمبررات سياسية واجتماعية واضحة ودقيقة. اذ مع سقوط النظام البعثي في عام 2003، وتوفر الارضية لاقامة سلطة جديدة في العراق، خففنا بشكل واعي ومدروس من الدعاية لهذا الطرح (ولم نرفضه لاننا كنا ندرك ان الظلم القومي انتهى، بيد ان المعضلة القومية باقية على حالها دون حل بعد). وقلنا لنرى طبيعة السلطة السياسية المقبلة في العراق التي هي في طور التشكل والصياغة. ان كان ما يرسى هو عراق غير قومي وغير ديني، وسلطة غير قومية، عندها سيكون راينا وتوصيتنا هي الاستفتاء والتوصية بالعيش في عراق واحد بوصف الكل، بقومياتهم، مواطنين متساوي الحقوقفي البلد. ولكن مسار الاوضاع خلال السنوات اللاحقة سار بشكل اخر، اذ تشكلت وصيغت سلطة قومية ودينية وطائفية رجعية الى ابعد الحدود، وكردستان تعيش في ظل فيدرالية قومية رجعية يمكن انفجار الاوضاع والصراعات القومية فيها في اي لحظة، عندها قرر الحزب الشيوعي العمالي الكردستاني في مؤتمره وبوعي، وبصورة سياسية في عام 2008 بالتاكيد على طرحنا حول الاستفتاء واستقلال كردستان. وبعد مرور اكثر من 14 عام على السلطة البرجوازية القومية الطائفية المتفسخة القائمة، وارتباطاً بفشل الفيدرالية القومية الرجعية الذريع واشتداد الصراعات القومية، تبين اليوم اكثر من اي وقت مضى، ضرورة التاكيد على سبيل الحل هذا، وان اي تاخير في هذا هو بضرر المجتمع في كردستان.
وعليه، ان طرحنا هو طرحنا تعاملنا معه وفق الظروف والتطلعات السياسية الممكنة من كل مرحلة. ولهذا، فان تصوير 1995-2017 و 22 عام هو تصوير خاطيء ومضلل، اذ ان الاستفتاء واستقلال كردستان هما سياستنا وطرحنا على امتداد تلك السنوات الاثني وعشرين، بيد اننا تعاملنا معها بسياسية بالغة ارتباطا بالاوضاع السياسية للعراق في كل مرحلة. ان وراء هذا التصوير الخاطيء والمضلل هدف رفض استقلال كردستان بحجة الاوضاع تغيرت.... ولكن السؤال مالذي تغير؟.

مالذي تغير؟!
هل ان الاوضاع تغيرت؟انا اعرف ان امور كثيرة قد تغيرت، ولكن لم نعرف لحد الان ماهي طبيعة هذه التغييرات التي يقصدها طارحيها، وكيف ان هذه التغيرات هي بالضد من هذا الطرح اليوم؟! لحد اليوم لم ارى شيئا محددا يقول لك ان العامل الفلاني هو ذا هذا التاثير المحدد على هذا الموقف.
من ناحيتي اقول، ان تغيرات قد طرات. ولكن هذا التغيرات هي،برايي، بالعكس، تصب الماء في طاحونة تحقيق سبيل الحل هذا. ان هذه التغيرات توسّع الباب ولاتضيقه على هذا الطرح.
من حيث الاوضاع العالمية، كان العالم في 1995 هو عالم احادي القطب بزعامة امريكا، امريكا المتغطرسة والمتعجرفة والمزهوة بالنصر على السوفيت والكتلة الشرقية، عالم لايستطيع احد فعل شيء دون اخذ الموافقة الامريكية، دون ممالقتها والتودد لها، والقسم باغلظ الايمان بالدور الامريكي على العالم، اما اليوم، فالعالم متعدد الاقطاب، اقطاب كثيرة، روسيا والصين واوربا وغيرها، في صراعات وتناقضات حادة مع امريكا وفيما بينها في عدة نقاط من العالم، ومنها الشرق الاوسط. ان تعدد الاقطاب وصراعاتها يوفر فرصة اكبر لكل قوة وحركة سياسية او اجتماعية ناهضة ان تفرض نفسها في الخارطة السياسية مستفيدة من هذه الصراعات والتناقضات ومستغلة لها، ايران، سوريا نموذجاً. وعليه، فان هذا يوفر فرصة اكبر لكردستان للاستفتاء واعلان استقلالها اذا ماقررت جماهير كردستان على ذلك.
على صعيد العراق، في عام 1995، كان التصور الطاغي تجاه كردستان وعلاقتها بالسلطة المركزية التي على راسها النظام القومي البعثي هو ان مصير كرستان، في المطاف الاخير، ورغم الحصار المفروض على المجتمع والعزلة الدولية للنظام وغيرها، هو العودة الى احضان بغداد مع بعض التنازلات والترتيبات مع الاحزاب القومية الكردية. كان هذا امر اتفاق شبة تام على جميع الاصعدة المحلية والدولية. ولكن قارن هذا باليوم. حيث اصبح انسداد العملية السياسية التام والصراع الحاد بين القوى السياسية-المليشياتية الحاكمة سواء في العراق وكردستان، وغياب قطب او تيار سياسي-اجتماعي مؤثر بحيث بوسعه ان يجمع البلد في كل واحد وضعف وهزالة السلطة المركزية وغياب دولة بالمعنى الشامل للكلمة، والصراع السياسي الدموي الشديد بين ما اسموه يوم ما، ببلاهة وقصد سياسي واضح، بـ" الفسيفساء العراقي"، بحيث اصبح الحديث عن تقسيم العراق وعراق من 3 اجزاء شيعية وسنية وكردية هو حديث عادي يتداوله الجميع وامرا ممكناً. لم يبق كفرا او خط احمر. ها هو اصبح مشاريع ومقترحات تاتي بها امريكا والغرب لحل العقدة المستعصية لمايقارب عقد ونيف من الزمن. ونموذج طرح بايدن، نائب رئيس الجمهورية السابق في امريكا، مثال واضح بهذا الصدد. حتى اكثر السياسيين تشدقا بوحدة العراق يعرف في قرارة قلبه ان العراق الراهن هو اقرب للتقسيم منه للوحدة. لم يقتصر الحديث عن انفصال كردستان، وعن تقسيم العراق الى قسمين، بل عن "فيدرالية" طائفية باسم السنة و تقسيم العراق الى ثلاث اقسام.
على صعيد المجتمع في العراق، ونظرا للظروف الماساوية التي يمر المجتمع مابعد الاطاحة بنظام صدام، الحرب والاحتلال، حروب واقتتال الهوية، الصراعات الدموية لـ"الفسيفساء"، بالاحرى باسم الفسيفساء، غياب الدولة التام، اكثر من 60% من المجتمع تحت خط الفقر، فساد السلطة البرجوازية المليشياتية وتعفنها، الدمار المادي والمعنوي للمجتمع، انعدام الخدمات مثل الكهرباء والماء الصالح للشرب، وغياب الضمانات وغيرها، بحيث اصبح المجتمع نفسه وبقاءه وديمومته تحت طائلة السؤال. يخرج يوميا المسؤول الفلاني او العلاني ليقول ان العراق لن يقدر في العام الفلاني (القريب) عن تسديد رواتب موظفيه وعماله! دولة دون مسؤول او "صاحب"، فها هم الجميع يرون بام اعينهم ان جريمة سبايكر واحتلال داعش لثلث اراضي العراق لمدة 3 اعوام ليس لها صاحب، ليس هناك من مسؤول تجاه ما جرى، تقع هذه الجرائم على كاهل من؟ ليس هناك حديث عن هذا، بل يتشدق المسؤول المباشر عن هذه الجريمة ليهدد بـ"خطورة مد اليد على العملية السياسية!!!" اوضاع اصبحت فيه العشائر دولة، او بالاحرى دول، ومليشيات وتجار حرب يستهزئون بالدولة والقانون! وامام هذه الظروف التي يمر بها الانسان، اصبح "انفصال كردستان" ليس بذاك الموضوع لدى الانسان العادي في المجتمع.
على صعيد كردستان ايضا،اصبح الشق بين كردستان والعراق اعمق واعمق. "الفضل" في ذلك يعود للسلطة القومية الطائفية الحاكمة في العراق والحركة القومية الكردية على السواء. كل لاهدافه الضيقة والخاصة التي لاتمت للجماهير بصلة. ناهيك عن الثروات الخرافية التي تتمتع بها التيارات القومية الكردية الحاكمة، النفط والغاز، علاقاتهم الاقتصادية والسياسية الواسعة الان مع عواصم امريكا واوربا والعالم، حضور القضية الكردية الواسع الان على الصعيد العالمي لا في العراق فحسب، بل على صعيد سوريا وتركيا وايران، (ولهذا ليس هناك غرابة في ان ترى السعودية في قناة المعارضة القومية الكردية لنظام الجمهورية الاسلامية بوصفها اداة للتدخل والهجمة على النظام او المشاركة في مؤتمرات مجاهدي خلق للاستفادة من هذه القوى كوسائل ضغط على النظام الايراني). كذلك ان المزاج العام للمجتمع في كردستان يبتعد اليوم اكثر من اي وقت مضى عن الشعور بالقرب من بغداد والعراق.
كل هذه توفر ارضية مناسبة اكثر واكثر للانفصال. هذه الارضية التي شكلها وصاغها الاخرون خارج عن ارادتنا، وفي الحقيقة بالضد من ارادة الاغلبية الساحقة للمجتمع. ولهذا فان "التحليل المشخص للاوضاع المشخصة" يؤكد على امكانية الاستفتاء واستقلال كردستان اليوم اكثر من اي وقت مضى.

الاستقلال والاممية...!
انه ليس بامر جديد ان نقول اننا لسنا دعاة استقلال. انه ليس من مبادئنا. لانعتبره سبيلا ثوريا، خطوة للوراء لحل معضلة، بيد انه سبيل متمدن وحضاري لانهاء معضلة. معضلة فرضتها الحكومات القومية الشوفينية العربية والقوميون الكرد الذين دفعوا بهذا الظلم والمشكلة لمكان اصبح فيه امكانية التعايش المشترك بين جماهير الامتين امرأ صعبا. نقوم بارتكاب خطأ فادحاً ان لم نرد عليها وعلى هذا العائق المهم والحجرة الكأداء امام النضال الطبقي.
ليست بالعبارات الايديولوجية والعامة والتاكيد على "الوحدة الطبقية" و"المصالح المشتركة للعمال" و... غيرها يقتنع ويدرك العامل الكردي بهويته الطبقية المشتركة مع عمال العراق وتناقض مصالحه مع البرجوازية في كردستان. انها اممية ايديولوجية، ليست اجتماعية. على العكس من ذلك، بحل هذه القضية وازاحتها من كاهل العامل الكردي تتوفر الارضية اكبر للاممية العمالية ولتطور الصراع الطبقي. ان حل هذه المعضلة هو لصالح الطبقة العاملة في العراق وكردستان على السواء. انه سبيل حل مناسب ليفهم العامل الكردي بالملموس والعملي ان عدوه هو ليس العرب، بل هي برجوازيتهم. سبيل الحل هذا ينتزع من البرجوازية القومية لكلا الطرفين هذا السلاح الفعال الذي اوهمت الجماهير به ووضعت الغشاوة على اعينهم لعقود مديدة.
على العكس من هذا ان بقاء هذه الوضعية تقوي جدياً من النزعات القومية والصراعات والاحترابات القومية، وتزيد الشق بين الامتين، وبالتالي تضع العراقيل امام تقوية الجانب الاممي للطبقة العاملة. تعاظم من امكانية تعبئة كلا البرجوازيتين القوميتين لجمهور واسع من العمال والكادحين على الطرفين تحت رايات الحشد الشعبي (العرب) والبيشمركة (الكرد) وغيرها للاقتتال من اجل مصالح البرجوازية. اصبحت هذه الانشقاقات والعداوات، كرد-عرب وشيعة-سنة، اكثر عمقا وتجذرا، ولهذا يجب ايجاد سبيل حل لها. فيما يخص الامر الاولفالرد هو الاستفتاء والانفصال. ان عدم رؤية هذا هو من يوجه ضربة للنزعة الاممية عبر ترسيخ وتجذير هذه الهويات المناهضة للاممية العمالية.
ان الموقف اللينيني تجاه القضايا التي سميت في وقتها بـ"حق الامم في تقرير مصيرها" هو واضح وصريح.وان كانت مرحلة ومفاهيم تاريخية اخرى، لاتسري اليوم بهذه الصيغة. اذ يؤكد لينين على ان "على شيوعيي الامة المضطهِدة ان يقروا للامة المضطهَدة بهذا الحق (اي حق الانفصال تحديداً) بدون قيد وشرط، فيما على شيوعيي الامة المضطهَدة ان تقر بهذا الحق بقيد وشرط، الا وهو انه يتطابق مع المصالح الاممية للطبقة العاملة". وانتقد فيها اشتراكيوا روسيا الذين وقفوا بوجه تحرر بولونيا وفنلندا واوكرانيا مطالبا بالدفاع عن تحررهم دون قيد او شرط.
ولهذا فان على شيوعيي العراق ان يقروا بهذا الحق بشكل غير مشروط اساساً. ويصح الامر كذلك على القضية القومية الكردية في العراق اليوم. ليس من الصائب ان نضع اي شروط على هذا الحق. ان الشروط في هذا السياق لاتتعدى، او هي عملياً، تعني الاقرار اللفظي بالحق، والتنكر له عملياً. منحه بيد واستلاله باليد الاخرى.
لاينبغي ان يكون هناك اي شرط من ناحية الناطقين بالعربية. اذ ان ابقينا مجال لشرط، فالقوميين والاسلاميين يضعون ايضا شروطا ما من زاوية مصالحهم. وبهذا السبب، او بسبب مثل هذا، بوسع اي احد ان ينكر على جماهير كردستان حقها في تقرير مصيرها. لو كنا في مكان البارزاني، يكون، وفق هذا المنطق، من "حق" الاسلاميين مثلا، ان يرفضوا الاستفتاء والاستقلال لانهم سيصرخوا:"ان الشيوعيين من يقف وراءه"!!، "الاستفتاء والاستقلال كفر وجرم لان الشيوعيين على راسه!!!" وياتي احد بمبررات اخرى ليرفض هذا الحق على جماهير كردستان. اي اذا ابقينا مبررات وشروط، فان هناك مبررات وشروط لامتناهية لاجهاض هذا الحق. والنتيجة بقاء هذه المصيبة جاثمة اكثر واكثر على قلوب الملايين في كردستان. فلامجال لاي شرط وشروط.
ليس ثمة تمثيل للمصالح البروليتاريا العليا بقدر ازالة مسببات وجذور الصراع والعداء القومي بين امتين. ان ازالة هذه الارضية لايتم عبر الجمل والعبارات الايديولوجية الرنانة حول "الاخاء" و"الوحدة الطبقية"، و"النضال المشترك" وغيرها، بل عبر الحل العملي للقضية. يتمثل الحق العملي باقرار العامل في العراق بحق جماهير كردستان بالانفصال. ان تمتع احد ما بحق الانفصال والانفصال، عندها يمكن الحديث عن الاتحاد الحر. ان العامل "الكردي" بحاجة الى "نيل واكتساب الثقة" من "الامة العراقية"، هذا مايعيد الثقة الى الامة الكردية، وهناك فقط نستطيع الحديث عن "النضال المشترك" و"الاتحاد الحر"... للاسف ان مشاعر انعدام الثقة هو ماترسف به الجماهير في كردستان اليوم، ولايعيدها الا موقفا امميا من عمال العراق وانفصال كردستان. ان مثال دعوة ماركس تجاه ايرلندا هو نموذج بارز بهذا الصدد. حيث دعا الطبقة العاملة الانكليزية في عام 1869 الى المطالبة بحق ايرلندا بالانفصال "ولو ادى الامر لاحقاً الى الاتحاد".
وعليه، يصعب الحديث في العراق اليوم عن "النضال المشترك" للعمال الكرد والعرب ببقاء هذه القضية العقدية الشائكة على هذا الحال. وحلها اليوم هي الاستفتاء وانفصال كردستان. والا فان انكار هذا الحق بهذه المبررات او غيرها لايعدوا ان يصب الماء في طاحونة الشوفينية العربية مهما صاغ المرء بحثه بعبارات ماركسية بطيب نية ونبل.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,557,523,604
- انا مع -استفتاء كردستان-... انا مع الاستقلال... لماذا!
- بصدد -تقليم اظافر- قطر!
- -من فمك ادينك!-
- كلمة حول -وحدة اليسار-
- حول -استفتاء- اردوغان!
- أيحتاج احد الى دليل اخر لمعرفة ماهية -عصابة اهل الحق-؟!!
- ازمة أخرى... -فقاعة- أخرى! (حول اعتصام -لاممثلوا الشعب-)
- تمخض الجبل فولد فأرا!
- رياء الإسلام السياسي!
- هجمة على محرومي المجتمع برداء مرائي!
- ان هذه هي بالضبط هي اجندة -سور الوطن-، فكفوا عن اوهامكم!
- أصبح الحشد ماركة لكل شيء
- رسالة رد الى صديق!
- استحوا قليلاً!
- أ محقين في فرحهم لتدخل روسيا؟!
- كلمة حول -المقدسات-!
- الهجرة وابواق الطائفيين!
- كي ننتصر، لابد من الرد على نواقصنا!
- مأساة -على الأقل ثمة فرصة في ركوب البحر-!
- لنمضي لما بعد العبادي!


المزيد.....




- الناتو وبريطانيا يطالبان بإنهاء العملية التركية في سوريا.. و ...
- -فورت نايت- تعود بجزئها الثاني بعد توقفها ليومين
- محمد صلاح عن حرائق لبنان: كامل تعاطفي مع الأشقاء.. ودعواتي أ ...
- حفتر: نستطيع السيطرة على طرابلس في يومين عبر اجتياح كاسح بأس ...
- الدفاع الروسية: شويغو يبحث الوضع في سوريا في اتصال هاتفي مع ...
- السويد تسحب تراخيص تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية إلى تركيا ...
- عضو مركزية حركة -فتح-: محمود عباس مرشحنا الوحيد لرئاسة فلسطي ...
- شاهد: دمار كبير تخلفه الحرائق في لبنان
- استئناف محادثات السلام في جوبا بين حكومة الخرطوم والمتمردين ...
- قيس سعيد: لماذا اختار التونسيون رئيسا من خارج الأحزاب السياس ...


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - فارس محمود - قضايا بصدد حق جماهير كردستان بالاستفتاء والانفصال!