أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هيفاء أحمد الجندي - ماركس ونَمطُ الإنْتاجِ الآسْيوي















المزيد.....

ماركس ونَمطُ الإنْتاجِ الآسْيوي


هيفاء أحمد الجندي
الحوار المتمدن-العدد: 5581 - 2017 / 7 / 15 - 13:05
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    




اعْتبرَ ماركس الْمُلكيّةَ، أو انْعدامُها أساسا للموقعِ الطبقيّ، وعرّى بِلا رَحمة، ميلادَ الرّأسماليّةِ ونُموِّها، مُعْتَبِراً التّراكُمَ الْأوّلي هو تاريخُ أعْمالِ النّهبِ والاغْتِصابِ والْقتل، الّتي قامَ بِها كِبارُ الْمَلاكينَ والْبورْجوازيّةُ وسُلطةُ الدّولة، حيث صادروا أملاك الفلاحين بالقوة، وجرَى تدميرُ بيوتِهم وتَشريدُهم وإعْدامُهم، فَضلا عنْ نَهْبِ الْمُستعمرات، حتّى أنّه لمْ يَنْسَ الحروبَ الأهْليّةَ التي أثارَتْها تِجارةُ الرّقيقِ في أفريقيا، وفَضحَ في الْوقتِ عَيْنِه، إيديولوجيي البورجوازيّة الذين كانوا يقولون إنّ قوانينَ التّجارة هي سنّة الطبيعة وشريعةُ الله.‬

‫
وعلى الرّغمِ مِنَ اسْتراتيجيّة ماركس الأوروبيّة، والتي تَرَكّزَ عملُها ونظرُها على أوروبا الغربيّة الصّناعيّةِ وبروليتارِييها، ولكنّ تشْخيصَهُ لِلمجتمعِ الرّوسيّ والْهنديِّ والمجتمعاتِ الشّرقيّة عُموماً، كان قد أخرجَ هذه المجتمعاتِ من القالَبِ الكلاسيكي لتطوّر أوروبا الغربيّةِ "نَمطُ الإنتاجِ الاقْطاعيّ" وأبْدَعَ نَظريّة "نمط الإنتاجِ الآسيوي" وسعى إلى دراسةِ، تأثيرِ المُجتمع البورجوازيّ الأوروبي، "الاستعمار"، على هذه المجتمعاتِ الشرقيّةِ، وعلى سَيْرِ تَطوّرِها. مِن شأنِ هذا التّحليلِ التّاريخيّ، أنْ يُضيءَ جوانِبَ لطبيعةِ السّلطةِ العربيّة ولِنَمَطِ الانتاجِ السّائِدِ. ‬

‫فَما هي طبيعةُ "نَمطِ الانتاجِ الآسْيوي" الذي مَيّزَ التّركيبَ الاقتصاديّ-الاجتماعيّ الشرقي؟
هوَ عِبارةٌ عن قرى مَشَاعيّة، مُكتَفيَةٌ ذاتِيّاً تَجمعُ الزّراعةَ والصّناعةَ الْيَدويّةَ، والتّرابُطُ الوحيدُ هو التّعاوُنُ الذي تَفْرضُه وِحْدَةُ التنظيمِ العُليا-الدّولةُ أو "الْمَلكُ-الْمالِكُ" في إطارِ الاسْتِبدادِ الشّرقيّ، حيث كانتْ المَشاعَةُ-الْقبيلةُ هي الرّكيزَةُ الاجتماعيّةُ الْمُكْتَفيَةُ ذاتِياً.‬

‫الصّراعُ الطبقيّ، مَوْجودٌ في النّمَطِ الآسيوي، حتّى بِدون وُجود الْمُلكِيّة الخاصّةِ، لأنّ الْهَيْمنَة كانتْ للدّولة الاسْتبدادِيّة، التي كانتْ تأخذ فائضِ الانتاج من الجماعات القَرَوِيّة الْمَشاعِيّةِ، ولكنّ هذا الصّراعَ لمْ يُفْضِ فيما بَعدُ، وما كان لهُ أنْ يُفْضِيَ إلى الْخُروجِ مِنَ النّمطِ الآسيوي، وإلى إنْشاءِ مُجتمع جديد أرْقى، ولمْ يكنْ لِينتهي إلى تَحويلِ المُجتمعِ ثوريّاً. كما لمْ يَنْفَذ الاقتصادُ السّلَعيّ، إلى الْخَليّةِ الاجتماعية "القرية". ولمْ يَفعلْ فيها فِعْلَهُ الْمُدَمِّر، كم لمْ تَتولّدْ ديناميكية صاعِدة، كَتلك الدّيناميكية التي قادَتْ أوروبا مِنْ أسلوب إلى أسلوب خلالَ حَقَبَةٍ تاريخيّةٍ وَجِيزَةٍ نِسْبياً.‬

‫
وأدّى اقتِحامُ أوروبا البورجوازيّة لهذه البلاد، "الهند" و"الشرق الأدنى" وابتداءً مِن القرن الخامس عشر ولا سِيّما في القَرنِ التّاسع عشر، إلى انْتصارِ الْمُلْكِيّة الْخاصّةِ لِلرّأسماليّةِ الْمَحليّة، وبدايَةِ حركةٍ تاريخيّة جديدة كَوْنيّة، بعد ارتكاب جرائم لا حَصْرَ لها، وكان مِنْ أبْرزِها تَصْفِيَةُ عَدَدٍ مِن الشّعوب الْمَشاعِيّةِ ونِصْفِ الْمَشاعيّةِ. باتَ مَعْلوماً، حقيقةُ قيامِ أوروبا على ظهر سُكانِ البلادِ الأصْليين.‬

‫إدخالُ الْمُلكِيّةِ الْخاصّة عنْ طريقِ الاسْتعمارِ لا يَقودُ البلادَ المَغْلوبَة نحوَ الْمجتمعِ البُورجوازي التّقَدّميّ، بلْ نَحْوَ الْحالَةِ الْكولونياليّة الْكمْبرادوريّة، ونحوَ الْحالةِ التي تُسَمّى "التّخلف" وهي نتيجةُ الْتِقاءِ المجتمعِ الآسْيَويّ وغَيرِ الآسيوي، معَ الْغَزْوِ الْكبير، في زمنِ الامبرياليّةِ وتحت إشْرافِها الْعالَميّ.‬

‫وقد تَلَمّسَ ماركس بِداياتِ هذه الحالَةِ حينَ بَيّنَ حَجْمَ الاسْتِنزافِ الأجنبيّ وتَراكمِ الْمَجاعةِ في الْهند البَريطانيّة، وكان الاستعمارُ مَشْغولاً بِكَيفيّة شَفْطِ فائضِ الانْتاجِ الاجْتماعيّ، في الهند ومصر والجزائر، الأمرُ الذي أعاقَ عَمليّةَ التّراكُمِ المَحليّةِ. والنتيجةُ، أنْ جَرى رَسْمَلَةٌ للبُنى التّقليديّة منَ الْخارج، وبالقوّة. وجَرى قَطْعُ الطريق على التّطور الطبيعيّ النّابِعِ مِن تَفارُقِ الطّبقاتِ وبُنى الانتاج وتَحوّل شُيوخُ الْعشائرِ ووُجهاءُ الْمجتمعِ الْمَحلّيّ إلى مَلّاكين.‬

‫
وكان الاسْتعمارُ الْبَريطانيّ قَدْ دَمّرَ نِظامَ الْقَرابَةِ في الْهند، مُلْحِقاً بِهذا الْبَلدِ أفْدَحَ الْخَسائرِ والْوَيْلات، ما أدّى إلى خَرابِ الزّراعة الهنديّة. وتمتعت الشرِكاتُ الانكليزيّ بِكامِل صَلاحِيّاتِ الْحُكم الاسْتعماريّ: "تَعيِينُ الْوَظائف، جِبايَة الضّرائب، فَضلاً عن احْتكار التّجارةِ الخارجيّة". وكان التّغييرُ الْأساسيُّ في الْبُنْيَةِ الاجْتماعيّةِ الرّيفيّةِ في ظلِّ الأثَرِ الْبَريطانيّ، هو زيادَةُ حَجمِ الْعمّال الزّراعيين والْمُعدَمين الذين لا أرضَ لَهم. ‬

‫وارتبطت البْرولِيتاريَا الرّيفيّة في الْهند بالنّظامِ السّائدِ مِن خِلالِ الالْتِزاماتِ الطائفيّة. وحافظ الْأعيانُ على الطائفيّة وأشكالِ الْقَرابَةِ حتّى تَدومَ مَصالِحُهم، وكانت الطائفيّةُ بِمَثابَةِ تنْظيمٍ لِلسّلطة في الْمُجتمعِ الْمَحلّيّ وِفْقَ ما وَرَدَ في كتاب "الأصول الاجتماعيّة للديكتاتوريّة والديمقراطيّة" لبارينجتون مور، الأمْرُ الذي أعاقَ ظُهورَ صِراعٍ طبَقيّ في الْقريَة.‬

‫لمْ يتمكن الفلاحون مِن إنجازِ ثورتِهم بِمفردِهم، إنما أتَوا بالدّيناميت والشّرارة، إذْ لا بُدَّ أنْ يكونَ للفلاحين قياداتٌ مِن الطبقات الاخرى لأنّها الشّريحَةُ التي تتعرّضُ للاسْتِغلالِ الْمُضاعَف. وفي إنجلترا، كان مَلّاكُ الأرضِ الْكبيرُ يسْتَغِلُّ الدّوْلةَ لِطَرْدِ أصحابِ الأراضي مِن الْفلاحين، أمّا مالِكُ الأرضِ الْكبيرُ في اليابان، فلمْ يطردْهم مِن الأرض، بلْ اسْتَغلَّ الدّولةَ لاسْتخراجِ الأجورِ مِن الفلاحين، وبَيْعِ الْمُنتَجاتِ في السّوقِ الْمَفتوحة. وكان هُناك تَحالُفٌ طبقيٌّ بَين الطبقاتِ التّجاريّةِ والصّناعِيّة والطبقاتِ الْحاكِمَةِ التّقليديّةِ في الرّيفِ مُوَجّهاً ضدّ الفلاحين والْعُمالِ الزّراعيين.‬

‫
أعاقَت الْهَيْمَنةُ الْأبَوِيّةُ لِلدّولةِ، في الْمجتمعات الشّرقيّة، تَبَلْوُرَ حامِلٍ اجْتِماعيّ كان يُمكِنُ أنْ يفرِزَهُ تناقُضُ الطبقات، على غِرارِ ما حَصلَ عَشِيّةِ الثورة الفرنسية، ويعودُ السّببُ في ذلك إلى الْبُنْيَةِ التّفارُقِيّة للمجتمعِ الفرنسيّ ذي الْمَنْحى التّصاعُدي والذي تَمَخّضَ عنْهُ نُشوْءُ البُورجوازيّة الصّاعِدةِ، على النّقيضِ مِن الْبُنْيَةِ الاجتماعيّةِ الْعربيّة اللاتَفارُقِيّة، التي أبْقَتْ على تَجاوُرِ الطبقات، وأشْكالِ الانتاجِ الْماقَبْل رأسْماليّة وهذا التّجاوُرُ، أعطى نَسَقَ وسِياقَ التطوّرِ العربيّ، صِفةَ الرّكودِ والانْغِلاق، ما يُؤكّدُ صِحّةَ التّوْصيفِ الذي أطلَقَهُ ماركس لِشَكْلِ تطوّرِ بُلدانِنا، وهو شَكلٌ راكِدٌ ومُغْلَقٌ ودائريٌّ بِسبب اسْتبدادِ الدّولةِ وإشْرافِها على الأشْغالِ والرّيِّ، وحِيازَتِها لِلْمُلْكِيّة، وكان المُفكّر سَمير أمين قد أطلقَ على الْبُنى الاجتماعيّةِ الْماقَبلَ رأسْماليّة ما أسْماهُ بـ"نَمط الانتاج الْخَراجيّ" حيثُ الدّولةُ-الطبقةُ تَحوزُ على الْفائضِ العَيْنِيِّ مِن الفلاحين من خلالِ الْهَيْمَنةِ الايديولوجيّة" أيْ الاسْتِلاب الميتافيزيقي".‬

‫
إذاً، لمْ يكُن الاسْتعمارُ يوماً عامِلَ تقدّمٍ، ولمْ يُساعدْ على تَطويرِ الانتاجِ ووَسائلَهُ، بلْ اسْتَخدَمَ أشكالَ التّراكُمِ والانتاجِ الأكثرَ بِدائيّةً، "النّهب والْعمل الإجباري". لمْ يُولِ ماركس قَضيّةَ الاستعمارِ الاهْتمامَ الْكافِيَ، وركّزَ على التّحليلِ الاقتصاديّ-الاجتماعيّ.‬

‫وسوفَ يُتابِعُ لينين، وعددٌ مِن الْقادَةِ الثوريين مِن بَعدِه ما كان قد بَدأهُ، ويعمَلون جميعاً على تَشْريحِ وتَفكيكِ مَفهومِ الامبرياليّة. ومِن دونِ فَهم هذه الأخيرة، يَسْتحيلُ بِناءُ خطٍّ ثوريٍّ تَحَرّريٍّ حقيقي. ‬

‫نحن اليومَ مُلزَمون، بإعادةِ التّفكيرِ في الامبرياليّة وإعادةِ الاعْتِبارِ لها، على خَلْفِيّةِ بُزوغِ وصُعودِ امبريالياتٍ جديدة مُتَصارعة. لِلإضاءةِ الْكافيةِ على هذا الْمَفهوم، لا بُدّ مِن الْعَودةِ إلى طُروحاتِ بعْضِ الْمفكرين الثوريين، الذين كان لَهم فَضْلُ السّبَقِ في التّأسيسِ النّظريِّ لهذا الْمَفهومِ. فأصْبحَتْ هذه الأطروحاتُ فيما بعدُ، بمثابة بوصلَة نَظريّة ومُرشِدِ عَمل لِعددٍ مِن الْمُفكّرين الماركسيين كَسَمير أمين ومَهدي عامل. حيث بَدا واضحاً تَأثُّر هذين الأخيرَين بِمَنْ سَبقَهما، ومِن ثُم تابعا مَسارَهما، وأنْتجا تَمايُزَهما الْمَفْهوميَّ بِناءً على تَحليلٍ عَيْنِيٍّ واقِعيٍّ لِلْبُنى الاجتماعيّة العربيّة.‬





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- رأسمالية اليوم وطورها المالي
- من المسؤول عن تعطل السيرورة الثورية السورية؟
- لماذا انتصرت الانتفاضات الشعبية للفكر الماركسي الثوري؟؟
- عن اليسار الجذري و الاشتراكية والديمقراطية
- صادق جلال العظم والانقلاب على الفكر النقدي


المزيد.....




- مظاهرة ببرلين ضد وصول اليمين المتطرف للبرلمان
- تصريح الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية على إثر التصريحات ...
- التعليم يدرس مطالب المتظاهرين بإجراء دور ثالث للمكملين
- ترامب يقرّر إعادة فتح قضيّة السفارة الأمريكية في تونس
- رائد فهمي يستقبل وفد قيادة حزب نداء الرافدين
- الإدريسي يُطالب حصَّاد بتعيين المُستبْرَزين وفقا لمرسوم حكوم ...
- إعلان برنامج الحزب للانتخابات النيابيّة
- ماركس ضد سبنسر | في اليوم التالي: القانون أو لا شيء؛ النظام ...
- إدارة ترمب تحذف -تغير المناخ- من موقع حماية البيئة
- مارتا هياتــاي حُــرّة


المزيد.....

- رأس المال فى نسخته المترجمة للدكتور فالح عبدالجبار. / خالد فارس
- تأملات في واقع اليسار وأسباب أزمته وإمكانيات تجاوزها / عبد الله الحريف
- هوامش الأيديولوجية الألمانية - القسم الثالث / نايف سلوم
- هوامش -الأيديولوجية الألمانية- - القسم الثاني / نايف سلوم
- اليسار و«الاستفتاء» في إقليم كردستان.. ما العمل والمهمات؟ / رزكار عقراوي
- توسيع القاعدة الحزبية / الإشعاع الحزبي / التكوين الحزبي : أي ... / محمد الحنفي
- هل يشكل المثقفون طبقة؟ / محمد الحنفي
- عندما يحيا الشخص ليدخر يموت فيه الإنسان وعندما يعيش ليحيا يص ... / محمد الحنفي
- هوامش -الأيديولوجية الألمانية- / نايف سلوم
- الاشتراكية الماركسية والمهمات الديمقراطية / نايف سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هيفاء أحمد الجندي - ماركس ونَمطُ الإنْتاجِ الآسْيوي