أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن محسن رمضان - اكتشاف الغباء الجماعي















المزيد.....

اكتشاف الغباء الجماعي


حسن محسن رمضان
الحوار المتمدن-العدد: 5564 - 2017 / 6 / 27 - 09:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



"هكذا نحن دائماً، علينا أن نعيش حالة الخراب لنعرف كم كنا أغبياء".


المقولة أعلاه جرت بقلم الروائي الجزائري واسيني الأعرج لتضع توصيفاً وسبباً للعداء وللقتل والدمار الذي أصبح يحيط بنا في العالم العربي من كل جانب. إنها حالة "غباء" جماعي، من وجهة نظره، لا نكتشفها إلا متأخراً وبعد ملاحظة الخراب الذي يحيط بهذا المجموع العام الذي شارك في صنعه بطريقة ما. فـ "صناعة الخراب" إذن، من وجهة نظره، هي "ممارسة للغباء" يتولاها المجموع العام بِقِصر نظر منه، وبحماس جماعي ديني أو وطني، ولكنه غير ذكي ولا حكيم ولا متزن. والحقيقة، أجدني مدفوعاً لتبني هذا الرأي الجريئ والصريح في توصيف الحالة الراهنة للوطن العربي برمته، وما حدث ويحدث الآن في دول متعددة في هذه الرقعة المنكوبة بسياسييها ورجال دينها ومثقفيها. فلا شيء يبدو بالفعل حكيماً وذكياً في كل التفاعلات الشعبية والسياسية والدينية والعقائدية في تلك الدول. بل لا شيء يبدو حكيماً وذكياً حتى من جانب بعض المثقفين الذين اختاروا أن يبرروا لعمليات العداء المفاجئ الشديد لدول وشعوب برمتها ومرة واحدة، أو يبرروا لقتل المدنيين والمتظاهرين في الساحات العامة وفي الطرقات وفي العمليات العسكرية، أو الاعتقال العشوائي للمعارضين وللسياسيين وما ينتج عنه من انتهاكات لأصل إنسانتيهم دع عنك حقوقهم البديهية. بل إنهم أصبحوا، وياللعجب، وسيلة إعلامية ودعائية للترويج الانتقائي المخادع للتوجهات السياسية أو الشعبية المتطرفة في مواقفها وردود أفعالها ومطالبها. هذه المواقف، المتعددة والمتشعبة والمتنوعة، بالطبع، تؤدي بالضرورة إلى فقدان (السلطة الأخلاقية) للاعتراض على نفس الأفعال فيما لو مورست ضدهم أو حدثت في أماكن أخرى وفي زمان قادم، بل إنه يُفقدهم حتى حق الاعتراض فيما لو تعرضوا هُم، كأشخاص أو كنسيج اجتماعي محدد، لنفس الممارسات فيما لو انقلبت ضدهم نفس تلك السلطة السياسية لسبب أو لآخر، فقد برروها اليوم ووافقوا عليها ضد خصومهم أياً كانوا. ومما يساعد على تبني الرأي القائل بأن هذا كله هو (حالة غباء) هو ما شرحه (غوستاف لو بون)، أشهر من كَتَبَ في موضوع سيكولوجية الجماهير. فقد كتب شارحاً:

"التاريخ يعلمنا أنه عندما تفقد القوى الأخلاقية التي تشكل هيكل المجتمع زمام المبادرة من يدها، فإن الانحلال النهائي يتم عادة على يد هذه الكثرة اللاواعية والعنيفة (...) وقد كانت الحضارات قد بُنيت ووجهت حتى الآن من قِبَل أرستقراطية مثقفة قليلة العدد، ولم تُبنَ أبداً من قِبَل الجماهير. فهذه الأخيرة لا تستخدم قوتها إلا في الهدم والتدمير. كما أن هيمنتها تمثل دائماً مرحلة من مراحل الفوضى. فالحضارة، اية حضارة، تتطلب قواعد ثابتة، ونظاماً محدداً، والمرور من مرحلة الفطرة إلى مرحلة العقل، والقدرة على استشراف المستقبل، ومستوىً عالياً من الثقافة. وكل هذه العوامل غير متوفرة لدى الجماهير المتروكة لذاتها (...) إن نفسية الجماهير تبين لنا إلى أي مدى يكون تأثير القوانين والمؤسسات ضعيفاً على طبيعتها الغرائزية العنيفة. كما وتبين لنا إلى مدى تبدو عاجزة عن تشكيل أي رأي شخصي ما عدا الآراء التي لُقنت لها أو أُوحيت إليها من قِبَل الآخرين (...) وبما أن الجماهير لا تعرف إلا العواطف البسيطة والمتطرفة، فإن الآراء والأفكار والعقائد التي يحرضونها عليها تُقبَل من قِبَلها أو تُرفض دفعة واحدة. فأما أن تعتبرها [أي الجماهير] كحقائق مطلقة أو كأخطاء مطلقة. وهذه هي دائماً حالة العقائد المتشكلة عن طريق التحريض بدلاً من أن تكون متولدة عن طريق التعقل والمحاجة العقلانية. وكلنا يعلم مدى تعصب العقائد الدينية ومدى الهيمنة الاستبدادية التي تمارسها على النفوس. وبما أن الجمهور لا يشك لحظة واحدة بما يعتقده على أنها الحقيقة أو الخطأ، وبما أنه واع كل الوعي بحجم قوته، فإن استبداده يبدو بحجم تعصبه. وإذا كان الفرد يقبل الاعتراض والمناقشة، فإن الجمهور ولا يحتملها أبداً".
[انظر: سيكولوجية الجماهير، غوستاف لو بون، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، اقتباسات من صفحات متعددة]

المشهد العربي والخليجي الحالي صادم تماماً. فالأرستقراطية المثقفة التي تحمل على كاهلها مسؤولية تصحيح المفاهيم وكشف الخداع والتزوير أصبحت مشاركة وبجدارة في التطرف الجماعي الذي يزور الحقيقة ويتبى الأوهام ويتبنى السقوط الأخلاقي المؤدي إلى حالة عداء شاملة وتامة لشعوب بأكملها، أو حتى إلى قتل الخصوم وتصفيتهم أو سجنهم وانتهاك إنسانيتهم. فما نراه حولنا من تحول المثقفين والعلمانيين والليبراليين والمنافحين عن حقوق الإنسان إلى أدوات إعلامية لتبرير التوحش وانتهاكات حقوق الإنسان والقتل الجماعي هو بالفعل (حالة غباء) ناتجة عن رغبة هؤلاء في أن يكونوا ضمن مجموع جماهيري عام، خوفاً أو طمعاً أو ربما بسبب (عدوى ذهنية الجماهير) التي وصفها غوستاف لو بون في كتابه مما نتج عنه تدني الإدراك بما هم منخرطون فيه. ولكن لا يمكننا أيضاً أن نغض النظر عن حقيقة أن هذا الموقف هو (سقوط أخلاقي) أيضاً، واع ومتعمد واختياري. فأنا أعتقد جازماً بالطبع الفطري الخيّر للإنسان. إذ أن هناك دائماً صوت خفي (ضمير؟) يمنع الإنسان من أن ينخرط في حالات العداء التلقائية أو القتل والتخريب ضد بني جنسه، ويمنع الآخرين أيضاً من التبرير له وتبنيه، وبالتالي فإنَّ مشاركة الفرد في تلك الأعمال أو التبرير لها إنما تُعبّر عن حالة اختيار مقصود واع لا لبس فيه فيما يخص الأفراد. إذ أن تلك الممانعة الفطرية هي من تجعل الإنسان كائن اجتماعي بطبعه. فعندما اُكتُشفت المجتمعات البدائية في غابات الأمازون وأيضاً في أندونيسيا في القرن الماضي، تلك التي لم تحتك بأية مجتمعات إنسانية متحضرة من أول وجودها حتى لحظة اكتشافها، كانت تلك الأعداد البشرية هي تجمعات حافظت على كينونتها الجمعية الاجتماعية بطريقة ما. هذه الكينونة الجمعية لم تكن ممكنة إطلاقاً من دون وجود تلك الممانعة الفطرية للتوحش ضد بني جنسه، من دون دافع قاهر أو سبب، يقف منه الإنسان موضع اختيار واع. نعم، أتفق أن المسألة الأخلاقية نسبية، ولكنها حقيقة أيضاً أن الإنسان يختار الانحدار للتوحش ضد بني جنسه حتى وإن كان الظرف المحيط به لا يهدد البقاء. وهذا ما رأيناه واضحاً في مشاهد متعددة في مصر وسوريا ولبنان والعراق واليمن والجزائر وليبيا على الخصوص أو ما يحدث الآن لـ شعب قطر وليس حكومته بالتحديد.


"هكذا نحن دائماً، علينا أن نعيش حالة الخراب لنعرف كم كنا أغبياء"، مقولة صحيحة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- لا كهنوت في الإسلام ... مقولة خاطئة
- الأصل الوثني لمركبة يسوع السماوية
- الأزمة الأخلاقية العربية
- حَلَب والإشكالية المذهبية في الصراع العربي
- مدخل لدراسة الإشكالية السلفية
- الأصل الوثني للوصايا العشرفي اليهودية والمسيحية
- مشكلة الإنسان في الثقافة الشرق-أوسطية
- لم يكن سعيداً بالتأكيد، ولكنني فخور به - تعقيب على الدكتور ا ...
- في الإشكالية الحقيقية للوطن العربي
- هل كان يسوع سارقاً - 4
- هل كان يسوع سارقاً - 3
- هل كان يسوع سارقاً - 2
- أبو قتادة الفلسطيني – 4
- أبو قتادة الفلسطيني – 3
- أبو قتادة الفلسطيني - 2
- أبو قتادة الفلسطيني - 1
- فارس أحمد آل شويل الزهراني
- عندما يسقط المثقفون – يوسف زيدان نموذجاً
- الاستقواء بالسلطة كمنهجية – الحالة المصرية
- نموذج لدوافع التزوير في النص المسيحي


المزيد.....




- بوتين لأردوغان: قرار القدس يصب الزيت على النار
- محمد هنيدي يسخر من محاولات -تشويه دور السعودية- حول القدس.. ...
- الدفاع الروسية تؤكد عودة كتيبة شرطة عسكرية روسية على طائرتين ...
- زلزال قوي يضرب جنوب شرق إيران
- البنتاغون يسمح للمتحولين جنسيا بالخدمة في الجيش
- أنقرة لم تعد ترى في دمشق خطرا
- الأمن الروسي يحذر من خطر عودة الدواعش إلى البلاد
- أفضل بطارية هاتف في العالم
- تعرف على ساسة أوروبا المؤيدين لقرار ترامب
- ميريام وبستر: هذه كلمة العام


المزيد.....

- ثورة في الثورة / ريجيە-;- دوبريە-;-
- السودان تاريخ مضطرب و مستقبل غامض / عمرو إمام عمر
- انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي / بدر الدين هوشاتي
- لماذ الهجوم على ستالين... والصمت المطبق عن غورباتشوف ؟ / نجم الدليمي
- التنمية الإدارية وسيكولوجيا الفساد / محمد عبد الكريم يوسف
- كتاب أساطير الدين والسياسة-عبدلجواد سيد / عبدالجواد سيد
- اري الشرق لوسط-تأليف بيتر منسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / بيتر منسفيلد--ترجمة عبدالجواد سيد
- كتالونيا والطبقة والاستقلال / أشرف عمر
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟ / محمود الصباغ
- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن محسن رمضان - اكتشاف الغباء الجماعي