أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - العودة إلى دراسة ظاهرة الألحاد وقضية تحرير العقل















المزيد.....

العودة إلى دراسة ظاهرة الألحاد وقضية تحرير العقل


عباس علي العلي
الحوار المتمدن-العدد: 5554 - 2017 / 6 / 17 - 21:22
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في المقالة السابقة التي تكلمنا فيها عن ظاهرة الألحاد وعلاقته بتحرير العقل البشري كانت هناك ملاحظات مهمة وتعليقات نظرية عارضت ووافقت الطرح، وهذا شيء جيد بحد ذاته عندما نتناول قضية عقلية مهمة، وتثبت أن الظاهرة المدروسة بحاجة إلى مزيد من الجهد والنظر التفكيري، وإكمالا للطرح لا بد أن نشير إلى قضيتين مهمتين الأولى تتعلق بمعى الإلحاد والإيمان والأخرى في أثر التحرير العقلي في الرؤيا ككل، فليس من المعقول أن نبحث في قضية عنوانها الرئيسي مشوش وغير متفق على أبعاده الماهوية أو طرح أس تقريبي له كي يكون الحوار والمناقشة فيه مبني على تصور شبه موحد، فالإيمان بالدين والإلحاد كلاهما يدوران في أطار واحد هو خيار الإنسان الحر العاقل في تبني معتقد ما، الأول يتمسك بأن الظاهرة الدينية ظاهرة أصيله وفطرية وتكوينية تتلائم مع بنائية وطبيعة الذات البشرية العاقله، بمعنى أن لكل إنسان في الواقع والحقيقة وجهة نظر تكشف علاقته بما حوله، وهذه العلاقة أو وجهة النظر لها طرفين أحدهما روحي وفي جانب منه أشياء لا ندركها أو ندركها من خلال خوض التجربة وهذا الأمر طبيعيا، وعلينا بدل رفض الدين أن نستخدمه كرافعه عقلية للكشف عن خفايا النظام الكوني ولا بأس أن نستعين بالعلم وأدواته والمعرفة النقدية للوصول إلى الحقيقة كامله ولو بحدودها النسبية.
أما الظاهرة الإلحادية فتتبنى الأتجاه المعاكس لفكرة الإيمان الديني وتطرح خيارات عقلية مجردة تنص على أن الحقائق والمقولات الدينية تطرح قضاياها في سلة كبيرة من المسلمات والمقدمات والنتائج، وترفض أن تخضعها جميعا للمنطق العقلي العلمي، وهذا ما يجعلها في نظر الملحدين إقصاء لفكرة تحرير العقل من أساسيات الواقع لا من أساسيات العقل ونظامه العملي المتطور، فليس كل ما يؤمن به العقل الإنساني هو الحقيقية التي تأبى إثبات العكس أو التناقض الجدلي، فالعقل أداة مبرمجة على القبول بالظواهر العامة التي تستقر تداوليا وتتحول إلى ما يشبه المسلمات، فالدين يبدأ من حيث يتجنب العقل الخوض في مناقشة الفروض العقلية المستجدة التي يبرهن العلم في جانب منه على إثبات ما يخالفها أو نكران بعض ما فيها، والأشهر في هذا المجال مثلا قضية الخلق والنشوء وقوانين المادة والحركة والأبدية الوجودية التي تتعارض مع فكرة بدء الخلق والخليقة الدينية والفناء الوجودي المتوقع بل والذي يصر الفكر الديني أنه يبدأ وينتهي بكلمة من الله، في حين أن العلم ينفي البدء والأنتهاء إلا وفقا لمعادلات قوانين المادة والحركة والتي يستحيل معها أن يحدث كل شيء بكلمة ولا بد من أسباب مادية تخضع لنظام حركة الجوهر المادي.
في دراسة الظاهرتين معا مقاربة ومقارنة لا بد لنا أن نأخذ الحياد العلمي ونضعهما على مائدة النقد دون أن يعني ذلك أن نتخلى عن فكرتنا الأولى أو ننحاز لها دون دليل وحجة عقلية، نعم العقل قد يكون مبرمجا وخاضعا لتأثيرات الواقع وخاصة أن القضايا الروحية وأحيانا الغيبيات تحيط به كونها جزء من الذات التكوينية أو ما يسمى بالفطرة، وهذا ما ينتجه العقل المطبوع ولا يمكن تجاوز هذه النقطة بدون دليل أقوى وأرجح يصنعه العقل الحر المتنامي والمتحرر من ضغط الواقع ومسلماته، أيضا هناك قضية أخرى عجز العلم والمنطق العلمي التجريبي أن يجيب عن بعض إشكالياته وخاصة فيما يتعلق بسلسلة العلل اللا متناهية، فهو يقف عاجز مثلا عن تصور أو إيجاد تبرير علمي لقضية الوجود (الأس الصفري للمادة)، أي الحالة التي كان عليها العدم قبل الوجود وكيف حدث العدم أو تحول إلى موجود مادي أنتج هذا النظام المنضبط والمتفاعل بقوانينه الوجودية، هذه واحدة من النقاط التي يشترك فيها كإشكالية عند الفكر الديني والفكر الإلحادي ولا سبيل لأن نفترض المستحيل لتبرير قانون أن المستحيلات يمكنها أن تحدث لمرة واحدة لتولد سلسلة من المعقولات المنطقية.
إذن المسألتين الإيمانية والألحادية لديهما مشتركات في ما يسمى بالقصور العقلي للنفاذ إلى منظومة تكوينية هي الأخرى أكبر من قدرة العقل ولو إلى أجل ما في فهمها وإدراكها، وهذا يعني من جهة أخرى أن العقل الإنساني هو المحرك الأساس والفاعل في كشف ماهيات الدين وماهيات الإلحاد دون أن يتبنى نتائج نهائية فيهما، هذه الحقيقية لا يريد أصحاب المدرستين من الإقرار بها أو الإقرار بأن الأختلاف في زوايا النظر لا يعني القطيعة بينهما، لأن الطرفين يلجئون في كل مرة للعقل ومنطقه التسليمي، والسؤال الذي يغيب عن بال الطرفين هو لماذا العقل وحده هو الحكم ولماذا يلجئون في كل مرة إلى ماهية تحكيمية لم تتبين حدودها النهائية عندهم؟، فلا المتدين يعرف قطعا وبشكل أكيد ماهية العقل وشكله وأساسه العملي كمرتكز يستند عليه في تبرير وتصحيح وقياس مسائله، ولا الملحد لدية تصور حقيقي وكامل وأكيد عن ذات المشكلة وهنا أيضا نجد مشترك عملي بين الطرفين المتناقضين كما يزعم كل منهم.
القضية الأخرى والتي يجب أن ندركها في بعدها العملي والحقيقي وهي مسألة تحرير العقل وتطوير نظم التعقل وأدواتها، والسؤال هنا هل يعني ذلك أن نجبر العقل أن يترك موقعه كحكم وفيصل بين الواقع وبين الفرض أو بين الواقع وبين أن نبني الخيال خارجه؟، فمفهوم تحرير العقل أيضا بحاجة لبيان أطره ومناهجه ووسائله وأهدافه والكيفيات التي يجب أن يكون عليها قانون التحرير، البعض يرى في تخلي العقل عن الموروث التأريخي ورفضه بالجملة وإعادة بناء منظومة جديدة منقطعة ومتقاطعه مع الإرث الإنساني هو الحل الذي يجعل العقل أكثر تحررا وأكثر قدرة على أعطاء نتائج تساهم في إعادة مفاهيم وخلق عالم جديد حر، والحقيقة التي لا بد من طرحها أن هذا الفرض أكثر خيالية لحد وصفه بالوهم المطلق، فلا بد للعقل أن يبني على أسس عقلية، وهذه الأسس لا بد لها من وجود صانع ومكون وواقع، فلا يمكن للعقل أن يبني تصوراته على فراغ ولا يمكنه أن ينطلق فيه، إذن العقل بحاجة إلى مفردات تتاكثر وقابلة للأثراء والتطور، وهذا يقودنا إلى حقيقة أن العقل هنا بحاجة لتجربة جديدة ولكن ليس إلى فراغ جديد، والتجربة بحاجة لواقع حي كامل المواصفات الشيئية والمعرفية، إذن نعود مرة أخرى للواقع وأحكامه، فتحرير العقل يبدأ من تحرير الواقع والعملية متشابكة ومتشاركة في الأثر والمأثور.
مسألة تحرير العقل إذن لا تخرج عن أطارها التأريخي بمعنى الأعتماد على زمنية الحركة الكونية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها وأن لا تتقاطع مع الواقع هذا، فهدف تحرير العقل لا يعني بتاتا التخلي عن واقعنا وواقع العقل والأنتقال إلى اليوتيبا الخيالية المرموزة لنا بجزء واحد هو الدين أو المعرفة الدينية، في حين أن المنادي بتحرير العقل من خلال رفض الإرث الإنساني أهمل أو تناسى الجانب العلمي والمنطقي فيه وهو الذي أوحى إليه بفكرة التحرير، قد يقول البعض لنترك الجانب الديني فقط ونتمسك بالجانب العلمي ونتخذه طريقا لبناء عملية التحرر، الجواب هنا بالتأكيد سيكون كيف لنا أن نفصل بين الدين والعلم في واقع تداخل العنصران في تشكيل هيئته الراهنة وفي تنظيم سيرورته الداخلية، ولولا التناقضات التي حدثت بينهما لم يتطور العلم ولم تنتج العقلية الإنسانية هذا الكم من المعرفة العلمية والمنطقية، الواقع يشير إلى حقيقة يؤمن بها الملحد قبل المؤمن وهو قانون التناقض الجدلي في الوجود، ولولا هذا القانون وأحكامه لا يمكن لنا أن نتصور كيف وصلت البشرية اليوم إلى هذا المستوى من الرقي والتسامي، فبوجود الدين والأشكاليات الأستفهامية التي أثارها وخلق نوع من الحاجة إلى تفسيرات وتوضيحات وأحيانا تبريرات لم نصل إلى وجوبية البحث والتقصي والتأمل والأنتاج، وبذلك ساهم الدين أو الفكر الديني من طرف مهم وأساسي في مسألة بلوغ العلم هذه الدرجة من النضج والفعل.
لا بد للإنسان العاقل والمدرك لوظيفته الوجودية أن ينظر لكل قضية من خلال أطارات متعددة وزوايا مختلفة ليحيط بالصورة أكثر وأكمل، الدين يمكن عده من الحقائق الواقعية كونه عنصر أساسي رافق الوجود والبشري وساهم في صنع المعرفة بشكل مباشر أو غير مباشر، لكن هذا لا يعني في نفس الوقت أن نترك الواقع على عذريته كما هي، بل لا بد أن نواصل البحث والكشف والغوص في النتائج التي أنتجها العقل البشري وإن أفترضنا أو على الحقيقة تصادمت مع الدين، هذا ليس خللا ولا كفرا ولا خروج عن طبيعية الإنسان، بل أجزم أن كل مقولات الإلحاد العملية والمنطقية ستساهم في تحريك الواقع الديني ليكشف عن أجوبة ويثير فينا الكثير من التساؤلات القادمة والتي ستشكل مرحلة تطويرية أخرى، المشكلة في التعصب والأنحياز الفردي ذو التوجه الواحد أما أن تكون مؤمنا وتلغي كل الأخر لأنك لا تؤمن به، وكذلك رفض الملح لكل الإرث الديني جملة وتفصيلا وأعتباره ذلك مجرد أوهام وتخيلات لا تنتج إلا وهما وتخيلا، دون أن يبحث الطرفان على عوامل وأحداثيات مشتركة لتطوير الواقع وتجديد الحياة ونظامها المحرك.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,108,743,599
- حين يكون الفقد فوزا ونحن الخاسرون
- ظاهرة الإلحاد ومشكلة تحرير العقل
- دروس في تدبر القرآن الكريم لا تأويلا ولا تفسيرا 6
- خطاب إلى دجلة .... الخير
- دروس في تدبر القرآن الكريم لا تأويلا ولا تفسيرا 5
- نشيد الوجود وأغنية الطريق
- دروس في تدبير القرآن لا تأويلا ولا تفسيرا 4
- أستئذان بالرحيل إلى منفى العمر
- العلاقات البديلة.
- دروس في تدبير القرآن لا تأويلا ولا تفسيرا 3
- إلى فراس المعلا
- وجدانيات 2
- أزمة الفكر الديني الإسلامي بين التنوير والتمسك بالمسارات الت ...
- دروس في تدبير القرآن لا تأويلا ولا تفسيرا 2
- قصة نهاية
- دروس في تدبر القرآن الكريم لا تأويلا ولا تفسيرا
- الإرادة الإنسانية بين العقل ومستحكم الإشاءة الفوقية.
- صوفيات
- البعض ينشد للموت ..... بأغنية
- من حكايات ألف ليلة وليلة 2017


المزيد.....




- ملك الأردن: -سنحمي المقدسات الدينية في القدس من منطلق الوصاي ...
- «الإسلامية المسيحية» لنصرة القدس: اقتحام منطقة «دير مار سابا ...
- اعتقال صومالي في إيطاليا بعد تعليقات عن شن هجوم على الفاتيكا ...
- اعتقال صومالي في إيطاليا بعد تعليقات عن شن هجوم على الفاتيكا ...
- واشنطن تهنئ الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية
- #إسلام_حر - الإسلام والعلوم بين الأمس واليوم
- استطلاع رأي.. 90% من الليبيين يوافقون على سيف الإسلام القذاف ...
- برلمانية إيطالية تطالب بإدراج -الأصولية الإسلامية- في قانون ...
- الفن زمن الحرب.. كيف قاومت سوريا أوجاعها بالجمال الروحي؟
- 62 مستوطنا يقتحمون المسجد الأقصى بحراسة من الاحتلال الإسرائي ...


المزيد.....

- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي
- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - العودة إلى دراسة ظاهرة الألحاد وقضية تحرير العقل