أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إقبال الغربي - رمضان و حرية الضمير في تونس الثورة














المزيد.....

رمضان و حرية الضمير في تونس الثورة


إقبال الغربي
الحوار المتمدن-العدد: 5547 - 2017 / 6 / 10 - 18:25
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حكمت محكمة تونسية على أربعة شبان فبشهر سجن بعد إيقافهم لاجهارهم بالإفطار في حديقة عامة . و يأتي هذا الحكم في تناقض تام لدستور البلاد الذي يتضمن مبدأ حرية الضمير . ودعت جمعيات حقوقية إلى مظاهرة للتنديد بهذا الحكم القضائي و للحد من ظاهرة ملاحقة المفطرين في تونس.
و لا تزال حرية الضمير تثير الكثير من الجدل و تواجه التردد و الازدواجية في ارض الإسلام. تمثل حرية الضمير أو الوجدان واحدة من الحريات الفردية الأساسية وحقا جوهريا من حقوق الإنسان. وتكمن أهميتها في أنها شرط وجوب للديمقراطية و الحداثة ، أي للعيش المشترك داخل مجتمع ضامن و صائن لكرامة الإنسان،. ومع ذلك، وربما بسبب ذلك، فإن إقرارها في الدساتير والقوانين، والاعتراف للفرد بحق التمتع بها وممارستها في كامل أبعادها ما زال منقوصا. و لعل السبب يكمن في أن حرية الضمير تتموقع ضمن مفارقات و توترات العلاقة بين الفرد و الأمة بين الدين و الدولة .
و علينا الإقرار بان إن مفاهيم حرية الاعتقاد وحرية التعبير وحرية الضمير وغيرها من الحريات العامة؛ هي بالأساس حقوق حديثة وسليلة عصر الأنوار وما بعده. فهي ووليدة نضالات الإنسان ومقاومته عبر التاريخ من أجل نحت تصور جديد لوجوده في علاقته بالغيب وبالآخر وبالدولة، وهو تصور حوّل سلّم القيم من مجال السماء إلى مجال الأرض وفصل بين الفضاء الخاص و الفضاء العام و بين الديني و السياسي أي فصل بين المواطنة و الإيمان .
بيد أننا اليوم بإمكاننا تجاوز التوتر بين ثقافتنا و الحريات العامة و منها حرية الضمير و الاعتقاد و تحقيق المصالحة المنشودة بين "خصوصياتنا" من جهة و بين روح العصر و قيمه العقلانية و الإنسانية الرافضة للتوتالترية الدينية و لمحاكم التفتيش من جهة أخرى . و للنجاح في هذا الرهان علينا الاعتماد على القراءة التاريخية و المقاصدية لديننا الحنيف التي ستعيد صياغة الوعي الجمعي و ستحصن الأجيال الشابة ضد التزمت و الإرهاب . و هذا ما سعى إليه الإمام المصلح محمد عبده في قولته الشهيرة "لا دين في السياسة و لا سياسة في الدين " . وهي نفس الفكرة التي صاغها الزعيم الأزهري سعد زغلول في شعاره "الدين لله و الوطن للجميع ".

إن القرآن الكريم احتوى صراحة وبلا تأويل على دعوة إلى حرية الاعتقاد.
فالآيات التي تكرس الحريات الدينية صريحة . وهي لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ". الآية 256 من سورة البقرة
"وَلَوْ شاء ربك لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ". الآية 99 من سورة يونس.
" فَمَنْ شاء فليؤمن وَمَنْ شاء فليكفر". الآية 29 من سورة الكهف
وأما آية الردة "وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ، وَهُوَ كَافِرٌ فَأولائك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولائك أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (الآية 217 من سورة البقرة )، فقد جعل الله سبحانه و تعالى عقابها أخروياً، ولم يربطها بأي جزاء دنيوي. كما أن آيات الحرب والجهاد، موجهة إلى من يقاتل المسلم فقط، وليست موجهة إلى الكفار في ديارهم. وآيات القتال كانت أيضا مخصوصة ومرتبطة بأحداث تاريخية محددة و بإطار زمني معين.
القراءة التاريخية الموضوعية والمقاربة النسبية لنصوصنا المقدسة تؤسس للحرية . وهي تساعدنا على الارتقاء من هذيان النرجسية الدينية التي رحابة الفكر الكوني الإنساني .كما تعني أيضا القطع مع المسلمات الني تقدم الإسلام على انه وصي على الجنس البشري و مكلفا بتخليص الإنسانية جمعاء من الشرك و الضلال. و علينا أن نتذكر دائما أن سلامة الجاليات المسلمة في المجتمعات الغربية هي نتيجة اتفاقيات و تعاقد و دساتير و قوانين تقوم كلها على مبادئ الديمقراطية والحرية الدينية و الحريات العامة .
فالديمقراطية هي أساسا ضمان حقوق الأقليات التي من حقها تجسيد قناعاتها و المجاهرة بها بكل حرية و استقلالية دون أن تكون عرضة لأي حساب أو عقاب أو إقصاء . من الواضح أن الديمقراطية تضمن التعبير عن الإرادة الشعبية من خلال حكم الأغلبية، لكن من الواضح أيضا أنها يجب أن تضمن أن الغالبية لن تستخدم قوتها و نفوذها و سيطرتها على دواليب الدولة لانتهاك الحقوق الأساسية للأقلية و إلا تحولت إلى طغيان الأغلبية . وهو ما يفسر الحرية التي تتمتع بها جالياتنا المسلمة و المجاهرة بدينها في الغرب و التي تتمتع غالبا بمساندة مادية و معنوية من طرف الدولة العلمانية .
فهذه الأقليات المسلمة لها حرية بناء جوامع و تأسيس جمعيات و تنظيم صلوات عامة في الشوارع دون أن تخدش هذه الممارسات التي تتعارض مع الأعراف و التقاليد الجماعية مشاعر الأغلبية الغير مسلمة أو تستفزها .

فالديمقراطية إذن و حقوق الإنسان ومنها حرية الضمير و المعتقد هما متلازمان كوجه الورقة و قفاها. بل إن احترام هذه الحقوق هو الذي يعطي للديمقراطية شرعيتها النهائية و يحمي في نفس الوقت سيادة الشعب من الانزلاق في دكتاتورية الأغلبية.
وتعتبر حرية الضمير من مسؤوليات الدولة المدنية . وهي من الأسس التي تقوم عليها ومن الغائيات والمقاصد التي تؤسس عليها شرعيتها و مصداقيتها . وهو ما ذهب إليه الفيلسوف سبينوزا عندما أكد "أن الغاية القصوى من تأسيس الدولة ليست السيادة، أو إرهاب الناس، أو جعلهم يقعون تحت نير الآخرين، بل هي تحرير الفرد من الخوف بحيث يعيش كل فرد في أمان بقدر الإمكان، أي يحتفظ بالقدر المستطاع بحقه الطبيعي في الحياة وفي العمل دون إلحاق الضرر بالغير".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,092,502,503
- الارهاب يفجر المواخير في تونس ، من الضحية و من الجلاد
- لماذا تنتج الكليات العلمية في عالمنا العربي الإرهابيين? مقار ...
- مقاربة نفسية و اجتماعية لظاهرة الجهاد في تونس
- الشرعية -السحرية- أو اختطاف الديمقراطية.
- التحرش الجنسي ليس قضية جنسية بل هو مسالة سلطة و نفوذ
- الثورة التونسية بين الجهويات و العروشية
- الحقائق الخفية عن ثورة الحرية
- من يكترث لدم مسيحيي العراق و دموعهم في ارض الإسلام
- الاسلاموفوبيا :محنة و فرص
- التحرش الجنسي ضد المرأة :الإرهاب المخفي
- بشرى البشير و ردود الفعل السيكوباتية
- غزة ׃المأساة و اللعنة
- من روزا لكسمبورغ إلى نهلة حسين شالي مسلسل قتل النساء
- الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية: دراسة جندرية
- الفضاء الافتراضي للمرأة المسلمة : دراسة مضمون بعض المواقع ال ...
- في ذكرى 11 سبتمبر , العقل و اللاعقل
- الفتاوى الهاذية بين علم النفس و التراث الإسلامي
- رياح الأنوثة تهب على الفدرالية الدولية لرابطات حقوق الإنسان
- تأملات جديدة حول الحجاب
- -ستار أكادمي- و -على الهواء- التداعيات السياسية و النفسية


المزيد.....




- 143 مستوطنا يقتحمون المسجد الأقصى بحماية شرطة الاحتلال
- الجزائر: تطويب رهبان ومسيحيين قتلوا خلال -العشرية السوداء-
- لحى انفصالية.. السلفية كسكين إماراتي لتقسيم اليمن
- ما علاقة السترات الصفراء في فرنسا بـ -الربيع العربي والإخوان ...
- إعلان تطهير محيط ثلاث كنائس من الألغام بقصر اليهود
- إعلان تطهير محيط ثلاث كنائس من الألغام بقصر اليهود
- إزالة ألغام قرب مكان -تعميد المسيح-
- الأردن... بعد ساعات من منع مكبرات الصوت في المساجد الرزاز يل ...
- بشار جرار يكتب عن زيارة بابا الفاتيكان: الأمل يتجاوز حدود ال ...
- رأي.. بشار جرار يكتب عن الزيارة المنتظرة لبابا الفاتيكان: ال ...


المزيد.....

- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي
- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إقبال الغربي - رمضان و حرية الضمير في تونس الثورة