أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وديع العبيدي - دامداماران [20] يهودية عازرية ..















المزيد.....



دامداماران [20] يهودية عازرية ..


وديع العبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 5541 - 2017 / 6 / 4 - 19:56
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


دامداماران [20] يهودية عازرية ..
[لا اتكلم ايضا معكم كثيرا..
لأن رئيس هذا العالم يأتي..
وليس له فيّ شيء!..
ولكن ليفهم العالم اني احب الاب..
وكما اوصاني الاب هكذا افعل!]- (يو 14: 30- 31)
[وان منهم لفريقا يلوون السنتهم بالكتاب، لتحسبوه من الكتاب، وما هو من الكتاب، ويقولون هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب، وهم يعلمون]- (البقرة 78)
[من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون سمعنا وعصينا، واسمع غير مسمع، وراعنا ليّا بألسنتهم، وطعنا في الدين، ولو انهم قالوا سمعنا واطعنا واسمع وانظرنا، لكان خيرا لهم وأقوم، ولكن لعنهم الله بكفرهم، فلا يؤمنون الا قليلا]- (النساء 46)

سقوط امبراطورية بابل عام (538م) كان نهاية مرحلة التاريخ السياسي القديم، الذي كانت جغرافيا شرق المتوسط وجنوبه الشرقي، عبر امتداد برية سيناء حتى النيل، قلبه الحيوي، كما شهد البذور الاولية للحضارة والمدنيات، والتأسيس الاولي للمعارف والعلوم والميتافيزيقا.
سقوط بابل لم يكن عسكريا من الخارج، وانما توفرت اسبابه الداخلية مليا، عقب وفاة نبوخذناصر الذي تجاوز حكمه الاربعة عقود. كان نبوخذ ناصر قائدا سياسيا وعسكريا وحكيما فردا، بلغ بمملكته الذروة في كل شيء ومن كل جانب، ولكنه لم يجد قائدا من شاكلته ومستواه لخلافته.
وقد خلفه في الحكم أحد ابنائه، فلم يستطع الاحتفاظ بمنجزات أبيه، فاطيح به بعد عامين، ثم تبعه اثنان من اخوته، لم يكن مصيرهما واداؤهما يفضله. مما اغرى المتربصين على الحدود، بالتسلل والسيطرة على البلاد، بمساعدة من الطابور الخامس الكامن لمثل تينك الفرصة.
ثمة ملاحظتان جديرتان بالتنويه في هاته المفصلية السياسية والتاريخية المتصلة تردداتها عبر الزمن حتى الراهن. وهي تخص علاقة الجوار الجغرافي والسياسي بين العراق وايران..
أولا: ان ايران لم تحتل ارض النهرين او تتخرص بحدودها مرة، الا عندما تكون البلاد في حالة ضعف او اضطراب، وتفتقد قيادة قوية. وهذا ينطبق على المرات الاربعة التي احتلت فيها ميسوبوتاميا. الاولى: عندما دخلت المدن السومرية في صراعات داخلية؛ والثانية: عند تخلخل الخلافات العائلية سلطة اشور. والثالثة: عقب موت نبوخذناصر وضعف خلفائه، مما اردى بالحالة الامبراطورية لفقدان هيبتها ونفوذها. والحالة الرابعة: عقب موت الاسكندر، واضطراب الظروف من بعده، فظهرت دولة بارثية في شمالي العراق، واعقبتها مملكة ساسان، في ظل الفراغ االسياسي وتهلهل النسيج الاجتماعي الوطني. والواضح في حالتي اشور وبابل، اعتمادها على الجيوب الداخلية والعملاء المحليين، رغم ان البلاد عاجزة عن حماية نفسها او المقاومة.
ثانيا: ان نبوخذ ناصر ملك بابل القوي، كانت له زوجة ايرانية، وبحسب المزاعم، انه بنى [الجنائن المعلقة/ Hang Garden] لها. وهي قصة لها تكرارات ملحمية، في بناء (قصر شيرين) على حدود خانقين، أو خط مدينة (شهربان/ المقدادية) قصرا لاميرة ايرانية، شرقي نهر دجلة. ولا يعرف اذا كان خلفاء نبوخذناصر الضعفاء من نسل الايرانية. فضلا انه يجعل الجار الايراني، في مركز [خؤولة] حكام العراق.
فكرة [الخؤولة] الايرانية حاضرة ايضا في اعقاب اللخميين في مملكة المناذرة النصرانية في القرن الثالث الميلادي، وحاضرة كذلك في ذرية علي ابن ابي طالب من خلال زواج ابنه الحسين من بنت كسرى التي انجبت له [علي زين العابدين] او [علي السجاد] الامام الرابع عند (الشيعة). وهي حاضرة ايضا في اعقاب العباسيين بناة الامبراطورية العباسية في بغداد، كما سلف في ذكر البرامكة، وأعقابهم البويهيين.
فكرة [المصاهرة/ الخؤولة] الايرانية في المجتمع العراقي عبر الزمن، تركت ترددات سلبية عميقة في تكوين الشخصية العراقية على صعيد نفسي واجتماعي، ليس أقلها [الازدواجية الاجتماعية!] التي اشرها علي الوردي، او [التضادد النفسي!] الذي قال به مظفر النواب [مواليد 1935م]: (كل منا يحمل في الداخل ضدّه!). والتي تنعكس في النص التوراتي بمقولة: [في احشائك امتان: يتفرع منهما شعبان!]-(تك 25: 23).
هاته الثنائية التناظرية: عرقيا واجتماعيا ونفسيا ودينيا وسياسيا، هي امتداد وانعكاس لفكرة الثنائية/ المثنوية- المجوسية/ الزرادشتية المنعكسة في هيكلية الوجود ومنظومة الحياة وقوانين الطبيعة والاجتماع. ولكنها اختارت ان تتجسد عرقيا واجتماعيا في التربة الاجتماعية العراقية وتذرياتها.
ويؤثر عن المقول العربي، جملة امثال من ذات الصلة بالرحم، منها: (العرق دسّاس!)، (تخيروا لنطفكم!)، (اياك وخضراء الدمن!). والعرب عموما يأنفون عن مصاهرة [المشارقة: (الى الشرق من بلادهم)]. وليس بين نساء النبي وخلفائه: [مشرقية: (ايرانية، هندية)]، ولكن منهن: [افريقيات ومصريات وروميات: (مغربيات)].
من هنا يمكن القول.. ان من اسباب تهلهل النسيج الوطني العراقي هو [نوع الزوجة/ الام]، وما يترتب عليها من فكر تربوي سلبي، وذلك عند المقارنة بالفكر التربوي القبطي مثلا. فارتفاع نسبة الخؤولة –(الشرقية)- انعكس سلبا على ضعف الانتماء لمسقط الرأس، فضلا عن ازدواجية الانتماء والولاء. وقد تصدى الرعيل الاول من السياسيين العراقيين في اول الحكم الملكي لهاته الاشكالية: [عبد المحسن السعدون وجعفر العسكري، مثلا]، ولكن الاثنين تعرضا للاغتيال ولم يعمّرا.
دور الام في توريث الخصائص الجينية لنسلها، تمتد لدورها الاجتماعي في توريث القيم الاجتماعية والدينية، ومنها الخصائص الوطنية والقومية. ولذلك اشتق المؤرخون العرب اصطلاح: [أمّة] من (أمّ)/ (علاء اللامي)، وميزوه عن: (قومية) من (قوم). بينما يتحد الاصطلاحان في الابتسمولوجيا الاوربية: [nation, nationalism].
ويمكن ترجيع فكرة القومية: (- قوم) الى [المرجعية الابوية: البطركية]، والمضاهية للحالة [القبلية]: كما عند العرب والمجتمعات الاوربية، التي خرجت من اطار الامبراطورية الرومانية والبيزنطية، واستقلت بنفسها ذاتيا وبلدانيا. فالبشرية تنقسم بذلك قسمين رئيسين من جهة التربية الاجتماعية: [مجتمعات امومية/ عرقية، مجتمعات أبوية/ قبلية].
ويدخل في تصنيف المجتمعات الامومية: الهنود، الفرس، الافارقة عموما. ويصنف العلماء المرحلة الامومية بأنها الاقدم تاريخيا، وتعتبرها نوال السعداوي دالة على اولوية (الفيمنست) وجدارتها التاريخية: (الانثى هي الاصل)، وتتخذ اسطورة ايزيس داله لها.
اما المجتمع القبلي/ الابوي فيأتي تاليا لمرحلة الامومة وانتقال السلطة من [الام ربّ الاسرة] الى [مركزية الاب]. وقد اقترن هذا التحول بتعقد نظم الحياة وظهور الجماعات والممالك المستقلة، مما افرز الحاجات الامنية والدفاعية، التي تقتضي القوة الجسدية والعسكرية.
وما يحصل اليوم، في ظل الراسمالية الامبريالية، وقيم [البوست مودرنزم]، تجريد الرجل من دور القيادة الابوية ومسؤولياته العائلية والاجتماعية، ونقل كامل السلطات والمسؤوليات للمراة، وحصر المركزية بيد (الأم)، - تحت عنوان التطور-، مع تحجيم [الزوج/ الأب/ الابن/ الذكر] الى مجرد تابع/ خادم/ قطعة غيار في ماكنة الانثى والراسمالية!.
واذا كان (الرجل) تابعا لمؤسسة القبيلة في فكره وادارته، فأن (الامّ) تتبع المؤسسة الدينية في فكرها وادارتها. واليوم تحل [الدولة الراسمالية- المتدينة] محل (الدين) في قيادة المراة ودعمها وحمايتها، وبشكل يتم تصوير [الزوج/ الأب] في صورة (الوحش المفترس)، الذي لابد من ترويضه وتطويعه وتسخيره لخدمة [الفيمنست- الدولة الراسمالية].
هذا التحول الاجتماعي الثقافي السياسي في تاريخ الاجتماع البشري، كان لابد ان ينعكس على ظاهرة (الدين) بشكل أو اخر، قليلا او كثيرا. كما انعكس، في نفس الوقت على صور النظام السياسي والاقتصاد السياسي، وانتقال العالم، من مرحلة التاريخ القديم، الى مرحلة التاريخ الوسيط.
ومن خضم ملابسات وتفاصيل هذا التحول الدراماتيكي، ولدت (الظاهرة اليهودية) في احضان/ احشاء الحكم الفارسي الكورشي، متبنية املاءاته السوسيوثقافية والسياجتماعية، ومتخذة (الدين) لبوسا، و(التاريخ) أداة ومجالا.
وقد شخص الدكتور عبد الوهاب المسيري [1938- 2008م] خصائص حيوية في تفكيك المنظومة اليهودية، ولكنه لم يتقصاها ويسمي مرجعياتها. فالتناظر والتكرار الدوري والصراع، هي من ابجديات الميثولوجيا والثقافة الايرانية الاصلية، وهي الاعمدة والاسس التي تحمل هيكلية [التاناك]. بينما تستعير بقية ادواتها من التراث الرافديني القديم وتعيد نقعيدها بالامتزاج مع رموز فرعونية واغريقية.
في ظل امبراطورية حامية ولدت اذن ظاهرة (توراه) مانحة نفسها صورة (سلطة) بمرسوم امبراطوري فارسي/ [سفري عزرا ونحميا]، متسلطة على بني قومها من جهة، وعلى سكان الارض من جهة ثانية، ولكن من غير مبرر ولا طائل.
لا جرم اذن، -أمس، كما اليوم-، حيث تنحل ملامح مرحلة وتتشكل ملامح مرحلة مستجدة، ان يجتمع [بوذا الهند، كونفوشيوس الصين، زرادشت ايران، عزرا البابلي، فيثاغورس اثينا]، في نقطة واحدة من الزمن، هي القرن الخامس قبل الميلاد. وأن يشكل هؤلاء ملامح وسمات الثقافة الانسانية والتاريخ البشري لمجتمعات المستقبل، التي لما نزل نعيش أثارها وأوضارها لليوم.
وأؤكد هنا، ما تثبته المرارة: [العملة الريئة تطرد العملة الجيدة!]، ويؤكد نص الانجيل: [ان العالم موضوع في الشرير!]- (1يو 5: 19). ومن لا يرى العيوب في الدين، يراه في الدولة، ومن لا يراه في الدولة يراه في انحطاط العلاقات الاجتماعية، ومن ومن، يراه في مقارنة يومه بأمسه وغده.
وفي هاته الايام التي تسبق موعد الانتخابات البرطانية: (8 يونيو 2017م)، تتولى البرامج المسيحية الترويج للمحافظين، وفي خلال يومين قفزت الاستفتاءات من تفضيل (50%) من مسيحيي بريطانيا لحزب المحافظين، الى (61%) منهم يفضلون رئيس وزراء مسيحي، نكاية بحزب العمال الذي يوصم بالالحاد تارة، وترشيحه عناصر من المهاجرين تارة، -الخشية من طموحات عمدة لندن الباكستاني في رئاسة الوزارة!-.
في خلال ذلك، وجد نفسه المذيع يقول فجاة، الواقع أننا نرى ما صارت اليه حياتنا الاجتماعية، واستشراء ظاهرة زواج (المثليين) المدعومة من احزاب المحافظين، وعامة احزاب اليمين الداعمة والخادمة للطبقات الراسمالية والبرجوازية. فـ(المثلية) التي تدمر كيان العائلة والمنظومة الاجتماعية، تمثل تحديا تعجيزيا صارخا للكنيسة والمسيحية الغربية التي تمنع القوانين الغربية المعاصرة انتقادها او التعرض لها.
لا يوجد (الشرّ) في صورة – مجردة- او ظاهرة –فرد- وانما يكون دائما في حالة (منظومة) متداخلة ومتلابسة/ (تلبيس ابليس). وجود ملمح واحد للسوء، هو دالة مفتاحية لاستقصاء وفضح كل المنظومة والمؤسسة المتخفية وراءه، القائمة على استثماراتها وخدماتها. يتساوى في ذلك: [الدين، الدولة، الاقتصاد، المجتمع].
ولكي تستمر منظومة الشر وتدومن تعمد للتغشية والتورية والاستبطان، واعتماد اللبوس والبراقع المغرية، وتجعل اداتها وحصانها الطائر، (العوام) والقواعد الاجتماعية المتواضعة، باستغلال حاجاتها المادية والمعيشية والانسانية، ليس من باب العطف، وانما الاستغلال والتجييش ضد المخالف والمعترض.
وهكذا تتوفر المؤسسة الدينية على جيوش من الجهلة والغوغاء، الذين تهدد بهم اهل العقل والجاه، وتذلهم او تخرسهم عن النطق خلافها. وهذا ما تم مباشرة عقب احتلال العراق (ابريل 2003م)، من نشر مافيات الغوغاء والملثمين المسلحة، متخذين لبوس الدين وشعاراته المجانية، لممارسة القمع والاغتيال والتسقيط والتهميش ضد المخالفين للغزو وسلطاته الجديدة، واصمين مخالفيهم بـ(الكفر) الذي لا يترك لضحيته فرصة ثانية. فكان المثقفون العلمانيون الوطنيون، الهدف الاول، والضحية الاكبر، لسيناريو الفوضى الدموية.
العراق الذين ولدت فيه فكرة الدين والكهنة والسحرة الاوائل في عهد سومر، واستولد طائفة من الافكار والعقائد الدينية عبر التاريخ، هو ضحية [الدين] وأفكاره ومنظوماته. بعبارة اخرى، انه يجني ما صنعت يداه. وهذا هو محور النار التي تشتعل بها مجتمعات شرق المتوسط وبلدانه، الواحدة تلو الاخرى. ومن لا ينتفض اليوم وينفض يديه من [سحر بابل]، لن تكون له نجاة. فبابل اليوم هي نيويورك ومحوررها الذي لا يقبل الشراكة والمساومة.

بين يوسف صفنات ودانيال البابلي..
من المفيد هنا الاشارة الى مبدأ التقابلية/ التعادلية التاريخية في بناء نسيج التاريخ ولحمة الفكر الانساني. ولهاته التقابلية/ الثنوية مظاهر وصور كثيرة في الخرائط الدينية والفكرية، وداخل نسيج التاريخ العبراني نفسه، كما ترسمه أسفارهم المقدسة.
فكما ان الصبي الذي ابتاعه الاسماعيليون لتجار مصر، يتحول الى الرائي الاكبر ويتفوق على عرافة مصر وسحرتها، ليجعل منه فرعون: رجل مصر الاول!.. [قال فرعون لعبيده: هل نجد في مصر كلها نظير هذا رجلا فيه روح الله؟.. ثم قال فرعون ليوسف: من حيث ان الله قد اطلعك على كل هذا، فليس هناك بصير وحكيم نظيرك!.. لذلك اوليك على بيتي ويذعن شعبي لكل امر تصدره. ولن يكون اعظم منك سواي، انا صاحب العرش. ثم قال فرعون ليوسف: ها أنا قد وليتك على كل ارض مصر!. ونزع فرعون خاتمه من يده ووضعه في يد يوسف، وألبسه ثياب كتان فاخرة/(ملوكية) وطوّق عنقه بطوق من ذهب، وأركبه في مركبته الثانية ونادوا: اركعوا أمامه!. وأقامه واليا على كل ارض مصر. وقال فرعون ليوسف: انا فرعون!.. ولا احد يمكن ان يحرك ساكنا في كل ارض مصر من غير اذنك!. ودعا فرعون اسم يوسف [صفنات فعنيح= معناهك حافظ الحياة بالمصرية القديمة]، وزوّجه من [أسنات بنت فوطي فارع كاهن أول]، فذاع اسم يوسف صفنات في كل ارض مصر]- (تك 41: 37- 45).
رغم ان مصر مدنية عريقة ولها طاقم كتاب ومدونين وسجلات تغطي كل قطاعات الحياة الرسمية والتجارية والدينية والشعبية؛ فلم يجد المؤرخون على أثر قريب او بعيد لاسم هذا الفرعون او تولية لقيط عبد حاكما على كل مصر. ورغم ان كلا من [يعقوب و يوسف] جرى تحنيطهما وفق تقاليد ملوك مصر- حسب التوراة-، ومومياءات الفراعنة خالدة لليوم، فليس بينها مومياءات يوسف صفنات فعنيح ولا ابيه [يعقوب اسرائيل].
هاته الامثولة تتكرر في الميسوبوتاميا، خلال مدنية بابل التي كانت ذروة زمانها ايضا، فهي تنحني وتضع كل تاريخها ومجدها امام شاب عبراني. وكما كان (فرعون مصر) ذي المهابة والعظمة في كل من [التناخ، القرآن] هو الذي يعطي مجده للعبراني الغريب، كذلك يكون نبوخذ ناصر اعظم ملوك بابل هو الذي يعطي المجد لشاب عبراني غريب.
[حينئذ انطرح نبوخذ ناصر على وجهه وسجد لدانيال. وأمر أن يقدموا له تقدمة ورائحة رضى-[كتكريم الالهة!]. وقال الملك لدانيال: حقا ان الهكم هو اله الالهة وربّ الملوك وكاشف الاسرار، لأنك استطعت تفسير الحلم. ثم عظّم الملك دانيال ووهبه عطايا كثيرة، وسلّطه على كل (ولاية بابل)، وأقامه رئيسا على كل حكماء بابل وولاتها. وطلب دانيال من الملك ان يعيّن –(اصدقاءه)- شدرخ وميشخ وعبدنغو، على شؤون ولاية بابل، ففعل. أما دانيال فأقام في قصر الملك]- (دا 2: 46- 49).
لا ادري كيف ينطرح ملك/ امبراطور ارضا ويسجد لشخص عادي او عبد اجنبي، وفي الدراجة العراقية يقال، انحني لتمرّ الكذبة!. اليس هو نفس الامبراطور الذي القى (الفتية) في النار لرفضهم اللانحناء او السجود لتمثاله، ام ان الكاتب يعاني من الهلوسين وضدف الذاكرة. والامر الاخر، يشيد كل من الفرعون وملك بابل بـ(اله العبرانيين). فاذا كان امرهم ذاك، لماذا لم يؤمنوا به، ولماذا تصفهم التوراة بالوثنيين وتقدح فيهم؟.
حسب التقويم التوراتي، كان ظهور دانيال في بابل خلال [605- 536 ق. م.]. وقبل نهايته بسنوات كان سقوط بابل بيد كورش/ خسرو/ كسرى في عام (539 ق. م.) وبعدها بعامين، أي قبل وفاة دانيال بعام، تبدأ عودة العبرانيين الى أوروشالوم/ (537 ق. م.) وتبدأ اعادة بناء [هيكل سليمان] التي تنتهي عام (516 ق. م.).
وفي وقت متأخر نسبيا، بمواقيت التوراة، في عام (458 ق. م.) تظهر شخصية عزرا الكاتب في بلاد داريوس حاكم بابل الفارسي في ايام أرتحششتا ملك فارس. ولكن ايا من عزرا ونحميا ولا المراسيم الفارسية او الكتب التي تناول العودة من السبي، تأتي على ذكر لدانيال: رئيس وزراء بابل في عهد نبوخذ ناصر. وكان لابد لدانيال التوسط لقومه، على غرار يوسف في القصة المصرية وأستير في بلاط احشويرش، لتأكيد مصداقية القصة والشخصية.

دانيال وسفره الاسكاتولوجي..
دانيال هو احد اسفار التاناك، ضمن مجموعة الكتب التاريخية/[Ketuvim]، عند العبرانيين، ويوضع في مجموعة الكتب النبوية عند النصارى. ويتكون من اثني عشر اصحاحا، في النسخة السائدة، وتضاف له اصحاحات اخرى في نسخ الكنائس التقليدية: [ارثوذكس وكاثوليك] وقد دعاها جيروم صاحب الترجمة الاتينية بـ[ابوكريفا]، ومعناها –الكتب المخفية/ المجهولة-، ولكن التعليم الكنسي يدعوها (كتب قانونية ثانية). ولا تاخذ بها كنائس البروتستانت عامة.
ولا ترد معلومات واضحة عن شخصية دانيال ونسبه، فضلا عن اختلاف اسمه عن الطريقة المعتادة لاسماء العبرانيين، ولا نظير له في الاسم غير (حزقيال) ابن بوزي الذي كان في بابل في وقت دانيال. فبينما كان الاخير في بلاط الحكم، كان حزقيال ابن بوزي نبي العبرانيين في بابل [593- 571 ق. م.] وكان معاصرا لارمياء بن حلقيا البنياميني [627- 586 ق. م.].
في الاصحاح الاول من سفر دانيال، يرد ان ملك بابل غزا اليهودية في عهد يهوياكيم [608- 598 ق. م.] بن احاز، ونقل معه صفوة من فتيان ذوي مؤهلات عالية للاستفادة منهم في الادارة. وقد عينه فرعون مصر (نخو) الذي اعتقل والده وأخضع اليهودية لسلطان مصر.
وبحسب المصادر الكتابية ان يهوياقيم خضع لنبوخذ نصر ثلاثة اعوام فقط، مما يعني ان الغزو البابلي صادف الثلاث سنوات الاخيرة من حكمه. وعندما تولى ابنه ياهوياكين الحكم حاول التمرد على بابل، وعطل (الجزية) مما جعل البابليين يحتلونه ويأخذونه اسيرا مع عائلته وحاشيته وخيرة شباب البلد، عقب ثلاثة اشهر من حكمه فقط. وقامت بابل بتعيين عمّه متنيا الذي صار اسمه (صدقيا) اخر ملوك اليهودية.
يبتدئ دانيال عهده مع الملك، بنفس طريقة يوسف مع فرعون، من خلال تفسير الاحلام الملكية. فالملك كما فرعون، يرى حلما يقلقه، ولا يجد احد من بني بلده يعرف تفصيره، فيأتي دور الشاب/ العراف العبراني مفسر الاحلام، ويحظى باعجاب الملك وارقى اعطياته ومناصبه، من خلال تفسير حلم ليس الا/ [فكرة التكرار والتناظر].
وكما يحظى يوسف بحكم مصر، يحظى دانيال بحكم بابل. ولكن استعراض المنجزات الادارية والاقتصادية التي يقوم بها يوسف في مصر، تختفي في قصة دانيال، ولا يتجاوز تفسير الحلم، ثم يتحول السفر لعرض رؤى اسكاتولجية، منسوخة عن رؤى حزقيال الاخروية، وسوف يعود سفر الرؤيا الانجيلي لنسخها للمرة الثالثة.
بينما يتولى يوسف، بحسب الكتاب، خدمة مصر وتنظيم امورها، ثم خدمة عائلته والخصول على (وطن بديل) في ارض جاسان، تختفي هاته الامور عند دانيال، وبدل الخدمة الحسنة، يتنبأ بزوال ملك بابل، ثم يتنبأ بانهيار العالم وظهور المخلص.
قصة دانيال وسفره من اضعف حلقات التاناك واكثرها تفككا عند المؤرخين ونقاد الكتاب، وهو اخر ما كتب من الاسفار -بحسبهم ايضا-، اذ ينبون ظهوره للقرن الثاني قبل الميلاد، أي فترة البدء بالترجمة السبعينية. لذلك تأخرت بعض فقراته ولم تدرج حينها، فالحقت بالكتب القانونية الثانية المكتوبة بعد الميلاد.
وكل قصة دانيال تم توليفها وبناؤها بالاعتماد على قصة يوسف وسفر حزقيال. وحذفه من الكتاب لا يقدم ولا يؤخر عمليا. اما قصة (الاتون والفتية الثلاثة)، فهي من التراث الشفاهي القديم والذي وردت في (القرآن) منسوبة لابراهيم، دون اختلاف سياقها الديني.
يوجد في العراق، ضريخ ومقام مزار باسم (نبي دانيال) في وسط العراق، كما يوجد مثيله باسم (االعزير) في جنوبي العراق. اسوة بمزارات ومقامات دينية كثيرة، لا يوجد ما يدعم صحة تسميتها ونسبتها، عند العامة، وليس لها أي توثيق، في الارشيف الوطني او دائرة الاوقاف. علما ان زوارها ومرتاديها من سكان المنطقة، ومن المسلمين غالبا. ولا ادري لماذا لا يزورها غير المسلمين من اهل الكتاب، اذا كانت تتصل بكتبهم!.
فلابد اذن، ان تكون ثمة قراءة اخرى للامر، غير القراءة الرسمية، او السائدة.


عزرا الكاتب..
يتكرر اسم عزرا- لعازر- العازر- ايلعازر- ايلي عازر، وفي جنوب العراق: (عزير)، وفي لبنان: (عازور)، وفي الاردن: [عيزرية/ لعيزرية]. ويرد في القرآن (ازر) ابي (ابراهيم الخليل). و(ازر) هو اسم (جدتي) أي (ام والدي).
اصلها اللغوي قديم، ورد في الارامية، وانتقل للعربية بمعنى [آزر- يؤازر- ازرا/ مؤازرة] وهي المساعدة والاعانة. وربما تحولت بالتصحيف الى [أسر/ أسير- عسر/ عسير]. كما ترد في العربية مفردة [تعزير= تنبيه/ انذار].
اول ورد للفظة في (تك 15: 2): [اليعازر الدمشقي] مما يؤكد اصله الارامي، وهو مساعد ابراهيم وسكيرتيره الشخصي. ثم السفر المدعو باسم (عزرا). ثم يتكرر في الانجيل، مرة بالصلة مع اباهيم، ومرة هو شقيق الاختين [مرتا ومريم] من بيت عنيا،الذي يقوم يسوع الجليلي باخر معجزاته الارضية باقامته من الموت.
اسمه: [عزرا بن سرايا بن عزريا بن حلقيا بن شلوم بن صادوق بن اخيطوب بن أمريا بن عزريا بن مرايوث بن زرحيا بن عزّى بن بقّي بن ابيشوع بن ينحاس بن العازرار بن هارون بن عمرام رئيس الكهنة. وكان عزرا كاتبا ماهرا في شريعة موسى، وقد منحه الملك ارتحششتا كل سؤله. ورجع معه بعض الكهنة واللاويين والمغنين وحراس الهيكل وخدامه الى اورشالوم التي وصلها في الشهر الخامس/(أغسطس) من السنة السابعة لحكم ارتحششتا. وكان عزرا اخلص نيته، لطلب الشريعة وممارستها، وتعليم الشعب فرائضها وأحكامها.]- (عزرا 7: 1- 10)
مهمته: [وهذه صورة الرسالة التي اعطاها الملك ارتحششتا لعزرا الكاهن الكاتب: كاتب كلام وصايا الربّ وفرائضه على اسرائيل: من ارتحششتا ملك الملوك الى عزرا الكاهن كاتب الشريعة... قد صدر مني الامر: ان كل من اراد في ملكي من شعب اسرائيل وكهنته واللاويين ان يرجع الى اورشليم معك، فليرجع. من اجل انك مرسل من قبل الملك ومشيريه السبعة، لأجل السؤال عن يهوذا وأورشالوم، حسب شريعة الهك التي بيدك!]- (عزرا 7: 11- 14)
[فجمعتهم الى النهر الجاري الى (أهوا)، ونزلنا هناك ثلاثة ايام، وتأملت الشعب والكهنة، ولكني لم أجد احدا من اللاويين بينهم. فأرسلت اليعازر وأريئيل وشمعيا والناثان وياريب والناثان وناثان وزكريا ومشلام الرؤوس والى يوياريب والناثان الفهيمين، وأرسلتهم الى إدّو الرأس في المكان المسمى (كسفيا)، وجعلت في افواههم كلاما يكلمونهم به، ليأتوا بخدام لبيت الهنا. وناديت هناك بصوم على نهر (أهوا) لكي نتذلل امام الهنا، لنطلب منه طريقا مستقيمة لنا ولاطفالنا ولكل ما لنا. فصمنا وطلبنا ذلك من الهنا فاستجاب لنا. ثم رحلنا من نهر (أهوا) في الثاني عشر من الشهر الاول، لنذهب الى اورشالوم، وأقمنا هناك ثلاثة ايام.]-[عزرا 8: 15- 17، 21، 23، 31، 33].
[ولما كملت هذه تقدم اليّ الرؤساء قائلين: لم ينفصل شعب اسرائيل والكهنة واللاويون عن شعوب الاراضي من الكنعانيين والحثيين والفرزيين واليبوسيين والعمونيين والمؤابيين والمصريين والاموريين ، لأنهم تخذوا من بناتهم لأنفسم ولبنيهم واختلط (الزرع المقدس) بشعوب الاراضي. وكانت يد الرؤساء والولاة في هذه الخيانة اولا. فلما سمعت بهذا الامر مزقت ثيابي وردائي ونتفت شعر رأسي وذقني وجلست متحيرا. فاجتمع الي كل من ارتعد من كلام اله اسرائيل من اجل خيانة المسبيين، وأنا جلست متحيرا الى تقدمة المساء. وعند تقدمة المساء قمت من تذللي وفي ثيابي وردائي الممزقة جثوت على ركبتي، وبسطت يدي الى الربّ وقلت: الهم اني اخجل وأخزى من ان ارفع وجهي نحوك، لأن ذنوبنا قد كثرت فوق رؤسنا، واثامنا تعاظمت الى السماء. منذ ايام ابائنا نحن في اثم عظيم الى هذا اليوم!]- (عزرا 9: 1- 7).
وفي سفر نحميا، يرد عورا في الاصحاح الثامن منه: [طلبوا من عزرا الكاتب ان يأتي بسفر شريعة موسى التي امر الربّ بها اسرائيل. فأخرج عزرا سفر الشريعة في اليوم الاول من الشهر السابع، ونشره امام الجماعة، من الرجال والنساء وكل من يفهم ويسمع. وقرأ منه امام الساحة الواقعة قبالة بوابة الماء من الصباح حتى انتصاف النهار، في حضرة الرجال والنساء والفاهمين]- (نح 8: 1- 3). [وفي اليوم التالي حضر رؤساء عائلات جميع الشعب والكهنة واللاويون، الى عزرا الكاتب ليفهمهم نص الشريعة]- (نح 8: 13).
فبينما كان (نحميا) يشغل مركز (الوالي)/ (نح 8: 9) كان عزرا هو الكاتب والحافظ الشريعة ومفسرها امام الشعب. ولكنه لم يكن – الكاهن- حيث انيطت مهام الكهنوت بغيره من قبل نحميا. ومن الناحية التاريخية، صادف ذلك في القرون الاربعة الاخيرة قبل الميلاد، والمسماة كتابيا: (فترة الصمت النبوي)، التي يعقبها ثمة ظهور شخصية يوحنا المعمدان والسيد يسوع الجليلي.
فالشريعة التي كانت [خافية/ مخفية] ظهرت في الوقت الضائع، الفترة التي تعاقب فيها الفرس والاغريق والرومان على سيادة المنطقة، وكانت الحرب على اشدها بين الفرس والاغريق، ثم بين الفرس والرومان، واستمرت حوالي الالف عام، قبل ظهور الاسلام عام (630م).

اولاد الله وبنات الناس..
هو تعبير اشكالي يتحير ازاءه بعض المفسرين ويخمنون احتمالاتهم: [انجذبت انظار ابناء الله الى بنات الناس، فرأوا انهم جميلات، فتخذوا لانفسهم منهم زوجات، حسب م طاب لهم]- (تك 6: 2). هاته العبارة الاشكالية ستكون احد مقومات المجتمع المقدس/ (امة كهنة وقديسين)/(خر 19: 6)!.
كان الشرّ اشكالية الاجتماع الانساني ومعضلته امام انتهاج حياة سوية مطمئنة. وقد توقف لديها المفكرون والانبياء والفلاسفة، وكانت منطلقا رئيسا لغير عقيدة دينية. لكن العقل البشري وقف عاجزا امام تفسير اصل الشرّ ومصدره. ولأن الكائن الانساني مفطور على الكبرياء والغرور، فقد نسب الشر للخارج، تارة هو الاخرون، وتارة هو قوة غيبية صعبة الادراك. وفي المنظور الفلسفي: هل الشرّ طبع ام تطبع؟..
الفكر التوراتي المستند الى النظرية العرقية، اعتبر الشر طبعا وطبيعة في البشر. فكان تمييز البشر بحسب اقوامهم واصولهم الاجتماعية، بعضهم أخيار بالجملة وبعضهم أشرار بالاصل. ومهما يكن الاستنتاج هنا، فقد تم وصم الكنعانيين بالشر في التوراة، كما وصم الاغريق غير الاغريق بالبربر او الادنى اصلا، ومنها نظرة الاستهانة بالاجنبي-مجهول الاصل والنسب-.
وقد نسبت جماعة زهدية من الاغارقة الشرّ الى الجسد، وبالغ بعضهم في نسبة الشرّ للمادة، كما عند الكلبيين، وليس سقراط بعيدا عن ذلك. واليها تستند فكرة [الطهارة/ النجاسة] الدينية. وقد تكررت في كتب التوراة الدعوة للطهارة وتكريس القداسة. وجرى استخدام تعبير (ابناء الله) دالة على ذلك، تمييزا عن (ابناء الناس)، وهي تحيل على فكرة الخطيئة والسقوط التي أخرجت (ادم) من الفردوس/ السماء الى عناء الارض، كما في (تك 3: 24).
فكرة السقوط شكلت قرينة الموقف السلبي من الانثى وربطها بالخطيئة- الاصلية-، وحسب ذاك امتيازا للرجل عليها. لذلك كانت الالوهة: مذكرة، ونسب لله – الذكور- بالقول (ابناء الله)، ونسبت الاناث للبشر الارضيين: (بنات الناس). وبالمنظور الاخلاقي لمفهوم الفضيلة/ (الطهارة/ القداسة)، يمثل [الكتاب المقدس] بعهديه، صراعا محتدما للاحتفاظ بالقداسة والفضيلة، والذي ينتهي الى مفهوم [الخليقة الجديدة] والفصل بين [الانسان العتيق، الانسان الجديد] لدى بولس الطرسوسي.
والغريب ان اسفار التاناك تركز (الاثم) في (الانثى) وتحصره في (نساء الكنعانيين) والامم، وتعتبرهم سبب انحراف العبرانيين عن عباداتهم وعدم محافظتهم على (القداسة) ووقوعهم في (الخطيئة) وعواقبها الرادعة. وقد استعار العرب والاسلام هذا المنظور العبراني التوراتي في الموقف من المرأة.

ومن هنا نعود للسؤال الاشكالي: ما هو هذا (الاثم العظيم) الذي يتكرر في خطابات قادة العبرانيين-(انبياء اليهود)-؟..
الاثم العظيم هذا هو –اختلاط- ابناء يعقوب بالناس من خارج دائرة القبيلة اليعقوبية. وهو الموصوف بـ -الزنا مع الامم/ على المرتفعات/ تحت الاشجار-، والمسجل خطيئة دينية في حق تعليم (يهوه) اله اليهود القومي.
شروط العقيدة العبرانية والتاسيس القومي على اساس العرق/ الام، تحت عنوان [المقدس]..
1- احفظ ما انا موصيك اليوم..
2- ها انا طارد من قدامك الاموريين والكنعانيين والحثيين والفرزيين والحويين واليبوسيين..
3- احترز ان تقطع عهدا مع سكان الارض التي انت آت اليها.
4- تهدمون مذابحهم وتكسرون انصابهم وتقطعون سواريهم.
5- لا تسجد لاله اخر. لان يهوه غيور. اله غيور هو.
6- احترز ان تقطع عهدا مع سكان الارض.
7- فلا يزنون ورء الهتهم، ويذحون لالهتهم، فتدعى وتاكل من دبائحهم.
8- لا تاخذ من بناتهم لبنيك. [خر 34: 11- 16]
ولد عزرا في جنوبي العراق المسمى (شنعار)، وحظى بتعليم عال وحياة كريمة ورفاه مترف، جعله من علية في قومه، وحظى بمكانة لدى البلاط الامبراطوري. لكن قلب هذا الشخص وضميره وانتماءه ليس للارض والقوم المولود بينهم، والنامي في حضانتهم ومدنيتهم الحضارية والاجتماعية. انما هو سيذهب الى قومه في جنوبي كنعان وينتف شعر رأسه ولحيته، لأن بني قومه تزوجوا من بنات كنعان وصاهروا [الامم!].
يلحظ ان الذي اوفد عزرا ونحميا وزربابل ليس ملوك البلاد التي يقيمون فيها، وهي بابل/ العراق، وانما هم ملوك فارس الذين احتلوا بابل في عام (538 ق. م.). وان احتلال كورش لبابل كان بتواطؤ يهود بابل (الطابور الخامس) مع العدو الخارجي، وفي وقت كان [الشخص الاول في بابل] بعد الملك، هو دانيال العبراني.
لكن مببرات العودة وشروطها وما ورائياتها تبقى غامضة، وملفعة ببرقع ديني. ولعله جرت المبالغة الى حد كبير في تصوير وتقييم موضوع (عودة المسبيين)، بشكل اريد له ان يضاهي قصة (الخروج من مصر). ولابد من دراسة الظروف والملابسات السياسية التي تدفع (دولة اجنبية) لاتخاذ قرار سياسي خارج حدودها.
لقد كانت سورية – امس كما اليوم- منطقة صراع بين الشرق والغرب، وكما كانت هيمنة الاغريق وقرطاجة وروما والبندقية على منطقة حوض المتوسط من كل جهاتها، فقد كانت شواطئ المتوسط، مصدر رئيسا للحصول على الغنائم من موانئها ومدنها الرئيسة مثل حلب وانطاكية وغيرهان كما تنقله التواريخ.
وقد سبق للاشوريين اعتماد طريقة توزيع جاليات سكانية تابعة لهم على حدودهم الخارجية والمناطق التي تشهد حالات تمرد ضدهم، كما في (السامرة) شمالي فلسطين. وفي نفس السياق اعتمد الفرس دعم جماعات معينة موالية لهم في المناطق المتنازع عليها، وفي حدود التماس مع الاخر. والحزام الشيعي المحيط بالمشرق العربي تطبيق معاصر لذلك. بينما استخدمت بريطانيا – زرع- اسرائيل في فلسطين، قاعدة سياعسكرية متقدمة لنفوذها عقب انهيار دائرة الهند الشرقية السابقة.
ولابد من ادراك محدودية عدد العبرانيين العائدين بالامر الامبراطوري، الذي يقسمه المؤرخون في وجبتين او ثلاثة. لكن الاغلبية الساحقة من العبرانيين في شنعار لم يغادروا مدنهم ولم يفارقوا حياتهم، الامر الذي يتمثل في المدرسة العراقية/ البابلية لعلماء اليهود، والتلمود البابلي، وما يزال كهنة يهود بابل هم المرجعية الدينية لليهودية حول العالم.
والى جانب اثارهم ومعالمهم في التاريخ والجغرافيا العراقية، فلهم انتشار واضح في ايران،وان قراءة الارض الميدانية تخالف المزاعم الكتابية او ما جرت المحاولة لترويجه اعلاميا. وكما ان الجماعات اليهودية استمرت في مصر وشمال افريقيا حتى ظهور الاسلام، وما بعده، استمر وجود اليهود في العراق وبلاد المشرق، حتى عام (1948م) والسياسات البريطانية لتهجير يهود المشرق الى الدولة الجديدة.

عزرا والتوراة..
يتفق كثير من المعنيين ان الشريعة الموسوي كانت شفاهية، والجزء المدون منها لا يتجاوز لوحي الوصايا الموضوعة في (تابوت العهد). وقد كانت العبادات والتعاليم العبرانية او الموسوية شفاهية، متفاوتة من جماعة لاخرى، ومتغيرة مع الوقت.
وبالقول ان الجماعة العبرانية سبقت ظهور موسى بحوالي خمسة عشر قرنا، يستدرج السؤال عن طبيعة العقيدة والشريعة التي اتبعوها، والتي يقدمها الكتاب، كأنها شريعة موحدة واضحة منذ البدء. ووضع توراة موسى في مقدمة اسفار الكتاب يراد له توجيه قناعات القارئ حول (قدم) الشريعة.
لكن واقع الحال كما يظهر من اسفار القضاة وما بعدها يبين اعتماد العبرانيين الشريعة والطقوس الدينية الكنعانية المتعارفة، وهي نفسها التي اتبعها ابرام/ ابراهيم في اقامة المذابح والسعي لتقديم بكره قربانا حسب شريعة البعل، التي واصلها بعض ملوك العبرانيين وكهنتهم.
كان دور يوشع بن نون عسكريا في دخول الارض، وادرايا في توزيعها بين الاسباط، في ظل غياب مظاهر الحياة الدينية والشريعة الموسوية. وليس من المنطق ان يوشع الذي كان يرافق موسى على جبل حوريب، ويبقى معه اربعين يوما وليلة متصلة، وحضر كل اعلانات وتجليات (يهوه)، لا تحضر عنده احكام الشريعة التي طالما جرى التأكيد والتهديد حول التزامها واتباعها ايام موسى.
هذا وغيره يضعف قصة وجود الشريعة وشخصية موسى المرسومة في نسق ملحمي بتوليف اساطير محلية، مع جهل تام للكاتب بجغرافيا مصر وتاريخها. ومنه عدم ذكر اسم الفرعون الملعون، بينما يتم ذكر [شيشق، نخو] في ايام المملكة المتأخرة.
والعقائد البابلية والكنعانية حاضرة بقوة في هندسة العقيدة العازرية اليهودية، وهي جوهرها وسياقها العام. وكل ما عمله عزرا استنباط ملامح عقيدية دينية تشكل منهاجا ودستورا لبناء جماعة مستقلة، ذات ملامح وقيم وأدبيات مميزة عن الكلدانيين والبارثيين والكنعانيين والمصريين والاغارقة والهنود.
وكان لابد، لمثل ذلك التأسيس ان يتوفر على عمق غاطس/ (تاريخ يدعم الراهن)، ويمتد الى مستقبل يوافق ويتوج الراهن والرؤية القومية. وعلى خلاف كل العقائد والديانات والميثولوجيات السائدة والمتعارفة حتئذ، كانت العقيدة العازرية [اول دين قومي سياسي] بامتياز، لا زالت افكاره ومضاعفاته وتردداته تقود السياسات الدولية الغربية، وتنعكس اثارها على على راهن العالم ومستقبله، وفي صدارته العالم العربي والشرق الاوسط الذي ما زال يتمادى في مراتب الدمار والانحطاط وتفكيك هوياته وروابطه النسيجية ومؤسساته الثقافية والتراثية، وينحدر في مسلسل النزاعات المحلية والانقضاض الداخلي، باستخدام: مافيات سلفية وحكومات مغيبة.
فالكنعانيون اليوم هم كل العرب والمنظومة الاسلامية، المراد ترويضها وتركيعها لخدمة الركيزة الامبريالية في جنوبي فلسطين، فتتحقق عدة اغراض، تتشارك فيها عدة جهات، بوسيلة واحدة.
وكان الاولى بالعرب والمسلمين، وعي ابعاد تلك اللعبة، واعتماد سياسات وبرامج ستراتيجية مقابلة، تقوي لحمة المنطقة وتشد النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي من المحيط للخليج، وبشكل يحفظ البلاد والعباد والعقيدة من الاضطرابات والانهيارات والضياع.
لقد عملت البلدان العربية والاسلامية كل ما بوسعها، لتنفيذ الاملاءات والوصايات الغربية، متردية في مستنقع من الخلافات والصراعات المحلية والاقليمية ضد بعضها البعض. وما زالت تجتهد جماعة ضد جماعة، كما لو انها امبراطوريات مختلفة عن بعضها. وفي مؤتمرات القمة يجري التمشدق بالعروبة والوحدة والاتحاد واللسان العربي والامة الاسلامية وتطيير شعارات خاوية التطبيق.
العرب والمسلمون اليوم بحاجة ماسة الى [برنامج امن قومي ستراتيجي موحد]، يحفظ الكتلة العربية اولا، والجماعة الاسلامية ثانيا، في مواجهة عواصف العولمة وانهياراتها القريبة. وبغيره لن يتبقى ثمة بلد ولا كرسي ولا رأس. وسوف يكون الجميع كما قال ارمياء العصر: [سنكون نحن يهود التاريخ!]..
وقالت ام الاحمر: [ابك مثل النساء مجدا مضاعا، لم تحافظ عليه مثل الرجال]. ومن له أذنان للسمع، فليسمع!

ملحق: التاناك كتاب العبرانين
ويتكون من ثلاثة مجموعات من الكتب هي: [التوراه، الكتب النبوية، الكتب التاريخية والشعرية]..
أولا: التوراه: [تكوين- خروج- لاوي- عدد- تثنية].
ثانيا: الكتب النبوية: [انبياء كبار- يوشع- قضاة- سامويل الاول والثاني- ملوك الاول والثاني- اشعياء- ارمياء- حزقيال- هوشع- يوئيل- عاموس- عوبيديا- يونان- ميخا- ناحوم- حبقوق- صفنيا- حجي- زكريا- ملاخي].
ثالثا: الكتابات التاريخية والشعرية: [مزامير- امثال- ايوب- نشيد سليمان- راعوث- مراثي- جامعة- استير- دانيال- عزرا- نحميا الاول والثاني- سفر الايام].
ـــــــــــــــــــــــ
• [الوظيفية اليهودية من ارتحششتا الى عزرا]: د. فهد حجازي- دار الفارابي- بيروت- 2016م.
• Michael Coogan: The Old Testament- A Very Short Introduction, Oxford University Press, UK.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- دامداماران [19] يسرييل.. يزرعيل: حقل الدم..
- دامداماران [18] يوسفية موسوية..
- دامداماران [17] كنعانية يسرايلية..
- دامداماران [16] عبرانية براهمية
- دامداران [15] مجوسية زرادشتية..
- دامداماران [14] الصابئة المندائية
- دامداماران [13] الحنيفية
- دامداماران [12] في علم اجتماع الدين- 2
- دامداماران [11] اوثان واصنام..
- دامداماران [10] طمطمية عربية..
- دامداماران [9] ملائكة وشياطين
- دامداماران [8] عبادة النجوم
- دامداماران [7]
- دامداماران [6]
- دامداماران [5]
- دامداماران [4] امة.. امتان.. أم أمم..
- دامداماران [3]
- دامداماران [2]
- دامداماران [1]
- اربعة عشر عاما على احتلال العراق


المزيد.....




- إيران تسقط عقوبة الإعدام في قضية إساءة للنبي محمد
- الاستخبارات البريطانية: نحن نواجه خطرا كبيرا والإسلاميون الم ...
- الاستخبارات البريطانية: نحن نواجه خطرا كبيرا والإسلاميون الم ...
- محام: سيف الإسلام القذافي يمارس النشاط السياسي في ليبيا
- اشتباكات بين الشرطة الإسرائيلية ويهود متشددين
- مؤتمر -دور الفتوى في تحقيق الاستقرار-
- محامي عائلة القذافي: سيف الإسلام سيعود للعمل السياسي
- بي بي سي في الرقة بعد طرد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية
- دعوة للتحرك ضد تسريب أوقاف مسيحية بالقدس
- خطط لتكثيف الاستيطان اليهودي بالضفة الغربية


المزيد.....

- الوصاية على الدين الإسلامي و احتكار الحقيقة ... / محمد الحنفي
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية / محمد الحنفي
- هل من الدين الإسلامي إزعاج الأطفال، والمرضى، والعجزة، بالمبا ... / محمد الحنفي
- متى نصل فعلا إلى تحقيق: أن الدين شأن فردي... / محمد الحنفي
- الإسلام و التعبير عن الاصطفاف الطبقي بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- كيف يرد المثقفون الدين؟ بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- اليسار الديمقراطية العلمانية بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- بحث في الإشكاليات اللغوية في القرآن / عادل العمري
- النزعة مركزية الإسلامية / عادل العمري
- تلخيص كتاب تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وديع العبيدي - دامداماران [20] يهودية عازرية ..