أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هيثم بن محمد شطورو - معركة -المصالحة- في تونس















المزيد.....

معركة -المصالحة- في تونس


هيثم بن محمد شطورو

الحوار المتمدن-العدد: 5521 - 2017 / 5 / 15 - 08:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عرف شارع الحبيب بورقيبة في تونس العاصمة مسيرة شعبية بشعار أساسي يقول " مانيش مسامح". الشعار الذي تم تسويقه على أساس كونه مضاد لمشروع قانون "المصالحة الاقـتصادية" الذي هو مقـترح مشروع قانون رئاسي سيكون مطروحا للتداول في مجلس النواب.
كانت هذه المسيرة عـشية يوم السبت الموافق لـ 13 ماي 2017، قد حصرت نفسها بين تمثال "ابن خلدون" و تمثال "الحبيب بورقيبة". فهي من حيث الرمز قد أشرت إلى موضعة نفـسها ضمن دولة القانون في تضاد مع دولة العصبية الضيقة. دولة القانون بما هي حرية و عـدالة و نظام.
فابن خلدون يؤشر أساسا إلى تحليله للسلطة إسلاميا و عربيا بأنها تـقوم على العصبية القبلية و صراع العصبيات التي تغلف نفـسها بدعوى دينية معينة، و هو يسترسل في توضيح عدمية الاستـقرار السياسي و المظالم التي تـنجم عن هذه الصراعات و الدول القائمة على مبدأ الرابطة القبلية، تكون دون مؤسسات مستـقرة بالمفاهيم المتداولة اليوم، و دون دولة القانون و إنما دولة القوة.
هذه المفاهيم تـتداولها الأحزاب الاثنى عشر المشاركة كما الجمعيات المشاركة ( 50 جمعية) و التي انتهت بها المسيرة إلى تمثال "الحبيب بورقيبة" الذي حارب القبلية و العروشية، و حقق الوحدة الوطنية على مستوى المشاريع الكبرى في التعليم و الثـقافة و الأحوال الشخصية و المؤسسات الإدارية و الاقتصادية العامة، معتبرا نفسه باعثا و مجددا لمشروع "خير الدين باشا" في التحديث في أواخر القرن التاسع عشر.
و كانت وزارة الداخلية قد أعلنت أن عدد المتظاهرين في حدود 1200 شخص، و قال أول المعلقين أن أغلبهم من روابط حماية الثورة، الميليشيات السابقة لحركة النهضة زمن الترويكا و المجلس التأسيسي. ثم تبين لاحقا أن العدد الفعلي يتجاوز هذا الرقم كثيرا، فالعدد و إن لم يرتـقي إلى مستوى الـعشرة آلاف مثلما ادعت بعض أبواق المعارضة، فان التـقيـيم المحايد للإعلاميين المتواجدين يرجح أن عدد المشاركين يتراوح بين الأربعة و الخمسة آلاف متظاهر.
الإدارة و المعارضة بالعقلية القديمة. الإدارة غير محايدة و كذلك المعارضة. الإدارة غير قادرة على إنتاج خطاب سياسي يحقـق الثـقة في مؤسسات الدولة و المعارضة مازالت تحارب من الناحية الفعلية مؤسسات الدولة و إن كان خطابها المعلن بعكس ما تضمره و تـفعله.
رئيس الجمهورية في خطابه الأخير يقول : "أنا لا اقبل عدم الثـقة في السلطة التشريعية"، و المعارضة تـقول أنها تحتكم إلى الشارع ، و أن حماية الجيش الوطني لمواقع الإنتاج من النفط و الغاز و الفسفاط و غيرها هي عـسكرة و استبداد جديد، و كأنها تـنادي بالقضاء على الإنتاج و بالخراب الاقـتصادي..
خطاب رئيس الجمهورية التونسية كان يوم الاربعاء 10 ماي و مسيرة يوم السبت هي رد على الخطاب، الذي يبدو لنا انه تعمد استـفزاز المعارضة بقوله "الجيش صعيب". فلو اكتـفى بالقول أن الدستور يخول له الطلب من الجيش القيام بحماية مواقع الإنتاج و مؤسسات الدولة مثلما حدث سابقا و بترحيب من الجميع، لكان الوقع مختلف جدا. نتصور أن الرئيس جلب المعارضة إلى مربع يدرك جيدا انه سينـتصر فيه مثلما انتصر زمن الترويكا في المعركة ضد "قانون الإقصاء" و التي ساندته فيها الجبهة الشعبية حينها و مختلف القوى التي تسمي نفسها "حداثية" و هي التي تمثل حضورا ضعيفا في مسيرة عـشية السبت الأخير.
خطاب السيد الرئيس بعث ثلاث رسائل واضحة. أولها حماية مراكز الإنتاج من الاعتصامات بقوة الجيش. ثانيها اعتباره لمشروع قانون المصالحة قـشة النجاة من الأزمة الاقتصادية و اعتراضه على الاعتراض عليه في الشارع بما انه مطروح للمداولة في البرلمان، و ثالثها عدم الاستجابة لمطلب انتخابات مبكرة.
و تبدو الجملة الأبرز في الخطاب هي قوله:
" أنا لا اقبل عدم الثـقة في السلطة التـشريعية".
و الحقيقة أن هذه الجملة تبدو غريبة جدا على جميع المستويات. فعدم القبول هذا مأتاه شخصي أم وظيفي؟ إذا كان شخصيا فله ذلك و لكن لا يحق له أن يعلن موقـفه في حضرة شخصه كرئيس جمهورية. أما إذا كان عدم القبول هذا انطلاقا من كونه رئيسا للجمهورية و هذا هو الأرجح فهذا غريب جدا.
فالرئيس منتخب مباشرة من الشعب أي أن شرعيته مستمدة من الشعب و ليس من البرلمان فلأي داعي يتبنى حماية التـشكيلة البرلمانية ؟
من جهة أخرى فانعدام الثـقة في البرلمان مأتاه بعض فضائح الفساد و فضائح تمرير و اعتراض عدة مشاريع قوانين غير دستورية.
و نـزعم أن الحالة البرلمانية في النهاية هي تعبير عن إرادة أغلبية الناخبين،و أن الواقع المؤسساتي له شرعية قوية بما انه قائم على عـقد سياسي يحقـق المستوى الأدنى من التوافـق على قواعـد دستورية في الفعل السياسي، و بالتالي فان بعـض الفضائح ليس من شأنها أن تـقوض مؤسسة شرعية.
و كان بإمكان رئيس الجمهورية أن يذكر الفصل من الدستور التونسي القائل أن الحالة الوحيدة التي يتم فيها الالتجاء إلى انتخابات مبكرة هي انعدام وجود حكومة لفترة أربعة أشهر. فهل كان الرئيس يجهل هذا الفصل الذي يحسم المسالة نهائيا بالتـذكير به؟
و لكن كذلك هل المعارضة تجهل هذا الفصل؟ على أي أساس تـقوم المعارضة باختلاق صراعاتها مع السلطة القائمة إذا لم تكن تـقرأ الدستور و تلتـزم به؟
إذا كانت المسألة كذلك فدولة القانون غائبة فعليا في الخطاب و الفعل السياسي. البرلمان بأغلبيته لصالح رئيس الجمهورية فلا يقبل بعدم الثـقة فيه، و هو بما هو كذلك يتم الالتجاء إلى الشارع من قبل المعارضة في معركة ممارسة القوة خارج المؤسسة و الدستور.
و تصور أن نائبا محترما من المعارضة حين وجه إليه الفصل المذكور من الدستور قال "إن حكومة الوحدة الوطنية ليست حكومة". يعني يـبـيعون اللب و الفـشار على قول نجيب محفوظ. فهل هذا رد معقول و هل يعتبر خطاب كهذا مجلبا للاحترام؟ إنها موضوعيا حكومة و أنت كنائب في البرلمان الذي يمثل فرعا من فروع السلطة بالضرورة هي حكومة بالنسبة لك. أنت كشخص بإيديولوجية معينة تـزين لك تأويلا معينا لاعتبارها ليست حكومة فهذه مسألة لك أن تـتـفوه بها في المقهى أو في اجتماع حزبي، أما في الإعلام فأنت نائب عن الشعب و بالتالي تـفرض عليك هذه الصفة المستوى الأدنى من الموضوعية التي تستـند إلى العقد السياسي المذكور.
و الأكثر فضاعة من ذلك أن تصف نائبة في البرلمان من المعارضة رئيس الجمهورية بكونه رئيس المافيا و الحارس لمصالحها. هل هذا معقول؟ هل هذه هي الديمقراطية؟
ألا تـفـترض الديمقراطية احترام المؤسسات؟ ألا تـفـترض القول و العمل بمنطق الدولة؟ أليس هذا التوصيف لرئيس الجمهورية هو انتهاك صارخ لمؤسسة الرئاسة و انتهاك للدولة و الشعب؟ يعني الدولة هي دولة مافيا و الشعب التونسي "مافيوزي". ثم ماذا تريد أن تـقول للاميـين اللذين يتابعونها؟ إن الرئيس يحمي المافيا فكن من المافيا؟ هل تستحق هذه النائبة صفتها البرلمانية و هي تـنتهك المؤسسة السلطوية التي من ضمنها البرلمان؟
أليس في الأمر جهل صارخ بما تعنيه دولة القانون و عدم إيمان فعلي بها و انعدام الحرية الفعلية بما هي تمثل للقانون؟
و من ناحية الصراع كما هو متمثل واقعيا، فانه يبدو بوضوح انه خارج هذا الإطار الموضوعي الحر فعليا كدولة. يبدو الصراع تمزيقيا و قبليا بمنطق روح العصبية الحزبية القبلية بامتياز. يـبدو بوضوح أن الكلمات الرنانة عن دولة القانون التي يحملها الجميع كعنوان ما هي إلا قـشرة تحاكي قـشرة الحداثة التي يتـزينون بها.
يبدو أن التعددية مرفوضة ضمنيا و الديمقراطية مرفوضة ضمنيا و دولة المؤسسات و القانون منتهكة من الجميع و الكل يحارب باسمها ضدها. فتعيـين المعتمدين الجدد من طرف الحكومة لم يكن على أساس الكفاءة و إنما على أساس الولاء، و من جهة أخرى تمت إقالة وزير التربية "ناجي جلول" نزولا عند مطلب النقابة التي تحالفت فيها عناصر حزبية في ظاهرها متـناقضة، و هو تحالف الرافض للإصلاح التربوي نحو علمانية أكثر مع العامل على إفشال الحكومة بأي شكل و لأي سبب لأجل ثورة حمراء.
فمن الواضح أن افـتـقاد المصداقية و الأخلاقية السياسية غالب على المشهد في الظاهر. فالثور الأحمر سارع خفيفا تلفحه ناره الحمراء إلى توزيع منشور يقول أن "السبسي يحارب الشعب" لأنه يريد حماية مواقع الإنتاج، و التي هي ليست كذلك بقدر ما هي إمكانية انفلات ما يرونه السلطة الحالية من الانهيار الاقتصادي الذي يحقـق لهم حلمهم في ثورة حمراء. و من وراء حرب "قانون المصالحة" يـتبين صراع الإرادات.
هذا الصراع الذي يبدو أن الرئيس قد حقـق فيه الانتصار بذكاء سياسي بارع كشف له الحضور الضعيف للمعارضة في الشارع امام مشروعه و تأكد له مدى حضوره في الوجدان العام بعيدا عن تلك الثرثرة في وسائل الإعلام. كل تلك الأحزاب المتـناقض بعضها مع بعض و المتـنافر بعضها مع بعض و المتهالكة داخليا حتى أن بعضها لم يعد ما يمثله إلا بضع أشخاص، إضافة إلى خمسين جمعية من المجتمع المدني خرجت في مسيرة نزعم أن تعدادها عشرة آلاف حسب أبواق المعارضة، فان العدد هزيل ينم عن هزال هذه الأحزاب جماهيريا، إضافة إلى كون الأغلبية من المشاركين هم من الجمعيات.. فهل أن هذا العدد هو بحجم اعتبار معركة قانون المصالحة هي معركة مصيرية؟
ثم إنها معركة مصيرية ضد من؟
يبدو أن رئيس الجمهورية سائر في طريق إحداث تغيير تاريخي فعلي يأبى أن يعبر عنه بصراحة لان وقته مازال مبكرا. يمكننا أن نقرأ رسالة واضحة في الأفق تقول:
إن الدولة التونسية الحديثة نشأت مع الزعيم "الحبيب بورقيبة"، هذه الدولة عظيمة و أنجزت الكثير لكنها استبدادية مع أنها لم تـفـتـقد إلى الحرية في عدة مجالات. الثورة ثورة شباب لا علاقة له بالأحزاب. جميع هذه الأحزاب التي تعكر الحياة السياسية اليوم فاقدة لأي قوة فعلية لذلك لا ترون منها إلا ضجيج الطبول الفارغة. ستكتـشفون طفوليتها و ابتذالها و ضعفها و رداءتها يوما بعد يوم، و ستحقق الدولة وحدتها الوطنية الصلبة من جديد و لكن دون استبداد لان الاستبداد خلق من التافهين زعماء و من اللصوص شرفاء، و من المجانين و الكاذبين و الواهمين الدوغمائيين أبطالا..
فالمصالحة هي سياسية من هذه الزاوية، و لكنها ليست مصالحة الأحزاب بمنطق محاسبة النظام القديم، و لكنها مصالحة دولة الاستـقلال مع نفسها و عودها إلى جوهرها،( الذي بدأت تطمره الأزمات منذ السبعينات) كدولة حرية للتونسيـين بعد وقع ثورة الشباب غير المتحزبة.
و هكذا تحقق مسيرة يوم السبت التي خرجت بعنوان "مانيش مسامح" هذا الهدف السياسي الذي صاغ رخصة مسير المسيرة من تمثال "ابن خلدون" إلى تمثال الزعيم الخالد "حبيب بورقيبة"..





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,426,890,303
- الأخلاق حرية
- يوم الإضراب العام
- دولة الثورة
- الهجوم الصاروخي الامريكي على سوريا
- الثورة المخاتلة
- الإصلاح التربوي ليس من مشمولات الوزير
- سلفنا السعيد المفقود فينا
- قراءة في الإصرار على إقالة وزير التربية
- المشهد الثقافي التونسي يعكس حقيقة ما يدور بالمشهد السياسي
- تونس أمام نهاية الانتقالي ام الثوري أم كليهما؟
- طبول الحرب تقرع من جديد في تونس..
- بين الاحتجاج و دوافعه في تونس
- في الذكرى 31 لتأسيس حزب العمال التونسي
- علاقة -دستويفسكي- بالتحرر الفلسطيني
- في الانتقام ل-شكري بالعيد-
- رسالة الى السوريين حكومة و معارضة
- الصفعة الروسية لايران
- تونس بين ديدان الأرض و ثورتها
- نظرة تونسية للجزائر اليوم
- مساجد لعبادة الله أم الإمبريالية ؟


المزيد.....




- ردة فعل زوجين عندما ظهر ترامب في حفل زفافهما بشكل مفاجئ
- سوريا: 27 قتيلا إثر غارات -روسية- على محافظة إدلب وموسكو تنف ...
- الخارجية الروسية: لافروف بحث هاتفيا مع تشاووش أوغلو الوضع في ...
- شاهد: العائلة الملكية البريطانية تحتفل بعيد ميلاد الأمير جور ...
- مهمة فضائية هندية لدراسة القطب الجنوبي للقمر
- شاهد: "أفراد عصابات" ينهالون بالضرب على مراسلة صحف ...
- هونغ كونغ: هجوم ملثمين على محتجين
- العثور على غواصة فرنسية مفقودة منذ أكثر من 50 عاما
- شاهد: العائلة الملكية البريطانية تحتفل بعيد ميلاد الأمير جور ...
- مهمة فضائية هندية لدراسة القطب الجنوبي للقمر


المزيد.....

- لصوص رفحا وثورتنا المغدورة في 1991 / محمد يعقوب الهنداوي
- الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة / ياسمين خرفي
- ثورة وزعيم / عبدالخالق حسين
- التنظير حول الطبقية في الدول الناطقة باللغة العربية أفكار وا ... / نوف ناصر الدين
- العامل الأقتصادي في الثورة العراقية الأولى / محمد سلمان حسن
- مجلة الحرية عدد 4 / محمد الهلالي وآخرون
- مجلة الحرية عدد 5 / محمد الهلالي وآخرون
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المت ... / عادل حبه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هيثم بن محمد شطورو - معركة -المصالحة- في تونس