أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الأسعد بنرحومة - بريطانيا ... من الامبراطوريّة العظمى الى الخادم الذليل والتّابع المطيع















المزيد.....


بريطانيا ... من الامبراطوريّة العظمى الى الخادم الذليل والتّابع المطيع


الأسعد بنرحومة
الحوار المتمدن-العدد: 5507 - 2017 / 4 / 30 - 00:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لقد تغير حال بريطانيا منذ 1976 اذ هي هوت عن مكانتها ونزلت عن كرسي عظمتها لتصبح دولة عادية بل ضعيفة قد ابعدتها امركا وروسيا عن السياسة الدولية منذ 1961م .بل وصل الامر بها ان انشغلت بمشاكلها الداخلية .ففي 28-12-1976م وصل الامر ببريطانيا ان اصبحت مركز اهتمام الصحف الامريكية الشهيرة في مقالتها الافتتاحية وما آلت اليه من ضعف سياسي وتخلف اقتصادي ووصفتها بذلك المرض الذي لا يرجى شفاؤه .
وقد جاء في أحد المقالات بعنوان " بريطانيا تحتضر "ان الحال قد تغير والامر قد تبدل وهوت بريطانيا عن مكانتها ونزلت عن كرسي عظمتها لتصبح دولة عادية ..ابعدت عن السياسة الدولية وانشغلت بمشاكلها الداخلية وتعقدت عليها الامور في داخلها ..تستغيث انقذوا الاسترليني فتجيبها امريكا : هاهو صندوق النقد الدولي وهاهي بنوك امركا المركزية ..انها تنتظر المعونات والمساعدات المالية فهي بذلك تنتظر حينها وهلاكها ..فقد وفدت الى بريطانيا لجنة من الخبراء الامريكيين التابعين لصندوق النقد الدولي وبعض البنوك الامريكية لدراسة الحالة الاقتصادية والاوضاع المالية في بريطانيا لامكانية الموافقة على صرف المبالغ التي تحتاجها بريطانيا من الصندوق ومن غيره .."
وبالفعل تمت الموافقة على صرف قيمة 3900مليون دولار لانقاذ الاوضاع الاقتصادية المزرية ..فهي اصبحت كاي دولة من دول العالم الثالث ياتي الخبراء والفنيون لدراسة الاوضاع والاقتصاد ثم منحها قروضا معينة هي عبارة عن قيود تكبل بها ايدي تلك الدول "..
ومن المعروف ان بريطانيا سنة 1976 يثقل كاهلها من الديون 18الف مليون .ومن ضعفها ان وزير المالية " دينس هيلي " حينها يطرح برنامج سياسته المالية على مجلس العموم وهو الاغرب في تاريخ بريطانيا يكشف حالة التردي الشديد منها الابطاء في تنفيذ برامج الاسكان وايقاف شق الطرق وبناءها وانهاء المساعدات الحكومية كما تضمنت الخطة الدعوة الى وقف وقطع المعونات الخارجية وتجميد تكاليف الخدمات المدنية وتخفيض مصارف الاسلحة الى 500مليون دولار .
كما ان الحكومة البريطانية بدات التفكير في بيع اسهمها في الشركات البترولية بمبلغ 825 مليون دولار .بل ان زعيم اكبر نقابة عمال فيها دعا الى تصدير الايدي العاملة الى الخارج لمعالجة البطالة .
وورد في نفس المقال ان الطعنة القاتلة التي تجهز على الجريح وتخمد انفاس المريض هو ما حدث في السياسة الداخلية اذ ان تشكيلة الحكم التي تنبني عليها بريطانيا تتالف من عدة دويلات هي ارلندا واسكتلندا وويلز وبريطانيا .فارلندا تريد الانفصال عن انجلترا هذا علاوة عن العداء المتاصل بين الكاتوليك والبروتستانت .واسكتلندا وويلز فانهما في حالة تحفز وتململ للانفصال ايضا وقد شجع اسكتلندا ظهور البترول قرب شواطئها .
وفي مجال السياسة الدولية لا شان يذكر لها ولا يد لها في تصريفها حتى لقد ابعدت عن بحث المشاكل الدولية فهي قد عجزت عن حل مشكلة المياه الاقليمية بين وبين ايسلندا ..
ومن المظاهر الدالة على هذا الضعف يومها أنه لا يوجد في الاسطول البحري الملكي سوى 450طائرة مقاتلة في حين ان لبولندا 900 طائرة مقاتلة ..اما الجيش البريطاني فلا يتجاوز عدده 170الف رجل .
وكرثاء محزن على بريطانيا من رجل امريكي فان الجنرال جورج براون رئيس الاركان الامريكي صرح بقوله " ان هذا الوضع يجعل المرء يود البكاء فبريطانيا لم تعد دولة عظمى ان كل ما لديها الان هو جنرالات واميرالات وقطع موسيقيى "
اما الاسطول البحري البريطاني فقد انخفض الى 76 قطعة رئيسية و28 غواصة واربع غواصات ذرية وحاملة طائرات واحدة هي " اريك رويال " علما بانها تملك عند نهاية الحرب العالمية الثانية 358 قطعة من السفن والغواصات المقاتلة الرئيسية .
وضعف بريطانيا هو الذي دفع دول حلف الاطلسي الى النظر في وضع بريطانيا واقتصادها المتدهور وعدم استطاعتها القيام باعباء الحلف فعقدت اجتماعا وخرجت بقرار يقضي بمد بريطانيا بمنح ومساعدات تقارب 3000مليون دولار .
وسبب ذلك ان امريكا تعتبر اوروبا خط الدفاع الاول لها وهذا ما دفعها وبدون خيار منها لان تبقى في اوروبا بجيوشها واموالها وبتوجهها السياسي لتشرف بنفسها على بنائها وتشكيلها من جديد فكان حلف الاطلسي وهو الدرع الحديدي الذي يقي اوروبا الغربية من التحرك الروسي . ولم تكتف الولايات المتحدة الأمريكية بذلك بل عمدت للتدخّل مباشرة في السياسة الداخلية البريطانية وخاصة في فوز حزب العمّال وانسحاب المحافظون والذي كان لأوّل مرّة بدعم من أميركا ,فقد كان المحافظون في بريطانيا عادة هم يفسحون المجال لحزب العمال لياتي الى الحكم اما هذه المرة فقد كان مجيء حزب العمال ضربة للمحافظين واسفينا للحياة الدستورية التقليدية في بريطانيا . فتكون امريكا بذلك قد غزت بريطانيا في عقر دارها واثرت في مجريات امورها الحياتية فبريطانيا ومنذ السبعينات دولة ضعيفة بل دولة ثانوية وقد اعتبرت من الدول الكبرى من قبيل الاستمرار لا من حيث الواقع ولذلك لا تعتبر بجانب امريكا وروسيا كدراجة هوائية بجانب دبابة ضخمة فلا تقاس بالعملاقين ولا باحدهما ..ثم انه لم يبق لها وجود في المجال العالمي ولا في الموقف الدولي ..وقد اخرجت من المشاورات الدولية منذ سنة 1961 . ومشاورتها الان مشاورات ضم نطاق هيئة الامم وليس ضمن النطاق العالمي او الدولي .وهي امام امريكا قط او جعل وبمجرد انتهاء وجود عملائها في المنطقة أصبحت كايطاليا واليونان فقوتها التي كانت في مصر والاردن وسوريا والعراق بقوة عملائها وكثرتهم انتهت , وهي اليوم تصارع للاستمرار من خلال سيرها في خدمة أهداف أميركا كما حدث في حرب الخليج أو أحداث خديعة الربيع العربي ..
ومعلوم لدينا ان امريكا افتكت كل من مصر وسوريا والعراق وايران ثم السعودية بعد اغتيال الملك فيصل , ثمّ استقرّ الأمر للأمريكان خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي واعلان النظام العالمي الجديد .
هذه حال بريطانيا منذ اواخر الستينات وهو يزداد سوءا وانحدارا الى اليوم . وأصبح الامر الفضيع الخطير يتعلق بالولايات المتحدة الامريكية ...هذا الوحش العفن الخسيس الذي استولى على كل القارة الامريكية وبسط نفوذه على القارة الافريقية وآسيا وجر اوروبا لتسير معه وتامن مصالحه وهو من دمر الاتحاد السفياتي وهو الان يسير في اخطر مخطط ضد كامل البلاد الاسلامية " مشروع الشرق الاوسط الكبير وشمال افريقيا "
لماذا يستنقص البعض من خطر امركا الارهابية ؟ بل يروّج لكونها رائدة الحرّيات ؟
ولماذا يقصّر البعض في كشف مخطط " الشرق الاوسط الكبير "؟
ولماذا مازال البعض يصر على ان الصراع هو صراع امريكي بريطاني ؟مع ان بريطانيا اصبحت تقضي مصالحها من خلال تامين مصلحة امريكا ؟
قال المفكّر والسياسي المعروف تقيّ الدّين النبهاني منذ السبعينات :
" ان الدولة اذا ما تفككت وانقطعت اوصالها ودخلها الوهن في كيانها فلن ينفعها دهاء سياستها ولا حنكتها وعراقتها السياسية ..فهذا الخليفة المسلم عبد الحميد الثاني كان على جانب من الدهاء والحنكة السياسية والغيرة على الامة والمبدا ولكن كل هذا لم ينفعه امام التفكك والضعف والمشاكل الداخلية ولم يثبته في الوقوف امام التدخل الخارجي والمشاكل الخارجية "
ومن حالة الضعف الشديد والهزال المدمر لبريطانيا ان اصبحت تنسحب امام الولايات المتحدة الامريكية في كل من افريقيا و آسيا فتركت مصر وسوريا والعراق وتخلت عن باكستان وهاهي تتخلى عن شمال افريقيا بل اصبحت بريطانيا في احيان كثيرة تعمل على ضمان مصلحة الدولة الاولى في العالم حتى لا تنقطع شرايين الحياة عنها نهائيا وتصبح دولة كباقي الدول في العالم الثالث ..
المتابعة السياسية :
لقد بدات رحلة امريكا لخلافة بريطانيا في مستعمراتها منذ " مؤتمر باندونغ " في 1955م حين فتحت ملف الاستعمار ثم نجحت امريكا في ايجاد منظمة الدول الافريقية وتبنت موضوع " انغولا " ونجحت في ذلك بعد ان غيرت الحكم في كل من البرتغال التي تستعمر انغولا والحبشة الدولة الافريقية التي تسيطر على الاستعمار في افريقيا .ثم بين حزب التحرير ان امريكا تنجح نجاحا باهرا في الاستعمار من خلال عقد مؤتمر افريقي عربي وفي هذا المؤتمر اعلان على بسط يد امريكا على كل من الشرق الاوسط وافريقيا ..وكان تاريخ هذا المؤتمر يوم الاربعاء 9-3-1977م . لذلك يعتبر هذا المؤتمر والمؤتمر الافريقي العربي ذروة نجاح امريكا لانها لم يبق لها الا ان تستغل هذه البلاد لنفسها ..
وتأكد افول نجم بريطانيا بقبولها لتكون اوروبا مرتكزا للحلف الاطلسي مع ان هذا الحلف هو من اجل اوروبا وهو حلف سياسي عسكري اعدته امريكا من اجل اوروبا ومن اجل حماية اوروبا وقد جعلته اداة لتهديد اوروبا كلما حاولت التمرد او الخروج من الحضيرة فان امريكا تريد من الحلف الاطلسي ان يكون سياسيا لتظل تستخدمه كاداة تخويف لاوروبا وكاداة للاستيلاء على اوروبا والهيمنة عليها وعلى دولها .
والمقصود بأوروبا " هي انجلترا وفرنسا وايطاليا والمانيا "
لذلك لا بدّ من الانتباه الى خطورة الاوضاع الجديدة المتمثلة في هيمنة امريكا ووضع يدها على كامل المنطقة وما كان ذلك ليحدث لولا عجز بريطانيا وعدم القدرة على صمودها .. بل انّ أميركا لم يعد يقلقها وضع أوروبا بقدر ما يقلقها الوضع في البلاد الاسلامية , فما يقلقها الان ليس موقف العملاء او تحركات اوروبا بل هي تخشى ثورة شعوب المنطقة , وامريكا وان نجحت في فيتنام ونجحت في افريقيا ونجحت في انجلترا ونجحت في البرتغال ولكنها لم تنجح حتى الان في الشرق الاوسط بسبب تمرد الشعوب وبسبب غناها تاريخيا وثقافيا لهذا فانها تفكر باخضاع الشعوب اولا ولو بالقوة ثم تطمئن الى نفوذها واستعمارها ..
انّ معضلة الولايات المتحدة الامريكية لم يعد صراعها مع بريطانيا او فرنسا ولا المانيا ولا حتى روسيا ...وانما المعضلة الرئيسية هي شعوب المنطقة في البلاد الاسلامية أي الامة الاسلامية ...وكشف حزب التحرير ان امريكا ستعمل بكل قواها لاخضاع المنطقة ولو بالقوة وهذا قد حدث " حرب 1973 والحرب العراقية الايرانية وحرب الخليج الاولى والثانية وحرب افغانستان والصراع السوداني والصومالي والتشادي وغيرها واليوم خديعة الربيع العربي وما فيها من سفك الدّماء .
فقد بدا جليا ظواهر لعزة الامة الاسلامية وهي صاحبة المبدا الصحيح وهي ذات تاريخ غني وثقافة غزيرة , وظهر هذا التململ في حالة الاحتقان والغضب على السياسة الامريكية وبدا ان هذه الشعوب لا بد لها من اخضاع جديد ولكن هذه المرة باسلوب أشدّ مكرا وخبثا وهو اسقاط الحكام وايصال مسلمين للحكم دون الاسلام وهو امتصاص لهذه الحالة من الاحتقان ..
وصار واضحا ايضا اليوم ان منطقة الشرق الاوسط لم تعد منطقة نزاع بل هي منطقة للنفوذ الامريكي وذلك منذ السبعينات وان خوف امريكا لم يعد مصدره لا روسيا ولا اوروبا أي لم يعد من الخارج . فاذا كان نكسون قد ابعد كلا من روسيا وانجلترا عن المنطقة فانه لم يكن يحسب أي حساب لاهل المنطقة .فجاء كسينجر للاستطلاع فلم يجد صعوبات لاحد من الخارج ولا يوجد خطر الا من أهل المنطقة أي من الدّاخل .
وكان فشل بريطانيا منذ ان انتزعت منها مصر وسوريا واسرائيل والعراق ..ومنذ ان اوجدت امريكا عملاء لا يكتفون بالاخلاص فقط بل يعملون سماسرة لجلب العملاء لامريكا مثل انور السادات والذي كان مخلصا عميلا منذ ذهابه مع الضباط الاحرار للقيام بانقلاب تموز سنة 1952 وكتابه " ياولدي هذا عمك جمال " فيه كثير من دلالات العمالة لامريكا .
فانور السادات هو الذي جلب حافظ الاسد ليكون عميلا لامريكا وهو الذي جلب ياسر عرفات ليكون عميلا لامريكا وهو الذي حول صدام حسين من عمولته لانجلترا لان يصبح عميلا امريكيا وهو الذي كان يحاول جلب هواري بومدين ليتحول الى عمولة امركا " .
سؤال :
اذا كان انور السادات قد نجح في جعل صدام حسين يحول عمالته لامريكا ..فلمصلحة من يقع اخفاء عمالة صدام الامريكية واظهارها على انه عميل بريطاني واظهار ان الصراع في حرب الخليج هو بريطاني امريكي للسيطرة مع انه اخلاص من صدام لتمكين كامل المنطقة لامريكا وتمكين جيشها من الحصول على مجموعة القواعد العسكرية في الخليج ليكون في قلب الامة الاسلامية ؟
اذن فان نجم فرنسا وبريطانيا افلا كدول استعمارية كبرى ..وان نجما استعماريا جديدا هو الذي حل وهو اكثر فضاعة ورعبا وخساسة الا وهو عهد الغطرسة الامريكية ونفوذها .عهد استعمار رهيب على البلاد الاسلامية كاملة بل يتعداها حتى لادخال الارتباك على اوروبا ..والتدخل المباشر في سياستها الداخلية والخارجية .كما حصل مع فرنسا حين ازيحت من السياسة الدولية والتاثير فيها رغم محاولات ديغول .
اما بريطانيا فبعد ان كانت تناضل جاهدة من اجل الاحتفاظ ببعض الاستعمار الذي يمدها بالحياة وبعد ان تحول اللون الاحمر الذي يعلو الوجوه البريطانية الى اللون الصفر الشاحب نتيجة ضيق شرايين الحياة الاتية من امتصاص ثروات الاخرين عبر الاستعمار اصبحت بريطانيا الان في سياستها الداخلية مرتعا للتدخل الامريكي وخاصة بعد صراع طويل داخل حزب المحافظين وحزب العمال .واصبحت سياسة بريطانيا الخارجية تعتمد بالاساس على تامين المصالح الامريكية والمشاركة في تنفيذ المخططات الامريكية وحمايتها وخاصة بعد ان اصبح حزب العمال هو حصان طروادة الذي تستعمله امريكا لتنفيذ مشاريعها او لضرب حزب المحافظين ..
هذه هي اوروبا ام الاستعمار ..ام المشكلات الدولية والعالمية..مثار النزاع والشقاق في أي بقعة من بقاع العالم ..اصبحت الان تعاني من الامراض والمشاكل ..تعاني من تبدل جديد وتخضع لنفوذ جديد ...تبدل في هويتها وتغير في شخصيتها بعد ان ذابت المعارضات ..فقد عادت الى بيت الطاعة الامريكي واعترفت بالحماية الامريكية ..وسلبت عنها الصبغة الاستقلالية وتبدد حلم الوحدة بان تكون قوة ثالثة في العالم "
قد يقول البعض كيف لك ان تقول هذا ؟ وخاصة أنّ البعض ما يزال يتوهّم أن البلاد الاسلامية هي منطقة صراع أميركي بريطاني ...
بالنظر لواقع اوروبا اليوم لا أرى فيها الا خلفية ثانية للولايات المتحدة الامريكية ....كنت في السابق لا استطيع ان اصدق ان دولا كفرنسا وبريطانيا يمكن ان تزاحم الولايات المتحدة الامريكية فلا هي ند لها ولا هي تقاربها لا ثروة ولا اقتصاد ولا نفوذ ولا قوة عسكرية ..وبعد البحث والتمحيص والعودة الى فترة الستّينات والسبعينات وما حدث فيها من متغيّرات , ثمّ التسعينات حتّى اليوم تتّضح الصّورة بشكل لا لبس فيه على النحو التّالي : هذه هي اوروبا امّ الاستعمار امّ المشكلات الدولية والعالمية مثار النزاع والشقاق في أي بقعة من العالم, اصبحت الان تعاني من الامراض ..تعاني تبدل جديد.وتخضع لنفوذ جديد ...فقد عادت لبيت الطاعة الامريكي ...."
ولكن :
هل يمكن ان تكون بريطانيا تمارس مناورة سياسية ضد امريكا ؟
هل يمكن ان تكون لبريطانيا وجهان :وجه ضعيف في الظاهر ووجه اخر قوي ؟
او هل يمكن لبريطانيا ان تكون لها سياسة دولية تظهر فيها مظهر الضعيف المتراجع امام الهيمنة الامريكية واخرى خفية ضد امريكا وهي سياسة صنع الفخاخ وخلق المستنقعات لتوريط الدولة الاولى واضعافها ؟
للاجابة عن كل هذه الاسئلة لابد من استعراض الوقائع التالية وما تعلق بها من معلومات وحقائق :
** الامر الاول هو الضربة التي تلقتها بريطانيا من العملاقين عندما تفطنا لمحاولاتها للايقاع بينهما في حرب مدمرة فقررا اسقاطها من التاثير في السياسة الدولية في 1961م
** ان بريطانيا دولة قوية دوليا ولكنها ضعيفة واقعيا فهي مجموعة جزر مبعثرة في المحيط " ارلندا اسكتلندا ويلز وبريطانيا " وقوتها تكمن في استمرار شرايين الحياة الذي يمدها بالبقاء من مستعمراتها في الشرق الاوسط وافريقيا وآسيا وبقية العالم .فاذا ما انقطعت هذه الشرايين فان بريطانيا تصبح كاي دولة من دول العالم الثالث ..وتعتبر ايران ومصر والسعودية والعراق والاردن وسوريا والهند من اهم ركائز قوة بريطانيا في الشرق الاوسط وآسيا ..وكذلك انغولا والحبشة في افريقيا ..الا ان الولايات المتحدة الامريكية استطاعت ان تنزع منها ومبكرا كل من مصر وسوريا والعراق والسعودية بعد مقتل الملك فيصل وكذلك انتزعت امريكا ايران وباكستان وانغولا والحبشة وغيرها ..
*** الامر الثالث الذي اضعف بريطانيا واضعف كامل اوروبا هو وجود حلف شمال الاطلسي في اوروبا وهو حلف سياسي عسكري ..وامريكا تحرص على بقاء الطابع السياسي على الحلف لانه اداة فعالة للمراقبة والضغط ومنع اوروبا من التمرد وخاصة بريطانيا وفرنسا والمانيا ..ورغم ان حلف " وارسو " وقع حله بسقوط الاتحاد السفياتي الا ان الحلف الاطلسي بقي قائما لانه حلف من اجل اخضاع اوروبا وترويضها واضعافها ..
****وتحت غطاء الحلف الاطلسي اصبحت كامل اوروبا مفتوحة امام امريكا ومرتعا لعمل الاقمار الصناعية الامريكية ومراكز التصنت والقواعد العسكرية وهو الامر غير المتاح لا لبريطانيا ولا لغيرها لتفعله في القارة الامريكية ..
***** بعد الضربات التي تلقتها بريطانيا سياسيا واقتصاديا وحتى جغرافيا لم يعد لها تلك القوة العسكرية حتى لحماية عملائها وتثبيتهم من ذلك ان عميلها في مصر سقط وصعد عميل امريكا جمال عبد الناصر ولبريطانيا 60الف جندي في مصر ..
وهذه حال الدول وطبيعتها : اليوم تتسنم دولة مركز الدولة الاولى في العالم وتؤثر في الموقف الدولي وغدا تنهار وتنحدر عن هذا المستوى ويصعد نجم دولة اخرى ...
اما الجانب الاهم والقاتل لبريطانيا فهو عجزها الداخلي وتحول سياستها الداخلية الى حالة اضطراب وانقسام بل وقبول بالتدخل الخارجي في رسم سياستها الداخلية وهذا مع ما ذكرناه يؤكد لدينا ان دور بريطانيا كدولة مؤثرة في السياسة الدولية او كدولة يمكن ان تشكل تهديدا لسياسات الولايات المتحدة الامريكية قد انتهى على الاقل في الوقت الراهن
وان بريطانيا الان تصارع للصمود من اجل الاحتفاظ بجزرها التي شكلت انجلترا .
فتشكيلة الحكم التي تنبني عليها بريطانيا تتالف من عدة دويلات هي ارلندا واسكتلندا وويلز وبريطانيا ..فارلندا تريد الانفصال علاوة على العداء بين الكاتوليك والروتستانت ..واسكتلندا وويلز في حالة تحفز وتململ وهي اوراق مميتة ضد انجلترا بيد امريكا ..
وقد تنبّهنا الى هذه الحقيقة مبكرا, فمنذ 1976 وفي مقال بتاريخ 28-12-1976 بعنوان " بريطانيا تحتضر " جاء فيه " ان الانبوب الضخم الواسع والشريان الحيوي الدفاق الذي كانت بريطانيا تستمد بواسطته الدم الذي يسري في عروق الانجليز من منطقة الشرق الاوسط والقارة الافريقية قد اخذ في التقلص والضيق ولا يتسع الان الا لان يوصل القطرات وبالتالي يكاد ينقطع ويتبدل الاحمرار الذي يعلو وجوه الاسياد الانجليز بدكنة الاختناق وصفرة الموت ..وهكذا تسير بريطانيا الى مصيرها .."
ثم ان بريطانيا ورغم انها كانت تعمد الى الدس والمخادعة السياسية ورغم انها تتميز بالدهاء السياسي والخبث من ذلك رفضها المتعنت الدخول للسوق الاوروبية المشتركة مدة من الزمن قاربت العقد وذلك لاضعاف هذا الاتحاد وتفكيكه لانه تكتل اقتصادي وهو نواة لوحدة اوروبا سياسيا حسب مخطط الجنرال دغول وترى بريطانيا في هذا خطرا عليها ..الا انها اضطرت لدخوله عضوا فيه عندما رات ان هذا السوق ثبت واشتد وان عملها من الخارج لم يعد يجدي نفعا ..
اما هذه المرة فكانت الضربة القاسمة لبريطانيا هو مجيء حزب العمال الى الحكم والذي لم يكن مجيئهم عن طريق حزب المحافظين كما في كل مرة بل على غير العادة كان مجيئهم ضربة للمحافظين من ناحية وهو اسفينا للحياة الدستورية التقليدية في بريطانيا ذلك ان امريكا هي التي اتت بالعمال للحكم مستهدفة بذلك التغيير الجذري في بريطانيا بتغييرات في الدستور البريطاني .فتكون امريكا قد غزت بريطانيا في عقر دارها واثرت في مجريات امورها الحياتية .
لهذا فقد كانت اوروبا لا سيما انجلترا وفرنسا عاجزة بعد الحرب العالمية الثانية عن حماية المنطقة لا من اهلها فقط بل من القوى الخارجية التي نبتت بعد الحرب الا وهي روسيا وامريكا .لذلك سال لعاب الدولتين على المنطقة واخذتا تعملان للاستيلاء عليها وطرد انجلترا وفرنسا نهائيا من المنطقة كلها وذلك على مرحلتين :
*** المرحلة الاولى :
كانت امريكا تريد ابقاء انجلترا ولكن تحت جناحها وان تبسط نفوذها على المنطقة من وراء ستار الجناح الانجليزي وقد ظل هذا الحال حتى الخمسينات ..لكنها رات من خيانات انجلترا ما رات وقاست منها ما قاست لذلك صممت على تصفية انجلترا نهائيا من المنطقة ..
*** المرحلة الثانية :
تصفية الوجود الانجليزي نهائيا وكانت امريكا تقوم بالاعمال السياسية لتصفية انجلترا وهي تستعمل روسيا والخطر الشيوعي اداة لهذه التصفية .وهذه اهم اعمال امريكا في هذا المجال
قامت امريكا بالاعيب البترول في ايران عن طريق مصدق .
قامت بالاعيب المصالح البريطانية في مصر عن طريق عبد الناصر في شراء الاسلحة الروسية وتاميم قناة السويس واحتضان نغمة التحرر والقومية العربية .
ردت هجمات انجلترا في استعمال اسرائيل اداة لهم في هجوم سنة 1956م
وحين ادركت امريكا انها اصبحت قادرة على حل ما سمته ازمة الشرق الاوسط وظنت انها قادرة على رفع يد بريطانيا وفرنسا وروسيا عن المنطقة في 1970 اخرجت مشروع " روجرز " .ولكن عبد الناصر توفي قبل السير في المشروع .فرضيت امريكا بانور السادات لحكم مصر مؤقتا وكانت تعد علي صبري وجماعته لتنفيذ المشروع ولكنها كشفت علاقة هذا الاخير بالسفيات فسكتت عن ضربه من انور السادات واستمرار الاخير ..اي انها قررت تنفيذ المشروع مع انور السادات بالحاح منه فوافقت على ان تقوم بالحرب المحدودة وتآمرت معه فكانت حرب 1973 وكانت فرصة ذهبية لبريطانيا لاستعادة نفوذها وقد تورطت امريكا في الحرب لتثبيت انور السادات في الحكم ..كانت فرصة لبريطانيا لتثبيت وجودها وطرد امريكا وروسيا من المنطقة ولكن انجلترا كانت اضعف من ان تتحرك .وضعفها السياسي والعسكري والاقتصادي مكن امريكا منها فعالجت مسار الحرب ولم يكن يخلد ببال امريكا ان المنطقة قد صفيت لها ..
فنجاح كسينجر في ضرب النفوذ الانجليزي في اسرائيل ومنعه من التحرك في سوريا والسعودية والجزائر جعل امريكا تنجح في المنطقة نجاحا منقطع النظير لا سيما بعد ان ابعدت روسيا عن كل دور في المنطقة .
هذه حال بريطانيا فبعد ان كانت الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس اصبحت تلك الدولة الواهنة المفككة يعلو وجوه شعبها الاصفرار وقد اخذت شرايين الحياة تضيق حولها ..ولولا بعض دهائها السياسي لاصبحت مجرد دولة من دول العالم الثالث .
وهذه حال امريكا التي تربعت في مركز الدولة الاولى في العالم وتفردت الان بالموقف الدولي وخاضت سياسة فضيعة رهيبة في العالم ..فهي لم تكتف بصناعة العملاء وايصالهم الى الحكم بل اصبحت تعمل في استعمال الشعوب لخدمة مصالحها وهو مشروع " الشرق الاوسط الكبير "
فالى متى نظل تحت نفوذ دول الكفر ومسرحا لصراعها للسيطرة علينا ؟
اما آن لنا ان نتدبر امورنا وشؤوننا لا سيما وقد فتح الناس اعينهم وكشف الغطاء عن بصائرهم ؟
السنا من البشر حتى يصلنا هذا الادراك ؟
لقد تصارعت الدول الكبرى على البلاد الاسلامية والامة الاسلامية من قبل الحرب العالمية الاولى حتى اخذتها ..وتصارعت عليها منذ الحرب العالمية الثانية حتى لم يبق من تركيز نفوذها وسيطرتها الا تركيز اسرائيل وصياغة المنطقة صياغة تضمن السيطرة الابدية وتحول دون الانعتاق ..
فهل نظل في غفلة عن الصراع الدولي علينا حتى يتم تركيز نفسه الى ابد الآبدين ؟
لقد آن لنا ان نعي الامور ...وآن لنا ان ندرك ما يجري بشاننا بين الدول الكافرة وعلى ايدي العملاء .فان الدنيا كلها قد تفتحت والخداع الدولي لم يعد ينطلي على احد ..والكل يعرف ان القضية ليست اسرائيل ولا فلسطين ولا مصر ولا سوريا ..والقضية ليست بريطانيا او فرنسا او امريكا او روسيا ...انما القضية صراع على السيطرة على المسلمين وعلى بلاد الاسلام في اطار عمل خبيث هو تركيز سيطرة الغرب ايا كان تركيزا ابديا يحول دون أي انعتاق ..لذلك فان الامة الاسلامية عليها ان تعرف ان القضية هي قضية بلاد الاسلام وقضية المسلمين ..
فما لم تعالج على هذا الاساس فانه لن ينفع أي علاج ولن يحول دون نجاح الكافر المستعمر في تركيز سيطرته أي حائل ...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- العولمة وعولمة العلمانية
- أيّ علاقة بين منظمات المجتمع المدني والاستعمار الأميركي : مر ...
- - صدّام حسين - ودوره في ما آلت اليه أوضاع العراق اليوم :اخلا ...
- - العلمانيّة - جاهليّة العصر الحديث
- السير وراء أميركا تحت شعارها - الحرب على الارهاب - هو الارها ...
- من تونس : نادي رؤية الثقافي يصنع الحدث
- لماذا فشلت ثورة أكتوبر1917 الاشتراكية
- التعليم في تونس عنوان للفشل وطريق لليأس والانتكاس
- النّقابة تحمي فساد السّلطة وعمالة الحكّام تحت شعار -الدفاع ع ...
- يحدث في بلاد المسلمين في زمن حكم أشباه الرّجال
- الولايات المتّحدة الأمريكية لا تنجح في استعمارنا بقوّتها , و ...
- الاتحاد العام التّونسي للشغل ودوره في صياغة الرأي العام لقبو ...
- ليبيا : أحداث طرابلس وحكومة السراج خطوة نحو التقسيم تنفيذ لو ...
- المناطق الآمنة وخطّة تقسيم سوريا التي حذّرنا منها منذ 2011
- الجسد السّوري تُمزّقه عمالات سائبة : هل تتدخّل الأردن في جنو ...
- أوهام محاربة الفساد في تونس
- فشل الدّيمقراطية , أكثرمن ثلاثة قرون من الفشل المتواصل ...
- - فصل الدّين عن الحياة - دعوة استئصالية بامتياز
- مجزرة أمريكيّة جديدة بحجة الانتصار لخان شيخون في سوريا
- - الهولوكوست - ... بين التضليل والأوهام


المزيد.....




- صحافية سورية تفوز بجائزة -روري بيك- لمصوري الفيديو
- مدرسة جديدة في البقاع اللبناني تفتح أبواب -الخلاص- للاجئات ا ...
- السلطات السعودية تمنع أبناء سلمان العودة من السفر
- مكتب التحقيقات الفيدرالي يعجز عن اختراق 7 آلاف هاتف محمول مش ...
- -إسرائيلي- يطعن مذيعة روسية داخل غرفة أخبار محطة إذاعة إيكو ...
- السيسي: لا يوجد أي معتقل سياسي في مصر
- مجلس الأمن يستعد لتمديد التحقيق في الهجمات الكيميائية بسورية ...
- أطباء يدعون لإنقاذ حياة توأم ملتصق في قطاع غزة
- رسالة الخارجية الأمريكية لحكومتي بغداد وكردستان
- مدير الـ (CIA) السابق ينصح ترامب


المزيد.....

- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي
- أكاذيب حول الثورة الروسية / كوري أوكلي
- الجزء الثاني : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي وثبة كانون / 19 ... / فلاح أمين الرهيمي
- الرياح القادمة..مجموعة شهرية / عبد العزيز الحيدر
- رواية المتاهة ، أيمن توفيق / أيمن توفيق عبد العزيز منصور
- عزيزى الحب / سبيل محمد
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- أصول الفقه الميسرة / سعيد رضوان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الأسعد بنرحومة - بريطانيا ... من الامبراطوريّة العظمى الى الخادم الذليل والتّابع المطيع