أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منار عبدالهادي ابراهيم - كن شجاعا .. قصة قصيرة















المزيد.....

كن شجاعا .. قصة قصيرة


منار عبدالهادي ابراهيم
الحوار المتمدن-العدد: 5496 - 2017 / 4 / 19 - 23:57
المحور: الادب والفن
    



وقف عند الحافة العليا للسلم وهو يحدق إلى الاسفل ! السلم الذي كان يعبره كل مرة جيئة وذهابا لنقل المخاطبات الرسمية بين قسم الاستثمار الذي يعمل فيه والواقع في الطابق الثالث من المبنى الذي تشغله احدى شركات التأمين الحكومية والتي يعمل فيها موظفا وبين باقي اقسام الشركة التي تقع في الطوابق الاخرى يتردد هذه المرة في اجتيازه . على الرغم من احتواء المبنى على مجموعة من المصاعد الكهربائية الا انه يفضل دائما استخدام السلالم .
"لا احب ان اقف منتظرا امام المصعد كما ان في ذلك رياضة"
هكذا كان يجيب حسام سائليه في الغالب على الرغم من ان الوقت الذي يستغرقه انتظار المصعد لا يتجاوز ثواني معدودات .
مسك الدرابزين ! ونزل الدرجة الاولى من السلم . لكنه توقف من جديد ! فكر بالفعل الذي يروم القيام به , بالكلام الذي سيقوله , فكر بأحمرار وجنتيه وبالعرق الذي سيتصبب من جبهته رغم بردة الجو وبالرد الذي سيجابه به في المقابل . نزل الدرجة الثانية ليقف مجددا . فكر هنيهة بالكلام الذي سيقوله الموظفين عنه ! ثم نزل درجة اخرى . تأمل الاسفل من جديد متذكرا انه وقف على نفس الدرجة في اليوم السابق عندما قرر تأجيل الامر إلى اليوم التالي وان يعود من حيث اتى . وقف لبرهة من الوقت قابضا بيده اليسرى على الدرابزين , اخذ نفسا عميقا , شعر بثقل قدميه فقرر ان يؤجل الامر مرة اخرى وعاد من حيث اتى .
في الساعة الثانية والنصف من ظهيرة اليوم , وعند نهاية وقت الدوام الرسمي في الشركة . خرج مسرعا كما هو معتاد متحاشيا النظر في وجوه الخارجين , كي لا يلتقي وجهه مصادفتا بوجه تلك المرأة التي يروم محادثتها دون ان يستطيع .
قبل ان يركب في سيارة الباص الصغيرة التي اوقفها في الشارع المحاذي للشركة . سمع احد الاشخاص يخاطب اخر بنبرة شديدة "كن شجاعا .. ما بك" . كان لهذة العبارة وقع بالغ على مسمعه واخذ يقول لنفسه "انا لست شجاع .. يجب ان اكون شجاعا" . ما ان تحرك الباص واخذ يسير ماضيا لوجهته , حتى اخذ يتخيل بانه يقوم بمفاتحة سمر , تلك المرأة اليافعة الجميلة ذات القوام المتناسق والطباع المرح والوجه الطفولي الذي لا تفارقه الابتسامة في اغلب الاحيان . اذ كان يصطدم بصره بها في فترات عدة اثناء ما كان يدخل إلى القسم القانوني الذي تعمل فيه لغرض جاء من اجله . كان يحاول جاهدا ان يتلافى النظر اليها كما يفعل ذلك مع النساء الاخريات لكن رغبته الشديدة بها والشعور الذي يخالجه نحوها يمنعه من ذلك , فيقوم باستراق النظر كلما سنحت له الفرصة . على الرغم من تحديقها المستمر نحوه كلما اقبل امام عينيها بنظرات تحمل معاني عدة اهمها عبارة " كن شجاعا " .
يوما ما اخبره فؤاد صديقه المقرب والذي يعمل في المكان ذاته التي تعمل فيه سمر , بأن الاخيرة شديدة الاعجاب به وعليه وبما انه يبحث عن امرأة احلامه! يجب ان لا يفوت فرصة كهذه وان يفاتحها بما يكن لها من حب ويتزوجها ليبتدئ معها مشوارا اخر من مشاوير الحياة . كان فؤاد يلح عليه بان يتجرأ ويفعل ما يجب عليه ان يفعله دون تردد او تأخر . فيما هو كان يلح بالتهرب وتقديم الاعذار لتأجيل الامر إلى امد مجهول حتى يأس منه صديقه وصار لا يعيد عليه الامر بعد ان رأى ان لا جدوى من ذلك .
قبل بضعة ايام تقابلت سمر معه وجها لوجه في احدى ممرات الشركة التي تتوسط اقسامها لوحدهما . كانت هي المبادرة في تحيته التي بالغت بها عسى ان ينكسر حاجز الجمود لديه ويقول ما تنتظره منه . لكن دون جدوى , فقد اكتفى برد مقتضب وابتسامة خجولة موجهه نحو الاسفل وكأن الارض هي من قامت بتحيته لا تلك الجميلة التي عبس وجهها وصارت تطلق اللعنات على حظها العاثر .
عندما اقترب حسام من منزله ردد مع نفسه تلك العبارة التي سمعها حين استقل الباص " كن شجاعا .. ما بك" . واخذ يكلم نفسه بطريقة توحي بأنه يكلم شخصا اخر بحاجة إلى نصح , ويمنَي نفسه بأن يعمل ذلك الشخص بنصيحته . لكن دون ان يسمعه احد من الجالسين .
حين دخل المنزل , اخبر والدته بعد ان مدت له سفرة الغداء بأنه وجد امرأة احلامه , وسيفاتحها غدا بموضوع الزواج لتتخلص والدته بعدها من تحمل متطلباته التي لا طاقة لها بها بعد ان تجاوزت الخمسين من العمر , وتزوجن بناتها الاربع , ولم يتبقى لها غير ولدها الوحيد وزوجها المتقاعد المقعد على كرسيه المتحرك . كان جازما بموافقة سمر , وما كان ينقصه غير بضع كلمات يحدثها بها لا اكثر لتكون الاخيرة زوجة له , تشاركه افراحه وآلامه .
صعد حسام إلى غرفته واكمل الفصل الاخير من كتاب كان قد بدأ بقراءته سابقا يتحدث عن قوة الارادة وتعزيز الثقة بالنفس . وحينما اقترب وقت النوم اغلق كتابه الذي انهاه وهو على يقين بأنه امتلك القوة التي اراد الكتاب ان يبعث بها إلى قراءه . استلقى على سريره متوسدا ذراعيه اللتان قاطعهما خلف رأسه , وراح يسرح بخياله نحو الحياة الجديدة التي سيعيشها بعد اجتيازه لعقبة الغد , تخيل بأنه اب يلاعب اطفاله كل مساء , يقوم بمساعدتهم في اكمال واجباتهم المدرسية , يتراقصون ويتلاعبون من حوله , ويوما بعد يوم يغدون شبابا يافعين يبحثون كما كان ابيهم عن فتيات احلامهم . فكر بالمسؤوليات التي ستقع عليه وبالوضع الجديد لحياته وهو يودع عالم العزوبية مستقبلا عالم الاسرة . وبينما هو غارق بأحلام اليقظة , غاص في نوم عميق لم يستيقظ منه الا في الساعة الخامسة والنصف من صباح اليوم التالي اذ قام بحلاقة ذقنه وغير ملابسه بأفضل ما لديه وتعطر بقارورة عطر كان قد اشترها في الاسبوع الفائت ولم يستخدمها منذ ذلك الحين. ثم خرج ذاهبا إلى الشركة .
وكما هو معتاد ! وقف عند الحافة العليا للسلم وحدق الى الاسفل ولكن بوقت اقل من المرات السابقة . اخذ نفسا طويل , مسك الدرابزين ونزل الدرجة الاولى . ما يميز هذه المرة عن المرات السابقة هو انه لم يفكر بالاشياء نفسها التي كانت تخطر على باله في كل مرة حينما يكرر ذات الموقف . بل راح يسترجع احلام اليقظة التي سرح ذهنه بها في اليوم الماضي . عائلة , اطفال , اب . نزل الدرجة الثانية , استرجع الكلام الذي يروم قوله الى سمر والذي نظمه وحفظه حينما استقل الباص هذا الصباح . نزل الدرجة الثالثة . لم يتردد كما في المرات السابقة بل استمر بالنزول حتى بلوغه الطابق الثاني . دخل الى القسم القانوني حيث كانت تجلس سمر في البداية برفقة عدد من الموظفين هناك . ادى التحية ليرد عليها الكل الا هي فلم ترد , بل واكثر من ذلك تصرفت بجفاء غير معهود حينما ادارت وجهها عنه واخذت تتكلم مع احدى الموظفات إلى جنبها متجاهلتا اياه بالكامل . سأل الجالسين عن احوالهم وقال بأنه جاء ليحييهم لا اكثر, تلافيا للخيبة التي اصيب بها , تمازح مع فؤاد لعلها تلتفت اليه لكن دون جدوى . ثم سادت فترة صمت رهيب استمرت لفترة قصيرة اكتنفته خلالها موجة من الاحباط واليأس مما جرى فانسحب باتجاه الباب لينصرف. وبينما هو ماضٍ نحو السلم ناداه صوت من الخلف . انه صديقه الذي خمن الغرض الحقيقي من الزيارة . وبصوت شجن قال له :
"انسى يا صديقي فقد تم خطبتها بالامس" .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- قصة قصيرة بعنوان (استعادة)
- قصة قصيرة بعنوان (اشواك)
- اردوغان ... الغاية تبرر الوسيلة
- صدام حسين والمظاهرات الحالية
- داعش والمطالبين بالأنظمة الدينية سواء
- نزهه في معسكر مدني


المزيد.....




- هند صبري: السينما التونسية أجرأ من المصرية
- تذكارات لمشاهير بينهم ديلان في مزاد بنيويورك
- فيزيائيون روس يستخدمون المحاكاة الكمومية لفك وتشفير رموز آلي ...
- عائلة  خفوروستوفسكي تدعو محبيه للتبرع بالمال بدل الزهور
- مهرجان يجمع موسيقيين من 85 دولة بالرباط
- فنانون احترفوا -السرقة-.. فهل تجاوزوا حدودهم؟
- خفوروستوفسكي.. الحب من القبلة الأولى
- بريكست ينزع -عاصمة الثقافة الأوروبية- من بريطانيا
- -المتن والهامش-.. الفكر والسياسة شرقا وغربا
- جلسة عمومية حول السياسة العامة بمجلس النواب الإثنين المقبل


المزيد.....

- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منار عبدالهادي ابراهيم - كن شجاعا .. قصة قصيرة