أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سامى لبيب - وهم الخير والشر والأخلاق-نحو فهم الإنسان والحياة















المزيد.....


وهم الخير والشر والأخلاق-نحو فهم الإنسان والحياة


سامى لبيب
الحوار المتمدن-العدد: 5496 - 2017 / 4 / 19 - 21:32
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


- نحو فهم الإنسان والحياة والوجود (64) .
- الأديان بشرية الفكر والهوى والتهافت ( 100) .
- حجة 83 من مائة حجة تفند وجود إله .

- أعنى بوهم الخير والشر والأخلاق هو تفكيرنا الخاطئ عندما ننسبهم إلى إله بإعتباره منتجها ومشرعها ومحددها ومُصنفها ومدبرها وراصدها , فهذا فهم خاطئ يرتقى لمرتبة الوهم كونه تفسير لا يكتفى بالخطأ لينسب خطأه وجهله لكيان خرافى لا يوجد أى دلائل على وجوده .
فى هذا المقال ننفى ونبدد هذا المفهوم الخاطئ ونثبت أن الخير والشر والأخلاق رؤية وتقييمات إنسانية خالصة أبدعها الإنسان لينظم علاقاته مع المجموع آملاً فى إقامة قواعد للأمان والسلام المجتمعى , ولن نكتفى بهذا فسنبدد وهم الإله فى الطريق .

- الخير والشر والأخلاق ببساطة هى منظومات ومحددات سلوكية تقديرية نسبية , فالعمل الذى يراه الإنسان مفيداً يطلق عليها خيراً وأخلاق طيبة حميدة , والأعمال التى تجلب الضرر للفرد والمجموع أطلق عليها شراً وأخلاق فاسدة ليكون التقييم والتصنيف هنا إنسانى حصراً , لذا يتسم بأنه تقديرى نسبى , ليسأل سائل ومن أين جاء الزعم بوجود إله وضع النواميس والضوابط الأخلاقية ؟ .
الإجابة ببساطة شديدة أن الخير والشر والأخلاق منتج إنسانى تصنيفاً وتحديداً كما سنثبت لاحقا , فمن حدد مفرداتها وحددها هم صفوة المجتمع ونخبه وأقوياءه ومن لديهم مصلحة فى إرساء منظومات سلوكية وأخلاقية محددة ليتم إيهام البشر عن طريق الأنبياء والكهنه والأديان أن تلك المعايير والمنظومات الأخلاقية هى من قوى إلهية ستغضب وتنتقم وتعاقب من يشذ وينحرف عنها أى أن حشر فكرة الإله فى مسألة الخير والشر والأخلاق بمثابة إرهاب وردع لمن يخترق تلك المنظومة الأخلاقية فهناك إله سيقتص منهم ويعاقبهم عقاباً شديداً أى أن الإله بمثابة بوليس سمائى للعقاب والقصاص من المنحرفين .

* الأخلاق منتج بشرى محض .
- فلنفسر تلك النقطة قبل الإنصراف لغيرها ولنتأمل فى فكرة السرقة كعمل شرير غير إخلاقى فستجد بداية أن هذا الفعل ليس له علاقة بإله فهو لا ينال منه كحال الكفر والإلحاد والشرك به , فلما هذا الغضب الإلهى الذى لا يكتفى بعقابه الشديد فى مملكته السمائية وفقا للأسطورة بل يوصى بعقاب السارق على الأرض بقطع يده .!
ظهرت فكرة السرقة مع ظهور مجتمع الملكيات بعد مجتمع المشاعية ليكون المُلاك هم من أبدعوا تقبيح وإدانة السرقة فقد خشوا على ممتلكاتهم من النهب فأعلنوا أن السرقة عمل شرير وليمنحوا هذا التحريم والإدانة لقوى ميتافزيقية ليروجوا أن الإله يغضب غضباً شديداً على من يعتدى على ملكياتهم وسينتقم منهم إنتقاماً شديداً بغية الردع , ولتتطور الأمور بعد ذلك نحو مزيد من التحصين بأن يقبحوا الحسد أى إستنكار أمنيات وخيالات المُعدمين بعد أن مرروا فكرة الإله كمقسم الأرزاق .

- كذلك إعتبار الممارسات الجنسية الحرة عمل قبيح مُستنكر ومُدان جاء من نفس الملاك فقد خشوا على ممتلكاتهم من التبديد بإختلاط الأنساب فإخترعوا مؤسسة الزواج لضمان نقاء الأوانى الجنسية وعدم طرحها أطفال ليس من صلبهم ولمزيد من الضمانات تم إعتبار من يقترب من أوانيهم الجنسية عمل فاحش ومُدان ومُجَرم لدى الإله وسيعاقب هؤلاء الزناة بعقوبات قاسية بعد أن أوصى بعقابهم فى الأرض إلى حين إستلامهم فى مملكته , ولنلاحظ أن الممارسة الجنسية الحرة لا تنال من ألوهية الإله بل تنال من المالك لجسد المرأة المتوسم أن يكون النسل من صلبه , كما نلاحظ فى الطريق أن فكرة الزواج فكر مالك دفع المهور لتأميم جسد المرأة لصالحه .

* ناموس أخلاقى إلهى متناقض أم أخلاق بشرية تبحث عن مصالحها .
- ننتقل لنقطة أخرى تبدد وهم أن الخير والشر والإخلاق منتجات وتصنيفات إلهية ولنؤكد فى السياق بشريتها .. فمثلا يعتبر زواج المحارم عملا شريراً قبيحاً مُجرم فى الأديان بالرغم أن البشرية وفق أسطورة آدم وحواء لم تأتى إلا من زواج الأخوة والأخوات , كما تسرد لنا القصص الدينية أن هذه العلاقة كانت مباركة من الرب حتى ما بعد عهد ابراهيم , وعندما نتوقف أمام هذا التناقض فإذا كان زواج المحارم عمل شرير فلما أقره وباركه الإله المُفترض فى البدء ولما لم يخلق عدة نسخ من آدم وحواء لتجنب هذه المفسدة الأخلاقية , لكن الفهم الموضوعى يفسر لنا هذا المشهد , فالبشرية فى بداياتها كانت محدودة تحتاج للنسل فلم تجد غضاضة فى علاقات جنسية بين المحارم بل رأته حفاظ على نقاء الجماعة البشرية ليأتى التطور والوعى بأن هذه العلاقات الجنسية تنتج نسل ضعيف وعندما يتم مع الغرباء يعطى نسل أقوى , علاوة على تقوية العلاقات الإجتماعية مع الجماعات الأخرى والتودد لها عن طريق الصهر والنسب فى إطار مشروع سلام , فتم نبذ زواج المحارم وهكذا نرى أن الإنسان مُبدع المنظومات الأخلاقية والسلوكية بينما إنسابها لفكرة إله ستصيب فكرة الإله بالتناقض والخلل .

- كذا يمكن تفسير لماذ تستنكر الجماعات البشرية زواج إحدى نسائها من الغرباء المختلفين فى الدين والقومية بينما لا تستنكر إذا تزوج رجالها من نساء غرباء , فالأمر هنا يتعلق بمصالح برجماتية , فالمرأة التى تتزوج من الغرباء سيؤول إنتاجها من الأطفال لتلك الجماعة البشرية المنافسة كذا هو خصم من رصيد الجماعة الأم , أما زواج الرجال من غريبات فالإنتاج سيضاف لجماعته ويخصم من قوة الجماعة البشرية الأخرى .

- مشهد ثالث فى سياق هذه الفكرة فنجد أن هناك نصوص تعلن عن قتل المرتد وقد تم إعلان ذلك فى الكتاب المقدس والإسلام , بينما عصرنا وحضارتنا ترفض القتل والمساس بحق أحد فى حرية فكره وإعتقاده , فهنا الإنسان الحديث لفظ شرع إلهى بل إستقبحه وأدانه ليعتبر حرية الفكر والإعتقاد حق يُجرم من ينتهكه بقهر الآخرين .
بالطبع تفسير هذا المشهد سهل عندما نعزيه لفكر بشرى ويكون محرجاً عندما يُنسب لفكرة الإله هذا إذا كان موجوداً , فالإنتساب لدين وإله فى العصور القديمة يتجاوز الفكر والإيمان اللاهوتى ليدخل فى إطار الهوية والإنتساب لجماعة بشرية محددة أو قل أن فكرة الإله والدين لم تخرج عن فكرة الهوية , لذا كان الخروج من هذه الهوية يعتبر خيانة وتقويض للجماعة البشرية التى سيُنتقص منها فرد ليضيف لرصيد جماعة بشرية أخرى منافسة , ثم يحدث تطور فى مفاهيم المجتمعات وترى أن ثراء وتعدد الأراء لا ينتقص من قدرة المجتمع بل يمنحها القوة والحيوية والرحابة .

- مشهد آخر نكتفى به فى تأكيد أن الأخلاق والنواميس إبداعات إنسانية وهى طبيعة العلاقات الإجتماعية القديمة المُشرعة من قبل إله كما يروجون فقد سمح الإله بالعبودية وبإغتصاب نساء الآخرين تحت يافطة السبى وملك اليمين ليحللها ويباركها ويسمح بها بل يقننها لتمارس إنتهاكات عديدة عبر التاريخ وكل هذا يتم هذا وفق نصوص واضحة فى القرآن والكتاب المقدس , ولكن عصرنا ومجتماعاتنا الحديثة تعتبر السبى والعبودية عمل إجرامى فاحش مُدان , فما تفسيرك لهذا المشهد وكيف يُبرر أصحاب نظرية أن النواميس الأخلاقية والسلوكية تشريع وتصنيف إلهى , فتطور وتحضر الإنسان سمح له بإدانة وإستنكار وتجريم العبودية والسبى التى شرعها الإله .!

* إزدواجية الخير والشر .
- نأتى لنقطة أخرى وهى إزدواجية المعايير الأخلاقية والخير والشر لدى أصحاب نظرية أن الأخلاق منتج وتشريع إلهى , فالقتل مُستهجن لدى الأديان ويَجدر الإشارة أن هذا الإستهجان والإدانة كانت موجودة فى المجتمعات التى سبقت الأديان فهو فكر إنسانى منطقى موضوعى , فقتل فرد من الجماعة البشرية يعنى إنتقاص من قوتها وقدرتها فى مواجهة الطبيعة والجماعات البشرية المنافسة , لتأتى الأديان لتقر هذا التشريع البدائى ولكن تضيف له إزدواجيتها لتحلل قتل الآخر بزعم أنه من الأنجاس أو الكفار أو المشركين لتعظم هذا الفعل وتمجده بالرغم أن القتل وإسالة الدماء واحد فى المشهدين , فهل الإله صاحب المعايير الأخلاقية وقع فى الإزدواجية والتناقض أم أن هذا فكر وسلوك بشرى محض , فرفض قتل فرد من الجماعة هو للحفاظ على قوة الجماعة , وليأتى تحليل قتل الآخر تحت أى مسمى من باب التنافس والصراع على الأرض والكلأ , ومن باب تفريغ وتنفيس طاقة العنف الكامنة فى الإنسان فى ميدان آخر .

- كذلك نتلمس الإزدواجية فى مفهوم السرقة , فكما يدعون أن السرقة مُحرمة ومُجرمة داخل الجماعة البشرية بينما هى طيبة وحلال طيب من خلال نهب الآخرين ليطلقوا على هذا النهب غنائم , ليمكن تفسير هذا المشهد فى إطاره البشرى , فالإنسان يخشى الإقتراب من ممتلكات أثرياء الجماعة ليُسمح له بإطلاق رغباته النهبه تجاه الآخر المنافس , فهكذا هو المشهد بكل بساطة أما من ينسب أن الإله حرم السرقة وأحل الغنائم فسيضع فكرة هذا الإله فى حرج شديد .

- أختم الإزدواجية بهذا المشهد وهو ليس الأخير فأمثلة الإزدواجية عديدة لنجد أن العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج مرفوضة لدى أدعياء أن الأخلاق منظومة إلهية ولكنها مباحة فى السبى وملك اليمين بالرغم أن الفعل الجنسى واحد مع الغرباء فكيف لهذا الإله المفترض أن يَحظر فى مشاهد ويُحلل ويبارك فى مشهد مماثل ليمكن تفسير هذا المشهد بفكر ورغبات إنسانية بعيداً عن سخف فكرة الإله , فالتحريم والتجريم من الممارسات الجنسية الحرة هى للحفاظ على ممتلكات الأغنياء من التبديد بإختلاط الأنساب كما ذكرنا , بينما مع الآخر فلتنطلق شهوات المقاتلين الجامحة فلا يهمنا الأنساب بل سيكون هذا الفعل الوحشى مفيداً بإذابة تلك المجتمعات وتفكيكها .

* المفهوم القائل بإستقلالية الخير والشر .
ترسخ مفهوم خاطئ لدى البشر المؤمين بفكر الأديان والأساطير بأن الخير والشر مفاهيم مستقلة عن الإنسان ليصل بهم الخرف بإعتبار الخير والشر ذو وجود مستقل ليتجسد فى شيطان كفاعل للشر وإله يجسد كلية الخير والشر ليقع الإنسان فى براثن وهم هش , فالخير والشر مفاهيم ورؤى فكرية معنوية إنطباعية تأتى من سلوك مُجلب النفع أو الضرر كما أن الأمور نسبية وفق معارف الإنسان وتقديراته وإحساسه بما يجلبه المشهد من نفع و ضرر فهناك من يرى مشهد حياتى أو إجتماعى مجلباً للخير والنفع بينما يراه إنسان آخر فى زمن ومكان آخر أن هذا المشهد مُجلب للضرر .

* الإلحاد والأخلاق .
- قبل التطرق إلى التفنيد الفلسفى المنطقى لفكرة الإله المشرع للأخلاق لنا أن نتوقف أمام مفاهيم مغلوطة شائعة لدى الدينيين فهم يتصورون بأن الملحد إنسان لا أخلاقى فيمكن له أن يمارس كل الموبقات والشرور كالقتل والسرقة كونه لا يؤمن بوجود إله مُشرع لتلك النوامس الأخلاقية فهو فى حِل من الإلتزام بها حسب رؤيتهم ليتطرفوا فكرياً ويقولون أن الملحد ليس لديه أى غضاضة فى ممارسة الجنس مع أمه أو اخته .
هذا الإدعاء كاذب وطفولى ولو لم يكن مخالفاً للواقع كحال الشعوب الملحدة واللادينية فى أوربا التى تتسم بأخلاق متحضرة إنسانية لا تستطيع الشعوب الدينية أن تضاهيها , فهذا الإدعاء مخالف للمنطق كون الأخلاق منتج بشرى فى الأساس ونتاج تطور المجتمع الموضوعى وعلاقاته الإنتاجية , أى أن الأخلاق مجتمعية وليست دينية ليلتزم الملحد بها فى إطار نواهى ومحاذير وإستحسان مجتمعه , ومن هنا يأتى إلتزامه أخلاقيا , وإن كان إلتزامه أكثر رقياً من نظيره الدينى , فالأخلاق وفق قناعات مجتمعية وليست خوف من العصا والتوسم فى جزرة , فلا يوجد جزر لدى الملحد .
بالنسبة للإدعاء القائل أن الملحد سيبيح لنفسه أن يمارس الجنس مع أمه أو أخته فهو إدعاء يبغى التقبيح والتشويه وترد سهامه على الدينى الذى أطلقه لنسأل هنا : هل لا تتم هذه الممارسات فى المجتمعات الدينية ؟ وهل لو لفظ المؤمن وجود إله وألحد فهل سيقفز حينها على أمه وأخته ؟ . فلو قلت لا فهذا يعنى أن الأخلاق لا علاقة لها بآلهة مُفترضة , وإذا قلت سيفعل فهذا يدين عمق فكرة الأخلاق لدى المؤمن فهو يحمل فى أعماقه رغبة فى نكاح أمه وما يحوله هو الخوف من العقاب الإلهى لذا نكح امه يوم تخليه عن الإيمان بإله .

- يفترضون أن الإلحاد نفي لكل مبدأ أخلاقي ولكل الأسس والروابط الأخلاقية , فيفترضون أنه إذا لم يكن الإله موجوداً فإن كل تمييز بين الخير والشر ,والفضيلة والرذيلة, يصبح لاغياً , ولذلك فإن هذا التمييز يكمن فقط في وجود الإله , كما يفترضون الفضيلة ليست بمعنى وتقييم أسقطناه على الأشياء بل وجود مستقل عن الإنسان مرتبط بذات مستقلة خارجية عنها , فإذا كان الاعتقاد في أن الإله هو الشرط الضروري للفضيلة فهذا يعنى الاعتقاد في عدمية الفضيلة ذاتها .

* نقد فكرة إله الخير والشر والاخلاق منطقياً وفلسفياً .
بعد هذا العرض البسيط الذى لا يحتاج لمجهود ذهنى فى تبيان سخافة القول بأن هناك إله أنتج وشرع معايير أخلاقية ومنظومات ومحددات للخير والشر , لنا أن نتناول هذه الفكرة فلسفياً ومنطقياً وعقلانياً ولنسأل : أيختار الله الصلاح لأنه صالح أم أن الصلاح صالح لأن الله يختاره , أى هل يختار الله الخير لأنه خيّر أم أن الخير خيّر لأن الله إختاره .

- في حالة إختيار الله الصلاح لأنه صالح فهذا يعني وجوب وجود معنى الصلاح بمعزل عن الله كأن يكون السلوك الصالح موجوداً في الكون ثم اكتشفه الإله وعرف بأنه صالح , فإختيار الله للخير كونه خير يعنى وجود الخير فى معزل عن الله أى وجود سلوكيات خارجة عنه أى وجود موجودات مارست سلوكاً فى حالة إستقلالية عنه تركت لدي الإله إنطباع بأنه خير وحسن وهذا يعنى أن الإله تحت العلم والمعرفة والتأثير والإنطباع ولو قلنا أنه إنتقى من هذه السلوكيات وصنفها ليجعل منها خيراً أو شراً فهذا يتنافى مع كونه الخالق وأنه خارج دائرة التاثير والحاجة وهذا يبدد الألوهية ويقودنا الى أن الاخلاق ليست من الله .
إذن فى إحتمالية الإله يختار الصالح لأنه صالح , سنجد الله يختار الصالح لأنه صالح بالفعل فهو صالح سواء إختاره الإله أو لم يختاره أى أن الخير ذو وجود مستقل عن الإله وهذا فهم ميتافزيقى خاطئ , فبداية الخير ليس بذا وجود بل تقييم سلوك جاء من وجود , فنحن البشر بخبرتنا وتجاربنا عرفنا أن هذا صالح وهذا طالح من التجربة ولا دخل لإله فى ذلك .. فالأشياء الصالحة هي صالحة بصورة مستقلة عن الإله والطالحة كذلك وإختيار الإله لا يجعلها صالحة لأنها صالحة بالأصل وفق هذا الإحتمال , وهنا طالما أن الصالح والطالح لا يعتمدان على الإله فوجود الإله لن يضر ولن يفيد وليس ذو معنى فى نظرية الخير والشر .

- دعونا نتأمل الإحتمال الثاني : أن الصالح صالح لأن الإله يختاره , فالصالح هو فقط ما يختاره الإله والطالح أيضاً هو فقط ما لم يختاره الإله , ولكن حينها يصبح الصالح والطالح مفهومان قسريين يفتقدان قوتهما الأخلاقية .. فما الذي يمنع الإله في تقرير أن الصالح طالح والطالح صالح ؟ أى أن القتل صلاح وخير والسلام شر .!
في حالة أن الصلاح صالح لأن الله يختاره فهذا الخيار يصيب الإله بالمزاجية والعشوائية واللامعنى , فكون الخير هو خير لأن الله اختاره فهذا يخلق إشكاليات بأننا أمام مفاهيم قسرية فهو إنتقى مجموعة من السلوكيات بدون أى مبرر أو تمييز وإعتبرها صالحة مع عدم إهمال إشكالية أنه من المفترض أن الصالح أو الطالح ليس لهما أى مردود ايجابى أو سلبى عليه .

- نحن امام إشكاليتان الأولى وجود موجودات ذات سلوك منفصلة عن وجوده وذات إستقلالية وتؤثر عليه وتمنحه الإنطباع , والثانية إنتقاءه لحزمة من السلوكيات الخيرة أو الشريرة بشكل عشوائى مزاجى ليست بذا معنى طالما سنخرجه من دائرة التأثر والإنفعال , فهو خارج التأثير بها والتفاعل معها , ولتأتى رؤيتنا التى استهلينا بها هذا المقال بأن الخير والشر تقييمات وتقديرات بشرية نتاج حاجاتهم ورغباتهم وذات بعد نسبى تم إقرارها لتحتمى بفكرة ميتافزيقية تمنحها القوة والترهيب فأصابت الفكرة بالإرتباك.

* معضلة الإله والشر .
تطرح مشكلة الشر والإله معضلات كثيرة تقوض فكرة الإله بنفسها , فهل الله كليّ الرحمة ؟ لكن كيف نفسر كل هذا الألم والعذاب على الأرض فلا يحركه ساكناً , فهل تعطلت الرحمة أم هذا يعنى أنه ليس كلىّ الرحمة ؟ .
هل الله خيّر وهو يرى الشر ولكن لا يستطيع ايقاف الشر ؟ فحينئذ سيكون ليس كليّ المقدرة .!
الإحتمال الأخير: هل الإله لا يعلم ما يحصل في هذا الكون من شرور ؟ فحينئذ ليس كليّ المعرفة .!
يطرح أبيقور الفيلسوف اليونانى القديم رؤية معضلة الشر والإله فى تساؤلات محدده تنسف فكرة الإله وتضع المؤمنين به وبقدارته فى حرج بالغ .
- هل الله يريد أن يمنع الشر ولكنه لا يقدر ؟ فهذا يعنى أنه ليس كليّ القدرة لتتبدد ألوهيته .
- هل يقدر ولا يريد ؟ وهذا يعنى أنه شرير ويفترض أنه لا يوجد إله شرير .
- هل يقدر ويريد محو الشر ؟ فلماذا الشر موجود في العالم ومن أين يأتي الشر إذن ؟.
- هل هو لا يقدر ولا يريد ؟ فلماذا نطلق عليه إله طالما هو عاجز وشرير ؟ .

- الإلحاد يحل إشكالية الخير والشر والأخلاق ويمنحها فهم موضوعى متحرر من الوهم والعبث , فالأخلاق سلوك أبدعه الإنسان فى إطار سعيه لمجتمع الأمان والسلام لذا هى متطورة لترتبط بتطور المجتمع الموضوعى والإنتاجى كما هى تعبير عن القوى الفاعلة والمهيمنة فى المجتمع , أما ما نراه من شرور وضرر ناتج عن الطبيعة كالأمراض والأوبئة والكوارث الطبيعية كالزلازل والأعاصير فهى فعل الطبيعة الغير واعية التى تفتقد الغاية والترتيب والتقدير فهكذا فعلها , وبذا نحرر وعينا من وهم إله شرير عابث يصيب البشرية بالشر ليتبرر هذا برغبته فى الإنتقام والإبتلاء .

- ختاماً . كان هذا العرض للوعى بماهية الخير والشر والاخلاق وأن الإنسان من يحدد ويصنف السلوكيات وفق رؤيته ومصالحه وتفاعله مع واقعه الموضوعى بغية تحقيق مجتمع الأمن والسلام , فلا توجد كائنات خرافية حددت وصنفت وشرعت , ومن هنا يجب التحرر من هذا الوهم , فالتحرر منه يعنى مواجهة الإنسان لواقعه بشجاعة وممارسة سلوك متحرر من سلطة يتوهم أنها تتحكم فيما يفعل ليخفى مسئوليته أو تبعات الخوف من نظام شمولى وما أدراك ما النظام الشمولى . لذا لتتشكل أخلاقنا عن قناعات ووعى وليس لأننا مجبرون أن نكون أخلاقيين وفق منهجية الخوف من العصا والتلويح بالجزرة , فالأخلاق ستكون أفضل بدون منهج الخوف والإنتهازية والزيف حيث يمارس الإنسان الأخلاق بحرية ونقاء .. الوعى بأننا من ننتج الأخلاق ومعايير الخير والشر يجعلنا أحرار وأصحاب مصداقية وشفافية فى سلوكنا وليس مجرد قطيع يرعى بزيف وبرمجة .

- أعتذر عن حجب التعليق على المقال وهذا ما لم أعتاده ليكون موقف رافض تجاه الرقيب الذى يفتقد الموضوعية والذى أقام مذبحة لتعليقات الأستاذ سيد مدبولى وصلت ل36 مداخلة فى مقالى السابق .
دمتم بخير .
- "من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " - أمل الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- قضية للنقاش:كيف نتخلص من الإرهاب الإسلامى
- أسئلة للتأمل والتفكير فى ختام المئوية السادسة
- الرد على مقولة الكتاب المبين والاعجاز البلاغى (3)
- الوجود والإله-خربشة عقل على جدران الخرافة والوهم
- ثقافة العنف والغريزة-الدين عندما ينتهك إنسانيتنا
- فليخجلوا - الأديان بشرية الفكر والهوى والتهافت
- فيروس التخلف
- عالم بلا معنى بلا آلهة
- وجود بلا غاية-نحو فهم الحياة والإنسان والوجود
- هل أنتم جادون أم تمزحون - تنبيط (5)
- تأملات فى معاناة وأسقام الفكر الإنسانى
- هتقفل الشباك أم هتفتحه-تناقضات قرآنية (4)
- ثقافة العجز والعجرفة والسب
- قليل من التأمل لن يضر
- قراءة فى دفتر الحياة-تأملات على أوراق ملونة
- إفتح ياسمسم-حجة62إلى71تُفند وجود إله
- وإحنا مالنا-الأديان بشرية الفكر والهوى والتهافت
- إعترافات ومعاناة إله-خربشة عقل على جدران الخرافة والوهم
- الكراهية فريضة إسلامية هكذا قوله وليس قولنا
- اللعنه على المادة أفقدتنى رومانسيتى


المزيد.....




- ليون بانيتا لـCNN: ترامب يمثل درجة كبرى من الفوضى ولا يعترف ...
- -رقمنة الطفولة- على طاولة الحوار في مهرجان الشباب
- رجل قرغيزي يعرض مهارات لا تصدق!
- خامنئي: سنحول الاتفاق النووي إلى فتات
- الدفاع الروسية: انضمام ثلاث بلدات جديدة إلى الهدنة في سوريا ...
- محكمتان تعطلان قرار ترامب لحظر السفر
- مصر تحقق في قضية فساد كبيرة بـ-مليار دولار-
- الصين تعفي اليمن من ديون بأكثر من 700 مليون يوان
- بعد تحرير الرقة.. أين البغدادي؟
- واشنطن: نصر على استئناف التحقيق الدولي حول استخدام الأسلحة ا ...


المزيد.....

- نظرية القيمة / رمضان الصباغ
- نسق اربان القيمى / رمضان الصباغ
- نسق -اربان - القيمى / رمضان الصباغ
- عقل ينتج وعقل ينبهر بإنتاج غيره! / عيسى طاهر اسماعيل
- الفن والاخلاق -نظرة عامة / رمضان الصباغ
- الديموقراطية والموسيقى / رمضان الصباغ
- سارتر :العلاقة بين الروايات .. المسرحيات .. والدراسات النقدي ... / رمضان الصباغ
- المقاومة الثقافية عند محمد أركون / فاطمة الحصى
- الموسيقى أكثر رومانتيكية من كل الفنون / رمضان الصباغ
- العدمية وموت الإله عند نيتشه / جميلة الزيتي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سامى لبيب - وهم الخير والشر والأخلاق-نحو فهم الإنسان والحياة