أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ضياء الشكرجي - 59 «الذين آمنوا» و«الذين كفروا» في القرآن 3/5















المزيد.....

59 «الذين آمنوا» و«الذين كفروا» في القرآن 3/5


ضياء الشكرجي

الحوار المتمدن-العدد: 5469 - 2017 / 3 / 23 - 16:57
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


59 «الذين آمنوا» و«الذين كفروا» في القرآن 3/5
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
www.nasmaa.org

هذه هي الحلقة التاسعة والخمسون من مختارات من مقالات كتبي في نقد الدين، حيث نكون مع المقالات المختارة من الكتاب الثالث «مع القرآن في حوارات متسائلة»، وسنكون في خمس، هذه ثالثها، حلقات حول مصطلحي «الذين آمنوا» و«الذين كفروا» في القرآن.

نعم هناك نص رائع حقا في موقف المسلمين تجاه غير المسلمين، لو أخذناه بمعزل عن النصوص الأخرى، فقد تألق مؤلف القرآن بحق في هذا النص، وهو ما جاء في سورة الممتحنة 8-9:
«لا يَنهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذينَ لَم يُقاتِلوكُم فِي الدّينِ وَلَم يُخرِجوكُم مِّن ديارِكُم أَن تَبَرّوهُم وَتُقسِطوا إِلَيهِم؛ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقسِطينَ. إِنَّما يَنهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذينَ قاتَلوكُم فِي الدّينِ وَأَخرَجوكُم مِّن ديارِكُم وَظاهَروا على إِخراجِكُم أَن [تَـ]ـتَوَلَّوهُم، وَمَن يَتَوَلَّهُم فَأُولـاـئِكَ هُمُ الظّالِمونَ».
هذا النص يؤسس لحقيقة أن المعاداة لا تكون ابتدائية، فلا عداء إلا لمن يكون مبادرا ومبتدئا بالعداء والعدوان، ولعله مصرا على ذلك. والنص كأنما يريد أن يصحح مفهوما أو سوء فهم ساد وانتشر وتأصل وتجذر عبر نصوص القرآن الأخرى، وعبر المواقف، أي عبر الكتاب والسنة. والتصحيح يأتي ليقول للمسلمين، ليس صحيحا أن إقامتكم لعلاقات إنسانية طيبة وودية ومنصفة مع غير أتباع دينكم، مما يحرمه الله عليكم، بل بإمكانكم «أَن تَبَرّوهُم وَتُقسِطوا إِلَيهِم»، ثم يؤكد النص بأن «اللهَ يُحِبُّ المُقسِطينَ»، والقسط، كما هو معروف لدى كل المدارس الأخلاقية، دينية أو بشرية، أخلاق الحد الأدنى في التعامل مع الآخر. ولكن لا ندري لماذا يحب إله المسلمين المقسطين، ولم يذكر النص أنه يحب أيضا أخلاق الحد الأعلى في التعامل مع الآخر، والمصطلح عليه بالبِرّ، الذي هو أرقى مستوى من مستويات التعامل الإنساني، لكن يمكن أن أردّ على تساؤلي بجواب، إن الله إذا أحب أصحاب الحد الأدنى من حسن الخلق، أي المقسطين، فمن قبيل الأولى أن يحب أصحاب الحد الأعلى من حسن الخلق وسمو الإنسانية، أي البارّين. ومع هذا لا نريد أن نتوقف عند هذه النقطة، كما لا نريد أن نتوقف أمام التساؤل، لم جعل هذا الإله المحمدي التعامل بالبر والقسط جائزا فقط، ولم يجعله واجبا. وفيما يتعلق الأمر بالقسط أو العدل فإن هناك نصا آخر محكما واضحا يوجب القسط حتى مع أشد الأعداء عداوة وكراهة بقول: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا كونوا قَوّامينَ للهِ شُهَداءَ بِالقِسطِ، وَلاَ يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلى أَلّا تَعدِلُوا؛ اعدِلوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَى، وَاتَّقُوا اللهَ، إِنَّ اللهَ خَبيرٌ بِما تَعمَلونَ.» فالشّنَآن تعبير عن كراهة وعداوة بفاعلية وهيجان كبيرين، فحتى هذا النوع من العداوة لا يجيز للمسلمين حسب هذا النص أن يجانبوا العدل والقسط في التعامل مع الآخر المغاير في العقيدة. وذلك في سورة المائدة 8. ولكن مع هذا لا نستوحي وجوب العدل مع هؤلاء، بل هو أمر محبَّب، أو من المستحبات أو النوافل، أو السُّنن، مما يجوز شرعا تركه دون أن يكون التارك له آثما، بل كل ما في الموضوع مُفوِّتا لثواب إضافي. على أي حال هذان النصان من النصوص الداعية حقا للسلام والوئام، بل يذهب النص الأول إلى تجويز اتخاذ من غير المسلمين أولياء، ممن لم يعادِ المسلمين، مما يُعَدّ أو تولي غير المسلمين حسب العديد من النصوص القرآنية، التي تنهى المسلمين عن تولي عن تولي (الكافرين) من مسيحيين ويهود أو غيرهم، ذلك بقولٍ مبتدئ هنا بـ«إنما» الحصرية: «إِنَّما يَنهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذينَ قاتَلوكُم فِي الدّينِ وَأَخرَجوكُم مِّن ديارِكُم وَظاهَروا على إِخراجِكُم أَن [تَـ]ـتَوَلَّوهُم، وَمَن يَتَوَلَّهُم فَأُولـاـئِكَ هُمُ الظّالِمونَ». ولكم أن تتولوا الذين لم يقاتلوكم منهم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم، ولم يظاهروا على إخراجكم، فهذا حسب هذه الآية ليس من التولي المنهي عنه في العديد من آيات القرآن. ويبدو إن الآيات الناهية عن التولي قد نسخت هذه.
وفي سورة البقرة نقرأ في الآيتين 256-257:
«لا إِكراهَ فِي الدّينِ، قَد تَّبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ، فَمَن يَّكفُر بِالطّاغوتِ وَيُؤمِن بِاللهِ فَقَدِ استَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقى، لَا انفِصامَ لَها، وَاللهُ سَميعٌ عَليمٌ. اللهُ وَلِيُّ الَّذينَ آمَنوا يُخرِجُهُم مِّنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّورِ، وَالَّذينَ كَفَروا أَولياؤُهُمُ الطّاغوتُ، يُخرِجونَهُم مِّنَ النّورِ إِلَى الظُّلُماتِ، أُولـاـئِكَ أَصحابُ النّارِ هُم فيها خالِدونَ».
كثيرا ما يورد المسلمون، أو حتى غير المسلمين من مستشرقين أو عارفين بالإسلام، في الحوارات عبارة «لا إِكراهَ في الدّينِ»، ليستدلوا على عدم تبني الإسلام الإجبار على العقيدة، أو على الالتزام. وفي نفس الوقت هناك فريق من المفسرين وما يسمَّون بعلماء الإسلام المختصين بعلوم القرآن، كالتفسير، وأسباب التنزيل، والناسخ والمنسوخ، وغيرها، أو المختصين بالحديث، والفقه وغيرهما، يقولون بأن آيات التسامح قد نُسِخَت بآيات السيف، ولكن هناك رؤية أخرى تعتبر أن آيات التسامح والسلام والعدل والعقلانية هي التي تمثل جوهر القرآن الثابت، والأخرى تمثل الطارئ المتغير بتغير الظرف الزماني والمكاني. والمشكلة إن مؤلف القرآن ترك المسلمين يتخبطون ذات أقصى اليمين وذات أقصى اليسار، أو أقصى الاعتدال وأقصى التطرف، ولا أحد يستطيع حسم الخيارات المتباينة والمتناقضة أحيانا، إلا بإهمال كل النصوص الدينية، واعتماد العقل الإنساني، والضمير الإنساني، والتجربة الإنسانية، لا غير.
هذا كله إذا اقتصرنا على نص «لا إِكراهَ في الدّينِ»، وكذلك لا مشكلة لدينا فيما بعد هذا النص، فيما جاء في الآية 256 «قَد تَّبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ، فَمَن يَّكفُر بِالطّاغوتِ وَيُؤمِن بِاللهِ فَقَدِ استَمسَكَ بِالعُروَةِ الوُثقى، لَا انفِصامَ لَها»، مع اعتماد الفهم الأقرب إلى الصواب لكل من مفردات (الرشد) و(الغي) و(الإيمان). وهذا يتطلب التعاطي مع نسبية المفاهيم، بينما نجد أن المعتمدين لمبدأ النسبية من عموم الدينيين، ومن خصوص المسلمين، هم القلة النادرة جدا جدا.
ولكننا عندما نواصل قراءة الآية 257 التالية لها ونقرأ «اللهُ وَلِيُّ الَّذينَ آمَنوا يُخرِجُهُم مِّنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّورِ، وَالَّذينَ كَفَروا أَولياؤُهُمُ الطّاغوتُ، يُخرِجونَهُم مِّنَ النّورِ إِلَى الظُّلُماتِ، أُولائِكَ أَصحابُ النّارِ هُم فيها خالِدونَ»، تتغير الصورة، ويظهر بكل وضوح الموقف المتشنج تجاه غير المسلم ثانية. هذا يتبين لنا بشكل خاص، إذا ما علمنا أن المقصود بالمصطلح القرآني «الذين آمنوا» هم (المسلمون)، وبمصطلح «الذين كفروا» هم (غير المسلمين)، فيمكننا عندئذ قراءة النص على النحو الآتي: «اللهُ وَلِيُّ (المُسلِمينَ) يُخرِجُهُم مِّنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّورِ، وَ(غَيرُ المُسلِمينَ) أَولياؤُهُمُ الطّاغوتُ، يُخرِجونَهُم مِّنَ النّورِ إِلَى الظُّلُماتِ، أُولـاـئِكَ أَصحابُ النّارِ هُم فيها خالِدونَ». لماذا يجب أن يحشر غير المسلمين، أو حتى المسلمون غير الملتزمين، أو المنتمون إلى غير الفرقة الناجية، أو غير المذهب الحق، أو ما شابه، أو غير القائلين بوجوب تحكيم الشريعة الإسلامية، لماذا يجب أن يُحشَر كل هؤلاء في نار جهنم خالدين فيها، فلا هم ميتون ومستريحون بالموت من العذاب، ولا هم مخفف عنهم العذاب؛ كل ذلك لا لشيء، إلا لأنهم لم تقتنع عقولهم بما أوجب الإسلام عليهم الاعتقاد به، وكأن الاقتناع وعدم الاقتناع أمر اختياري؟ وهكذا هو الأمر مع كل الأديان والمذاهب التي ترى أنها وحدها تمثل الحق والهدى والإيمان، وبالتالي وحدهم أتباعها يستحقون ثواب الله، ونعيمه، وجنته، ورضاه، وقربه، وحبه. سيجيب البعض الذي يعتقد بإلهية القرآن، إن الإسلام تعامل بمنتهى التسامح مع (الكافرين)، فمنحهم حرية أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا، ولكنه لا يمكن أن يجاملهم فيما هو مصيرهم الأخروي، الذي يمثل قرار الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا عن يمينه أو شماله. هناك عدة إشكالات على هذا القول. منها غياب حرية العقيدة، وأدلة ذلك متعددة، منها حكم المرتد، وحكم الجزية على المسيحي واليهودي، وحكم تنجيس الكافر، وحكم اقتصار الاعتراف (المحدود) بأهل الكتاب دون غيرهم. ثم مجرد نعت الآخر المغاير بنعت (الكافر) وعدّه من أهل النار يؤسس لثقافة الكراهة، لأن المؤمن لا يسمح له إيمانه أن يحب من لا يحبه الله حسب فهمه أو حسب فهم الإسلام، ممن غضب عليهم وجعلهم من أهل النار. فالمؤمن الحق الذي لا يحب ولا يكره إلا في الله، عليه أن يُروّض عواطفه كيف تتخذ موقف الرفض والانفصال النفسي تجاه المغاير الديني، بل حتى تجاه المسلم غير الملتزم، والذي لا يُسمّى كافرا بل فاسقا، ولو إن هناك نصوصا من الأحاديث تعد تارك الصلاة كافرا، في مقابل (المؤمن) كمصطلح قرآني، أو (العادل) كمصطلح فقهي، حيث يقصد بالشهود العدول الشهود المسلمون المتدينون، ويذهب المصطلح الفقهي الشيعي إلى أبعد من هذا ليعتبر الشيعي وحده (المؤمن)، و(العادل)، بينما يُعَدّ السني مسلما (مخالفا) في مقابل المؤمن، وغير الملتزم مسلما (فاسقا) في مقابل العادل، وربما مواليا فاسقا، فتكون الموالاة لأهل البيت شفيعا لفسقه. وهكذا يَعُدّ متعصبو السنة الشيعة روافض، ويذهب الوهابية إلى أبعد من ذلك بعدّهم مشركين وعبدة قبور وأصحاب بدع، وبالتالي فـ(كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، وبالنتيجة إن دمهم مهدور، وهم عندهم شر من اليهود.

ولدينا نص قرآني متسامح نسبيا مع الآخر، وذلك في سورة يونس 99-100:
«وَلَو شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَميعاً، أَفَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّى يَكونوا مُؤمِنينَ، وَما كانَ لِنَفسٍ أَن تُؤمِنَ إِلا بِإِذنِ اللهِ، وَيَجعَلُ الرِّجسَ علَى الَّذينَ لا يَعقِلونَ».
وكذلك في سورة الغاشية 21-24:
«فَذَكِّر إِنَّما أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّستَ عَلَيهِم بِمُسَيطِرٍ، إِلاّ مَن تَوَلّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأَكبَرَ».
صحيح إن القرآن يذّكر محمدا، على الأقل في بعض النصوص، أن ليس من مسؤوليته، ولا بمقدوره، أن يُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، وأن ليس عليه إلا التذكير والبلاغ المبين، وإلا فليس له أن يمارس السيطرة والهيمنة على الناس، وعلى عقولهم، وقناعاتهم، وقراراتهم، في إجبارهم على الاستجابة لدعوته. ولكن في نفس الوقت يؤسس لكراهة غير المستجيبين، فهو تسامح، لكن الحكم على المتسامَح معهم يأتي قاسيا، بعدِّهم «لا يَعقِلونَ»، ومن الذين «يَجعَلُ [اللهُ] الرِّجسَ» عليهم. هذا في النص الأول، وفي النص الثاني «مَن تَوَلّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللهُ العَذابَ الأَكبَرَ». إذن حتى آيات التسامح، فهي في أقصى ما تمارسه من تسامح، أن تترك الحرية للكافرين بالإسلام أن يكفروا به - باستثناء المسلمين بالولادة -، ولكن تكيل لهم شتى الشتائم، وتحرض على كراهتهم، وتتوعدهم بشتى أصناف العذاب الأخروي. فأين هذا من «وَما علَى الرَّسولِ إِلَّا البَلاغُ المُبينِ»، هذا البلاغ الذي لم يكن مُبينا بقدر ما كان مُبهَما مُشوَّشا قابلا للتأويل إلى ما يتضادّ مع بعضه البعض، إلم نقل يتقاطع ويتناقض ويتنافى؟

وفي سورة آل عمران 19-20 نقرأ حصر الدين الذي يرتضيه الله للناس في الإسلام، فنقرأ هنا:
«إِنَّ الدّينَ عِندَ اللهِ الإِسلامُ، وَما اختَلَفَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ إِلّا مِن بَعدِ ما جاءَهُمُ العِلمُ بَغياً بَينَهُم، وَمَن يَّكفُر بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَريعُ الحِسابِ، فَإن حاجّوكَ، فَقُل أَسلَمتُ وَجهي للهِ، وَمَنِ اتَّبَعَني، وَقُل لِّلَّذينَ أوتُوا الكِتابَ والأُمّيينَ أَأَسلَمتُم، فَإِن أَسلَموا فَقَدِ اهتَدَوا، وَّإِن تَوَلَّوا فَإِنَّما عَلَيكَ البَلاغُ، واللهُ بَصيرٌ بِالعِبادِ».
لا أطيل هنا، فقد أوردت ملاحظاتي في مكان آخر. على النحو العام يمكن عدّ هذا النص من النصوص الأكثر تسامحا، أو الأقل تشددا تجاه الآخر. لكنه يقرر «إِنَّ الدّينَ عِندَ اللهِ الإِسلامُ»، وبالتالي فأي دين آخر غير معترف به إلا بحدود. قد يذهب بعض التنويريين أو بعض التبريريين إلى القول بأن المقصود بالإسلام هو معناه الأعم، وليس معناه الأخص، فمصطلح (الإسلام) في القرآن، ومشتقاته (مسلم)، (مسلمون)، (أسلم/ـوا)، (يُسلم/ـون) يأتي تارة بمعنى الدين الإسلامي، وتارة بمعنى الإسلام لله، أي التسليم له، وهو معنى قد ينطبق على بعض المسلمين، دون وجوب انطباقه عليهم جميعا، وعلى بعض غير المسلمين من المؤمنين بالله المسلمين له، وإن اختلفت طرق وسبل وصيغ الإسلام له، فهما وأداءً. ولكن إذا علمنا أن هذا المعنى في هذا النص بالذات - حسب معظم المفسرين - هو الإسلام بمعناه الخاص، وإذا قرن هذا النص بالكم الهائل من القرائن القرآنية والنبوية الأخرى، لم نجد فيه إلا معنى دعوى احتكار الحق والحقيقة والصواب والهدى واستحقاق ثواب الله.
ويتأكد أكثر هذا المعنى، أي حصر الدين المقبول من الله في الإسلام في نفس السورة آل عمران 85-89 بالنص الآتي:
«وَمَن يَّبتَغِ غَيرَ الإِسلامِ ديناً فَلَن يُّقبَلَ مِنهُ، وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرينَ، كَيفَ يَهدِي اللهُ قَوماً كَفَروا بَعدَ إيمانِهِم وَشَهِدوا أَنَّ الرَّسولَ حَقٌّ، وَجاءَهُمُ البَيِّناتُ، وَاللهُ لا يَهدِي القَومَ الظّالِمينَ؛ أُولـاـئِكَ جَزاؤُهُم أَنَّ عَلَيهِم لَعنَةَ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجمَعينَ، خالِدينَ فيها لا يُخَفَّفُ عَنهُمُ العَذابُ وَلا هُم يُنظَرونَ، إِلاَّ الَّذينَ تابوا مِن بَعدِ ذالِكَ وَأَصلَحوا، فَإِنَّ اللهَ غَفورٌ رَّحيمٌ».
أولا «وَمَن يَّبتَغِ غَيرَ الإِسلامِ ديناً فَلَن يُّقبَلَ مِنهُ»، وثانيا فإنه «فِي الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرينَ»، ثم يبرر النص عدم إمكان هداية الله لهؤلاء، لأنهم يمثلون «القَومَ الظّالِمينَ»، ثم يصب «عَلَيهِم لَعنَةَ اللهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أَجمَعينَ»، هذه اللعنة التي تعني العذابات التي سيكونون «خالِدينَ فيها»، وبعد كل هذا «لا يُخَفَّفُ عَنهُمُ العَذابُ وَلا هُم يُنظَرونَ»، ولكن يعطف القرآن على هؤلاء، فيستثني منهم «الَّذينَ تابوا مِن بَعدِ ذالِكَ وَأَصلَحوا»، أي الذين عادوا إلى حضيرة الإسلام، بقناعة أو من غير قناعة، فيقرر عن الله: بأنّه عندها «غَفورٌ رَّحيمٌ»، فالله يغفر لمن يغفر له القائل بهذا النص، ويرحم من يرحمه، ولا يستحق المغفرة والرحمة إلا من ألغى عقله وقناعته وإرادته، وأسلم لصاحب النص، ولدينه، من حيث دعوى أنه يمثل إسلامه لله. فلنتأمل في مدى التأزم والتوتر والاحتقان من صاحب الدعوة الإسلامية تجاه من لم يصدقه، أو من صدقه، فتبين له غير ما اقتنع به ابتداءً، فأعاد النظر في دينه الجديد، فتخلى عنه. وهناك العديد من مثل هذه النصوص، لا يسع المقام استقصاءها جميعا. فللعلم إني أكتب باسترسال ودون جهد استثنائي لعدم توفر الوقت لي، وإلا فلو أريد لهذا الموضوع أن يكون دراسة مستفيضة وبحثا شاملا معمقا، لخرج بغير ما خرج به، ولكن ما لا يدركه المرء كاملا، فليدرك الممكن والمتأتي منه.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,901,451
- 58 «الذين آمنوا» و«الذين كفروا» في القرآن 2/5
- 57 «الذين آمنوا» و«الذين كفروا» في القرآن 1/5
- 56 كأني بالقرآن يتحدث عني وانتصار الفنان على الراهب
- 55 تنقيح سورة الفاتحة دليل على بشريتها
- 54 المحكم والمتشابه كدليل على بشرية القرآن
- 53 قراءات أخرى لنصوص القرآن
- 52 آدم وحواء وتحدي القرآن
- 51 الدين والخمر والطاغوت وماركس
- 50 مقدمة «مع القرآن في حوارات متسائلة»
- 49 صفحات الختام من كتاب «لاهوت التنزيه»
- 48 تعليقات مسلم معتدل وحواراتي معه 5/5
- 47 تعليقات مسلم معتدل وحواراتي معه 4/5
- 46 تعليقات مسلم معتدل وحواراتي معه 3/5
- 45 تعليقات مسلم معتدل وحواراتي معه 2/5
- 44 تعليقات مسلم معتدل وحوارات معه 1/5
- 43 مضمون مناقشتي لمناظرة بين ربوبي ومسلم 7/7
- 42 مضمون مناقشتي لمناظرة بين ربوبي ومسلم 6/7
- 41 مضمون مناقشتي لمناظرة بين ربوبي ومسلم 5/7
- 40 مضمون مناقشتي لمناظرة بين ربوبي ومسلم 4/8
- 39 مضمون مناقشتي لمناظرة بين ربوبي ومسلم 3/8


المزيد.....




- في أميركا.. التدين في تراجع حاد والإلحاد يزداد
- لماذا يتراجع عدد القساوسة بصورة مثيرة للقلق في إيرلندا؟
- الفارق بين -بني إسرائيل- و-اليهود- و-أصحاب السبت- و-الذين ها ...
- بسبب المخاوف الأمنية.. نيوزيلندا تسيّر دوريات مسلحة تجريبية ...
- مديرة مدرسة إسلامية غير مسجلة في بريطانيا تتحدى السلطات وتوا ...
- الفاتيكان يبتكر مسبحة صلاة إلكترونية بصليب ذكي
- الأردن يدين الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى
- ما هي أبعاد تبني تنظيم -الدولة الإسلامية- إطلاق سراح عدد من ...
- التعايش الديني في مصر الإسلامية.. مخطوطة تظهر شراء راهبين لع ...
- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ضياء الشكرجي - 59 «الذين آمنوا» و«الذين كفروا» في القرآن 3/5