أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامر أبو سمرة - اكذوبة أحتكار الخلاص في القرآن الكريم .















المزيد.....


اكذوبة أحتكار الخلاص في القرآن الكريم .


سامر أبو سمرة
الحوار المتمدن-العدد: 5466 - 2017 / 3 / 20 - 00:05
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


احتكار الخلاص والقول أن غير المسلمين هم في النار والغاء واقصاء الآخر وتكفيره والقول أنه ليس على شيء هو كلام باطل ينسفه حروف القرآن المجيد

من كتاب الدولة الحرة مطلب قرآني للأستاذ عدنان الرفاعي .

------------------------------------------------------------------

سنبدأ بشرح مسألة أكذوبة احتكار الخلاص كمسألة تتعلق بالآخرة , لنرى كيف أن هذه الأكذوبة هي المقدمة الأولى لكل منزلقات التطرف والتكفير واقصاء الآخرين والمتاجرة بالدين , لصالح عصبيات وأهواء سياسية تاجر بها بعض السابقين ,وحولت مع الزمن الى دين بعد أن لبست بروايات موضوعة وبتفاسير موروثة مصبوغة بلون تلك العصبيات , لا علاقة للدين الحق ولأحكامه الطاهرة بها , لامن قريب ولامن بعيد...

مسألة احتكار الخلاص مسألة قديمة زعمها اليهود ومن بعدهم النصارى , يقول تعالى :

(( وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ )) البقرة(111)

قولهم ((لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى )) واضح وصريح في احتكارهم للخلاص عبر احتكارهم للجنة وحدهم ...وقوله تعالى : ((تلك أمانيهم )) هو اجابة صريحة وجلية من الله سبحانه وتعالى, أن قولهم هذا ليس أكثر من أماني , وبالتالي هو أكذوبة يفترونها على الله تعالى ,وقوله تعالى ((قل هاتوا برهانكم ان كنتم صدقين )) صريح في أن من عليه الأتيان بالبرهان هو محتكر للخلاص وليس من لايحتكر الخلاص , وذلك لأن الأمر غريب ومخالف ليس فقط لمنهج الله تعالى ,وانما للفطرة النقية الطاهرة التي فطر الله تعالى الناس عليها..

ومع ذلك...سنأتي بالبرهان..من كتاب الله تعالى أن الجنة والنار ليستا لأمة محددة أو دين محدد أو مذهب محدد ,لنرى كيف أن هذا الزعم هو مقدمة فصلت من الأهواء التي مادتها العصبيات النتنة ., لنتائج تتمحور حول الغاء الآخرين واقصائهم في الدنيا قبل الآخرة..

اذا...من يصفهم الله تعالى بقوله ((هودا أو نصارى )) أي أهل الكتاب , زعموا احتكار الخلاص (( وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى )) والكثيرون للأسف من أتباع الفكر المحسوب على الأسلام أيضا يحتكرون الخلاص وذلك بقولهم : بعد الرسالة الخاتمة لا يدخل الجنة الا من كان مسلما من أتباع الرسالة التي أنزلها الله تعالى على النبي محمد (ص ) ..هاتان الفئتان هما من يحتكر الخلاص, كل لنفسه , معتقدا أن الآخرين لن ولن يدخلوا الجنة , مهما عملوا....!!

..لذلم نرى الرد الالهي عليهم وعلى أهل الكتاب واضحا جليا ..يقول تعالى...:

(( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا )) [ النساء : 123: 124]

فقوله تعالى : ((لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ)) هو نفي لهذا الزعم الباطل الذي يزعمه أهل الكتاب والمحسوبون على الأسلام....وحقيقة هذا الزعم باحتكار الخلاص يصفه الله تعالى بأنه مجرد أماني ((تلك أمانيهم )) ...لذلك جاء النفي الالهي لهذا الزعم عبر نفي هذه الأماني من أساسها (( ((لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ)) ..

ويتابع البيان الالهي في شرح جزئيات هذه المسألة ((مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا )) وذلك بصياغة عامة ليست خاصة بنا ولابأهل الكتاب ...فالله تعالى لم يقل (( من يعمل سوءا منكم أو منهم )) انما يقول ((من يعمل سوءا )) لتشمل كل البشرية دون استتنثاء..

وكذلك قوله تعالى (((123) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ )) هو قول مفتوح على البشرية جمعاء , ولكن بشرط واحد هو ((وهو مؤمن )) فالايمان شرط لابد منه في معادلة الدخول الى الجنة...ولكن...نرى صيغة الايمان شاملة, ليست مضافة أو متعلقة بدين محدد أو مذهب محدد أو مسألة محددة ((وهو مؤمن )) ..

ونحن نعلم أن صفة الايمان هي صفة لايمكن اختكارها لدين محدد أو مذهب محدد ..والله تعالى يأمرنا أن لانصف انسانا مسالما ((يلقي الينا السلام )) بأنه ليس مؤمنا ..

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )) [ النساء :94 ]]

فصفة الايمان بصيغتها العامة هي كما نرى ليست حكرا على دين محدد أو مذهب محدد ...ان صفة الايمان في اطارها العام هي صفة واسعة يقول تعالى :

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا )) [ النساء : 136 ]

هؤلاء الذين يصفهم الله تعالى بقوله (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا )) يأمرهم جل وعلا بقوله (( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ)) وهذا يعني أن المعنيين بقوله تعالى ((يآيها الذين أمنوا )) ليسوا مؤمنين بما تصفه العبارات القرآنية [[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ]] ولذلك نفهم العبارة القرآنية ((يآيها الذين آمنوا )) بأنها خطاب من الله تعالى للذين يبحثون وهم مطئمنون عن الحقيقة بصدق واخلاص محاولين الوقوف على حقيقة الأمر لمعرفة خالق الكون ولمعرفة حقيقة المنهج الحق الذي يريده الله تعالى....بمعنى : آيها الباحثون بصدق المطئنون بالحقيقة مهما كانت وأينما كانت , يا من تريدون أتباع الحق وأنتم مطمئنون لذلك...

الحق والحقيقة التي تبحثون عنها والتي تريدونها بصدق واطمئننان هي باتباعكم للأوامر التالية :

(( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ))

اذا قوله تعالى ((يآيها الذين آمنوا )) لايقتضي شرط الأيمان بمنهج رسالة محددة أو مذهب بعينه أو طائفة بعينها...أبدا...وهذا مانراه في الآية الكريمة التالية :

((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ )) [[ آل عمران :110 ]

فقوله تعالى ((وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ)) يعني لو آمن آهل الكتاب بمنهج الرسالة الخاتمة , وذلك بدليل العبارة السابقة لها مباشرة (((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ )) والتي تصف متبعي منهج الرسالة الخاتمة والذي بكينوته ينتج خير أمة أخرجت للناس ,,

ان كلمة ((أمة )) تعني المنهج والطريق ((بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ -)) والله تعالى لم يقل ((كنتم خير قوم أخرجوا للناس )) انما يقول جل وعلا ((كنتم خير أمة أخرجت للناس )) فمنهج القرآن الكريم بكينوته المتعلقة بصفات الله تعالى كونه ينتمي الى عالم الأمر وكونه محفوظا من قبل الله تعالى ,وكونه يخاطب البشرية جمعاء , هو بهذه الكينونة ينتج بمن يتبعه خير أمة أخرجت للناس , كون أبناء هذه الأمة يتصفون بما يخاطبهم الله تعالى بقوله ((تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ))

ولكن...هؤلاء الذين لم يؤمنوا بمنهج الرسالة الخاتمة من أهل الكتاب ((ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم )) ما هو مصيرهم ؟! ...العبارة الأخيرة في هذه الآية تبين ذلك (( مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ )) ...

..العبارة القرآنية ((منهم المؤمنون ))) تصف لنا جزءا من أهل الكتاب ,هكاذا تنطق هذه الآية الكريمة, لكن الموروث وللأسف أصبح حاجزا بين الكثيرين وبين الدلالات الحق لكتاب الله تعالى...وكل انسان يدرك الحد الأدنى من قواعد اللغة يصل الى هذه الحقيقة حينما يتجرد عن الكثير مما لم ينزل الله تعالى به سلطانا..

. واحتجاج محتكري الخلاص على احتكارهم هذا بقوله تعالى ..

(( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85) كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين )) [ آل عمران : 85 – 86 ] ..

هذا الاحتجاج ليس سليماً على الإطلاق ، هذه العبارات القرآنيّة تعني المسلمين الذين يريدون الارتداد عن الإسلام :

1 – ورود كلمة (( يبتغ )) في هذه العبارات القرآنيّة وبصيغة المضارع (( ومن يبتغ غير الإسلام دينا )) ، يعني أنَّ المعنيَّ بهذه العبارات القرآنيّة هو مسلم ، يريد ترك الإسلام ليذهب إلى منهج آخر .. ولا تعني هذه العبارات الآخر الذي ليس مسلماً .. فالآخر ليس مسلماً ليترك الإسلام مبتغياً غيره ..

2 – ممّا يؤكِّد أنَّ المعنيّين هم المسلمون الذين يعرفون الإسلام ويقفون على حقيقته وبأنه منهج الله تعالى الخاتم والذي أراده للبشريّة جمعاء ، وبعد ذلك يريدون الارتداد عنه ، ممّا يؤكّد ذلك هو الآية الثانية التالية مباشرة للآية الأولى في هذا النصّ الكريم (( كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين )) ..

.. إذاً .. المعنيّون بقوله تعالى (( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )) ، هم مسلمون يريدون أن يبتغوا منهجاً آخر غير منهج الإسلام الذي هم عليه ، وسبب عدم قبول أيِّ منهج آخر منهم هو أنَّهم واقفون على حقيقة الأمر ، وبين أيديهم المنهج الحق الذي أراده الله تعالى للبشريّة جمعاء والذي تكفَّل الله تعالى بحفظه ، ولذلك فهم بارتدادهم هذا يطمسون الحقيقة ( يكفرون بها ) ، تلك الحقيقة التي شهدوا أنّها حق ، نتيجة وجود البيّنات بين أيديهم (( كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين )) ..

و. لا بدَّ لنا من الوقوف عند قوله تعالى ..

(( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عمّا يقولون ليمسّن الذين كفروا منهم عذاب أليم )) [ المائدة : 73 ]

إنّنا نرى ورود كلمة (( كفر )) بصيغة الفعل الماضي ، وهذا يختلف عن ورود الصيغة الاسمية أو صيغة الفعل المضارع ..

(( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين )) [ المائدة : 5 ]

(( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما )) [ النساء : 48 ]

(( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا )) [ النساء : 116 ]

(( إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة )) [ المائدة : 72 ]

(( ومن يشرك بالله فكأنما خرَّ من السماء ............. )) [ الحج : 31 ]

وهذا يتجلّى في ورود كلمة (( يقتل )) بصيغة المضارع في قوله تعالى ..

(( ومن يقتل مؤمناً متعمّدا فجزاؤه جهنم خالداً فيها ........... )) [ النساء : 93 ]

.. المعني هنا هو من قتل مؤمناً متعمّداً واستمرّ على خطيئته هذه حتى وفاته دون أيّ توبة مقبولة .. فورود كلمة (( يقتل )) بصيغة المضارع ودون الاقتران بتوبة مقبولة يُظهر هذه الحقيقة ، بمعنى البقاء على الخطيئة حتى الموت ودون توبة مقبولة .. ولكن .. إن وُجدت توبة مقبولة بعد القتل فالأمر مختلف تماماً ، وهذا ما نراه في قوله تعالى ..

(( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاماً (68) يضاعف له العذاب ويخلد فيه مهاناً (69) إلاَّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً ......... )) [ الفرقان : 68 – 70 ]

.. فقوله تعالى (( إلاَّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً )) يبيّن لنا أنَّ القاتل لم يستمر إلى نهاية حياته مصرّاً على هذه الخطيئة ، فالقاتل – هنا – تاب توبة مقبولة ..

.. إذاً .. ورود كلمة (( كفر )) بصيغة الفعل الماضي في قوله تعالى ..

(( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عمّا يقولون ليمسّن الذين كفروا منهم عذاب أليم )) [ المائدة : 73 ]

.. هذا الورود هو وصف لجحودهم وتغطيتهم لحقيقة كان عليهم ألاَّ يغطّوها ، وهي أنَّ الله تعالى واحد ، وليس ثالث ثلاثة كما يقولون ..

.. ولكن .. هؤلاء الذين يقولون (( إنّ الله ثالث ثلاثة )) ، ينقسمون إلى قسمين اثنين :

1 – منهم من يقول ذلك كتقليد أعمى وكموروث وكنتيجة لعدم اطّلاعه على حقيقة الأمر ، ولا شكَّ أنَّه بذلك غطّى الحقيقة (( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة )) فدخل العمق الأوَّل من عمقي الكفر المذكور في هذه الآية الكريمة .. ولكنّه بسلوكه وعمله هو إنسان لا يعمل الفواحش وهو ملتزم – كعمل – بكل القيم النبيلة ، ولو أُتيحت له فرصة الوقوف – كعلم – على الحقيقة لتراجع واتّبع الحق ..

2 – ومنهم من يقول ذلك (( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة )) استكباراً وجحوداً بحقيقة يعلمها هي نقيض ما يقوله في جحوده هذا ، ويمارس هذا الجحود في عمله وسلوكه .. فهذا القسم دخل العمق الثاني والأكبر من الكفر ، ومهما قُدِّمت له الحجج لاتِّباع الحقيقة فلن يتراجع عن قوله ولن يتّبع الحق .. وهذا ما تصوّره العبارة القرآنيّة (( الذين كفروا منهم )) ..

.. فقوله تعالى (( وإن لم ينتهوا عمّا يقولون )) يعود إلى القسمين معاً ، لأنَّ القسمين يقولون (( إنَّ الله ثالث ثلاثة )) .. ولكنَّ القسم الثاني من هذين القسمين مارس كفراً فوق الكفر الأوَّل ، فكلمة (( منهم )) تعود إلى الجميع الذين قالوا (( إنَّ الله ثالث ثلاثة )) ، أي تعود إلى القسمين .. ولكنَّ القسم الثاني فقط من هذين القسمين والذي مارس العمق الأكبر من هذا الكفر (( الذين كفروا منهم )) هو الذي سيمسّه عذابٌ أليم (( وإن لم ينتهوا عمّا يقولون ليمسّن الذين كفروا منهم عذاب أليم )) ..

.. فالله تعالى لم يقل ( وإن لم ينتهوا عمّا يقولون ليمسّنّهم عذابٌ أليم ) ، إنّما يقول جلّ وعلا (( ليمسّن الذين كفروا منهم عذاب أليم )) .. فكلمة (( كفروا )) هنا تعود للقسم الثاني فقط ، وذلك بتخصيصها بكلمة (( منهم )) .. فكلمة (( منهم )) تتكوَّن من كلمة ( مِن ) التي تفيد التبعيض وتخصّص القسم الثاني فقط ، وكلمة ( هم ) التي تعود إلى كلِّ المعنيّين بقوله تعالى (( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة )) ..

.. الأعراب .. أليسوا من المسلمين ؟ .. (( قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم )) [ الحجرات : 14 ] .. هؤلاء الأعراب .. ألم يصفهم الله تعالى في كتابه الكريم بأنَّهم أشدُّ كفراً ونفاقاً (( الأعراب أشدّ كفراً ونفاقاً وأجدر ألاَّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله )) [ التوبة : 97 ] ..

.. ألم يصف الله تعالى بعض المسلمين الذين يصلّون ويزكّون بالكفر ، نتيجة تغطيتهم للحقيقة ..

(( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلاَّ أنّهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلاَّ وهم كسالى ولا ينفقون إلاّ وهم كارهون )) [ التوبة : 54 ]

.. لذلك .. فالاستشهاد بقوله تعالى (( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عمّا يقولون ليمسّن الذين كفروا منهم عذاب أليم )) [ المائدة : 73 ] على تكفير جميع أهل الكتاب ، وعلى دخولهم ( جميعاً ) النار في الآخرة ، هو استشهاد باطل ، وناتج عن جهلٍ عميقٍ بدلالات كتاب الله تعالى ، وعن اتّباعٍ أعمى لموروث ينقض كتابُ الله تعالى الكثيرَ من جوانبه جملةً وتفصيلاً ..

( .. وهنا قد يقول قائل : إنَّ شرط الإيمان هو الإيمان بجميع الرسل عليهم السلام ، ومنهم الرسول محمّد .. وأهل الكتاب لا يؤمنون بالرسالة التي أنزلها الله تعالى على النبيِّ ، يقولون ذلك محتجّين بقوله تعالى ..

(( آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربّه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير )) [ البقرة : 285 ]

.. فكلمة (( ورسله )) واضحة وجليّة كشرط للإيمان بجميع الرسل عليهم السلام ، ومنهم النبيّ محمّد .. وبالتالي – بناء على قولهم – لا يتّصف بالإيمان إلاَّ من آمن بالرسالة الخاتمة التي أنزلها الله تعالى على النبيِّ محمّد ..

ونجيب على ذلك فنقول : هذه الآية الكريمة خاصّة بتصوير المؤمنين من متَّبعي الرسالة الخاتمة ، ودليل ذلك هو كلمة (( الرسول )) التي تعني محمَّداً ، وبالتالي فكلمة (( والمؤمنون )) التي تتبعها بذات السياق تعني المؤمنين من أتباع الرسول محمَّد ... وهؤلاء المؤمنون من أتباع الرسالة الخاتمة مطالبون بالإيمان بجميع الرسل عليهم السلام ، وذلك كون القرآن الكريم الموجود بين أيديهم والحامل للرسالة الخاتمة لن يحرَّف أبداً ، لأنَّ الله تعالى تكفَّل بحفظه ، وفيه يُذْكَر كلُّ الرسل عليهم السلام الذين يُطالَب المسلمون بالإيمان بهم ..

.. وممّا يؤكِّد ذلك أنَّ أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمنهج الرسالة الخاتمة (( كنتم خير أمّة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم )) [ آل عمران : 110 ] ، يصف الله تعالى بعضهم بقوله : (( منهم المؤمنون )) ، وبعضهم الآخر بقوله : (( وأكثرهم الفاسقون )) .. فعلى الرغم من عدم إيمانهم بمنهج الرسالة الخاتمة وعدم مجيئهم إليه (( ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم )) .. على الرغم من ذلك ، منهم من يصفه الله تعالى بقوله (( منهم المؤمنون )) ..

.. وممّا يؤكِّد ذلك أنَّ احتكار الخلاص – كما رأينا – هو أكذوبة .. فوضْعُ هذا الشرط وهو الإيمان بنبوّة محمّد ليكون الآخرون ( غير المسلمين ) مؤمنين ، هو احتكارٌ للخلاص ، وأمنيات كأمنيات أهل الكتاب ، وكنّا قد رأينا كيف أنَّ القرآن الكريم ينقض هذه الأمنيات جملةً وتفصيلاً ..

(( ليس بأمانيّكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله وليّاً ولا نصيراً (123) ومن يعمل من الصالحات من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنّة ولا يُظلمون نقيراً )) [ النساء : 123 – 124 ]

.. إذاً .. شرط الإيمان بكلِّ الرسل دون استثناء يتعلَّق بمتّبعي الرسالة الخاتمة .. بينما الرسالات الأخرى حكمها آخر ، فلو آمن أتباعها بالرسول محمَّد لكانوا مسلمين .. هذه الحقيقة نراها جليّةً في قوله تعالى ..

(( كنتم خير أمّة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110) لن يضروكم إلاَّ أذى وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار ثمّ لا يُنصرون (111 ) ضُربت عليهم الذلّة أين ما ثقفوا إلاَّ بحبلٍ من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) ليسوا سواء من أهل الكتاب أمّة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير فلن يُكفروه والله عليم بالمتّقين )) [ آل عمران : 110 – 115 ]

.. هنا لا نرى شرط الإيمان بجميع الرسل كما رأيناه في وصف المؤمنين بالرسالة الخاتمة التي أنزلها الله تعالى على النبيِّ محمَّدٍ .. فصفات المؤمنين من أهل الكتاب بيّنها الله تعالى بقوله (( يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير فلن يُكفروه والله عليم بالمتّقين )) ..

.. فالمتدبّر لكتاب الله تعالى بتجرّد يرى هذه الحقيقة جليّة ، فذمُّ الله تعالى لاحتكار الخلاص ، وبيانه جلَّ وعلا أنَّ هذا الاحتكار أكذوبة ( كما رأينا ) ، يكفي كلَّ باحث عن الحقيقة .. )) ..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الرق والعبودية بعيون قرآنية .
- مراتب الوجود في القرآن الكريم
- حلقة الاتجاه المعاكس (بين الاسلام والمسيحية)
- تفسير اية قاتلوا الذين يلونكم من الكفار
- تفسير اية (ملعونين أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا)
- لمسات بيانية في ايات قرانية
- بعض تدليسات مدعي الاعجاز العلمي
- مشكلة الأعجاز في الأسلام
- حوار مع مفكر قرأني مهووس
- مشكلة الاعجاز في الاسلام
- هل الارض كروية في القران؟!
- ورطة وغباء المسيحي في نقده للاسلام
- هل اقتبس النبي محمد من كتب اهل الكتاب؟
- مقدمات هامة قبل الحديث عن القتال في الاسلام
- سبب واحد ادى الى تخلف المسلمين !!!!
- هل حد الردة من الاسلام؟؟
- التفسير الحقيقي لاية الجزية واية ضرب الرقاب


المزيد.....




- بوتين يدعو لاستخلاص العبر والكنيسة تصلي على ضحايا الاضطهاد ا ...
- بيان شجب خلال اعتصام رجال الدين قرب القنصلية البحرينية العرا ...
- هذه أبرز اعتداءات الاحتلال على المسجد الأقصى
- وزير خارجية قطر: حملة بأمريكا استهدفتنا عشية القرصنة ولا علا ...
- القوات الفليبينية تحاصر مقاتلين اسلاميين في مراوي ذات الأغلب ...
- القوات الفليبينية تحاصر مقاتلين اسلاميين في مراوي ذات الأغلب ...
- مستوطنون يقتحمون باحة المسجد الأقصى والاحتلال يعتقل حراس الم ...
- مسلم ويهودية يصليان معا على أرواح ضحايا مانشستر
- متطرفون يهود يحاولون اقتحام باحة المسجد الأقصى
- بالفيديو.. بابا الفاتيكان يفاجئ ميلانيا بسؤال لم تفهم مغزاه! ...


المزيد.....

- الإنسان والعَدَم: عن الإلحاد ورفض النص الديني / معاذ بني عامر
- حرية الذات ومفهوم السعادة المطلقة في نظرية المعرفة الصوفية ع ... / فرج الحطاب
- محنة العقل الإسلامى . / سامى لبيب
- مقدمه في نشوء الاسلام ، كيف وأين ومتى؟ / سامي فريد
- تطور المفاهيم الروحية والدينية والعقلية والدعوات المضَلِلّهْ / اسحق قومي
- الخطاب الديني وإشكالية العدالة / محمد شقير
- المقدس والمدنس / ميرسيا الياد
- للتحميل: الإلحاد- تعليل فلسفي، لأستاذ الفلسفة الأمِرِكِيّ ما ... / مايكل مارتن أستاذ الفلسفة الأمِرِكِيّ - ترجمة لؤي عشري
- في الدين والتدين والخلق والخالق (5) / محمود شاهين
- آفاق مجهولة: الأحزاب الإسلامية في العالم العربي / إدريس ولد القابلة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامر أبو سمرة - اكذوبة أحتكار الخلاص في القرآن الكريم .