أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فتحى سيد فرج - الحداثة والتحديث الناقص















المزيد.....



الحداثة والتحديث الناقص


فتحى سيد فرج
الحوار المتمدن-العدد: 5440 - 2017 / 2 / 22 - 14:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمات ضرورية
• (هواردزين 1922 - 2010) صاحب كتاب "التاريخ الشعبي للولايات المتحدة” له مدرسة فى كتابة التاريخ تهتم بتاريخ الشعوب، وليس تمجيد الحكام كما يفعل أغلب المؤرخين .
• أحد تلاميذه د / خالد فهمى فى كتاب ”كل رجال الباشا“ وسوف اتناول لمحات من التاريخ المصرى من خلال مفاهيم هذه المدرسة .
• د . مدحت مصطفى استنزاف الفائض الاقتصادى الداخلى أضعاف الأستزاف الخارجى .
• الشعب المصرى قاوم الغزاه فى كل العصور، وليس الحكام ( مقاومة الحملة الفرنسية بعد هروب المماليك / الحكام، واجه فريز حين حاول غزو مصر 1807 بقيادة ”عمر مكرم“)
• عمر مكرم وقوى الشعب تصدوا لظلم ولاة الباب العالى، وأرغمو ه على تولية محمد على
• احيانا ينفذ الحكام سياسات يكون لها مردود مخالف لأهدافهم (تجنيد المصريين، مجالس الشورى والنواب )
• الشعب تصدى للتدخل والاحتلال الأجنبى ”ثورات عرابى، 1919، وطوال مرحلة الفترة اليبرالية .
• الفاشية العسكرية عزلت الشعب ومنظماته المستقلة عن المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية خاصة بعد 52 وحتى الآن، والفاشية الدينية غيبت وعى الشعب .
• الحكام قد يفرضوا سياسات ”تحديثية“ وينفذوا مشروعات كبيرة يدعون أنها قومية ولكن لصالح فئات عليا وليس لصالح كل الشعب .
. التاريخ ليس مسار مستقيم لصالح الحكام، ولكنه مسار متعرج قد يحقق الشعب بعض مصالحة بغض النظر عن رغبة الحكام .
• محمد على ومن جاء بعده لم يبنو ”دولة“ أو ”نظام حديث“ (الدولة الحديثة = أرض + شعب حر+ سلطات مستقلة + مشروعية من تداول السلطة + دستور فاعل ليس مجرد وثيقة + ديمقراطية تحقق المشاركة فى أتخاذ القرارات + سيادة القانون + المواطنة الحقيقية + حرية التنظيم لتحقيق حيوية وقوة المجتمع المدنى ( احزاب، نقابات، جمعيات، مراكز بحث) حرية اعتقاد وتعبير + حرية التملك والانتقال بين المناطق والعقائد دون قيود .
• أول وأهم دور للدولة الحديثة ان تكون كل السلطات فى خدمة الصالح العام، وان يكون الشعب محل أهتمام كل السلطات .
• الاستبداد، الفساد المنهجى، تدهور الأوضاع والخدمات الأساسية، تسود فى حالة ضعف الدولة فيجب ان تكون قوية فيه (سيادة القانون)، وقوية فيما يجب ان تكون ضعيفة فيه (حماية الحاكم واتباعة، تقيد الحريات ومنع التحركات الجماهيرية) .
• فى كتاب هام لباحث بجريدة الأهرام بعنوان "جدل الدين والحداثة" يقول : هناك اطروحتان "مركزية السماء" أى ملكوت الله الذى يتجلى فى الإيمان الدينى التوحيدى، و «مركزية الإنسان» أى الفاعلية العقلية التى يمتلكها الإنسان، كان لهاتين الأطروحتين تجليات عبر العصور ، انعكست آثارها على الحياة وأنظمة الحكم والفلسفة وعلوم الطبيعة؛ ففى حين أن مركزية السماء سيطرت لقرون ما قبل الحداثة، وأفضت إلى تهميش الإنسان وتقييد حريته وإرادته وعقله، فأن الحداثة عبر تطورها المتلاحق استندت على مثلث تأكيد سلطة العقل والإرادة والحرية الإنسانية .
• فى الحقيقة ان مصر والبلدان العربية والإسلامية ما يزال عقلها يحكم ”بمركزية السماء“ ولم يصل بعد ”لمركزية الإنسان“ .
• قال "هيكل" فى أحادبثه على قناة الجزيرة ان :
• محمد علي أخذ الولاية وصنع إمارة والإمارة كل ما فيها يخدم الأمير، ولكنه في بعض المراحل كان من الممكن ان يتحول إلى دولة ولكن !! رغم عظمة تاريخه لم يكن مصريا ولم يكن يستشعر هذا البلد، أو ضرورة وجود رباط مقدس من الحرية، لأنه لا وجود لدولة إلا إذا توفر لها ثلاثة شروط ( بلد حر، شعب حر، يجمع بينهم رباط دستوري، وكذلك رباط قانوني) هذه الروابط الحرة تجمع بين الناس كشريعة أحرار .
• الاحتلال، كرومر أنشأ إدارة داخل مستعمرة تخدم الإمبراطورية .
• بعد ثورة 19، قامت حكومة والحكومة فكرة ، طبقة تتصور أنها أقدر على حكم البلد .
• عبد الناصر أنشأ نظاما، في لحظات كان قريبا أن يتحول لدولة، فترة حرب السويس في 56، وفترة ما بعد 67، في السويس خرج شعب متجاوزا نظامه وطرح مشروع متجاوزا أفكار قياداته، خرجت إمكانيات هائلة، كانت فرصة التحول من نظام إلى دولة .
• بعد 67 خرج الشعب بالشباب الذين دخلوا الجيش، بنو الجسور وعبرواعليها، ظهر منهم قيادات، كان الشعب اقرب لأمة، هنا كان من الممكن أن يتشكل مشروع دولة، كل الشعب وقواه الإنسانية في معركة مصير، لكن فاتت الفرصة، وتحول النظام إلى أخلاق القرية، أى عبودية تقريبا .
• ثم تحول إلى شركة أو لعائلة تريد توريث الحكم
• فالنخبة الحاكمة تتمركز في شخصية الرئيس، فلا وجود حقيقي لاستقلال السلطات، فهو صاحب القرار الأوحد يساءل الجميع ولا وجود لأي سلطة تساؤله، المشاكل حين تتفاقم تحل بتدخل مباشر منه، وحكومة الحزب الحاكم فاقدة الهمة والإرادة ليس لها أهداف استراتيجية تكتفي بحل المشاكل الآنية عندما تصل إلى حد الاستعصاء، وغير قادرة على إدارة الموارد بالكفاءة التي تحقق التنمية، وغير راغبة في السماح بصيغة ديمقراطية لتحقيق الحد الأدنى من العدالة وتوسيع مجال المشاركة الشعبية، وهي نخبة مغلقة تفتقد التداول وتدوم في المراكز القيادية لفترات طويل بما يؤدي إلى جمود الحياة السياسية وركود البناء الاجتماعي، وتدهور الاوضاع الاقتصادية .
• ورجال الأعمال منشغلين بجني أرباح طائلة من احتكار السلع والخدمات والاهتمام بالصناعات الاستهلاكية، والوصول إلى مراكز صنع القرار في تزاوج للثروة مع السلطة، بما جعل الفساد يستشري كمنهج، وظاهرة في التعاملات الاقتصادية والسياسية بما يهدد التوجه نحو التنمية، والتركيز على الصفقات والعمل غير المنتج بحيث أصبح الاقتصاد المصري يعاني من اضمحلال شامل لقاعدته الإنتاجية .
التركيب الاجتماعى
• رشدي سعيد : يرى أن انفتاح سبعينات القرن الماضي أدى لتشكل هيكل اجتماعى من نخبة 8% تحصل على 74% من الدخل القومي، أطلق عليهم"الكتلة الطافية" تعيش في عالم متميز يختلف عن عيشه جموع الشعب التى نسبتهم 86% يحصلون على 26% من الدخل القومي، يعيشون في فقر وتخلف، أطلق عليهم " الكتلة الغاطسة" .
• جزء من الكتلة الطافية تمثل 2% من جملة السكان، تستورد لها السيارات الفارهة، وتقيم الأفراح الباذخة، يملكون القصور في جزيرة "مايوركا" و"كان" يخوتهم في مواني "مونت كارلو" و "سان ماينو" زبائن المطاعم التي يصل سعر الوجبة بها 500جنيه، والكباريهات التي تبعثر فيها الأموال، والأندية التي يصل اشتراكها ألاف من الدولارات، لها فنادق راقية ومستشفيات خاصة، ومكاتب ديكورات فاخرة تستورد لها المستلزمات من الخارج، تستهلك أكثر من 20% من جملة الكهرباء، يسكنون داخل ”كمبوندات“ لا يدخلها الشعب .
• هذه الشريحة تعيش يومها لا تفكر في الغد ولا تستثمر في المستقبل وتحتفظ بالجزء الأكبر من أرصدتها في الخارج، فمصدر ثرواتها لم يأتي عن طريق العمل المنتج بل عن طريق صفقات، بالتهريب والغش أو الحصول على مقاولة بسبب علاقة بالسلطة أو القيام بعملية اختلاس أو قرض كبير من البنوك، يصعب أن يكون لهذه الشريحة دور فعال في التنمية أو في الخدمة العامة .
• مثل هذا المناخ لا يساعد على إطلاق طاقات البشر
الطبقة الوسطى :
فى كل المجتماعات تطمح الطبقة الوسطى ان تعبر عن روح المواطن الحر، فهى حاملة الثقافة وصانعة التقدم .
• فالمواطن الحر، ابن الحداثة الذى طورها وجعل منها أسلوب للتقدم ونهضة الأمم .
• فك اسرار الطبيعة بالوصول إلى قوانين حركة الكون، وقدرات الإنسان، اكتشف النظريات العلمية فى العلوم الأساسية والإنسانية، حول النظريات العلمية إلى تكنولوجيات، ابدع الفنون والأداب .
• وضع قواعد وبروتكولات لممارسة المهن والحرف لتحقيق الكفاءة والصالح العام بحفظ حقوق جميع الأطراف .
• انتقل من الانتماءات الأولية/ وكسرالتقليدية المتوارثة ووصل للانتماءات الاختيارية الحديثة .
• كان المجتمع المصرى خلال النصف الأول من القرن 20 مجتمعا طبيعيا، تشكلت فيه طبقات اجتماعية، كبار ملاك، طبقة وسطى، فقراء معدمون، وبعد صدور دستور 23، اخذ يتطور من خلال أنشاء منظمات مجتمع مدنى (احزاب، نقابات، مراكز بحث) قوية ومستقلة، انتقلنا إلى شبه دولة مدنية .
• كبار الملاك والمشروعات الاقتصادية امتلكوا القدرة على الدفاع عن مصالحهم، الطبقة الوسطى بدأت تسعى لتبنى روح المواطن الحر بتحركات ضد المحتل والسرايا، وتطالب بالدستور، حرية الرأى والاعتقاد، اخذت تبدع فن، أدب، علم، بهدف التقدم .
• كان من الممكن التطور الطبيعى كبقية الأمم لولا صدمة حركة يوليو 52
تزاوج العقائد والإيديولوجيات
• خصوصية العلاقة بين العقائد والإيديولووجيات برزت بين النخبة الحاكمة بعد 52 فالنظام استخدم الدين فى إبعاد الناس عن السياسة. وجماعات الإسلام السياسى استخدمته بالعكس فجعلته طريقا لتديين الدولة وانتزاع السلطة يتضح ذلك بخصائص يمكن إيجازها فميا يلى :
• تنظيمات قوىة، وإمكانيات مفتوحة (سلاح، تجهيزات، موارد مالية، انضباط وخضوع أعضاءها لقياداتهم) .
• عدم قبول الأخر وأستخدام العنف والأرهاب ضده .
• التغنى بتحقيق وحدة (وحدة العرب رغم استحالة ذلك للتفاوت فى الثقافات، والمستويات الاقتصادية، والتركيب الاجتماعى .. وحدة المسلمون رغم الاستحالة لنفس الأسباب) .
• ادعاء القدرة على العمل من أجل تحقيق نهضة وتقدم .
• موقف موحد ضد الحريات العامة، وتعدد التنظيمات والأفكار، وأتساع المشاركة السياسية، ومنظمات المجتمع المدنى .
• هيمنة على الموارد،وإدعاء تنفيذ مشروعات قومية، وتعويق المواطنين عن المشاركة الاقتصادية .
• تستثمر التخلف وأستشراء الفساد المنهجى، وتدنى الخدمات الأساسية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية .
للدكتورة / هالة مصطفى دراسة بعنوان "الانتهازيون الإخوان.. والصعود نحو الهاوية" تقول ان : نظام يوليو و الإخوان يتفقان في ملامح فكرية وتنظيمية، والأصول الاجتماعية المتشابهة، فكلاهما أقرب إلى نظم شمولية، يتم إعلاء الزعامة الفردية كمرجعية مطلقة، ويتستبعدون الجماهير عن صناعة القرار وتنفيذه، .
• الإخوان يرفعون شعارات دينية ويمارسون السياسة، وزعماء يوليو يرفعون شعارات سياسية ويستخدمون الدين لاكتساب الشرعية السياسية، أداة للتعبئة، وتجنيد سياسي للجماهير .
الحداثة والتحديث الناقص
تتقدم الأمم على دعامتين، دعامة فكرية / ثقافية هى "الحداثة" بإعتبارها بنى فكرية لا يمكن ان يكتمل التحديث بدونها، ودعامة عملية / واقعية بإعتباها آليات وأنشطة التقدم وهى "عملية التحديث“ .
فالحداثة “Modernity" بنية فكرية لعدد من السمات والمباديء، أما التحديث "Modernization” فهو مجموعة المشروعات التى ينفذها متخذى القرار وتعبر عن ثقافتهم فى فترة تاريخية معينة، قد تحقق الصالح العام، وقد تكون لصالح فئات خاصة .
تعريف وتطورات ”الحداثة“: يمكننا اختزال الحداثة في "ميلاد الفرد الحر" الذى ولد فى النظام الرأسمالي، فتفسخ النظام الإقطاعي ادى لصعود ”الطبقة الثالثة“ وبعد أن كان المجتمع يتشكل من النبلاء، ورجال الدين، والأمير الحاكم، تسود فيه المراتب والامتيازات، برزت فئات اجتماعية جديدة، كل شيء أصبح حرا يسير نحو الأفضل، بدون النبلاء ورجال الدين، الذين لا دور لهم في العمل الاجتماعي المنتج .
كون المواطن العادى ”الطبقة الوسطى“ التى نهضت بالصناعة والزراعة والتجارة والمهن الحرة، وشكلت المجتمع المدنى بالمعنى السياسى (البرلمان، الأحزاب، النقابات) وشجعت العلم الحديث، والنهضة الفنية والثقافية، فقد ظهر نتيجة الصراع بين الأمير والكنيسة هذا الطرف الثالث معبرا عن "الشعب" و"المصلحة العامة" و"بناء الشرعية على التعاقد: مما أصبح يشكل ما يعبر عنه بـ "الحداثة السياسية"
فالدولة الحديثة تكون مهمة كل سلتطها تحقيق مصالح الشعب .
. هيجل أول فيلسوف ذكر ان الحداثة بدأت مع عصر التنوير، باعتباره حد فاصل بين الماضى و الازمنة الجديدة .
ويشكل مبدأ الذاتية/ الفردية، القاعدة الاساسية للحداثة في المجال الفلسفي، أى أصبح الانسان يستمد يقينه من ذاته، وليس من قبيلة، أوعقيدة، او ايديولوجية، أو أى سلطة عليا .
وكان ديكارت اول من أسس فكرة الحداثة الفلسفية، اما لابتننز فهو أول من اسس مبدأ العقلانية، وبودلر أول من نادى بالحداثة الفنية والأدبية .
لقد شكل عصر الأنوار قاعدة الحداثة كلها، إذ أنه الفضاء الذي يقوم على بعض المحددات :
1 - العقلانية، باعتبارها البحث المستمر في المعايير التي تقاس بها صحة الاستراتيجيات التي تصوغها الجماعات و تسعى بها من أجل إحراز التقدم، وتحسين مردودية الجهد الإنساني ورفع فعاليته .
2 - الحرية، كأرضية تؤكد حق الإنسان في تقرير شؤونه المدنية، دون إكراه أو قيد .
3 - العلمانية، أي فصل السلطة السياسية عن المؤسسة الدينية .
معايير ومحددات حداثة الغرب :
المعيار الأول : أولوية العقل على النقل، والتفكير على النص، والتغير على الثبات .
المعيار الثاني : تغير معنى الحق الثابت باكتشاف معنى القانون المتطور: ليأسس هذا معنى جديد برؤية قانونية تحقق العدالة الاجتماعية. هذا المعنى مغايراً لشريعة العرف الديني الذي يطلب أتباعه بالتسليم والخضوع، فأصبحت نسبية الحقيقة وتطور الواقع يتم على حساب النص الثابت والنهائي ، و الإنسان قادراً على تحريك عقله وإعمال رؤى جديدة ونظرات فكرية متنوعة غير نهائية بل متحولة ونسبية ليكون منطق الحق والعدل نابعاً من ذات المجتمع ولصالحه، وليس من العقائد المتوارثة .
المعيار الثالث : القيمة العليا للفرد الحر الذي لا وصاية عليا عليه .
المعيار الرابع : الديمقراطية السياسية والتداول السلمي للسلطة وحكم القانون في دولة المؤسسات .
لقد تم ذلك بعد نقد نظريات الثبات الفكرى على سبيل المثال ( نظريات أرسطو) وساد الشك المنظم، ونقد الكتب المقدسة، وكانت أشد الأعمال الفكرية جرأة الأسس المنهجية للعلم الطبيعى التى صاغها "بنجامين نيلسون" كقوانين لفك أسرار الطبيعة بدون عون الكتاب المقدس :
الأول : على الرواد فى العلم والفلسفة أن يكافحوا من أجل اليقين والحقيقة .
الثانى : أن معنى أن تكون عا لم أو فيلسوفا مبتكرا هو أن تجازف بالدخول فى صراعات خطيرة مع السلطات ألاهوتية إلى حد أن تضع حياتك فى كفة مقابل الفكرة التى اعتنقتها، ولو أن الرواد لم يجازفوا بكل شىء فى صراعا تهم ضد الغيبيات ، لما أصبح علماء اليوم أحرار وكأبطال ضد الأوضاع الغيبية .
أما عندنا فى مصر والبلدان العربىية الإسلامية، فقد تشكل ”التحديث“ دون ”حداثة“
تذخر كتب التاريخ المدرسى، وكذلك الكتب الاكاديمية بأن محمد على بنى (الدولة الحديثة فى مصر) ولكن الحقيقة أنه نفذ مشروعات ”تحديثية“ لا تقوم على ”حداثة“ حقيقة كما هو السائد فى كتب التاريخ الرسمى
فبعد ان تخلص من رقابة القوى الشعبية التى اختارته واليا، انفرد بالحكم وبدأ فى بناء القوة الذاتية المنظمة فى المجالات الاقتصادية والادارية والعسكرية والتعليمية، وهى سياسات وبرامج " تحديث" دون ان يبلور المجتمع ”حداثة“ كما حدث فى الغرب .
فقد نظم محمد على اقتصاديات مصر فى الزراعة والصناعة والتجارة باجراءات تقوم على سياسة ”الاحتكار“ ولم تكن هناك قوى اجتماعية تملك أو تدير موارد الدولة، أو تشارك فى أتخاذ القرارات .
فى مجال الزراعة قام بتغيير أوضاع حيازة الأرض، وأصبحت الدولة تملك كل الأراضى الزراعية .
وفى الصناعة قامت الحكومة بمهمة توجيه الانتاج وتوزيعه حيث تقوم بامداد الصناع بالمواد اللازمة بالثمن الذى تحدده وتشترى الانتاج بالسعر الذى تحدده أيضا .
كما خضعت التجارة للاحتكار بشراء الحاصلات الزراعية بالثمن الذى تحدده الحكومة، ويتم تخزينها فى مخازنها، حيث تقوم بمعرفتها بتصدير جزء منها، واحتكار الاستيراد حيث كان لا يتم استيراد المنتجات التى لها مثيل محلى وقصر الاستيراد على مستلزمات الانتاج .
اهتم محمد على بالتعليم لخدمة دور الدولة، فخلال المدة من (1816 - 1839) قام بتأسيس المدارس المدنية التى تخدم أهداف التنمية الاقتصادية والعسكرية مثل المهندسخانه ومدرسة الطب والصيدلة ، ومدارس لتعليم أصول المحاسبة والفنون والصنايع والزراعة والبيطرة . وكان يلتحق بهذه المدارس فى البداية تلاميذ الأزهر والكتاتيب من النابهين ثم أصبحت المدارس عامة ومدنية الطابع . ولما تعددت المدارس واتسع نطاقها أنشأت ادارة خاصة لها سميت ديوان المدارس (1837) فكانت أول وزارة للتعليم .
على أن التعليم المدنى الذى كان موازيا للتعليم الدينى أوجد ازدواجية فى الثقافة والفكر .
كما أوفد البعثات خلال المدة من (1813-1847) الى بلدان أوربا لدراسة الفنون العسكرية وبناء السفن والملاحة والهندسة والميكانيكا وأصول الرى والصرف ، وشملت البعثات أيضا دراسة القانون والسياسة .
وكان الشيخ رفاعة الطهطاوى الذى أوفده محمد على إماما لطلاب أول بعثة كبيرة لفرنسا (1826) قد أفاد من الثقافة الانسانية وأدرك قيمة الاطلاع على علوم المجتمع الأوربى ومعارفه ، واقترح لدى عودته إنشاء مدرسة الألسن (1836) لتدريس اللغات الأوربية والترجمة وكان لهذه المدرسة الفضل الكبير فى نقل كثير من معارف الغرب الى مصر.
ولكن الطهطاوى كان يحاول على المستوى الفكرى التوفيق / التلفيق بين الثقافة الغربية، والتراث الإسلامى، دون ان يهتم بنفس المستوى ينقل مبادئ العقلانية أو العلمانية كأساس لمعنى ”الحداثة“ .
قام محمد عبده بمحاولة التوفيق بين الإسلام والغرب، بالقول أن الحضارة الصحيحة تتوافق مع الإسلام، نجم عن ذلك توفيقية أو تلفيقية، ونظامين فكريين مختلفين على أيدي تلاميذه، سار رشيد رضا في اتجاه سلفي حنبلي وصل لتكوين جماعة الأخوان المسلمين، وسار لطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين وعلى عبد الرازق .. وغيرهم في اتجاه ليبرالى فى الفكر والدعوة إلى الإصلاح السياسي .
تعرض الاتجاه الثانى ”الليبرالى“ للهجوم من قبل مؤسسات الدولة وعدد من المثقفين التقليدين، مما أفسح مجال لسيادة الأتجاه الدينى للسيطرة فى غالب الاحيان .
فى السياق الأوروبى تطورت العقلانية بجهود الفلاسفة، أما فى السياق المصرى فتولد عن
التوفيقية تياران متناقضان: أحدهما تقدمى حاول دفع العقلانية باتجاه نزعة حديثة، لكنه أجهض. وثانيهما رجعي، حاول إعادتها إلى نزعة صورية تقليدية، وللأسف فقد نجح.
انتهى الأمر بأنقسام النخبة، وتدخل الدولة لقهر أى اتجاهات تحاول نشر مبادئ وأفكار ”الحداثة“
بناء الجيش
هناك وجهتى نظر : د / خالد فهمى يقول ان الشعب المصرى لم يرحب بالتجنيد لسيادة السخرة، وكان الفلاحون يتهربون بأساليب شتا من التجنيد، ولكن د / نفين علوى تختلف مع ذلك بالقول أن دخول الفلاحين للجيش ساهم فى الرقى الاقتصادى والاجتماعى والصحى لكل من دخل للجيش، كما تطور وعى النابهين وأصبحوا ضباط يطالبون بالحقوق لهم وللشعب، شكلوا جمعيات سرية، وكانوا ضد التدخل الأجنبى (العرابيون) .
كما شرع محمد على فى بناء الاسطول البحرى فأنشأ ترسانة فى كل من بولاق والاسكندرية لصناعة السفن الحربية والتجارية .
فى مجال القضاء استحدث محمدعلى "جمعية الحقانية" (1842) كهيئة قضائية مدنية، وأنشأ مجلس التجارة كمحكمة تختص بالفصل فى المنازعات التجارية التى تنشأ بين الأهالى أو بينهم وبين الأجانب، وبهذا قلص القضاء الشرعى الذى كان سائدا ويختص به شيوخ الأزهر .
حكم محمد علي مصر حكمًا أوتوقراطيًا مع ميل لاستشارة بعض المقربين، وأسس دواوين حكومية ومجالسً عليا مثل "الديوان العالي" و ”مجلسً للمشورة“ يضم كبار رجال الدولة وعدد من الأعيان والعلماء .
تطور ملكية الأراضى :
صادر محمد على أراضي الملتزمين و قام بتسجيلها باسم الدولة، وتحولت أراضي الأوقاف لصالح الدولة، و كذلك المساحات التي عجز أصحابها عن إثبات حيازتهم لها .
بعد ذلك أعاد توزيع مساحات علي بعض الفلاحين بشرط دفع الضرائب، كما أنعم على أفراد أسرته و كبار الحاشية و بعض الأجانب و رؤساء القبائل بمساحات من الأراضى مما أدى إلي ظهور 3 أنواع من الملكية الزراعية: ملكية كبيرة وهي الأبعادية و الجفالك، وملكية متوسطة و هي أراضي الوسية، وملكيات صغيرة التى وزعها على الفلاحين بواقع من 3-5 أفدنة لكل أسرة .
فى عام 1858 أصـــدر سعيد باشا قانون ”اللائحة السعيدية“ الذى سمح بحق التوريث للمنتفعين بالأراضى الخراجية ملك للحكومة ما داموا قادرين على تأدية خراجها .
وفى1871 أواخر عـــهد الخديوى إسماعيل صدر “قانون المقابلة“ وفيه سمح لواضع اليد بالتملك بعد أن يدفع أموال الخراجية عن ســـت سنوات ويكون له حق الملكية المطلقة .
كل ذلك أدى لبدأ تشكل ”طبقات اجتماعية“ فكبار ملاك الأرض بدأو يمارسون أنشطة تجارية وصناعية، ثم بدأو يطالبون بدور سياسى ليدافعوا عن مصالحهم الاقتتصادية، وتشكل أول حزب 1866 ”مجلس شورى النواب“ كما نبغ بعض أبنائهم وقدموا لمحات ”حداثية“ قاسم أمين، لطفى السيد، على عبد الرازق .
فى 1907 تشكل
ت مجموعة أحزاب مصرية أهمها حزب ”الإصلاح علي المبادئ الدستورية“ كمعبر عن السلطة، حزب ”الأمة“ معبر عن الصفوة وكبار ملاك الأرض، ”الحزب الوطني“ معبر عن الفئات الوسطى بكل ما تحمله من مميزات و نقائص” .
فى 1908 تأسست أول جامعة فى مصر ”الجامعة الأهلية“ وفى 1925 صدر مرسوم ”الجامعة الحكومية“ .
بعد ثورة 1919 وصدور دستور 1923 تم تشكيل احزاب تعبر عن الوضع الاجتماعى :
1. الأحزاب الليبرالية : الوفد، انشق منه احزب الأحرار الدستوريين الأمة سابقا، السعدي، الكتلة الوفدية .
2. الأحزاب الدينية : حزب الله، الآخاء، الإصلاح الإسلامي، وجماعة الإخوان المسلمين .
3. الأحزاب الاشتراكية : مصر الفتاة / أصبح يسمى فيما بعد بالحزب الاشتراكي، عدد من التنظيمات اليسارية مثل : العمال الاشتراكي الشيوعي، الشيوعي المصري، الفلاح المصري، والحركة الديمقراطية .
4. أحزاب السراي : موالية للملك، مثل حزب الشعب وحزب الاتحاد الأول والثاني .
5. الأحزاب النسائية : بنت النيل السياسي، النسائي الوطني، النسائي السياسي .
أن الدولة الحديثة تنطلق من معايير مدنية وعَلمانية، وَفْق أُسس وآليات قانونية وديمقراطية، وتعمل على تطوير قِيم الحرّية وممارستها، وكذلك المساواة والعدالة واحترام حقوق الإنسان والمرأة والطفل والأقلّيات، فضلاً عن أنها تُوحّد بين مُكوّنات شعبها، وتحمي “التعدُدية” بأشكالها والخيارات الثقافية والحضارية والتربوية، شرطَ عدم انكفاء مواطنيها إلى أفق طوائفهم أو مذاهبهم أو أعراقهم الضيّقة. فيجري تطبيق الديمقراطية على أسس المواطنة، فيتساوى جميعُ أفراد المجتمع .
ويأخذ مفهوم الدولة الحديثة بعداً تنمويّاً عبر تأثير المجتمع المدني، وحصر دور الدولة في تهيئة بيئة قانونية وبنية تحتية ملائمة لنموّ القطاع الخاص. وفي مجال الاقتصاد، ينبثق عن الدولة الحديثة استقرارٌ سياسي مقبول يوفر لجميع أفراد المجتمع تملك وسائل الإنتاج وأقامة مشروعات اقتصادية، واعتماد نظام ضريبي عادل، وفوق كل شيء وجود قضاءٍ ونُظم قانونية عادلة تُطبَّق بفعالية ونزاهة على الجميع.
والدولةُ الحديثة، على الصعيد السياسي، هي تلك المؤسّسة التي تقوم على فصل السلطات، والتكامل بين الحقوق السياسية والحقوق المدنية، ويجري فيها تداوُل السلطة بطرق ديمقراطية، وتقوم على قانون انتخاب يتمثّل فيه الجميع، ويكون لديها القدرة على توحيد شعبها وصونه من النزاعات الداخلية. لكن أهم مقومات الدولة الحديثة هو الفصل بينها وبين الحياة والسياسة والاقتصاد، و الدين .
وفق هذه المواصفاتِ، لا وجود لدولة حديثة ولا وجود لمجتمع مدني في مصر بسبب :
1- سيادة الحزبِ الواحد أو هيمنةِ القائد الواحد وتوارُث المناصب، والتحوّل إلى النظم الشمولية التي تحتضن جميع المستفيدين منها والمدافعين عنها.
2- غياب برامج التنمية الاجتماعية، وحصر القطاعات الاقتصادية التقليدية والريعية والمشاريع في أيدي المتربّعين على السلطة أو المتحالفين معهم.
3- التناقضِ ما بين الدولة والمجتمع المدني، حيث يعملان في مواجهة بعضهما بعضاً، بدلاً من تكامل الأدوار.
4- تكميمِّ الأفواه وإحكام القبضة عليها، وتدنى الخدمات الأساسية .
5- عدم مشاركة المواطنين فى الأنشطة الاقتصادية، حيث يقوم الجيش بتنفيذ أغلب المشروعات الكبيرة .
الدولة الحديثة لا دين لها، وتتعاطى مع شعبها على أساس المواطنة والتساوي في الحقوق والواجبات. ولكن في مصر، لا تزال المادة الثانية من الدستور ومواد أخرى، عقبة في عملية الدمج الاجتماعي بين الأقباط والمسلمين، وضد معنى ومفهوم الدولة الحديثة
الثقافة السائدة فى البلدان العربية ضد البحث فى الطبيعة وأستثمار الموارد بسبب :
• دور الاقتصاد الريعى .
• ندرة الاقتصاد الأستثمارى المعتمد على العمل الاجتماعى المنتج .
• نظم الحكم غير الرشيدة المتمثلة : فى سيادة الاستبداد . أستشراء الفساد . غياب الديمقراطية .
• الكون معطى كامل يتحرك بفعل الأرادة اللألهية، ولا حاجة للبحث فى كيفية تحركه أو أكتشاف قوانين الطبيعة .
• الإنسان مصير : فمنذ سيادة المذهب الأشعرى على يد ( أبو حامد الغزالى) الذى يرى أن الإنسان لا يملك أى أرادة فكل شئ مسير بأمر الـله (الحياة والموت، الرزق والثروة، الصحة والمرض، حركة الكواكب .. إلخ) .
• كما قفل باب الاجتهاد وتحريم التفكير. فالفلسفة هرطقة وكل مفكر يتحول إلى معارض لنظم الحكم واستبداد السلطة، وفى الغالب يتهم بالكفر من قبل رجال الدين لأنه كثير التساءل ولا يقبل بالمسلمات، المبدع ضال (كل مستحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار) .
• العقل غير قادر للوصول للحقيقة، فهو قاصر عن معرفة أسرار الحياة والموت،والمستقبل والمصير .
• الفتوى المستمدة من ثوابت الشريعة هى المرجع والحكم فى كل أمور الحياة (الاقتصاد، السياسة، شئون الحياة العامة .. إلخ)
• الثقافة البدوية والحضارة الزراعية تقوم على "الاتكالية" وأنتشار الخرافة وتصل إلى كراهية العلم والعلماء، فلا حاجة لهم، فكل شئ موجود فى النصوص المقدس (مصطفى محمود، زغلول النجار يدعون أن كل النظريات العلمية التى اكتشفت والتى لم تكتشف موجودة فى النصوص اللألهية .
لذلك فإننى أرى أن تحقيق ”نهضة“ حقيقة ناجزه يستوجب 3 شروط بشكل متوازى .
نمط الإنتاج الأستثمارى المنتج : أسلوب الحصول على الدخل القومي، وتوزيعه، متحقق من العمل الاجتماعي المنتج من خلال نشاط صناعى واستثمار فى الخدمات المتقدمة وما يترتب عليها من توزيع أجور وأرباح وفوائد، لذالك هى أنشطة محفزةة للنمو الاقتصادي، ودافعة لتطوير العلوم، وفتح آفاق الإبداع في شتى المجالات، وزيادة الكفاءة في الارتقاء بنوعية الحياة، كما يؤدى إلى تشكيل طبقات تحرص على تحقيق مصالحها من خلال صراعات اجتماعية وسياسية بأساليب ديمقراطية لتحسين فرص حصولها على أفضل عائد من الاستثمار المنتج .
أما نمط الاقتصاد الريعي فيعنى الاستغلال البدائي للموارد الطبيعية، أو الحصول على ثروات تكتسب من خلال الجاه أو السلطة، دون القيام بالعمل الاجتماعي المنتج، لذلك تتوجه إلى استثمارات عقيمة كامتلاك العقارات والاستهلاك الترفي التفاخري التي لا أثر لها في بناء القدرات الإنتاجية أو تحقيق نمو اقتصادي حقيقي .
استعصاء الإصلاح السياسى : فى إطار مؤتمر الإصلاح العربي مارس 2006، قدم د. محمد السعيد إدريس دراسة عن استعصاء الإصلاح السياسي فى دول الخليج باعتبارها نموذجا للخصوصية العربية، حيث تتسم هذه الأنظمة بأنها تمر بنمو متسارع في المجال الاقتصادي. وشديد البطء في المجال السياسي لخصوصيتها التى تقوم على ثلاث مرتكزات هي :
• القبلية السياسية : فأنظمة الحكم في دول الخليج العربى تستند الى تحالفات تقليدية قبلية
• الميراثية : تتمتع نظم الحكم بقدر من الديمومة الناتج عن ميراثية الحكم ، وهذا الترابط بين حكم القبيلة وقاعدة توريث السلطة جعل الحكم يتحول إلى مؤسسة عائلية .
. الـريعــية : فهي دول يتحقق الدخل القومى لها من مصدر وحيد هو البترول والغاز الطبيعى، لا تفرض ضرائب على الأفراد، بل على العكس من كل دول العالم تدفع لهم، لذلك لا وجود لوطن أو مواطنين، أو منظمات مجتمع مدنى، لعدم وجود صراع اجتماعى .
هذه المرتكزات ربما تكون متحققة بشكل نموذجي في دول الخليج العربي، وإلى حد ما في باقي الدول النفطية، و لكن مصر لا يوجد بها حكم قبلى، ولكن ميراثية الحكم كانت موجودة طوال فترة أسرة محمد على، وإذا كانت سلطة يوليو قد أنهت ذلك من حيث الشكل إلا أنها أبقت عليه من حيث الجوهر، من خلال توارث العسكريين لسلطة الحكم الذى استمر حتى بعد نجح الشعب من اسقاط رمز من رموزه .
كما أن النمط الريعي موجود بدرجة واضحة، فالدخل القومى يتحقق من إيرادات قناة السويس والنشاط السياحي، وتحويلات العاملين في الخارج، وتصدير قدر قليل من البترول، وما تحصل عليه مصر من منح وإعانات، كل ذلك يمثل النسبة الغالبة من الدخل القومي، وهكذا فأن النمط الريعي يكاد أن يكون متحقق بدرجة عالية في مصر .
هذا بالإضافة إلى درجة التأثير والتأثر بين البلدان العربية وسطوة النمط الريعى السائد في المنطقة من خلال تعاظم القوة الاقتصادية لدول الخليج في العقود الماضية، إضافة إلى سطوتها الثقافية والتراثية من خلال اعتبارها موطن الدين الإسلامي الذي يشكل الإطار الايديولوجى لتبرير هذا النمط من الاقتصاد .
لذلك فإننى أرى أن تحقيق ”نهضة“ حقيقة ناجزه يستوجب 3 شروط بشكل متوازى .
الشرط الأول : الانتقال من اقتصاد الريع إلى نمط الاقتصاد " الاستثمارى المنتج" من خلال فتح مجالات العمل والتملك لكافة المصريين وتوفير بيئة قانونية تحفزهم على إقامة مشروعات بنظام "العمل الاجتماعى المنتج"
الشرط الثانى : لقد أصبح التراث بما يحمله من تقديس لأقوال وأفعال وشخصيات وحكام وفقهاء ووعاظ قيدا على المجتمع المعاصر فى السياسة والاقتصاد وكل مجالات الحياة، وما نراه من صور العنف والقتل والتخريب جذره الحقيقى فى نصوص يرى تيار الإسلام السياسى أنها مقدسة وتمثل حقائق مطلقة فوق النقد لأنها تستمد سندها من شريعة تخصهم - جوهر الدين منها براء - ليس أمامنا إلا إعادة النظر فى هذا الإرث بتفكيكه ونقده للتخلص من ما به من معوقات لمسيرة النهضة والتقدم، وعلى رجال الدين السمح أن يكونوا رواد لهذا النقد، وعلى مؤسسات التعليم والتوعية والثقافة نشر نتائج هذا النقد بحيث يكون كل مواطن على علم بصحيح الدين بعد تخليصه من التراث المعوق، أنه شرط ضرورى لنجاح أى نهضة .
الشرط الثالث : بعد أن سادت الديكتاتورية والفساد لعصور طويلة نرى أنه لا يمكن استكمال بناء نهضة حقيقة إلا بإتاحة أكبر قدر من المشاركة عن طريق تطبيق ديمقراطية متكاملة، ليس الاكتفاء باليتها فى صناديق الانتخابات بل باستكمال جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بمنح أكبر قدر من حرية التعبير والتنظيم للوصول إلى مصادر صنع وتنفيذ القرار، وتحقيق أعلى قدر من استقلال الارادة الوطنية، والعدالة فى توزيع الثروة، والاستفادة من إنجازات التنمية، ونشر الثقافة الداعمة للتقدم بالتعليم الجيد والإعلام المتفتح للتخلص من ركام عصور التخلف، والعمل على تمكين الجميع كلا حسب كفاءته من تولى المناصب الرسمية والخاصة، وفتح مجالات العمل والتملك للمصريين ليبدع الجميع كلا فى المجال الذى يتناسب مع قدراته ومعارفه .
أن تشكيل اقتصاد رأسمالي منتج هو المدخل الوحيد للتخلص من حالة التردي الحضاري، والجمود السياسي، والانحطاط الثقافي الذي سوف يظل مستمرا ويعاد إنتاجه في ظل استمرار نمط الاقتصاد الريعي، كما أن الاشتراكية كمدخل للعدالة الاجتماعية لن تتحقق إلا بعد نضوج واكتمال نمط الاقتصاد الاستثمارى المنتج .
ميكانيزمات التطور .. صناعة النهضة
أى شريحة اجتماعية تستحوذ على عناصر القوى المادية (الأرض، المصانع،، تبادل السلع أو الخدمات، السلاح) أو المعنوية ( عقيدة أو إيديولوجية حاشدة) أو كليهما . تدخل فى صراع اجتماعى تطالب فيه بدور سياسى يتساوى مع قوتها الاقتصادية وهذا ما نسميه الصراع الاجتماعى .
هناك فئات اجتماعية تمتلك عناصر قوة قد تصنع أشكال من الازدهار مثل امتلاك الأرض الزراعية الذى يؤدى إلى عمل اجتماعى يتسم بانه بسيط وسكونى حيث أن طبيعة العمليات الزراعية غير معقدة ودرجة التطور فيها بطيئة وقدرية، والتراكم والفائض الاقتصادى ضعيف .
وكذلك التجارة قد تدفع العاملين إلى التنقل والتعرف على ثقافات واكتساب مهارات ارقى من العمل الزراعى، ولكنه أيضا عمل اجتماعى بسيط ودرجة التطور فيه محدودة قد يؤدى إلى دورة اقتصادية أسرع تحقق أرباح أعلى، ويحتاج لوسائل تنقل تستدعى استخدام مستويات علمية وتكنولوجية ارقى، ولكنه فى النهاية قد يصنع ازدهارا ولكنه لا يؤدى إلى نهضة حقيقة ناجزه .
أحيانا تستحوذ بعض القوى الاجتماعية على عناصر اقتصادية وتستدعى حماية بالسلاح أو تمتلك سلاح، ويكون لها عقيدة تبرر بها استغلالها لباقى الفئات الكادحة، فى ظل ضعف الدولة، فيستخدم السلاح للتناحر والاقتتال ويكون الصراع من أجل استمرار التفوق، وقد تقضى فئة على باقى الفئات المتصارعة معها، ولكن كل هذا لا يؤدى لتحقيق نهضة .
أما امتلاك وسائل الإنتاج الصناعية فانه يتطلب درجة عالية من الانتاج الاجتماعى المنتج الذى يحتاج إلى استخدام الأسلوب العلمى والتكنولوجيات المتطورة لحل مشكلات العمليات الإنتاجية المعقدة، كما انه يخلق صراع اجتماعى قوى بين من يمتلكون وسائل الإنتاج ومن يضطرون إلى بيع قوة عملهم، فى مثل هذه المجتمعات يكون التطور أسرع والعمل الاجتماعى المنتج يخلق تراكم وفائض اقتصادى أكبر ، كما أنه يحتاج أسواق لتصريف إنتاجه الوفير كل ذلك يؤدى إلى صراع أرقى يأخذ طابع سياسى بما يؤدى إلى خلق أشكال متطورة مثل البرلمان ومنظمات المجتمع المدنى (الأحزاب، والجمعيات الأهلية، ومراكز البحوث) هذا هو القانون الاجتماعى لميكانزمات التطور ونشأة النهضة الحقيقية الناجزه .
النهضة لا تتولد إلا بالعمل الاجتماعى المنتج الذى يستدعى العلم والإبداع والتطور من خلال صراع سياسى وبأسلوب ديمقراطى لحسم الخلافات، كل هذا يتحقق عندما تتطور العملية الإنتاجية إلى مستوى التصنيع .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,840,919,031
- فى ذكرى الغزو العثمانى لمصر
- معوقات تحقيق العدالة الإنتقالية
- 500عاما على الغزو العثمانى لمصر
- مستقبل العقل
- عرض كتابان عن النمو الاقتصادى
- التقاليد العثمانية فى دولة الخلافة
- اسرانا حتى لا ننسى
- أسلوب عقيم يساهم فى تفاقم ظاهرة الأرهاب باسم الدين
- الوجه الآخر للخلافة الإسلامية 5 من 5
- الوجه الآخر للخلافة الإسلامية 4 من 5
- الوجه الآخر للخلافة الإسلامية 3 من 5
- الوجه الآخر للخلافة الإسلامية 2 من 5
- الوجه الآخر للخلافة الإسلامية 1 من 5
- تعليم المقهورين
- العدالة الإنتقالية .. الحقيقة وحدها يمكنها شفاء كل الآلام 2 ...
- العدالة الإنتقالية .. الحقيقة وحدها يمكنها شفاء كل الآلام
- التقارب التالي .. نظرة متفائلة للنمو الاقتصادى
- حتى لا ننسى : موقف الاخوان من القوى الوطنية
- دور الموارد فى التنمية مقارنة بين البلدان العربية وبلدان جنو ...
- دور الموارد فى التنمية مقارنة بين البلدان العربية وبلدان جنو ...


المزيد.....




- ما هو السؤال الذي وجهته -الجاسوسة- الروسية لترامب عام 2015؟ ...
- ريبورتاج: روسيا تستقطب الشركات الفرنسية رغم العقوبات الأوروب ...
- أديداس تصنع ألبستها من البلاستيك المدور
- قدري جميل: كلام الرئيس بوتين عن غياب قائمة المعارضة ربما دعو ...
- منصة للمشاهدة PANORAMA 360 في قلب موسكو
- ترامب: أقبل ما توصلت إليه الاستخبارات حول التدخل الروسي
- حمية الصيام وفوائدها الصحية
- ترامب يتراجع عن تصريحاته السابقة بشأن التدخل الروسي في الانت ...
- شاهد: العثور على جثتي إمرأة وطفل على حطام زورق في عرض المتوس ...
- ترامب يقول إنه أخطأ خلال مؤتمره الصحفي المشترك مع بوتين في ح ...


المزيد.....

- الولايات المتحدة، نظام شمولي لصالح الشركات / كريس هيدجز
- الثورة الصينية بين الآمال والمآل / محمد حسن خليل
- المسكوت عنه في التاريخ الإسلامي / أحمد فتحي سليمان
- العبد والرعية لمحمد الناجي : من الترضيات إلى التفكير المؤلم / لحسن وزين
- الفرعون والإسكندر والمسيح : مقامتان أدبيتان / ماجد هاشم كيلاني
- الشرق أوسطية إذْ تعود مجددا: المسارات البديلة للعلاقات الاقت ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دلالات ما وراء النص في عوالم الكاتب محمود الوهب / ريبر هبون
- في الدولة -الزومبي-: المهمة المستحيلة / أحمد جرادات
- نقد مسألة التحالفات من منظور حزب العمال الشيوعى المصرى / سعيد العليمى
- العوامل المؤثرة في الرأي العام / جاسم محمد دايش


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فتحى سيد فرج - الحداثة والتحديث الناقص