أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ماجد الشمري - المقال الكامل/لقراءة(سورة)الكافرون.















المزيد.....



المقال الكامل/لقراءة(سورة)الكافرون.


ماجد الشمري
الحوار المتمدن-العدد: 5395 - 2017 / 1 / 7 - 14:35
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(بعيدا عن التقديس والتحريم والمسلمات...قريبا من البشرية والنقد والشك)...
مقالي هذا هو قراءة خاصة،وتحليل منطقي بارد،يحتكم الى العقل لاسواه في التأمل والقراءة لنص(سورة-قرآن)محمدي مثير في تداعياته ولبسه وتناقضه.
وهذه القراءة لاتنطوي على الرغبة في تغيير القناعات والافكار،بقدر ماتحث على التفكر والتأمل واستنطاق النص بما قاله ولم يقله.وايضا هي ليست ملزمة بالتبني او النية بالتأييد،بقدر ماهي منطلقة من حرية التعبير والرأي وحق المجاهرة بالافكار والرؤى،وهو الحق الذي لايتناطح عليه او حوله عنزان،كما اعتقد!.-مع احترامنا الكامل لحرية العقيدة للجميع بشرط ان لاتتجاوز بالقسر او الاكراه على حريات وحقوق بقية العقائد-
واخيرا ايضا لاتتوخى هذه القراءة-وانا صادق في هذا-ازدراء او تسفيه،او ادنى حد من الاستهانة بالاديان-ومنها الاسلام-.بل هي معالجة لحيثيات النص بأقصى مايكون من الحياد والموضوعية في التناول وتسليط الضوء على الظل المعتم المخيم على النص الديني كقداسة وعبادة.-وهذا هدفي وقصدي المتواضع من هذا المقال..
وكما هو شائع ومعروف،تميزت النصوص(السور)المكية،ب:القصر والسجع والايجاز والتوهج والحيويةونحت المفردات بطاقة بلاغية ووجدانية هائلة.وهذا من ناحية البنية الشكلية والاسلوب وطرائق التعبير.اما من ناحية المضمون والمعاني والمفاهيم،فقد تميزت ب:الدعوة المركزة على الوحدانية، واللاهوت الرهباني-المسيحاني-الروحاني،والتطرف الوجداني-الاخلاقي في عرض المطلق الماورائي،والانذارات والوعد والوعيد،واعلان التهاية الوشيكة لهذا العالم،والحث على نبذ بقية الالهة والاوثان،والتحذير من الاشراك والضلال،و تحفل السور المكية بالعبر والمواعظ،وقصص وروايات الانبياء والرسل الغابرون،وتنبه لقصر الحياة الدنيا،وخلود الحياة الاخرى،وما ينتظر البشر من ثواب او عقاب:الجنة والنار،وتضمنت المحاورة مع المشركين والاديان الاخرى،الخ.وخاطبت الجميع ب:يا ايها الناس.بأستثناء(سورة)(الكافرون)-موضوع مقالنا هذا-..
ولن نتوسع في استطرادات وتغاصيل منهج ومحتوى وظروف انتاج(قرآن) الفترة المكية،فهذا ليس موضوعنا الاساسي. فمقالنا وقراءتنا هي كما ذكرنا خاصة وتقتصر على نص(سورة)-الكافرون-فقط والتأمل في(آياتها)الستة فكريا وسايكولوجيا ودينيا..
وكما هو معروف وثابت فأن(سورة)الكافرون هي في التسلسل التاريخي-الزمني هي(السورة)18-مكية.ولكنها في الترتيب الرسمي-العثماني المعتمد كمرجع اوحد للمؤمنين، والمتعبد بها حتى الساعة كمدونة وحيدة للقرآن. الحقت-اعتباطا او لمبررات و اسباب -لانعرفها-
علمها عند الخليفة عثمان وبقية رؤوس الصحابة-حراس وامناء الدين-وكل ما ذكر من تفسيرات -لهذا الشكل الفوضوي من الترتيب الذي يفتقر لمنهجية النسق التاريخي المتعاقب لنطق محمد بالقرآن حسب الفترات الزمنية من الاقدم الى الاحدث حتى اخره- هو متهافت وغير مقنع في اختلاقه لمبررات هذا الترتيب غير المرتب!.
لذلك نجد(سورة)الكافرون في الصفحات الاخيرة - قصار السور-من القرآن.فهي(السورة)109 وعدد (آياتها)6
فنص(سورةالكافرون)واحدة من عدة (سور)و(آيات) ترفع كعلم خفاق،وكدليل وبفاخر بها ويستند اليها بتبجح-وخاصة(الآية)الاخيرة ،غالبية المعتدلون من المسلمين-المؤمنون والمتنورون-كحجة وأشارة ودفاع عن الاسلام،كدين:اعتدال وتسامح ومرونة وانفتاح وقبول للاخر المختلف في العبادات والاعتقادات والآراء المخالفة للاسلام.وايضا هي واحدة من تلك (الآيات)التي يحاجج بها:الامؤمن او الاادري او المخالف كأدانة من داخل النص المقدس-من فمك ادينك!- على دموية وعنف التيارات الاسلامية المتشددة والاصولية التي تعتمد على(آيات)و(سور)تناقض نصوص التسامح والسلام المجتمعي كما يتوهمون!.وهي واحدة من تلك الاستشهادات التي ترد على شفاه واسماع جمهرة واسعة ودوما في الحوارات والجدل الذي يتناول الاسلام كدين تسامح وسلام.ويتعكز عليها(المسلمون)خاصة،منافحين لاثبات:اعتراف وقبول العقيدة المحمدية بالتعددية والاختلاف ولكل المعتقدات والاديان الاخرى ارضية كانت ام فضائية!..
هذا البعض الاكثري،ينتقي ما يخدم غرضه من -حمال الاوجه هذا!- لتأييد مقاصده ومراميه.ويجتزيء ماطاب له الاجتزاء من(آيات)خارج سياقها ليدلل على وسطية واعتدال معتقده.ويغض بصره او يتجاوز ويتناسى الكثير من النصوص الاخرى،اليثربية القاسية و البشعة في العلاقة مع الاخر المختلف،والتي تقطر بالكراهية والنبذ،والعنصرية الدينية الاقصائية اللاغية،والتي تحث على القتل والابادة للمختلفين-دينيا او فكريا-والذين يجب ان ينصاعوا وينخرطوا في اعتناق دين محمد:مشركون..يهود..صابئة..نصارى..مجوس..الخ من عقائد وملل تتقاطع مع الاسلام كأديان ومعتقدات مخالفة.وليس من مهرب:اما الدخول في الدين المحمدي،او معانقة السيف،او دفع الجزية المذلة!.-وكلها خيارات ارغامية اجبارية ليس فيها ذرة من الاختيار الحر!-..
ولن نتابع الاسترسال في تفصيل وذكر الروايات التاريخية التي تملآ بطون السير والمغازي وحوليات التاريخ-فماضبنا التليد المر موثق،وحاضرنا الواقع الان و الاكثر مرارة يؤكد مانقول بالصور الحية!-..لذا يبقى موضوعنا هو تلك القراءة الخاصة لنص-سورة(الكافرون)لنرى مدى مافيه/ا من ذلك التسامح اوتقبل الاخر المفترض من حقيقة،او ادعاء مزعوم،ونظرة عوراء؟!.فهل نجد في هذه(السورة)مايثبت حقا ذلك التساهل والمرونه العبادية؟!.ام نرى العكس تماما،اي ماينفيه/ا؟!.
هل هو يدعو حقيقة للانفتاح والتعايش الفكري والديني والاجتماعي في العقيدة المحمدية،كما يدعي محترفو التلميع،وهواة التجميل الايديولوجي،والواهمون،لتزيين دين او عقيدة تنضح بالدم والاشلاء والرؤوس المقطوعةعلى مر تاريخه/ا حتى اليوم؟!..
سنقرأ ونحلل:النص-السورة منطقيا وبعيدا عن كل التفسيرات والتأويلات والروايات،واسباب النزول او الصعود التي افرزت او انتجت هذه(السورة)كجواب او استجابة،او رد فعل او قول لحدث او موقف او مشروع لعلاقة وتفاعل وتعدد بين العقائد المختلفة في البيئة المكية في العقد الاول من القرن السابع،وكان علة او حافز لابداع واخراج هذا النص المتفذلك في خلاصته،والملتبس والغريب في نفس الان!.
(تنويه لابد منه:لسنا معنيين ولانلتفت لطروحات وفذلكات وآراء المفسرين والمحدثين والفقهاء وتفسيراتهم وتأويلاتهم وشطحاتهم في تخريج واستنباط الحلول المفبركة لاشكاليات النص الديني،ولوي عنق اللغة لتتوافق قسرا مع ماجاء في المدونة العثمانية،وخلق التبريرات المصطنعة،والاقرارالاعمى الذي يبصم بالعشرة على تساوق وانسجام وانتظام لغة القرآن،بكل اخطاء النحو-القواعد-البلاغة-الاسلوب،مع لغة العرب،واعتبارها دلائل اعجاز وعبقرية بيان لغوي،وخصوصا مسألة تعدد الضمائر ولبسها الغامض والعجيب.ولان لغة القرآن عربية ولغة العرب قرآنية فلا عجب ان تنغلق دائرة الدوغما الديني لترفض كل ماهو خارجها!.ولاحول ولاقوة الا بالعقل)!..

سنعبر على عنوان(سورة)الكافرون،ونتخطاه كهوية لمتن النص،ولاول(آيه)نداء على المختلفين-الخصوم-الكافرون.والتي سنقرأها لاحقا. وسنتوقف طويلا عند عتبة النص وبدئه المفتتح بالحرفين:ق،ل."قل"الفعل الآمري للقول.والذي يشكل المدخل لفتح مغاليق الكلام-القول في تلك الغابة الكثيفة من(انوات)الضمائر المتشابكة والمتداخلة،والتي تتفرع منطلقة من ال(انا)الاوحد للنبي محمد لاغيرها:انا،انت،هو،ذلك،الخ.الله-جبريل..جبريل-محمد-..محمد-جبريل...الله-محمد..محمد -محمد..الراسل والمرسل والرسول والمرسل اليه،كلهم يتبادلون الادوار والوظائف،وتنوع وتحول القول بين هذا وذاك،مع انهم كلهم واحد نابع من اغوار محمد السحيقة الهادرة،ومخياله الجامح والغرائبي!.
تواجهنا وتصدمنا هذه:الكلمة-الفعل،من الصيغة الآمرية،او الطلب،لفعل القول"قل".هذا الصوت الداخلي-السايكولوجي،المجهول-المعلوم،المبهم-الواضح،البسيط-المركب(الله-جبريل-محمد)ال(هو)وال(أنت)وال(أنا).احد(الانوات)المتوارية خلف وعي محمد،او المدركة بضبابية والتباس.والذي يأمره بالقول:"قل".يتحول او ينعكس كطاقة نفسية متحررة تنشد التعبير،كنداء خارجي-علوي،وصوت مسموع،او خيال،او بأي شكل يتبدى ويظهر،كوحي ماورائي وغير بشري!.آمرا بالتبليغ-بالاخبار-بالتوضيح.ان ينطق محمد بلسانه هذان الحرفان:ق..ل،ويردد القول المملى عليه:كساعي بريد شفاهي،او سفير،او مرسل.وكما في كثير من(السور)التي تبدأ ب(قل)والتي تتكرر(332)مرة في كل المدونة القرآنية- العثمانية.هذه المفردة-الفعل هي نافلة ومقحمة على قول المقال-الخطاب.ولكن ورودها بهذا الالحاح توحي للمتلقي او السامع بانه يتلقى او يستلم فعلا(الوحي)-الكلام ،كدلالة معبرة عن مصداقية محمد بأتصاله بقوى غيبية ارتبط معها بعلاقة نبوية-رسولية من خلال الوحي-التنزيل الذي تقبله المؤمنون برسالته وصدقوا تواصله بالسماء:الاله-الملائكة-الارواح.الطرف الخارجي-العلوي-القدسي-المفارق-الماورائي،باعتباره نبيا-رسولا-وسيطا رسميا،ومختارا لهداية ام القرى وماحولها للدين الاخير الجديد-هذا على الاقل في الارهاصات الاولى للنبوة المكية،قبل ان تتوسع في الفترة اليثربية ويتطور طموحها الى الانتشار العالمي!-...
وهكذا ردد محمد بلا أضافة او بتر نص التبليغ او الاخبار او الدعوة لجمهور-المشركين هذه الرسالة،او العقيدة وتعاليمها،كونه المصطفى والميعوث المرسل للمرسل اليهم، بتلك الدعوة،وواجب نشرها بين قومه قريش بكل بطونها..
هذه الصيغة من فعل الامر القاطع في تحديد ودقة ما يقال حرفيا،وباللغة العربية-هذا القول بالذات وليس غيره-في التخاطب المتشابك بين:مرسل(الله)عبر وسيط هو(جبريل)الى رسول هو (محمد)هو بكل بساطة هي عملية عقلية-نفسية تدور حصرا داخل الذات بين:مرسل ووسيط ورسول مرسل اليه هم اصوات لصوت واحد جسده محمد ببنيته الذاتية المنشطرة الى ذوات كأله وملاك ونبي-رسول الى قومه المكيين فقط-وهذا طبعافي بداية الدعوة كما قلنا-...
(هي)او(هو)-(أنا)و(أنت)املاء وتلقين بتنفيذ البلاغ بلا تردد او مراجعة او تحريف الى سطح اللسان وتحريكه بما ينبثق من الباطن الى الظاهر،هو لايعدو الذات المفكرة او المتخيلة كمصدر وحيد لتصور النبوة،والذي يبدو-بتوهم وشطح،او ادراك او شبه ادرا ك مصحوب بأثارة وتحفيز نفسي متخم بالرؤى والخيالات!-من قبل محمد،وكأنه صوت خارجي-من الخارج الى الداخل،وليس من الداخل الى الخارج كما هو فعلا مايحدث!-..وايضا من الاعلى الى الاسفل-تنزيل- وليس تصعيد او تصاعد،او اخراج وتخيل،وتفكير وانتاج ايديولوجي-ديني-بشري ينبثق من داخل الذات المبدعة.ف"قل"المنطوقة شفاها تبدو ديالوجا بين اثنان:(انت)و(انا)أنا الله أمرك،اطلب منك بدالة الهيمنة الربوبية:أنت يامحمد ان تقول ما امليه عليك:"قل"-في حين هو في حقيقته مونولوجيا داخليا بين الذات وعناصرها النفسية المنفصلة!-هنا يبدو دور محمد مقتصرا على الانفعال والتلقي والخضوع والاصغاء جيدا وفهم صوت الله الآمر بفعل القول.
الله هو المتكلم الفاعل المرسل بوسيطه جبريل،ومحمد هو المنصت المنفعل و المستمع للوحي الذي يتنزل عليه منجما،مبلغا مرسلا بهذه الرسالة."قل":محمد ينقل خطابا ،قولا،لذات مقدسة ماورائية ذات قدرة خارقة ومطلقة على الاتصال والتفاعل والتأثير بالبشر المختارين للنبوة!.قوى ميتافيزيقية غامضة تهبط من خارج الكون لتتصل بعالم الفيزيقيا-العالم الارضي، وتقيم معها علاقة حميمة تصل لدرجة الحب والعشق!وتخاطبه بلغته الخاصة القبلية-لغة قريش-في بقعة جرداء مجهولة من الجزيرة العربية وفي القرن السابع!.هنا يظهر محمد كشخص محايد،مجرد مبلغ لااكثر،تم اختياره واصطفاءه كوسيط لقول،وقناة رسالية خاصة ملزم بتنفيذها،والتبشير بها كدعوة للهدايه،ودوره لايعدو كونه ساعي بريد ماورائي لايصال رسالة كونية،لارشاد الناس بآخر الاديان،والعبادة القويمة والصحيحة الحقه للرب!.-وكأن الديانات الاخرة التي انزلها قاصرة وناقصة،وسيكملها بهذا الدين الجديد!-..
خطاب قادم وصادر من عالم الالوهه الى عالم البشر،لاناس يقطنون ارضا صحراوية منعزلة عن الحضارة في هذا العالم.وعلى محمد اجير القوافل التجارية،ان يحقق تلك المهمة بهمة وعزم،ودعم خديجة واموالها للتفرغ لبدء دعوته ونشرها في وادي اجرد غير ذي زرع،لملأ قريش ورعاة وبدو شعاب مكة وماحولها!.
هذا الكشف والانكشاف المرآوي،والذي تنعدم فيه الحدود بين الذاتي والموضوعي،بين الحقيقة والخيال،لذات منشطرة سايكولوجيا،ترى آخرا مقدسا يسمو عليها وتجرده كمفارق،ويتصل بها عبر مايسمى بالوحي-السمعي-البصري،مصحوبا بمخيال خصب ،فانتازي الصور وتوليد الرؤى والاخيلة،يصنع وينتج حقيقته الهلوسية ويصدقها كوموضوع خارجي مجسد وموجود خارج الذات المنتجة!.
"قل"/يقول الله:(قل).ولكن محمد من يقول ذلك."قل":تعني كلام الله الوارد وليس لمحمد اي دور في انتاج النص.مع انه هو-محمد لاغيره من يقوله؟!.-فلماذا يكرر محمد هذه المفردة الموجهه له خاصة،وينطقها من جديد وهو يتوجه في خطابه للمكيين الكفرة؟!-.وهذا -كما قلنا-يعزز برانية او خارجية النص الموحى به لمحمد من الخارج،مع انه صادر من الداخل فعلا ويقوله هو شفاها!.
فكيف يتسنى لنا فك هذا التشابك المعقد في ازدواج وتعدد الضمائر والاصوات المتحدثة في كل المدونة القرآنية-العثمانية-الحجاجية؟!..
واذا كان فرويد في تقسيمه للذات-النفس البشرية قد افترض وجود ثلاث(انوات):الأنا،والهو،والأنا العليا،في تحليله النفسي.فما نجده لدى محمد من تعدد-الذوات-الانوات،خرق هذا التقسيم وزاد عليه في تنوع وتشابك تلك(الأنات)وتبادلها وانزلاقها فيمابينها دون حواجز او عقبات!.
(قل)هذه الصيغة من فعل الأمر بالقول،والتي-كما ذكرنا-كرر محمد استخدامها بكثرة في كثير من (السور)والتي توحي بأن هناك آخر يخاطبه:الله-جبريل،ويأمره بالقول،وسواء اذا كانت تلكال(قل)مختلاعة او متوهمة،صادقة او مدعاة،عقلية مدركة،ام بنت المخيلة-مبدعة الصور والخيالات.تبقى نافلة ولا لزوم لها في توصيل الخبر او التبليغ،ونقل الخطاب المقدس من طرف الى آخر.فعندما ينطق محمد-يجب ان لاننسى ان الوحي الذي صدر عن محمد هو شفاهيا منطوقا وليس مكتوبا-ب"قل"كضمير المخاطب الغائب الذي هو(هو)-الله،يكون في نفس الآن ضميرا للمتكلم الذي هو محمد(انا)لانه هو من يقول"قل"لاغيره عندما يعلن او يبلغ او يقول.والاكثر بلاغة وبيانا ونحوا ان لايقلها(قل)لانها خطاب له وليس للمكيين.فيجب عليه ان ينطق ب(بسورته)و(آياته)مباشرة دون اقحام كلمة(قل)التي هي منسوبة و صادرة عن الله كما يفترض،لذا هي زائدة ومتطفلة على الجملة-الصيغة التي تعقبها،وليس هناك من حاجة او ضرورة لاستعمالها او ذكرها.
ولكن محمد يعتمدها في مفتتح كلامه ليثبت-كما نتصور-ان هذه (الآيات)التي تسبقها(قل)هي وحيا خارجيا يوحى ويهبط عليه منزلا،وان هناك مقدس-لاهوت-يبعث ويرسل له الآيات-التنزيل!.
وهنا-كمانعتقد-قيمة وقوة وفائدة تصدر هذه الكلمة كدلالة على جدية وصدق ووقار وهيبة ورهبة وتميزوغرابة النص المقدس وتعبيره العملي الموحي بخارجية الخطاب الالهي.ومع هذا تبقى(قل)اشكالية لغوية-نفسية عصية على التفسير والقراءة والتأويل لخروجها عن المألوف والطبيعي والدارج في القول والاخبار-ورغم كل البهلوانيات التفسيرية المتعسفة والتي تلوي عنق النحو والبيان لا لشيء سوى ايجاد الحلول لغوامض ومجاز وغرائبية وتناقض النص المقدس!-..
فاذا كانت "قل"فعل أمر صادر من الله-جبريل،فلماذا يردده محمد كصدى صوت او تسجيل او عجمة ببغاء.بدلا من ان يكتفي بنطق ما طلبت منه او أمرته به تلك(الآيه) من ربه ليقولها؟!.
ولتوضيح معنى ما نقصده بمثال،لنفرض اني طلبت من زيد ان يقول لعمر:ان يفعل كذا،فسأقول له ببساطة:يازيد قل لعمر ان يفعل كذا.فيذهب زيد لعمر قائلا له:(قل)لتفعل كذا!.ام يقول له بوضوح:ياعمر افعل كذا؟!.ايهما اكثر بيانا وتعبيرا وايصال للمعنى وانتظاما نحويا،وكمالا واتساقا في الاخبار؟!.نعتقد ان المؤمنون سيقولوا بالجواب الاول لانهم لايسألون عن امور ان تبد لهم تسؤهم!.اما اصحاب النهى والمنطق فسيختارون الجواب الثاني لانهم ببساطة يتسائلون حتى وان زعزع وخلخل ايمانهم ذلك السؤال!!.
انصاع محمد للآمر-وقال ماينبغي ان يقوله-واستجاب للطلب الألهي،فأنبرى مسارعا،لآكمال القول المسبوق ب:(قل)-من الملفت ان"قل"التي تكررت في القرآن المكي(332)مرة، واظهرت مدى التماهي والتداخل والقرب بين ذات الله وذات محمد وتبادلهما الادوار،وحمى الولادة النبوية،اختفت تماما في القرآن اليثربي الناضج سياسيا ورساليا،وتركت ساحة القول الشعري-السجعي، للخطاب النثري-المشرع الطويل!.المتفاعل مع الاحداث الاجتماعية والسياسية والسلوكية اليومية في يثرب:اسباب النزول،اجوبه على اسئلة،تحديد الفروض،تشريع وسن القوانين الدينية،والاحوال الشخصية،تنظيم مؤسسات الدولة الجنينية الوليدة،الخ.في يثرب غاب الله نسبيا وطغى حضور محمد كتجسيد للسلطة والهيمنة على المجتمع اليثربي فقد انتهى عهد الضعف،وحل زمن القوة!-.
(قل ياليها الكافرون)!.ان البدء بهذه(الآيه)اولا،هذا الاستهلال الصادم في النداء المنفر والمتنابز في مخاطبة محمد لآهله وعشيرته المختلفين معه في عبادته او عقيدته او بدعته بهذا الشكل المستفز،الواضح المعنى والبين في عدائيته ورفضه:كأدانة وهجاء وشتيمة سافرة!.-المشار اليهم بالكافرون هم ملآ قريش ونخبتها ووجهائها!وهم اصحاب الدين الراسخ والسائد-.ان يهانوا ويشتموا من قبل ابنهم المتمرد الخارج والرافض لعقيدة قومه وناسه،هذا المارق الطاريء الجديد،المسفه لقيم واعراف وقداسات قومه-مخالفيه الغالبية،او بالاحرى هو مخالفهم،لانسلاخه من دين الاجداد ببدعته الغريبة وايضا المعروفة لدى الكثير من مثقفي مكة-لما تربوا ونشأوا عليه،وآمنوا به عبر تاريخ اسلافهم وتاريخهم،والذي جاء محمد مستنكرا وناكرا لاعتقادهم لايدخل في باب الوصف-وصفهم-(يا ايها الكافرون)!.بقدر ماهو حكم قيمة وتقويم ناقد مترع بالازدراء والاحتقار.هو بدون شك:شتما او قذفا،او تسفيها وحطا من قدرهم وقدر عبادتهم المتوارثة والمحترمة من قبل جميع المكيين.لا لشي سوى انها تختلف عن اسلوبه ومنهجه في التعبد الجديد والذي يطمح محمد لتكريسه وسيطرته وانتشاره.
انها قطيعة وقرار واقصاء وأدانة،وسعيا لتهميش وألغاء عبادة ودين وعقيدة الآخر لايعتريها الظن او السؤال.وهذا ينسف تماما كل مايدعيه حراس الاسلام عن :وسطية واعتدال وانفتاح وقبول دين محمد للآخر المختلف عقديا!.فعندما تكفر وتشيطن وتدين اعتقاد المختلف،بحجة ان اعتقادك وحدك هو العقيدة والايمان الارثوذوكسي القويم،والذين خارج دائرة ايمانك هم الضالين!.يجعل منك هذا متعصبا لدينك،(عنصريا )دينيا في رفض دين المخالف وشجبه،فأين التسامح والتعايش المدعى بين المختلفين؟!..فعبادة قريش في معيار العبادات لاتختلف عن عبادة محمد،فحالها حال عبادته،فلا تمايز او امتياز في اعتقادات البشر(لاننسى انه كرس واقر فيما بعد الكثير من طقوس وعبادات ومظاهر الدين السابق(الجاهلي)مثل الحج،والمناسك وتثبيت الاشهر الحرم،واتجاه القبلة الى كعبة المشركين،وغير ذلك!).لذا ليس لمحمد ادنى الحق او الشرعية الاجتماعية والاخلاقية لنعت المكيين بأي لفظ عنفي او كلمة مهينة تدل على التقبيح والهجاء والتسفيل الوجداني(تكفير)الاخر المخالف بزعم لاهوت حقيقي جاء به لآلغاء وتصفية عبادة قريش الوثنية الضاله!.
(كافرون)هم،لانهم لايشاركوه او يطيعوه ويقروه على عبادته الوحيدة"كلية الصواب والحقيقة"!. وبقياسات(سرير)محمد الديني:اذا لم تكن تقيا فأنت كافر!.اذا لم تعمل صالحا فأنت كافر،واذا لم تشكر اله محمد فانت كافر!.واذا لم تكن صادقا فأنت كافر!..الخ من جداول وقوائم ثنائيات الكفر والايمان.وكأن العرب غرباء على القيم والفضائل الانسانية والاخلاقية ولم تسود بينهم مكارم الاخلاق السامية ،بل لم توجد سابقا قبله؟!.في حين هو نفسه يعترف بسبقها بدليل قوله:"وما بعثت الا لاتمم مكارم الاخلاق"!.نعم لقد اتمها وطورها حقا بأضافة:القتل والسبي والتهجير والحث على كراهية الاديان الاخرى ومحاربتها،وماشرعنه من ذبح للذين لايدينون بدينه او يرتدوا عنه(القتل على الهوية الدينية المخالفة)وهذا مالم يمارسه العرب او يعرفوه اطلاقا من قبل مجيء نبي الرحمة والانسانية!.
"ياأيها الكافرون"...محمد ينادي اشياخ قومه بهذه الصيغة الفظة الغليظة،-بعد ان اقترحوا عليه:العبادة المتناوبة والمشتركة بين دينه ودينهم دون تنازع!-تثبت وتعلن قطيعته وانسلاخه عنهم،وان المصالحة والتفاهم بات امر ميئوسا منه،بل مستحيل.فهو المؤمن وهم الكافرون،وهو المهتدي وهم الضالون!.-اذا كان الامر كذلك،فأين سينشر دعوته اذا؟!وهذا ما اكدته السيرة، فطيلة13عاما لم يفلح الا بكسب80 مؤمنا به!-.
لماذا استخدم محمد هذا النعت(الكافرون)بندائه على بعض السادة المكيين،مع ان صيغ المخاطبة في بقبة(السور)المكية كانت:يا ايها الناس، وردت(20)مرة في القرآن المكي!.نعتقد انه من اجل ترسيخ واقتناع محمد نفسه بنبوته ورسالته،والتفريق القاطع بينه وبين المشركون-الكافرون،وعدم الانزلاق للاغرءات التي عرضت عليه،واخلاصه لدعوته.لذا يستبعد محمد الالتقاء والتحاور بينه وبين الكافرون.
فما معنى:كافرون...كافر؟!.بغض النظر عن المعنى الحرفي والمترادفات الكثيرة لمدلولات الكفر او الجذر العربي،وربما العبري او الآرامي،او من اشتقاقات اي لغة اخرى متداولة في منطقة الشرق الاوسط لمعنى ال"كافرون"والتي تدل على معنى الغريب او المختلف دينيا عن الدين الغالب والاكثري في مجتمع ما،فلماذا هذا النداء التبخيسي والخادش للكرامة والفاقد للياقة الادبية والحس الانساني في احترام المخاطب عند المخاطبة،والخالي من ابسط معايير الخلق الانساني السمح والمتمدن في مدينة تعتمد التجارة والحج والانفتاح الديني المتعدد؟!.
الاقرب لموضوعنا هو بلاخلاف:المعنى الديني المقصود في استخدام مفردة(الكافرون).فالكفر هو نقيض او ضد او خلاف الايمان،ولكن العكس يصح ايضا بالنسبة للايمان.
فاذا كان الكافر ب(الدين المحمدي)هو في نفس الوقت مؤمن بدينه،اولامؤمن بشيء.هو كافر في عرف محمد ودينه او غيره من اديان بالمعنى الشامل-فكل الاديان تكفر غيرها،وبعضها يكفر بعض-وكل يعتبر نفسه الوحيد على الطريق القويم للايمان واللاهوت،وغيره يسلك درب الشيطان والناسوت!.فالمؤمن بربه الخاص هو كافر بسواه من آلهة ومعبودات،والكافر ب(الله)هو مؤمن بغيره من ارباب،او لايؤمن بالاديان!.انها مجرد نعوت وتسميات ورموز لااساس لها من واقع بشري ملموس،سوى عكسها الخيالي لرغبات وتطلعات ومخاوف وتصورات وايديولوجيات دينية،وتصعيد وتسامي لقيم الانسان والانسان،وترفيتها للسماء وتجريدها-مفارقتها-،وانتاج الاوهام والاساطير ومن ثم تصديقها كحقائق قارة،لتخرج من حيز الخيال والابداع البشري الى الفضاء الواسع والمترامي حولنا لتملأه بألهة وملائكة وجن وشياطين!...
فما الايمان؟!.كل دين يتصور انه الايمان الخالص الاوحد،وغيره ترهات وبدع وضلالات كافرة مشركة ومنحرفة عن جادة الصواب والاستقامة الحقة(الارثوذوكسية)!.وكذلك ينطبق الامر على شأن الكفر،فهو تكفير لايمان الآخر.ببساطة انها معادلة منطقية متنافذة متداخلة متخارجة تحيط وتشمل كل ما ابدعه وانتجه وتخيله الفكر البشري من:عبادة مظاهر الطبيعة،والاسلاف،والارواحية،والطوطمية،والوثنية وتعدد الالهة،والاقتصار على اله واحد-التوحيد،الخ."يا ايها الكافرون"مرة اخرى،لماذا لجأ محمد لهذا المصطلح التحقيري المشين لمخالفيه في عقيدته الوليدة الغامضة؟!.
ومنذ(الآيه)الاولى،نفهم انحياز محمد وتعصبه لدعوته ومشروعه الطموح للهيمنة اللاهوتية الخاصة به-مع الغض عن الاقتباسات والكولاج المتأثر بالديانات التي سبقته!-وبأدانه واضحة جلية للمغايرين له في دينه المستحدث،وشجب-تكفير مضاد لعبادة قومه العريقة والمتوارثة والمتعايشة مع اديان مخلتفة ومتنوعة دون صراع او عداوة!.
ان ينعت محمد قومه الذين نشأ وترعرع بينهم ب(الكافرون)فهذا استلاب سافر ومصادرة لفظية لحرية العقيدة-التي يهلل لها المعتقدون بأن الاسلام الاصولي احترمها وطبقها وعمل بها!-.
انهم حقا كافرون بمايؤمن به محمد،ولكن في نفس الوقت،هو ايضا كافر بما يؤمن به او يعبد المكييون.والقياس المنطقي يقود لذلك،فماينطبق عليهم منطقيا هو بالضرورة ينطبق عليه وبالعكس.
وهنا يعن لنا ان نطرح سؤالا جانبيا افتراضيا:اذا كان محمد امينا وصادقا بدعواه وفهمه لتعايش الاديان المختلفة،وحرية العقائد المتعددة،حقه المحترم والمصان في عبادته،وحق قريش في ماتعبد،كما جاء في(الآيات)الخمسة اللاحقة من هذه(السورة)الكافرون،فهو يعبد الهه الجديد وهم يعبدون الههم القديم من خلال شفعائه داخل وخارج الكعبة،وحسب تصوره المختلف عن تصورهم،فعلام اذا ناداهم بتلك الكلمة الجارحة في مفتتح كلامه ب"ياأيها الكافرون"بحق المختلفين معه في التعبد؟!..لم استخدم هذه الصيغة الخشنة اخلاقيا،والطافحة بالدلالة السلبية والشائنة والشانئة والمحقرة للآخر؟!.هل كان من الخطأ او مايضير لو عبر بكلمة اخرى اكثر لطفا وتهذيبا وحيادية وتوازن،ولاتثير الحفيظة او النفور في مخاطبة الاخر المختلف؟!على الاقل حتى يكسب قبولهم وتسامحهم،ولتحقيق سلام مجتمعي وألفة تعددية كانت سائدة وموجودة في المجتمع المكي قبل ان يأتي هو بدعوته التي مزقت الاستقرار وخلقت العداوت والاحن بين افراد حتى العائلة الواحدة.او ان يوافقوا على الانضمام الى دينه بالتدرج وفقا لجدله- بالتي هي احسن-الحوار،-والموعظة الحسنة -كتكتيك دعوي ناجح!.لم لم يستخدم تعبيرا اكثر انصافا ومعقولية في خطابه من قبيل:ياأيها الناس...ياأيها الملأ..ياأيها الرجال..او غيرها من ادوات التخاطب الاجتماعي المتداولة والمستخدمة كمفردات تناسب المقال والمقام تحترم الاخر ولاتخدش مشاعره وكرامته وانسانيته؟؟؟!!!..
قراءتنا ليست كما يتبادر الى الذهن المغرض:كأسقاط لمنهج وقيم حداثوية،او مفاهيم عصرية على الماضي وتنتهكه بما لايحتمل من مقاربة.ولاهي محاكمة او نقد لاخلاقيات وثقافة واعراف مجتمع:قبلي-رعوي-صحراوي في مطلع القرن السابع الميلادي بآلية ومعايير وثقافة وقيم الالفية الثالثة.بقدر ماهي قراءة تفكك وتتأمل نقديا في منطوق ومنطق ونسق وبنية(السورة)الاشكالية:الكافرون- موضوع القراءة-والتي تمركز الاختلاف كبؤرة وحقيقة قارة،وواقع سائد معترف به من قبل الجميع.ولكنها تتعامل معه،كظاهرة منحرفة ضالة ومرفوضة،يجب ازاحتها وزوالها ليحل بدلها الدين القويم الهادي واللامختلف كبنيان املس بلا زوائد او نتوءات تشوه الوحدة الشاملة.وايضا ليست تزييفا في تقويل النص مالم يقله او تأويله بتعسف لايحتمله خطاب السورة وآياتها.او قرأتها برؤية شاذة تعتصر النص وتهشم مرآته،وتحرف المعنى وتظلمه..
انها مجرد قراءة بسيطة للكلمات وطياتها،تستنطقها لتقول حقيقتها،وتبني على ماقيل عيانا وما استبطن في الذهن.والانطلاق من بسط التناقض والاختلاف كعامل ضروري وحيوي في اي بيئة اجتماعية لواقع حال مقبول ومعترف به كحركة تنوع وطبعنة تميز الفكر الثقافي والديني داخل المجتمعات قديما وحديثا.فقراءة نص ديني انتج على الاقل في الفترة المكية المتقدمة من بدء النبوة المحمدية في العقد الاول من القرن السابع الميلادي-وبغض النظر عن النوايا والغايات-يعترف بالاختلاف،ويصبو-كما يفترض-لتكريس حد ادنى من التعايش والمصالحة او التوافق،وكشكل من القبول المتبادل بين طرفين متعارضين في ممارسة التدين والعبادة:الاكثرية المكية التقليدية الساحقة،والاقلية الهامشية المحدودة التي يمثلها النبي محمد ورهطه المعدودين.-هذا مايهمنا،ولايخامر ذهننا غير ذلك..
وما يجب التذكير به هو:ان مجتمعات الجزيرة العربية ومدنه:مكة،يثرب،الطائف،وغيرها.كانت تتمتع بأنفتاح ديني،وبحرية وتعدد الاديان:تعدد آلهه،واديان كتابية مختلفة،كانت تشكل مصدا وحماية ضد اسباب التنازع والتخاصم الديني الذي جاء لاحقا بعد نبوة محمد.فقد كان الجميع يحترم ديانات الجميع.
وتلك الاعراف والتقاليد الثقافية-الدينية الكثيرة التنوع في مللها ونحلها،واثنياتها وطقوسها،لم تكن ابدا عائقا او سببا او عنصرا للعداء والكراهية الدينية.فكل الجماعات في المدن والضواحي والواحات.كانت تنعم بحالة من وئام وسلام خالي من النزاع والتصادم والصراع الفكري-الديني.فقد كانت مجتمعات رعوية بسيطة،ومتعددة في نشاطاتها واشكال انتاجها الاقتصادي،فتعايشت المعتقدات والافكار الدينية المختلفة جنبا الى جنب ولقرون دون صدام او قمع او اقصاء للآخر.(وطبعا لايغيب عنا المنازعات والحروب على مصادر الحياة في بيئة ندرة وشحه،وشيوع الغزو والاغارة بين القبائل لدوافع اقتصادية ومن اجل البقاء،واخرى عشائرية:ثأر-انتقام-دفاع عن مكانة او كرامة،ولكنها لم تكن قطعا لاسباب دينية).ومن هذه الزاوية نقرأ ونناقش الازدواجية والتناقض الواضح والوارد في هذه(السورة):الكافرون._من الطريف ان نذكر بأن هناك في القرآن-المدون(سورة)بعنوان:(المؤمنون)!.وهكذا جرى التصنيف والعزل،كما يعزل الزوان عن القمح:كافرون ومؤمنون،من يعبد بعل ومن يعبد اللوهيم،ومن يعبد هبل ومن يعبد الله!_..(كلها مجرد اسماء اطلقوها وتصارعوا حول مقدسها ومدنسها!).
-من الجدير بالذكر:ان الطرف المكي المناويء لمحمد اضطر لمعاملته بالمثل،وبنفس مقاييس النبذ والرفض المتبادل لكل ماهو مختلف ومغاير او مايهدد مصالح الملآ المكي او ينغص استقراره،ويسفه او يكفر بمعتقداته وآلهته،ولو بدرجة اقل من تشنج محمد واتباعه،والتزاما بالتراحم والابوية القبلية المراعية لافرادها والحريصة على لحمة روابط الدم والقربى.فقد حاولوا كثيرا التوفيق بين عقيدتهم وعقيدة ابنهم المارق المهرطق دون جدوى.لذلك زادت حدة الخلاف،فحل الصراع الخفي والعلني بين محمد واتباعه من جهة،والمكيين المحافظين والمتمسكين بديانتهم المتوارثة والراسخة من جهة اخرى،رافضين كليا دين محمد الجديد الساعي لهدم عقيدة الاجداد،والطامح لحلول عقيدته محلها،وهذا ما اثار حفيظة وغيض المكيين ،وما ادركوه جيدا ولمسوه من دعوة محمد كخطر محدق بسيادتهم الدينية ويهدد مركزية مكة الوثنية تجاريا ودينيا والتي تربط كل اطراف الجزيرة بمكة ومواسمها في الحج والاسواق.لذلك لم يعاودوا من جديد محاولة اغرائه ومساومته بعد فقدانهم الامل بتغييره او على الاقل تحييده في موقفه من ديانتهم.مرة اخرى نعود لسؤالنا الملح:لماذا اختار محمد تلك الصيغة الازدرائية الهجائية المسفهة والمتعالية لوصف ونعت المختلفين عنه في العبادة او الدين؟!.
اجبنا جزئيا على ذلك سابقا،ولكن من زاوية اخرى هناك تفسير يتسم بالبساطة في تعليل وتوضيح النمطية الثابتة التي تتميز بها العقلية الدينية-الايديولوجية وهي:ان كل الديانات قديمها وحديثها،فضائية كانت ام ارضية،والايديولوجيات العقدية عموما وبلا استثناء،تنزع لآقصاء كل مايختلف عنها وتدينه كهرطقات،وتنبذه خارج سياجها الدوغماتي الحصين!.دامغة اياه بوصمة الكفر ،والشرك،والمروق،والضلال،والردة،والخ من مفردات يحفل بها معجم التكفير والشيطنة والسقم والضلالة العقدية لترمى كلها في وادي جهنم المخصص للكافرين!.وماجاء به النبي محمد لايخرج عن ذلك وليس من استثناء.فمحمد كما تصور او اعتقد:امتلك الحقيقة المطلقة وورثها وحيا هبط عليه مختارا من السماء-لايأتيه الباطل من اي جهة كانت-فالباطل هو دائما خارج سور قلعة العقيدة اياها.وسواء اكان كفرا او شركا او ضلالا او تحريفا،الخ.فليس هناك تكافوءا او ندية او توازن او مساواة في الايمان والكفر في الاديان والايديولوجيات عموما-ويشمل ذلك حتى التفرعات المذهبية،والهويات المنشقة والمنقسمة من الدين الواحد:سنة -شيعة،كاثوليك-بروتستانت،الخ،من مذاهب وطوائف ونحل.فأعتقادي هو الصواب الكلي،اما اعتقادك انت فهو حتما ودائما ضلال وكفر شنيع يجب التخلي عنه،والعكس ايضا صحيح لدى الجانب المخالف!.فكل قوم بما لديهم مؤمنون،وبالتالي سعداء فرحون،فهم المهتدون دون سواهم من كافرين ومشركين ومهرطقين ومارقين!..دوائر منغلقة لاتتنافذ ولاتتصل.-مع ان كل دين هو كشكول وجراب حاوي يجمع نتف من انتيكات الديانات التي سبقته ولاجديد تحت الشمس!.الا ان كل دين يعتبر نفسه متفردا متفوقا كاملا قويما متميزا ليس كمثله او مايشبهه من شيء!!.
ومن هنا فأن ايمان محمد بما لديه من سردية دينه الجديد يرفض بالمطلق كل ماهو مخالف لما انتجه من وحي ونص!..
ان استخدام النبي محمد لكلمة(الكافرون)في(الآيه)الاولى من(السورة)ينسف ويدمر النية الحسنة-اذا صدقت النيات؟!-.فهو يناقض بحدة ماجاء بعدها من(آيات)2+3+4+5+6-فالبارز في المقطع الثاني والثالث(الآيه)الثانية والثالثة،والي يقول فيه محمد:"لااعبد ماتعبدون"و"ولا انتم عابدون ما اعبد".هو نفي ذاتي صادر عن ذات-أنا واعية ومدركة لأختلاف عبادتها المغايرة.وفي الوقت عينه،هي نفي ملحق بالمخاطب المختلف،ولسان حاله الاعتقادي كما يفهمه او يتخيله ويفترضه محمد.وهذان الأمران-النفيان يدخلان في باب الحد الانى من الاعتراف بحرية العقيدة للجميع بلا قسر،والتي يقر بها محمد كوصف،وايضا كتبشير بالاختلافات العقدية الواقعية،والاقرار الملزم لكلا الطرفين:محمد-المكييون بالتقاطع والتصالح والقبول المتبادل للاديان المتعددة.وهذا امر ايجابي يدعو للترحيب به،وتأييده كسلوك اجتماعبي-ثقافي مدني متحضر،يجب تعميمه وسط اي مجموعة بشرية تعيش في رقعة جغرافية معينة،بل في كل ارجاء المعمورة.فهو ترسيم وخارطة قانونية-حقوقية-مدنية طبيعية لتعايش العبادات والاعتقادات المختلفة في مجتمع متعدد ومتنوع،وليس من خلاف حول حرية التعبد والتدين لكل الاطراف المتباينة في رؤاها وتصوراتها وافكارها الدينية-الايديولوجية بلا عائق او حظر او تكفير او غير ذلك.ان انفي ماتعتقده واؤكد ما اعتقده بشرط حصره بحقل شخصي او جماعي محدد لايمس او يعتدي على حرية ضمير الاخر ،هو نفي واعتراف وقبول وتعايش لاديان وعبادات مختلفة ومتنوعة في نفس الوقت.امرا يجب تكريسه وتشجيعه وتطبيعه وقوننته في العلاقات داخل المجتمعات دون قهر او تجاوز اوخرق.ولكن ايمان وكفر بلا حجاب التعصب والانحياز امرا عسير المنال!!.
ولان النداء يعقبه ابلاغ او اخبار،فقد سارع النبي بعد خطابه-ندائه المتعالي الهجاء،والذي وجهه لنخبة المكيين:"ياأيها الكافرون".بين خياره الحاسم المرتبط بتوسيع وتعميق الفجوة الاعتقادية التي تمنع من الاتصال او التلاقي على صعيد العبادة المتناحرة بين تصورين متنافرين للعقائد:ماجبل عليه المكيون،وما جاء به النبي محمد من جديد الدين.فجدار صلب عازل اقامه محمد فرق نهائيا بين الان وما سبق.وهي قطيعةلابد منها ولارجعة عنها ابدا. يكون المشروع العقدي جادا في اثبات الوجود والتطلع لكسب التاس-المؤمنون-.فهو انسلاخ ايديولوجي واعي لاهدافه ومراميه،ولآثبات مصداقية دينه الجديد-دين الحق -دينه-،ودين الباطل -دينهم-،ولن يلتقيا!-.
فينطق قائلا بأحكام لايحتمل التأويل او المتشابه،في(آيته)الثانية:"لااعبد ماتعبدون"وهذا حقه المشروع في حرية ضميره وعقيدته مكفول ولاجدال في ذلك.لانه كما يزعم نبي لدين جديد مختلف عن ديانة قومه،ومن الضروري ان يجاهر ويعلن حقه،بعدم عبادة ما يعبده الآخرون من آلهه.محمد كفرد يبين دون لبس:انه خارج السرب المكي الاعتقادي،ولايعتمد اليوم ماتعبده قريش.محمد ينفي ان يكون على دين قومه بعدالآن.وهو نفيه الاول.وفي(آيته)الثالثة يقول:"ولا انتم عابدون مااعبد"وهو النفي الثاني،ولكنه نفي بالنيابة عنهم،يقرر شيئا يخصهم،يصدر حكما على ارادتهم ووجدانهم،نافيا وموكدا حالهم الديني ككافرين!.قد يكون توصيفا لهم مشابه لحاله هو محمد.فأهل مكة هم ايضا في بيئة ايمانهم المتوارث والسائد ينفرون من هذا الدين الذي يخترق سلامهم المجتمعي،ويزعزع ماهو مستقر ومتغلغل في بنيتهم العقلية والروحية من دين متطابق مع حياتهم الاجتماعية-الاقتصادية.فهو يشكل تهديدا لمصالح المنتفعين من الاعتقادات والشعائر ذات المردود المربح،وفي نفس الوقت تفكيكا لللحمة والعقد الاجتماعي وتقويضه.هم ايضا لايعبدون الله كما يعبده محمد.ولهم حق محمد نفسه في حرية العقيدة والضمير..
اذا اين تكمن المشكلة؟!.
ليعبد هو محمد الهه بحرية-فهم لن يمنعوه من ذلك-وليعبدوا هم آلهتهم بحرية كذلك-فهذا دين الاغلبية الساحقة من المكيين-ويعيش الجميع بسلام دون نزاع او استحواذ او منغص.ولكن هيهات!.فمحمد يرفض ذلك قطعا،فهو لم يبتدع دينه ليتقصر عليه وحده!.فالتبشير في جوهر كل رسالة دينية-ومحمد لايشذ عن ذلك-فهو داعية ونذير ورسول لدين بعتقد بأنه دين الحق،بعث من اجله وافضل من دين قومه،وملزم بتعميمه وسيادته،وعليه التبشير به وكسب المزيد من المؤمنين ،وضمهم لدينه الوافد ليسود.فدين لايعدو من جاء به وحده فقط ،هو دين فردي لاعملي وعبثي ومآله الزوال والموت بموت صاحبه.اذا الواجب ان يكافح-ذلك النبي-ويسعى من اجل التواصل والاتصال والاعلان وبث تعاليمه وغاياته ونصه الديني المستمر في النزول، بين الجموع المكية وماحولها،لبناء قاعدة دينية تتوسع وتمتد وتنتشر في اطراف جزيرة العرب كأستراتيجية قيد التحقيق على مراحل!.
"لااعبد"هنا استخم النبي محمد ضمير المتكلم المفرد(أنا)في التعبير عن نفيه لعبادة مايعبد قومه:أنا لااعبد ماتعبدون.وهذه الصيغة الذاتية في الخطاب المحمدي الموجه للكافرون،تعني انه هو محمد وحده لايعبد مايعبدون!-فهل هو هنا يهمش رهطه من المؤمنين الجدد برسالته،ويعدهم كما مهملا لايذكر او يشار اليه؟!-.فلم لم يقل:"لانعبد "بصيغة ضمير الجمع المتكلم(نحن)لانعبد؟!.فهذا ليس من طبيعة الرسل اصحاب الرسالات والمبلغين-الساعين لكسب المريدين لحزبهم الديني-حزب الله-.ونشاطهم لنشر دعوتهم في قومهم!.فأين؟وكيف؟ومتى سيجد الاتباع والمصدقين بنبوته ورسالته،وهو يائس في اقراره ونفيه بعدم عبادة عشيرته لما يعبد هو؟!.وماجاء به محمد ليس استثناء عن من سبقه من انبياء اولي العزم والمثابرة!.ومن زاوية اخرى نرى ان الغاية من استعماله لضمير الانا المتكلم هو:اعلان تميزه وتفرده وزعامته النبوية،والتي تستمد شرعيتها الرسالية مباشرة من الله-صوته الداخلي المسيطر-وقيادته التراتبية هي هرم الدين الذي يقف على قمته!.فهو الرأس الذي يحتاج ويبحث عن جسمه،وهو الراعي الذي يجب ان يمتلك غنمه،وهو الداعي الذي بدون اتباع وجماهير مؤمنة به لن تكون له دعوة ولن تقوم له قائمة!.لذلك يجب ان يكون خطابه فردانيا كاريزماتيا صادرا عن أنا قداسية مبعوثة من السماء،تحيطها هالة نبوية تستلهم قوة ما ورائية تحثها وتوجهها وتدعمها من اجل هيمنة وسيطرة الدين الالهي وجر المؤمنين وراءه!.
خلاف محمد مع القريشيين لم يكن على قيم او اخلاق او سلوك او اعراف وعادات.بل كان خلاف على العبادة-ماهية الآله الذي يعبد- وهل هو واحد او متعدد وله شركاء او شفعاء؟!.وهل هو في السماء او متجسد داخل اوثان مكة؟!آله محمد المجرد،ام آلهة المكييون التي تقربهم الى الله زلفى؟!..(الخلاف على العبادة كان المرحلة الاولى قبل ان تتغير وتتنامى الدعوة الى طموح للزعامة والسلطة،وتحطيم نفوذ الملأ المكي،وارهاصات دولة الدين!)..
بعد اعلانه النافي المزدوج والتوكيدي على الاختلاف في(آيتيه)الثانية والثالثة:"لااعبد ماتعبدون","ولا انتم عابدون مااعبد".يقاجئنا نبي الاعجاز اللغوي بتكرار نفس الكلمات والالفاظ والمعاني التي وردت في(الآيتين) اعلاه :"لااعبد ماتعبدون"و"ولاانتم عابدون ما اعبد".وهي كما نرى بيان كافي لتوضيح فكرته ويسهل فهمها حتى على الطفل!.ولاتحتاج لتفصيل وشرح.فلماذا يعقب بالاعادة ذاتها والتكرار نفسه لماورد في(الآيتين)الثانية والثالثة،فيقول في (آيتيه)الرابعة والخامسة وهو يستعيد الجملة السابقة:"ولاانا عابد ما عبدتم"و"ولا انتم عابدون مااعبد".اننا نشعر بالدوار والتشتت والتشويش مع هذا النص المعاد الذي فهمناه من قبل وادركنا فحواه.لنقرأمرة اخرى (الآيات )الاربع سوية دون فواصل كجملة واحدة وقول واحد:"لااعبد ماتعبدون ولاانتم عابدون مااعبد ولاانا عابد ماعبدتم ولا انتم عابدون مااعبد".هل هو بيان واخبار معجز؟!. ام معادلة رياضية او كيميائية او طلسمة لغوية؟!..لانعرف !.الراسخون في العلم والتفسيرهم الاقدر على الاجابة منا!.
يبدو ان هذا النفي والتوكيد المنهمر لمعظلة العبادة بقراءتنا البسيطة،هو:ان من المستحيل ان اعبد أنا محمد ماتعبدون انتم يا اهل مكة،كما انه من المستبعد جدا ان تبعدون انتم مااعبد لا الآن ولامستقبلا.
هنا نجد محمد يخترق الضمائر والنيات ،وينفي قابلية المكيين على التغيير وامكانية اهتداءهم،ومن ثم ايمانهم به.- اشققت قلبهم واطلعت على سرائرهم؟!-.نتذكر هنا رد محمد على اسامه وهي رواية معروفة لاداع لسردها.
نعم من حقه ان يقرر عن نفسه بأرادته وايمانه،بأنه لايعبد ولن يعبد مايعبد قومه،فهو واثق وحر ايضا في اختياره لعقيدته،وليس من مأخذ او بأس او اعتراض.ولكن ان يصادر على المطلوب وينفي احتمال تغير قومه وامكانية تحولهم لدينه،ويقرر بدلهم في ماهو من صميم باطنهم الخفي وعواطفهم ووجدانهم وارادتهم التي لايعرفها غيرهم،ويحكم على خياراتهم العبادية بالنفي السلبي المطلق،بأقتحام ضمائرهم كأفراد ومجموعة لينفي ويجزم بعدم عبادتهم لما يعبد هو لا الآن ولافي المستقبل فهذا تعسف ومصادرة وجبر غير مبرر-فهل دخل قلوبهم وعرف استعصائها على الايمان بما جاء به هو لااليوم و في قابل الايام؟!-..
ولكن ماحدث في قابل الايام كذب مانفاه وأكده محمد في سورته(الكافرون):"ولاانتم عابدون مااعبد" المكررة مرتان!.فقد اعلن الجميع اسلامهم،وليس مهما -اجبارا او انصياعا للقوة او اختيارا وقناعة-.فلماذا زرع محمد عوسج الجفاء والتنافر والكراهية المتبادلة كثابت عصي على التغيير؟!.
وبعد ان وصم اهله وناسه بالكافرون".ينتقل للخوض في موضوع الاختلافات والتباين العبادي بينه وبينهم:"لااعبد ماتعبدون"ولا انتم عابدون مااعبد""ولاانا عابد ماعبدتم""ولاانتم عابدون مااعبد".ولان القرآن عربيا وجرى النطق به بلغة العرب،وهذا مايجعل بنية القرآن الميثو-مجازية هي بنية اللغة العربية.والتي تتميز بالمبالغة والافراط في النفي والتوكيد والتكرار للالفاظ والمعاني،،هي شبه قاعدة ثابتة في اللغة العربية.فهي لاتميل للايجازاو الاختصار والاختزال،بل تميل للتفخيم والترهل والاطناب والمحسنات،والاعادة والتكرار والميالغة.ف(نعم)جواب غير كافي ويحتاج الى توكيد،وبدونه قد تعني(نعم)(ربما)او(محتمل).وكلمة(لا)وحدها ايضا لاتعبر عن المعنى الكامل والمحدد،وتحتاج لمزيد من النفي والتوكيد النافي!.ولكون محمد ابن مجتمعه وبيئته اللغوية والثقافية،فهو ينهل من معين لغة وفكر قومه،فلم يشذ او يخرج عن قواعدها وطبيعتها-وما انا الامن غزية ان غوت!-..لذا نجد القرآن يموج بكثرة التكرار والافراط فيه لدرجة التخمة!.وسورتنا هذه(الكافرون)شاهد ودليل على هذا الميل في اللغة القرآنية-العربية-مجازا وكنايات واستعارات الخ-نحو المبالغة في النفي والتوكيد في الالفاظ والمعاني.وهذا ليس متعلقا او مقتصرا على البنية اللغوية فحسب،بل هو متغلغل في البنية الثقافية والادراك العقلي والعاطفة والشعور.لغة تنساب على سطح الرمال كالريح ويتعذر عليها الغوص عميقا في محيط الفكر!!!...
ومع التجاذب والصراع العبادي-المعتقد.وتحديد وفرز الهوية الدينية وانفصالها عن الضلال،بين النفي الحاد والتوكيد المختلف،والاعادة والتكرار لنص محمد في تثبيت المنازعة في التدين،وحقبقة استحالة ان يتعبد محمد مايتعبده قومه،ومن الطرف الاخر،الاستبعاد الجازم لان يعبدوا هم مايعبد هو.يتشكل الوضع على النحو الآتي:عبادتي وعبادتكم مختلفة،وخلافي معكم اساسي وجذري ولامجال للتوافق.فأنا لا ولن اعبد ماتعبدون،وانتم ايضا لا ولن تعبدوا ما اعبد.والتنافي والتنافر قائم بيننا.وأنا على حق في نفيي وتوكيدي النبوي وقولي:(2)"لااعبد ماتعبدون"(3)"ولا انتم عابدون ما اعبد"(4)ولاانا عابد ماعبدتم"(5)ولا انتم عابدون ما اعبد"
عندما نعيد قراءة هذه(الآيات)بأمعان وتفحص،تحضر امامنا اسئلة وليدة عديدة منها:ماهي طبيعة عبادة المكيين تلك التي يعترض عليها ويرفضها محمد؟!.ألم يكونوا مؤمنين بالله مثله؟(ولو من خلال اوثانهم الرمزية،شفيعتهم ووسيلتهم للتقرب من الله زلفى كما يعتقدون،والذي عظموه وقدسوه لدرجة ايمانهم بأستحالة الاتصال به-الله-دون وسيط بينهم وبينه،فكانوا اكثر تنزيها للمطلق).ألم يكونوا ممارسين مواظبين لطقوس الصلاة والصوم والحج -على طريقتهم-كما قلدهم هو محمد وشرع هذا التعبد في دينه الجديد -ولو بتغييرات طفيفة واضافات كمية،فلاتمايز بين الوثنية والاسلام الا بالتوحيد الكتابي من خلال نص(القرآن) وسمات الحنيفية ذات الجذر المحلي-المكي؟!-.
ألم يعبد هو محمد ربه من خلال وسيط ينزل عليه قرآنه ويبلغه التعليمات والوصايا،جبريل -رابع اربعة من نخبة الملائكة-وان لم يصرح بأسم جبريل كتعريف الا في يثرب، اما في مكة فلم تتعين هويته الا ب(الروح الامين)؟!.
فلماذا يفرض محمد تصوره الخاص الذي انتحله واقتبسه من وثنية قريش(ه)والديانة اليهودية والمسيحية والحنيفية التي تأثر بها كثيرا لدرجة ان مشروعه النبوي كان مشروعا حنيفيا بالاساس، وحقق به ماعجز الحنفاء عن انجازه،فقد اعطاها ما كان ينقصها -نبوة وكتاب عربي-حنيفيته التي طورها الى نبوة،و صادق عليها القرآن الذي بدأ يتنزل عليه منجما مصحوبا بالفزع والدهشة،ليصنع نسخته الخاصة من الأله العربي كتصور وخيال خاص ووحيد للذات المتعالية وبجموح فانتازي مجنح لذهنية النبوة المستعارة من الديانات المجاورة؟!.
فأله محمد ليس بالاصيل المبتكر، او المتفرد دون مثال تاريخي سبق،فهو موروث او متوارث ،بل مشاع قابل للمناقلة والتبني في كل الثقافات الدينية وله تاريخ وسيرورة.فهو تجسيد وتجريد في آن واحد لرب:الوثنية،والحنيفية،واليهودية،والمسيحية،وبقية آلهة المنطقة المحيطة بجزيرة العرب.بعد ان صهره محمد بمرجله النبوي ومخياله اللاهوتي،لينتج بتدرج ألها عربيا واحدا وخاصا،ومع كل مايكتنفه من غموض وضبابية وعسر في تفكره وماهيته!.
وسؤال اخر يلح علينا في طرحه:احقا وصدقا لم يتبعد محمد بدين قريش قيل ابتكاره لدينه،وكان نبيا منذ مولده كالمسيح؟!.(الخيال الاسلامي وكتاب السير والرواة حاولوا ذلك من خلال الشطحات الاعجازية التي تعج بها السيرة قبل مولده وفترة صباه وشبابه ونبوته،وايضا بعد موته،تفنن الرواة في تدبيج الصور المؤسطرة لعصمته وقداسته!).
فعندما يقول محمد:انه لايعبد مايعبدون،فهو يغالط ويتنكر لماضيه الديني العبادي الوثني،فهو كان يتعبد بدين القريشيين،ويذبح اضحياته على الانصاب للالهه!.فهو كان وثنيا مثلهم - بلا خلاف -كل فترة شبابه ان لم نقل طيلة الاربعون عاما قبل بعثه النبوي(ألم يجدك ضالا فهدى)!..
لقد كانت الوثنية-كما هو معروف-تراث محمد الثقافي-الديني -التربوي-السايكولوجي.وكانت الحنيفية هي التي شكلت وجدانه وبدايات وعيه اللاهوتي المتغير كأرهاص لاحق سبق تكوينه النبوي،وايضا كانت الديانة اليهودية والمسيحية هي التي مدته بالمصادر والمادة الدينية الهائلة من:اخبار،وقصص،وتاريخ احداث،ومرويات لسير وحكايات الانبياء ليخزنها في ذاكرته ومخيلته الخصبة،ليخرجها بعد ذلك بأبداع وفن على شكل:قرآن،وحديث،وممارسات نظرية وعملية-احكام وتشريع،وطقوس عبادات.فقد سبق اعلانه النبوة فترة من:ارهاصات واعداد وتمهيد وتعلم وهضم وتمثل واختمار،حتى جاء المخاض وتحققت الولادة لجنين الدين العربي.فثلما كان للامم الاخرى آلهتها و انبيائها ورسلها،فليكن لامة العرب الهها و نبيها القومي الخاص والمستقل عن الامم الاخرى!.
وكما كان للمكيين رموزهم الوسيطة التي تربطهم بربهم البعيد،غرانيقهم العلى:اللات،والعزى،ومناة.
كان لمحمد ايضا وسيطه المتخيل:جبريل كبير الملائكة!.اذا لم يكن هناك فرقا بينه وبينهم في الصلة بآلهتهم.وفوق ذلك كانت قريش اكثر تسامحا ومرونه وانفتاحا وتقبلا للاديان الاخرى،بعكس التشدد المحمدي وتعصبه لدينه.فلم تضطهد قريش او تنكل بمن كانوا على دين غير دينهم،بدليل وجود صور ورسوم لابراهيم وعيسى وامه وغيرها من رموزلاتنتمي لديانة مكة الوثنية في قدس اقداسهم:الكعبة،وعلى جدرانها من الداخل.بل وحتى اللادينيين(الدهريون)الذين كان العديد منهم من وجهاء ونخبة مكة من المثقفين لم يتعرض لهم احد بأعتداء او مس او ابعاد..
كان هذا استطرادا نافلا ولكنه ضروريا لتوضيح الصورة الحقيقية للظروف والوضع المكي ابان اعلان محمد لدينه المخالف،وتبيان العلاقات الاجتماعية السائدة في البيئة المكية،والتأثيرات المتبادلة،والتلاقح الثقافي-الديني بين العقائد والافكار والقيم،وعن دور الاختلاف الحيوي وطبيعته كمحفز للتمازج والتحاور بين الافراد والجماعات البشرية،معبرا عن ارجحية التلاقي والانفتاح والتطعيم بين الافكار والرؤى الدينية-الايديولوجية..
ولكن هذا النفي والتأكيد المتكرر هو في بنية التخاصم و الاختلاف وطبيعة الاعتقادات والعبادات و الذي يبدو عميقا بين محمد وقومه هو في حقيقته بسيط وقابل للتسوية والاتفاق.لكن محمد اصر على تعقيده،وجذر التخالف وعدم الوفاق كنفي ثابت ومستمر حاضرا ومستقبلا:ان يعبد محمد ما عبد مواطنوه في ام القرى وماحولها،وايضا نفيا مرحليا لحاضر عبادة المكيين لما يعبد هو كمصادرة لارادتهم و لحقهم في العبادة-والذي سيكرههم لاحقا بالسيف بعد التمكن اليثربي فيخضعوا لطاعته وعبادته الواحدة-ويصفي لاعبادة قومه الوثنيين وحدهم فحسب،بل وكل الديانات الاخرى،وحتى التي اقتبس منها واعترف بكتابيتها والهها الواحد،واعتبرنفسه مكملا لها،ونهل من تشريعاتها لتأسيس نبوته ورسالته:يهود،ومسيحيون،وصابئة،ومجوس!.
ان النبي محمد لايعبد اوثان قريش-شفعائها الى الله-ولن يعبدها ابدا-ولكنه عبدها فيما مضى في شبابه وقبل البعثة كما ذكرناّ-.والمكييون ايضا لايميلون لنظام النبوة ولا لعبادة الهه التجريدي المباشر،وبلا وسيط وعلى طريقته في نبذ الاصنام وتوظيف جبريل كمراسل بينه وبين ربه!.
لم هذا الالحاح والتوكيد الممل وغير اللازم؟!:لااعبد..لاتعبدون..اعبد..تعبدون..مايعبدون..مااعبد!.
هذا الاشتباك المتناحر بين العبادات من خلال الكلمات والمواقف،سينمو ويتطورويتعقد بعد قرون الى يومنا هذا ناهشا ذاته وممزقا جسده،خالقا لاعدائه في الداخل وفي الدين الواحد،والذي سيتشظى ويتفتت الى مذاهب وفرق وطوائف ونحل منقسمة يسودها العداء والكراهية والاحن الدائمة والتكفير المتبادل!.ومابدئه محمد من تكفير لقريش انتهى اليوم منتشرا على يد خلفائه وتابعيه الامناء على دينه الى تكفير مجتمعات وامم بأكملها-اسلامية وغير اسلامية-فكلما تتقلص دائرة الايمان:المختارون-الحواريون الفقهاء المحترفون وامراء وخلفاء المؤمنين.تتسع وتكبر دائرة الكفر:الملعونون،الكافرون،المرتدون،الملحدون،الخ من قائمة اتباع الشيطان الذين يزدادوا كل يوم،فيجب ان يكون القتل والتصفية في اعلى جدول مهمات الدين الاكثر سماحة ورحمة وانسانية!!.
ينهي محمد سورته-الكافرون-سورة المكاشفة وكشف الاوراق والاعتراف والبيان المصرح بالنية المضمرة،والتي كانت تعتمل في داخله،واظهرها على سطح الخطاب عارية،بأعلانه مولد دينه المفارق لدين قريش،كند وغريم.لينطق بآيته السادسة متحررا من ثقل مايبطن عبر القول ليسترح بعدها من حمله الذي انقض ظهره حاسما خياره،ليعلم الملأ المكي:ان محمد بات منشقا عن تراث ودين الاجداد.
هذه الآيه الاخيره من سورة الكافرون والتي لاتختلف او تتمايزعن الآيات التي سبقتها في كثير او قليل.خاصة في لازمة الاختلاف.فقد استعار محمد مفردة الدين كبديل للمخالفة في العبادة،فأصبحت تخالف في الدين:"لكم دينكم ولي دين".هنا ايضا بساوي محمد ويوازن بينه وبينهم في المسألة الدينية كأنداد متساوين:لهم دينهم،وله دينه.ولو قالها شخص عادي لمجموعة من الناس في مجتمع مفتوح فستكون مقبولة من الطرفين.اما ان تصدر من نبي جاء بدينه الخاص،ويقر في نفس الوقت بدين الآخر،فهذا يلزمه بأحترام الدين السائد والمغاير لدينه،على مبدأ المساواة في العقائد فأمر غريب،وهو يرمي لتدمير الدين القديم المختلف والمواجه لدينه.ولكن ماكان محمد يضمره حقا فهو شيء اخر تماما:محاولات المسايرة والتلفيق والمساومة والاحتواء والتحجيم،ومن ثم الاقصاء والافناء عند التمكن!.
وكما اسلفنا فأن الآيه الاخيرة لاتختلف في مضمونها وما تقوله عن بقية الآيات التي سبقتها في المعنى.ومحمد مثلما أقر بتعدد واختلاف العبادات،هنا ايضا يقر ويثبت هذه الحقيقة:فله دين،وللمكيين دين،وما يترب عليه،ولليهود دين،وللمسيحيين دين،وللصابئة دين ،الخ من اديان.والعبادة كوجه معبر عن الدين،والدين كمحتوى يفرز طرائقه واشكال تعبده،وعلى هذا فالدين والعبادة مترادفان في المعنى والدلالة:فالعبادة دين،والدين عبادة.حسب مفهوم محمد للاهوته المتخيل والضبابي.
"لكم دينكم ولي دين"هذه المقولة الجميلة الصافية في انسانيتها لو طبقت وعمل بها خارج سياقها،وخارج نسق التعصب للدين الخاص،ومحاربة دين الآخر،وجرى الالتزام بدلالتها الموحية بحرية العقيدة والفكر،والتي غالبا ما اجتزئت وكانت حجة استشهد بها المؤمنون المتنورون كعنوان ودليل على تسامح واعتراف دينهم-دين محمد بدين الاخر المختلف.عندما تقرأ السورة مبتورة ومنتزعة من سياقها- الذي يجب ان لاننساه والموجه لل(الكافرون)-وتؤخذ كبرهان وشاهد على القبول بتعدد الديانات وحرية الضمير والايمان واللاايمان،كل هذا يبقى وهما كبيرا وتبريرا وخداعا للذات وتضليل للآخر امام سيل من الآيات اللاحقة المترعة بالعدوانية والاحتراب.خاصة في المرحلة اليثربية المجاهدة-الغازية بعد الهجرة،والتي دعت جهرا لدين واحد احد وبلا منازع،والغاء وتصفية كل الاديان الاخرى(لايجتمع دينان في جزيرة العرب)!.والدعوة لنبذها والتخلي عنها تحت طائلة الاجلاء والسبي والقتل الجماعي الصريح!.
كل هذا لايترك ادنى مجالا للشك بحقيقة الدين المحمدي،ومدى كراهيته ورفضه للتعايش مع اي عقيدة اخرى مناهضة او مختلفة معه،فكل الاديان هي بمثابة الغريم والعدو،ويجب القضاء عليها بلا تردد ليسيطر دين الله حسب التصور النبوي المحمدي!.
فدين محمد تحول في يثرب الى دين مستبد ومتسلط وشمولي يبغي الهيمنة على كل فضاء الجزيرة.لايقبل المنافسة والتجاور اذا ما استطاع الى ذلك سبيلا.الاسلام والا فلا!.
فهل نحن امام (محمدان)و(قرآنين)؟ّ!.ام محمد واحد وقرآن واحد اختلف وتغير فخلع مسوح الرهبان والدروشة الصوفية ولبس لامة الحرب والغزو في يثرب؟!.
ان تعدد وتنوع الاديان والايديولوجيات العقدية دون تصادم او نزاع او تخاصم واقصاء في المجتمعات البشرية،وشرعنة الاختلاف الضميري او الفكري ليسود العلاقات الانسانية بتسامح وسلام وتعايش وحرية هو امر مطلوب وحق.لكنه طوبى اذا ماتفائلنا،ومحال لو تشأمنا في امسنا الغابر،وازداد افراطا في يومنا الحاضر،وهيهات!.
"لكم دينكم ولي دين"(هناك آيه من سورة يونس مطابقة لآيات سورة الكافرون،تؤكد تصلب محمد في موقفه المتكرر في النفي والتوكيد،والتي يقول فيها:"قل ياأيها الناس ان كنتم في شك من ديني فلا اعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن اعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت ان أكون من المؤمنين").هذه الآية الخاتمة،باتت اللافتة المرفوعة وأداة في الدفاع والهجوم:يدافع بها المعتدلون عن المحمدية كدين سماحة ومرونة وانفتاح وقبول للآخر!.ويستخدمها المهاجمون في الجدل ومحاججة المتطرفون،ومن داخل نصهم الديني وخطابهم المعتمد كرفض للتطرف والتكفير!.ولو كان محمدا صادقا في منطلقاته وزعمه لتبني هذا المفهوم:لكل دينه،وليعبد من شاء ماشاء بحرية ودون أكراه،لكان عليه اعتماد ذلك كتأسيس لعرف قانوني عقدي محترم وملزم لجميع الاطراف،ومفعل استنادا لتلك الآيات وأخرى مشابهه في الشكل والمعنى.وجعل ذلك شرعة تحكم ثقافة المجتمع المكي كما كان ذلك سائدا قبل اعلان محمد لنبوته.لكن ماجاء في سورة الكافرون من اعتراف محمد بدين قريش ليس جادا بدليل تكفيرهم في اول آبه،وهذا مايدحض بشدة مافشى من وهم بتسامح واقرارمحمد بأعتقادات اخرى مغايرة لاعتقاده(القويم)!.
الوثائق والمعطيات التاريخية عن حياة محمد خارج الروايات والمتخيل الاسلامي عن مرحلته المكية شحيحة ونادرة ولاتفي بالغرض في معرفة اهداف وغايات محمد بدقة وموضوعية.فهو نفسه لم يكن له هدفا استراتيجيا في بداية دعوته والتي اتسمت بالغموض والحيرة والارتباك خارج تبشيره وانذاره وتحذيره بقرب نهاية العالم الوشيكة(اقتربت الساعة وانشق القمر)!.يتحسس طريقه متعثرا بقناعاته المتبدلة.
فقد كانت نبوته محصورة بين نمط النبوة الكلاسيكية،وبين النبوة الانذارية -الخلاصية -الوعظية- الارشادية ،والاعتبار من قصص الاقوام والامم البائدة على طراز انبياء اليهود الرائون والكهان.
وعلى الجانب الآخر كان المكييون ينظرون لقول محمد القرآني كقول بشري غير صادر عن الله كما يزعم هو-المتخيل النبوي-.فهو مجرد(أفك اعانه عليه قوم آخرون)وانه(اساطير الاولين)-ويعرفها جيدا مثقفو مكة،فهو يفتقد للمنطق العقلاني،لغلبة الخيال وتهويلات صور ومشاهد الآخرة والجحيم والتعذيب وأضغاث الاحلام المنفلته التي تعج بها اللوحات النصية للقرآن المكي،وغيرها من المآخذ والاعتراضات،ونقدهم العقلي والديني-.وكان محمد يعي جيدا عزلته وطريق نبوته المسدود،وانغلاق افق دعوته مادامت محصورة في وادي مكة الضيق.
ومن هنا نجده يناور ويتكتك بمرونة ودبلوماسية،واعتمادا غلى سياسة السلام واللاعنف التي انقذته من مآزق وضغوط كثيرة.وكان قوله مطابقا لفعله-ولكنه لم يكن خالصا في صدقه،بل لاتقاء اذى وشر الملأ المكي الذي وقف ضد دعوته الهشة!-كان صابرا(والله مع الصابرين،وبشر الصابرين)وكان ماكرا(والله خير الماكرين)وكان مقتنعا بأنه نبي مرسل للهداية والرحمة(وما ارسلناك الا هدى ورحمة للعالمين)!.وما كان تكتيكا برغماتيا ناور به محمد في الفترة المكية،والتي قدم فيها تنازلات وساوم وتجاوب مع اوثان قومه لدرجة التصالح واحترام الهتهم وتقديرها وذكرها بالخير،وصلاته الجماعية معهم-اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى!-(آيه الغرانيق في سورة النجم)!.ثم ندمه بعد ذلك ليعود لسيرته الاولى في مقاطعة آلهته القديمة.واحباطه وقنوطه لان دعوته كانت تختنق تذبل وتنذر بالفشل والتلاشي التام اذا ما استمرت واقتصرت على مكة فقط:بعد محاولته الخائبة في الطائف،وطلبه الاجارة،ثم عرضه لنفسه على القبائل اثناء المواسم،جاءته النجدة والعون في بيعة العقبة الثانية لتنقذه يثرب بعهد(الدم الدم والهدم الهدم)!.تحول قرآنه المكي الرهباني- الطهراني الروحي المسالم الى القرآن اليثربي العنفي الدموي المسلح والمحارب!.ومن نبي واعظ ومنذر منبوذ مهان اعزل الى نبي مسلح،وقائد حربي،وزعيم سياسي،ومشرع ديني واجتماعي لدولة قيد التكوين.اما آيه السيف التي خرجت من ذهنية محمد الدوغماتي،تلك الآيه الثأرية المنتقمة التي نسخت وألغت كل الهراء المكي الذي سبق وان تفوه به في تلك الفترة المسيحانية الرومانسية التي طويت بلا رجعة والى الابد ليحل زمن الفعل-الغزو والحرب والغنائم والسبايا والرجم وقتل المرتد والجزية والتمييز بين الرجل والمرأة والمسلم وغير المسلم والحر والعبد الخ من ثمار الانتصار!.
ومن النصوص ذات المسحة الصوفية الوعظية(وقل الحق من ربكم فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر)و(لست عليهم بجبار،لست عليهم بمسيطر)و(أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)الى الانعطافة الحادة وبعد ان اصبح جبار ومسيطر:"واقتلوهم حيث ثقفتموهم"!.و"ان الدين عند الله هو الاسلام"!.فأيديولوجيا محمد الدينية اكتسحت كل الجزيرة العربية بعد ان سحقت كل الديانات السابقة التي تعايشت من قبل بسلام ووئام لقرون دون ان يعكر صفوها معكر.فأنتصاره النهائي تعمد بالدم وقطع الرؤوس كما يفعل اليوم تابعيه المخلصين لدينه وتراثه الباهر!.ومن:" لكم دينكم ولي دين"الى:لكم الخيار بين ديني وبين سيفي!.
ولا نخطيء اذا قلنا ان كل الاديان والمعتقدات وبلا استثناء هي مجرد رؤى وتصورات وخيال سابح وتجارب روحية واحلام يقظة مجنحة متنوعة،وهي بشرية بأمتياز،ولاتعدو محاولات التأمل والتفكير والتخيل لادراك وفهم وفك لغزالعالم والطبيعة والانسان،للوصول الجزئي والنسبي لتفسير كنه الوجود بأدوات لغوية وروايات اسطورية نتاج الخيال. توفر القناعة بالايمان وتحل معضلة الجهل والحيرة واللامعرفة والتساؤل،بتجارب وفرضيات دينية-وجدانية،عقلانية ولاعقلانية في سعيها للفهم والامان النفسي الداخلي بأجوبة لاعلمية تطمئن الذات المغتربة،وتبعد ألم الشك والقلق.-فكل اشكال الايمان تقود للراحة والسكينة والاستسلام واستقالة العقل-فلم هذا الهوس للاحتراب والتكفير المتبادل؟!.هذه النزعة المتأصلة والعارمة للازاحة والتصدر والهيمنة لدى كل الملل الدينية،وادعاها الراسخ بأمتلاك الصوابية الايمانية القويمة والحق والحقيقة لدى طرف واحد ناجي!.-اكفر ايمانك وتكفر ايماني بدوائر مغلقة معزولة،يجب كسرها لنتحرر ونتعانق بعيدا عن كل دوغما نخنق انسانيتنا وتكبل ارواحنا.فكل انماط التجارب الدينية-الروحية هي محض نتاج وابداع بشري،ومن طبيعتنا كبشر الاختلاف والتباين حسب اختلاف وتفاوت الافهام والادراك العقلي والحسي.فلا احد يمتلك الحقيقة الكلية المدعاة وحده!.كلنا عناصرها ونسيجها،ومنا تتشكل جزئيا وببطء في سيرور لاتتوقف ولن تبلغ كمالها مطلقا..فاختلافنا وتميزنا كذوات يبقى علامتنا الفارقة،جوهرنا وهويتنا كأفراد.
مالكفر؟.ما الايمان؟.لماذا تكون عيادتنا وديننا ايمان،وعبادة ودين غيرنا كفرا؟!...
لقد انجرفنا بعيدا مرغمين في تداعياتنا واستطرادنا واستغراقنا في شجون قاهرة وحزينة ونحن نقرأ سورة الكافرون،فهي التي حفزتنا لنحلم بنبذ كل الهويات الفرعية المفرقة و السامة والقاتلة لانسانيتنا.من دينية ومذهبية وووو.ان نتمسك بهويتنا الاساسية-وهي احدنا الاحد-كبشر،جنس من كائنات متطورة تعيش على هذه الارض.فهي الهوية الوحيدة التي تجمعنا وتوحدنا وكل الهويات الاخرى هي مفرقة تزرع الكراهية والاحن بين بني الانسان. هذا يبقى حلما وطوبى في غيب الازمان القادمة،ولكن يجب ان نخطو خطوة بهذا الاتجاه.
اما ان يبقى مانؤمن به هو الايمان الوحيد،وايمان الآخر كفرا بواحا!.فتلك لعمري فبركة اعتقادية واشتغال ايديولوجي!.
اما آن لنيام الكهف ان يستيقظوا من سباتهم ويخرجوا للضوء،وليعرفوا جيدا ان(ورقهم)البالي اصبح خارج التداول وبلا قيمة في سوق المدينة،ولايستطيعون ان يشتروا به سوى الاوهام!!!.
.....................................
وعلى الاخاء نلتقي...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,050,908,203
- لينين-روزا لوكسمبورغ..واختلافهما حول موضوعة-حق تقرير المصير- ...
- قراءة ل(سورة)الكافرون(7)
- قراءة ل(سورة)الكافرون(6)
- قراءة ل(سورة)الكافرون(5)
- قراءة ل(سورة)الكافرون(4)
- قراءة ل(سورة)الكافرون(3)
- قراءة ل(سورة)الكافرون(2)
- قراءة ل(سورة)الكافرون(1)
- (الظلم اساس الهلك)ام الملك؟!.
- حراس القيم وشرا...ئع(الله)!
- الحرب الاهلية الاسبانية/موت ثورة!./النص الكامل للمقال
- الحرب الاهلية الاسبانية/موت ثورة!.(8-الاخير)
- الحرب الاهلية الاسبانية/موت ثورة!.(7)
- الحرب الاهلية الاسبانية/موت ثورة!.(6)
- الحرب الاهلية الاسبانية/موت ثورة!.(5)
- الحرب الاهلية الاسبانية/موت ثورة!.(4)
- الحرب الاهلية الاسبانية/موت ثورة!.(3)
- الحرب الاهلية الاسبانية/موت ثورة!.(2)
- الحرب الاهلية الاسبانية/موت ثورة!.(1)
- ترنيمة الكركدن السعيد!


المزيد.....




- هيئة الإفتاء الجزائرية: الاحتفال بالمولد النبوي غير جائز شرع ...
- السفير السعودي ببيروت ينفى طلبه منع قرع أجراس الكنائس قرب سف ...
- توجيه اتهامات لمدير عام مؤسسة بحثية أردنية لزيف ادعائه باختط ...
- جهود لاستعادة أملاك مسيحيين بالموصل
- مطران الكنيسة الأسقفية بشمال أفريقيا في زيارة للسودان
- أداء صلاة الغائب على خاشقجي في المسجدين الحرام والنبوي
- فوز موشي ليون المدعوم من الجماعات اليهودية المتشددة برئاسة ب ...
- صحيفة: نينوى هي الاعلى بجريمة الاستيلاء على منازل المسيحيين ...
- خديجة تنشر صورة لخاشقجي في المسجد النبوي
- شاهد.. صلاة الغائب على خاشقجي في المسجد النبوي بحضور نجله


المزيد.....

- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ماجد الشمري - المقال الكامل/لقراءة(سورة)الكافرون.