أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى مجدي الجمال - فيليب وأبو الوفا















المزيد.....

فيليب وأبو الوفا


مصطفى مجدي الجمال
الحوار المتمدن-العدد: 5368 - 2016 / 12 / 11 - 07:54
المحور: الادب والفن
    


ملحوظة
((لا يعلم الغالبية الساحقة من معارفي أنني أكتب القصة القصيرة منذ كان عمري خمسة عششر عامًا.. ولكن انغماسي في العمل الوطني جعلني أحتفظ بسرية هذه الهواية، ورأيت أن معاركي السياسية لا تنقصها المعارك الأدبية.. غير أنه بعد أن وضعت قدمي في الهزيع الأخير من العمر رأيت أن لتلك القصص الحبيسة الحق في الظهور.. فبادرت منذ أيام ووضعت على موقع الحوار المتمدن قصة "وقضم أظافره" المكتوبة عام 2000 ، واليوم أضع القصة التالية المكتوبة في أبو سلطان عام 1978)).

## فيليب وأبو الوفا ##

الشمس قادحة والجنود يذهب مندوبوهم مسرعين بالقروانات إلى المطبخ لجلب طعام الغداء.. بعد أن اغتسل الضابط عماد من وعثاء التدريب والتهاب عينيه من الغبار الذي أثارته حركة الدبابات، سمع همهمات ضحك أخذ في التصاعد.. جاءه صياح الضابط صلاح:
- وبعدين!!
قال لنفسه: هو أنت حاشر نفسك في كل حاجة ياصلاح!!
دخل إلى الملجأ ليأخذ قسطًا من الراحة قبل التوجه إلى الميس. لمح كتاب طارق البشري عن الجامعة الوطنية، والذي يناديه للقراءة، لكنه في كل مرة ينوي القراءة كانت تأخذه مباراة الكرة في العصرية ولعب الطاولة والكوتشينة في الأمسيات مع الاستماع لإذاعة الأغاني في ساعاتها الأخيرة. كما أن القراءة على لمبة الجاز ثبت استحالتها. وكان قد حرص منذ فترة ألا تزيد مكتبته الصغيرة جدًا عن ثلاثة أو أربعة كتب حتى لا يثير انتباه المقدم نبيل مرة أخرى، خاصة بعدما انزعج لما وجد عنده كتابًا لأنور عبد الملك عن دور العسكريين في بناء المجتمع. قال له القائد يومها:
- مش عايزين سياسة ووجع دماغ.
وهمس:
-الدنيا ملبشة بعد حادثة الفنية العسكرية.
- ده كتاب في التاريخ يافندم.
هكذا نفذ من الورطة. ولم يمد المقدم يده إلى الكتاب فتنفس شاكرًا.
عادت الضحكات ترتفع بنبرة سخرية واضحة فقرر الصعود ليرى الأمر. اكتشف أن أحد الباشويشية يحرض العساكر على السخرية من فيليب. فنهرهم عن بعد رغم أنهم ليسوا من فصيلته:
- كله على ملجئه ينتظر الغداء.
لفت نظره أن العسكري أبو الوفا هو من تجرأ أيضًا وعاتب الباشاويش المحرض..
قال لعسكري المراسلة :
- ناديلي الصول أحمدي.
جاءه الصول بأوفرول نظيف مهندم كأنما لم تكن هناك مناورة تكتيكية بالذخيرة الحية. قال له:
- مش عاوز عسكري من فصيلتي يتعرض للعسكري فيليب.. مفهوم؟
- يافندم زمايله في فصيلته مابيبطلوش يهزروا معاه.. بس الواد كاتم في نفسه لأنه مابيعرفش يجاريهم..
- دي مشكلة الضابط صلاح.. أما عساكر فصيلتي لا.. أي واحد هايعمل كده هايتعاقب..
فيليب طويل القامة نسبيًا، لكن بدنه مترهل كأنه لا يعرف العضلات.. ودائمًا بيادته متسخة وأوفروله غير مكوي جيدًا.. وهو قليل الكلام، وصوته متهدج ولا يفوتك أن تلاحظ تكراره الممل لـ "تمام يافندي" كأنما لا يستطيع نطق كلمة "أفندم" مهما راجعه الآخرون.. بوجه عام هو شخص مرتبك..
تحرك إلى مطبخ الكتيبة ليقوم بدوره كضابط نوبتجي.. كان فيليب يغسل الأواني.. والتقطت مسامعه وهو يقترب بعض المناكفات لفيليبس.. هكذا كانوا يقرنون اسمه بالماركة التجارية المعروفة.. فقال أحدهم: "أنت كم بوصة يافيلبس؟".. ورد آخر: "غيّر القناة يافليبس".. "الواد ده شغال بإيريال دبابة".. وهكذا.. ولم يستطع الضابط عماد منع نفسه من ابتسامة خفيفة..
قبل دخول المطبخ صاح أول فرد: انتباه المطبخ!!
وقفوا جميعًا ساكنين.. عاتبهم بقوة وأنذرهم بالعقاب..
أثناء تناول الضباط للغداء، انتحى بالضابط صلاح، وهو ضابط الاحتياط مثله، وطلب منه أن يحل مشكلة فيليب ببعض من الضبط والربط، فوعده بذلك، وإن أبدى اعتراضًا طفيفًا على التدخل في شئون فصيلته..
في المساء مرَّ على الخدمات الليلية كعادته.. فوجد فيليب في نوبة حراسته على المطبخ وملجأ الشئون الإدارية.. فتجاذب معه أطراف الحديث:
- مش متقل في اللبس ليه ياعسكري فيليب.. الجو بارد..
- تمام يافندي..
- أنت منين يافيليب؟
- من شبراخيت بحيرة يافندي..
- شغلتك إيه في الملكية؟
- أنا بادرس دبلوم صنايع خراطة.. وباستسمحك يافندي تكلم الضابط صلاح ينزلني أجازة..
- وماتنزلش ف دورك ليه؟
- عندي امتحان بعد 5 أيام ولو نجحت فيه مدة تجنيدي هاتقل..
- هانشوف...
على مائدة الإفطار سأل صلاح عن سبب عدم السماح للعسكري فيليب بإجازة..
- قائد الكتيبة هو اللي يقدر ينزله.. إحنا ف طوارئ..
قال عماد لقائد الكتيبة أمام جمع الضباط:
- ياريت يافندم تنقل العسكري فيليب لفصيلتي وأنا أنزله أجازة على مسئوليتي.. خصوصًا إن تعليمات إدارة التدريب بتديله الحق في أجازة امتحان..
قال المقدم نبيل بعبارات متأنية:
- لكن فيه طوارئ والحرب لسه شغالة على الجبهة الغربية.. وكمان الضابط صلاح يمكن يتضايق لأن فيليب أحسن سائق في الكتيبة..
بهت صلاح وهز رأسه بإجابة غامضة لم يُفهم منها إن كانت بنعم أم لا.. واستدرك القائد:
- بس المشكلة هاتفضل زي ما هي لأن قوتك هاتقل نفر ياعماد..
وعلى الفور قدم المقدم حلاً مريحًا بأن يتم نقل فيليب إلى قوة فصيلة عماد مقابل أي سائق دبابة عند عماد، وأن ينزل فيليب إجازة، وأن يُضم العسكري أبو الوفا من الشئون الفنية لفصيلة عماد بشكل مؤقت ليحل محل فيليب في طاقم دبابته. تعجب عماد لقدرة القائد على الفك والتركيب والتبادل بنفس مهارته في حل ألغاز الكلمات المتقاطعة.
بعد أن حل المقدم المشكلة انفجر رئيس العمليات ضاحكًا، فاستفهم الجميع منه عن سبب ضحكه، وهو بالمناسبة شخصية بالغة المرح والذكاء.. فقال:
- أنت عامل جدع ياعماد وبتحل مشاكل أجازات العساكر.. أهي جتلك مشكلة أبو الوفا ولو جدع حلها.. ولو حليتها هاستأذن سيادة المقدم في منحك 48 ساعة فوق أجازتك الجاية..
تساءل عماد عن المشكلة، فكانت شديدة الغرابة.. أبو الوفا يرفض النزول في الأجازات منذ 150 يومًا.. ويرفض إبداء الأسباب.. ياللمفارقة. وتعجب أنه لم يعرف شيئًا عن هذا الموضوع الغريب طوال تلك المدة..
يعرف عماد كيف انتقل الخبر إلى فيليب بهذه السرعة، فعساكر ميس الضباط يجيدون التنصت والإرسال.. حتى أنه أقبل على عماد متهللاً لا يعرف كيف يشكره. فوجدها الضابط فرصة مناسبة كي يلقي على الجندي محاضرة كاملة وهو واقف أمامه في وضع انتباه:
- لازم تعرف ياعسكري فيليب إن الجيش احترام.. واللواء بيقف انتباه للعسكري لما بيكلمه.. وانت مشكلتك انك مش واثق من نفسك، ومهمل في حاجات صغيرة بس بتأثر في صورتك.. واوعى دماغك تروح في حتة مش تمام وتفسر سخرية العساكر منك بأي حاجة غلط.. لأن لو حصل ده الجيش هيقطع رقبة اللي يرتكب الغلط ده.. انتم شباب مع بعض ومانقدرش نمنع الهزار بينكم حتى السخيف منه.. وأي حد يغلط معاك رد عليه أو اتظلم منه.. ماتسكتش وتكلكع نفسيتك.. بص للشاويش فانوس.. حد يقدر يعمل معاه كده.. شخصيتك هي الأساس.. يالا روح استعد للنزول بكرة..
شعر عماد كما لو أن أبواب الفهم انفتحت على مصراعيها أمام العسكري فيليب.. ويتبقى عليه الآن أن يعرف قصة العسكري أبو الوفا، فبعث يستدعيه إلى ملجئه..
جاء أبو الوفا حاملاً مخلته فوق كتفه وأدى التحية للضابط عماد الذي كان يجلس فوق حجر أمام مدخل الملجأ، وتصنع عدم الاهتمام على أمل أن ينجح هذا الأسلوب في جعل العسكري القادم يفقد حذره.. قال له:
- بتسوق دبابات ياعسكري ؟
- طبعًا يافندم.. أنا ميكانيكي.. واللي بيصلح الدبابة لازم يعرف يسوقها..
- لو انضبطت معايا هابسطك في الأجازات..
بُهت أبو الوفا وأخذ في الشكر متلعثمًا.. فباغته عماد:
- مابتاخدش أجازاتك ليه يا عسكري؟
صمت العسكري.. ولم يستطع القول سوى أنه يحب البقاء في الكتيبة..
تأمله عماد بدقة فلاحظ أنه مفتول العضلات رغم ضآلة جسمه نسبيًا، وأنه يكاد يكون خاليًا تمامًا من أية شحوم، وله عينان غائرتان في وجه ناشف ككثير من أترابه أبناء الصعيد.. وقرر عماد أن يستخدم الخداع معه حتى يصل لقرار هذه الشخصية العصية..
- أنت ماتعرفش ياعسكري إن عدم نزول الأجازات أمر يثر الشبهات، ويستدعي المساءلة بالضبط زي النزول من غير تصريح.. وفي الحالة دي مش هاعرف أحميك..
كان هذا المدخل الخبيث قويًا إلى حد أن هذا الشاب الحويط بان عليه ارتباك كبير.. وما هي إلا دقائق حتى صرح للضابط بالسر الخطير.. قال إن هناك ثأرًا يطارده في قريته بديروط، وأن أفرادًا يعرفهم بالاسم من عائلة "الجارحي" المعادية يترصدون عودته في إجازة..
قال له عماد :
- ولماذا لا تذهب إلى مدينة أخرى وتستدعي أهلك للقائك؟
- أخاف برضه يافندم.. وكمان أهلي مش حمل مصاريف وسفر.. ولا أنا طبعًا.. وكمان ماستبعدش يكون لولاد الجارحي جواسيس من عساكر هنا والا هنا..
لم ينطق عماد بكلمة أخرى.. فهذا لغز مقفول لا حل له..
في طابور الصباح في اليوم التالي.. وقف قائد الكتيبة بعد تحية العلم، وعلى وجهه ملامح الراحة.. أبلغ أفراد الكتيبة بانتهاء حالة الطوارئ، وتوجه للضابط عماد بقوله:
- "كما كنت" تنقلات ياحالضابط عماد.. وكل الي عليهم الدور ينزلوا أجازات..
بعد دقائق من انتهاء الطابور كان فيليب يجري تقريبًا باتجاه المدق ليبدأ إجازته.. لكن المفاجأة الحقيقية كانت أن جاءه العسكري أبو الوفا طالبًا التصريح بإجازة.. توقف عقل عماد عن التفكير.. غمرته الفرحة والقلق معًا..





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,002,232,320
- وقضم أظافره
- لو روسيا العدو من تكون أمريكا؟
- الشراكة العربية الأفريقية إلى أين
- عن التمويل والثورة
- محمود فودة.. ومازال الرحيل يتقاطر
- حكومات الغرب باعثة الإرهاب
- الخلاف لم يكن رحمة دائمًا
- الطفل المسلح.. قاتلاً ومقتولاً
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة
- إنهم يديرون الأزمة
- رهانات السيسي السبعة
- المحرّض.. رسالة وفنًا وعلمًا
- أجواء قراقوشية في جامعة القناة
- خطوط عريضة لتقدير الموقف في مصر
- كيف توقعت مستقبل الثورة في فنزويلا
- هل جنت على نفسها داعش
- حوار مع دوير
- أوهام ومخاطر
- ثلاث أزمات وجودية
- المنظمات الحقوقية.. للداخل أم الخارج؟


المزيد.....




- الفنانة بقليس احمد فتحي تحيي حفلا فنيا في العاصمة الروسية ال ...
- فنان سعودي يعلق على قضية خاشقجي... فماذا قال
- الفنان السعودي محمد عبده يعلّق على تداعيات اختفاء خاشقجي
- الحبس والغرامة لوافد عربي تعدى على خصوصية ممثلة إماراتية
- -حملة شعواء- على السعودي ناصر القصبي بعد نعيه فنانا قطريا
- عاجل.. إعادة انتخاب بن شماش رئيسا لمجلس المستشارين
- مغربي يزرع الرعب بواسطة شاحنة أزبال بإيطاليا
- ذكرى كنفاني بكتارا للرواية.. حبر ساخن وعائد إلى حيفا
- جمعية نقاد السينما تعرض فيلم سميح منسي ” مقاهي وأزمنة “
- مجلس النواب يعد لمساءلة العثماني ويهاجم الإعلام


المزيد.....

- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى مجدي الجمال - فيليب وأبو الوفا