أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحميد برتو - خواطر حول أيام دامية















المزيد.....

خواطر حول أيام دامية


عبدالحميد برتو
الحوار المتمدن-العدد: 5354 - 2016 / 11 / 27 - 16:30
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بات النظر في تفاصيل الواقع العراقي الدموي الراهن أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ويدعو الى توجيه الجهود لإغلاق أبواب جهنم المفتوحة على الجميع. ولكن أمام هذه الدعوة تظهر العراقيل في الحال أيضاً، وتبدو عصية على الحل، ولا حصر لها. ومن تلك العراقيل: سهولة إتفاق أي عراقي مع شريكه الآخر في الوطن على أغلب المفاهيم الإيجابية المعترف بها إنسانياً، ولكن الأمر يكون عسيراً حين الإنتقال الى معالجة الحالات الملموسة، أي عند الإنتقال من التجريدات النظرية (الكلام) المتفق عليها الى الحالات الملموسة. هذا الإتهام موجه بالدرجة الأولى الى النخب السياسية والدينية والعرقية وحتى الثقافية، ولاسيما الفاسدة تماماً منها. كما لا يُبرئ هذا التقدير الفرد العادي في الوقت ذاته من بعض الإتهام، ولكن بحدود ضيقة، لأنه عرضت لضغوط مريرة ومديدة. هذا الحال يعكس خللاً عميقاً لم يأتي صدفة، وهو عامل لعب دوراً مهماً في تعميق الوحشية الراهنة وإتساع نطاقها وإنغلاق آفاقها.

تتجسد الوحشية بحالة عدم الإكتراث بأنهار الدم التي تسيل بدون إرادةٍ أو قرارٍ من أصحابها، أو أقله من غالبية الضحايا أنفسهم، وهي تضحيات لا تصب في خدمة هدف مسمى بعينه مثل إنضاج ظروف وعوامل الثورة الإجتماعية، أو حتى أدنى من ذلك بكثير.

وتكمن أسباب الإستخفاف بسيل الدماء في غياب القرار الوطني المستقل سياسياً، وعلى الصعيد الإقتصادي تكمن بالدولة التي تُمثل أقبح نماذج الدول الريعية، وترافق كل ذلك مع التدمير المُنظم للصناعة والزراعة والتعليم العام والتدريب المهني وجميع الخدمات العامة تقريباً، وكل مقومات الدولة الحديثة.

ومن المعلوم بصدد حصاد الدولة الريعية، خاصة إذا كانت ناقصة السيادة، أنها تُعمق سلوك الإنتهازية السياسية في درجاتها العليا ـ المتاجرة بالمباديء، وفي درجاتها الأقل ضراوة تتمثل بالمداهنة والمصاعنة والتقية غير الضرورية والمجاملة السلوكية دون مستوى الذوق المقبول، والأخطر هو العمل الحثيث من قبل النخب السياسية اللصوصية على تعميم التلقين، ومحاربة أي درجة من التفكير المستقل والإبداع الذاتي أو الجمعي، وهذا يحصل في المدارس والإرشاد الديني وحتى في التدريب على المهن والصنايع.

هنا حين نتناول موضوع التسامح على سبيل المثال، لا نجد أي عناء في العثور على أعداد هائلة من الحِكم والأقوال التي تصب بإتجاه التسامح، في الكتب الدينية والسياسية والإجتماعية وفي مختلف حقول المعرفة، وفي العرف الإجتماعي والسياسي التاريخي والمأثور الشعبي أيضاً، ولكنها باتت في الغالب مجرد لافتات داخل إطارات ميتة تحفظ على ظهر قلب عند القراءة أو الكلام، ولكنها تهان وبرعونة عند مستوجبات التطبيق الملموس.

قَلّبْتُ قبل لحظات صحيفة واحدة، ودون جهد وجدت فيها حِكماً وأقوالاً رائعة، لو جرى التمعن فيها من قبل العاملين في السلطة والحياة العامة لتغيّر الحال. هاكم ما وجدت، وكله يصب في شأن واحد أو شؤون متقاربة تكاد تكون واحدة. وأظن أنّا نتفق على أن تلك القيم الواردة والأهداف المتوخاة منها ظلت معطلة على أرض الواقع. ولأننا مجتمع مأزوم حالياً لابد من الإشارة هنا الى أن تسلسل الأقوال التي وجدتها في الصحيفة، وأشير إليها فيما يلي لا علاقة له بأهمية ومكانة الشخص القائل ولا مضمون القول نفسه. ولا أظن أن أحداً من الفاسدين في الشلة المهيمنة على الحياة العامة يجرأ على رفض أياً منها جهاراً.

قال نيلسون مانديلا: ـ أمقت العنصرية لأني أعتبرها أمراً بربرياً، سواءً جاءت من شخص أسود أو أبيض. الإمام علي: ـ كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ، لاَ ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلاَ ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ. الإمام الحسن البصري: ـ مروءة الرجل: صدقُ لسانه، واحتماله مُؤنَةَ إخوانه، وبذله المعروف لأهل زمانه، وكفه الأذى عن جيرانه. عبد الرحمن الكواكبي: ـ المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم براً وطاعة، وكالكلاب تذللاً وتملقاً. إيليا أبو ماضي: ـ كن بلسماً إن صار دهرك أرقما وحلاوة إن صار غيرك علقما. مكسيم غوركي: ـ واصل قراءة الكتب، ولكن تذكر أن الكتب تبقى كتباً وإن عليك التفكير بنفسك. وقال: ـ لا نستطيع أن نعمل من دون فلسفة، فهناك لكل شيء معنى مخفي يجب أن نعرفه.

ومن المفترض أن أحداً من سياسيي الخيبة والغفلة لا يستهين بقيمة التجارب العملية، وهنا أحاول في عصر السرعة والكلمات الموجزة أن أنقل تصورات عملاقين محبين للشعوب المستباحة مثل حالنا، لخصا تجربتمها بتواضع، وهما: مهاتير محمد ونيلسون مانديلا.

قال مهاتير محمد رئيسُ الوزراء الماليزي الأسبق خلال ترأسه لمنتدى كوالالمبور للفكر والحضارة أواسط تشرين الثاني/ نوفمبر 2014: "السكة من هنا". ملخصاً التجربة الماليزية بمكامن قوتها وضعفها أيضاً، وأشار الى عوامل النجاح.

قال: إن ماليزيا بلد متعدد الأعراق والأديان والثقافات، وقد تعرضت لحرب أهلية ضربت بعمق أمن وإستقرار المجتمع، لم نستطع خلالها أن نضع لبنة فوق أختها، فالتنمية في المجتمعات لا تتم إلا إذا حل الأمن والسلام، فكان لازماً علينا الدخول في حوار مفتوح مع كل المكونات الوطنية دون إستثناء لأحد، والإتفاق على تقديم تنازلات متبادلة من قبل الجميع. وبفضل التعايش والتسامح تحولت ماليزيا إلى بلد صناعي كبير قادر على المنافسة في السوق العالمية. وينبغي ضبط البوصلة وتوجيه الجهود والطاقات إلى الملفات الحقيقية، وهى الفقر والبطالة والجوع والجهل، فالناس مع الجوع والفقر لا يمكنك أن تطلب منهم بناء الوعي ونشر الثقافة، وأضاف نحن المسلمين صرفنا أوقاتاً وجهوداً كبيرة في مصارعة طواحين الهواء عبر الدخول في معارك تاريخية مثل الصراع بين السنة والشيعة وغيرها من المعارك القديمة. وأضاف مهاتير بأن قيادة المجتمعات المسلمة والحركة بها للأمام ينبغي أن لا تخضع لهيمنة فتاوى الفقهاء والوعاظ، فالمجتمعات المسلمة عندما رضخت لبعض الفتاوى والتصورات الفقهية، التي لا تتناسب مع حركة تقدم التاريخ أصيبت بالتخلف والجهل، فالعديد من الفقهاء حرموا على الناس استخدام التليفزيون والمذياع، وركوب الدراجات، وشرب القهوة، وجرموا تجارب عباس بن فرناس للطيران. وعلى الجميع أن يُدرك بأن فتاوى وأراء النخب الدينية ليست ديناً، فنحن نُقدس النص القرآني، ولكن من الخطأ تقديس أقوال المفسرين وإعتبارها هي الأخرى ديناً واجب الإتباع. وأكد مهاتير: "إن الله لا يساعد الذين لا يساعدون أنفسهم" علينا أن نساعد أنفسنا وأن نتجاوز آلام الماضي وننحاز للمستقبل.

وإذا نظرنا الى تجرية نيلسون مانديلا رمز النضال الأفريقي والعالمي ضد الإضطهاد والتمييز العنصري، المناضل الراحل وقائد ورئيس جمهورية جنوب أفريقا ما بعد الفصل العنصري فقد وجّه رسالة إلى الشعبين التونسي والمصري، وهو على فراش الموت، حملت عنواناً يتضمن تجربة إنسانية كبيرة بعد إنتصار المسلمين بفتح مكة: "إستحضروا قول نبيكم: إذهبوا فأنتم الطلقاء".

قال مانديلا: ما زلت أذكر ذلك اليوم بوضوح، كان يوماً مشمساً من أيام «كيب تاون»، خرجت من السجن بعد أن سلخت بين جدرانه عشرة آلاف يوم. خرجت إلى الدنيا بعدما وارِيتُ عنها سبعاً وعشرين عاماً لأني حلمت أن أرى بلادي خالية من الظلم والقهر والإستبداد ورغم إن اللحظة أمام سجن «فكتور فستر» كانت كثيفة على المستوى الشخصي إذ سأرى وجوه أطفالي وأمهم بعد كل هذا الزمن. إلا أن السؤال الذي ملأ جوانحي حينها هو: كيف سنتعامل مع إرث الظلم لنقيم مكانه عدلاً؟.

أكاد أحس أن هذا السؤال هو ما يقلقكم اليوم: لقد خرجتم لتوّكم من سجنكم الكبير؛ وهو سؤال قد تحُدّد الإجابة عليه طبيعة الاتجاه الذي ستنتهي إليه ثوراتكم. إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم. فالهدم فعل سلبي والبناء فعل إيجابي. أو على لغة أحد مفكريكم فإن إحقاق الحق أصعب بكثير من إبطال الباطل.

يواصل مانديلا عرض تجربته: أنا لا أتحدث العربية للأسف، لكن ما أفهمه من الترجمات التي تصلني عن تفاصيل الجدل السياسي اليومي في مصر وتونس تشي بأن معظم الوقت هناك مهدر في سب وشتم كل من كانت له صلة مع النظامين البائدين، وكأن الثورة لا يمكن أن تكتمل إلا بالتشفي والإقصاء، عليكم أن تتذكروا أن الآخرين في النهاية مواطنون ينتمون لبلادكم، فاحتواؤهم ومسامحتهم هي أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة، ثم إنه لا يمكن جمعهم ورميهم في البحر أو تحييدهم نهائياً، ثم إن لهم الحق في التعبير عن أنفسهم، وهو حق ينبغي أن يكون احترامه من أبجديات ما بعد الثورة، ومن جانب آخر وفق مانديلا أن التسامح الحق لا يستلزم نسيان الماضي بالكامل. أذكر جيدا أني عندما خرجت من السجن كان أكبر تحد واجهني هو أن قطاعاً واسعاً من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت له صلة بنظام الفصل العنصري، لكنني وقفت دون ذلك، وبرهنت الأيام أن هذا كان الخيار الأمثل ولولاه لانجرفت جنوب إفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الديكتاتورية من جديد.

لذلك شكلت «لجنة الحقيقة والمصالحة» التي جلس فيها المعتدي والمعتدى عليه وتصارحا وسامح كل منهما الآخر. إنها سياسة مرة لكنها ناجحة، تخيلوا أننا في جنوب إفريقيا ركزنا ـ كما تمنى الكثيرون- على السخرية من البيض وتبكيتهم وإستثنائهم وتقليم أظافرهم. لو حصل ذلك لما كانت قصة جنوب إفريقيا واحدة من أروع قصص النجاح الإنساني اليوم. أتمنى أن تستحضروا مقولة نبيكم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

كل ما تقدم لا يُشكل دعوة لإستنساخ التجارب، ولكنه يُشكل نقاط ضوء في فهم ظروفنا، وإستثمار جميع التجارب الناجحة على ظهر هذا الكوكب من أجل يومنا هذا، ومن أجل مستقبل الأجيال القادمة. فمازال الجدل عندنا مستمراً بين الناس المعنيين بتحليل الظواهر التي تصادفهم أو الأسئلة التي تُطرح عليهم. نفر يقول: النظر في الأمر من الخارج يوفر نظرة تكون أكثر موضوعية وتجرداً ودون تأثيرات الإنغماس بالحدث. وآخرون يصرون على أن المعايشة الملموسة هي التي تعطي الصورة الأدق.

يوجد بعض الصواب في الموقفين أو النظرتين، ولكن من الصحيح أيضاً أن الإقتراب من الواقع، والتعرف عليه، وفهمه أكثر فأكثر يتوقف الى حدود بعيدة، كما أرى، على المنهج المتبع في تحليل الظاهرة أو الظواهر التي تواجه الأفراد والجماعات. ويظل التحليل في الحالتين وبمجمله قاصراً إذا لم يقترن بما يستوجب فعله بعد ذلك، وتستند كل الحالة على فلسفة تسدد الخطى في جميع المراحل. وهذا كله لا يُقلل من وصف المشهد أو التجربة أو الظاهرة أو الحدث وعلى المستويين الطبيعي والإجتماعي، لأنه يُمثل الخطوة الأولى التي تبنى عليها بقية الخطوات اللاحقة الأكثر عمقاً. وأخيراً، يظل المنهج المتبع والفكر المعتمد في الملاحظة والدراسة وتصديق النتائج هو الحاسم في تلمس الدرب الصحيج المفضي الى نتائج طيبة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- تحررت مدينة هيت ولكن متى تدور نواعيرها؟
- عملية سياسية مندحرة ولكنها مستمرة
- موجعة ذكرى الشهداء
- ثورة 14 تموز
- الفقراء يتضامون ... ويتبرعون أيضاً
- 31 آذار يوم مجيد لكل كادحي العراق
- وداعاً أبا نصير؛ المناضل عبد السلام الناصري ...
- ألف مبروك لكل من يهمه الأمر!
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (5)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (4)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (3)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (2)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (1)
- حملة التضامن مع إبراهيم البهرزي
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (3)
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (2)
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (1)
- نظرة الى دراسة إستطلاعية
- بين القرم ودمشق الشام
- التظاهرات نشاط سياسي حقق منجزاً


المزيد.....




- نجيب ساويرس: الحل بسرعة نشر الحقيقة وليس نقد التسريبات
- شاهد.. الأكراد يحتجون على أمريكا وسط نزاع كركوك
- جهود RT تتوج بإعادة طفل روسي إلى جده بعد معاناة مع -داعش- في ...
- رياض المالكي: سنقاضي بريطانيا
- سليماني وضع حلا للمشكلة الكردية في العراق
- بالفيديو: لماذا يعانق رجل أسود البشرة احد المنتمين للنازيين ...
- كارتر يبدي استعداده للذهاب إلى كوريا الشمالية
- قوات سورية الديموقراطية تعلن سيطرتها على حقل العمر النفطي في ...
- بالفيديو: لماذا يعانق رجل أسود البشرة احد المنتمين للنازيين ...
- الملف الكردي يشكل تحديا للسياسة الأميركية


المزيد.....

- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي
- أكاذيب حول الثورة الروسية / كوري أوكلي
- الجزء الثاني : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي وثبة كانون / 19 ... / فلاح أمين الرهيمي
- الرياح القادمة..مجموعة شهرية / عبد العزيز الحيدر
- رواية المتاهة ، أيمن توفيق / أيمن توفيق عبد العزيز منصور
- عزيزى الحب / سبيل محمد
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- أصول الفقه الميسرة / سعيد رضوان
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني
- مثلث الخطر اسرائيل - تركيا ايران / جمال ابو لاشين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحميد برتو - خواطر حول أيام دامية