أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سيد القمني - فى التوراة وفى التاريخ















المزيد.....


فى التوراة وفى التاريخ


سيد القمني
الحوار المتمدن-العدد: 5322 - 2016 / 10 / 23 - 11:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    




العلم للجميع
الطقطوقة الخامسة
المصريون والإسرائيليون
فى التوراة وفى التاريخ(*)
من استهلاك الوقت أن نتحدث عن مصر فى التاريخ، والكلام بشأنها من نوافل القول، فشأنها معلوم وأنشر من أى حديث حتى أصبح من فسـاد الرأى أن يؤرخ باحث لأى علم من العلوم دون الرجوع إلى أصول تلك العلوم فى مصر القديمة، هذا فى مجال العلوم، وفى ميدان التاريخ كعلم. أما فى ميدان الاعتقاد، وفى الصحائف المقدسة، فلها شأن عظيم أيضا، لكن بوصفها ذلك البلد الضال أهله، الذى تأله حاكمه، فكفر، فوصم مع شعبه بأنهم من المجرمين، لذلك استحقوا أن يكونوا من المغرقين، بقرار من (يهوه) رب التوراة، وبضربة من عصا إعجازية دمرت الزرع والضرع فى وادى النيل قبل أن ينطبق البحر المفلوق على من بقى منهم، أليسوا مجرمين؟.
أما إسرائيل فهى عمدة المقدس وعقدته الجامعة، هى المحور منه والقلب الخافق، فهى شعب مقدس فضله الله على العالمين. سلسلة من النجباء الأنبياء المطهرين فالأب نبى ينجب نبيا، فى سلسال توارث النبوة كما توارث أرض فلسطين، خير خلف عن خير سلف، فكانوا فى المقدسات هم المقدمين على غيرهم من الأمم الضالة، جدهم البعيد هو إبراهيم الخليل، وآباؤهم اسحق ويعقوب الملقب بإسرائيل، وبنوه بنى إسرائيل الأسباط المكرمين، ومنهم يوسف الصبى الفاتك الجمال الذى توزر على خزانة المصريين، وعلّم خبراء الزراعة ومهندسيها فى مصر، كيف يواجهون قحط السنين، ومن بعده جاء (موسى) أعظم أنبياء إسرائيل. ويغصّ التاريخ المقدس بعد ذلك بسيرة أولئك الهداة المطهرين فهذا (شاؤول) يقيم لهم دولة فى فلسطين ليترك تأسيسها وتعميدها لداود الملك وولده سليمان، بينما أصبح ذلك الأخير سيداً على مملكة عظمى تغنت بها كتب الدين وكتب الأساطير، فتسلط على الوحوش والهوام والجن والعفاريت. وأصبحت إسرائيل فى زمانه أغنى الدول، حتى كانت الفضة فى الشوارع مثل التراب (بتعبير التوراة)، أما فى المأثور الإسلامى فكان أحد أربعة ملوك تملكوا على العالم الأرضى من أقصاه إلى أقصاه.
هذا شأن إسرائيل فى مأثورات الدين، لكن الغريب والمشكل الحقيقى أمام هذا الرتل العقائدى والهائل، أن التاريخ كعلم، يعلم يقينا تاريخ مصر بحفائره وعلمائه وأركيولوجيته بأعلامها الآثارية الشاهدة، كما انتهى ترتيب أوضاعها الزمنى عبر أسرات ودول، من مينا موحد القطرين مروراً ببناة الأهرام إلى التحامسة ثم المناتحة فالرعامسة حتى الشناشقة والبطالمة، فأرض مصر تفيض بالحفائر، غنية بالأحداث. لكن ذلك العلم نفسه، علم الحفائر والآثار، علم التاريخ، رغم الهوس الحفائرى فى إسرائيل الآن، يجد الأرض ضنينة بأى معلومة ذات شـأن، فالتاريخ كعلم لا يعرف عظيماً أقام لإسرائيل مملكة باسم (شاؤول)، و لا يعلم بشأن محارب ذى بأس أسس لإسرائيل قوميتها باسم (داود)، ولم ترد فى وثائقه بالمرة أية إشارة لملك حكيم حاز شهرة فلكية باسم (سليمان)، كما لم يسمع أبداً ولم يسجل فى مدونات مصر ولا فى مدونات الدول المجاورة، خبر جيش الدولة العظمى وهو يغرق فى بحر تفلقه عصا، وإطلاقاً لا يدرى شيئاً عن صبى جميل فتن نساء مصر وأذهلهن بجماله فقطعن الأيادى وهن فى الهيام به ساهمات. كلا لا يعلم التاريخ من كل ذلك شيئا ولو يسيرا، وكل ما يعلمه عن إسرائيل، حكايات متناثرة عن شوارد قبائل من شذاذ الآفاق باسم (الخابير، والعابيرو)، وإيماءه هنا ولفته هناك تتحدث بإهمال عن جماعة باسم إسرائيل سحقتها كتائب الفرعون (مرنبتاح)، أو ما جاء فى نصوص الرافدين عرضا عن مملكة باسم (عمرى)، ربما، ويحتمل، ويظن، ومن الجائز، وقد تكون: هى مملكة إسرائيل زمن ملكها (عمرى) وابنه (آخاب). لكن الأسماء المعظمة المبجلة المفخمة فى التاريخ الدينى، فلا شيء منها البتة وقطعاً فى التاريخ كعلم.
الإسـرائيليــــــون يدخــلون مصــــر
تقول التوراة ـ ولا يقول التاريخ هنا شيئاً ـ إن أول احتكاك للبدو العبرانيين بمصر والمصريين كان زمن الأب إبراهيم، الذى هبط مصر مع زوجته سارة هربا من القحط الذى حل بأرض كنعان، فحصل هناك على فضل عظيم وخير عميم، يأتى خبره فى نص التوراة القائل عن هدية فرعون لإبراهيم: »فصنع إلى إبرام خيراً بسببها ـ أى بسبب سارة ـ وصار له غنم وبقر وحمير وإماء وإتن وجمال.. فصعد إبرام من مصر.. وكان إبرام غنياً جداً فى المواشى والفضة والذهب/ سفر التكوين 12، 13«.
ثم تحدثنا التوراة ـ ولا يحدثنا التاريخ ـ عن قصة الصبى الأخاذ فى جماله (يوسف) ابن إسرائيل (يعقوب) وقصة بيعه فى مصر، وكيف أثبت مهارة إسرائيلية أوصلته إلى كرسى الوزارة، ليصبح الرجل الثانى فى مصر بعد الفرعون، وكيف أرسل يوسف يستدعى أهله لينعموا بخير مصر كملجأ للإسرائيليين كلما قحطت بهم الحياة ولحقت بهم المجاعات.
لكن التوراة لا تخبرنا بالسبب الذى أدى إلى حنق الفرعون التالى على العرش على يوسف وأهله، إلى حد تسخيره ضيوف مصر فى الأعمال الشاقة، عقابا لهم على أمر مجهول، ونحن نعلم أن (ماعت/العدالة/القانون الكونى) كانت تاج القانون المصرى الدائم، ومن هنا يظن أغلب الباحثين، أن الإسرائيليين لعبوا دوراً مع الهكسوس الغزاة ضد المصريين، وتعاونوا مع أعداء البلاد فحقت عليهم النقمة، وتم أسرهم مع فلول الهكسوس الأسيرة بمصر.
وبدورنا نذهب مع هذا الظن، ونحتمل دخول يوسف وأهله مصر فى عهد (أسيس) آخر الحكام الهكسوس على مصر، وهو ما يلتقى مع الاسم (عزيز) الذى جاء فى القرآن الكريم، خاصة أن الآيات كانت تتحدث دوما عن حاكم مصر باسم الفرعون، عدا زمن يوسف، زمن دخول الإسرائيليين إلى مصر. ناهيك عما سجلته التوراة عن سياسة يوسف فى مصر أثناء السنين القحط السبع، حيث احتكر (الميرة) جميعاً فى خزائنه وباعها للمصريين الذى يموتون جوعا مقابل الاستيلاء على أرضهم ثم مواشيهم ثم أنفسهم هم ليتحولوا إلى عبيد، لصالح الحاكم الهكسوسى. أما مشاعر المصريين تجاه هؤلاء الإسرائيليين فقد تبدت بوضوح فى اعتبارهم الإسرائيليين نجساً يجب اجتنابه، وهو ما ورد جميعه فى نصوص توراتية من قبيل: » اشترى يوسف كل أرض مصر لفرعون، إذ باع المصريون كل واحد حقله، لأن الجوع اشتد عليهم، فصارت الأرض لفرعون، أما الشعب فنقلهم إلى المدن من أقصى حَدِّ مصر إلى أقصاه.. فقال يوسف للشعب إنى اشتريتكم اليوم وأرضكم لفرعون/ سفر التكوين 47« وفى نفس السفر كان يوسف يقول لأخوته »جواسيس أنتم، لتـروا عورة الأرض جئتم/ تكوين 42« وكان ينصحهم دوما بالابتعاد عن المصريين »لأن كل راعى غنم رجس عند المصريين/ سفر التكوين46«.
الإســرائيليـــون يخرجــون مـن مصــر
هذه حكاية التوراة عن الدخول إلى مصر، فماذا عن الخروج؟ تقـول التوراة: إن موسى قد ولد فى مصر إبان أزمة الإسرائيليين بمصر، والقصة معروفة، فقد ربى فى القصر الملكى، وتبنته ابنة الفرعون وأكرمت مثواه، لكن الصبى يكبر فيقتل مصريا تعصبا لبنى جلدته، فيطلبه القصاص وتطارده العدالة فيهرب إلى مديان بسيناء، حيث يلتقى هناك برب سينائى يدعى (يهوه)على هيئة نار فى عليقه، و يحمل منه أوامر صريحة لبنى إسرائيل، ليخرجوا من مصر تحت قيادة موسى إلى فلسطين. وعاد موسى إلى مصر بتلك الأوامر، وبالعصا الثعبان، مع وعد إلهى يقول: »الآن تنظر ما أنا فاعله بفرعون، فإنه بيد قوية يطلقهم، وبيد قوية يطردهم من أرضه.. أنا أعطيهم أرض كنعان أرض غربتهم /سفر الخروج6«.
وتتالى الأحداث فيضرب موسى بعصاته النيل ليتحول دما، وتصير مصر خرابا، ثم يضرب بعصاته ضربات متتالية، فتمتلئ مصر بالضفادع والبعوض والذباب والطاعون والجراد مع برد وظلام، ثم يهبط الرب يهوه بنفسه لتحقيق الضربة الأخيرة بقتل أطفال المصريين وذلك فى النص » وقال موسى: هكذا يقول الرب: إنى نحو منتصف الليل، أخرج فى وسط مصر، فيموت كل بكر فى أرض مصر، من بكر الفرعون الجالس على كرسيه، إلى بكر الجارية التى خلف الرحى، وكل بكر بهيمة، ويكون صراخ عظيم فى كل أرض مصر / سفر الخروج11«.
وفى تلك الليلة »كان صراخ عظيم فى مصر، لأنه لم يكن بيت ليس فيه ميت/ خروج12«. ولم ينس الإسرائيليون عادتهم فى الخروج من مصر بالخير الوفير، »فقد فعل بنو إسرائيل بحسب قول موسى، طلبوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ذهبا وثيابا، وأعطى الرب نعمة للشعب فى عيون المصريين حتى أعاروهم فسلبوا المصريين، فارتحل بنو إسرائيل من رعمسيس/ خروج12«.
ثم تأتى الضربة الحقيقة لإفناء المصريين، فى رواية التوراة عن قيام ملك مصر وجيوشه بمطاردة الفارين بالذهب، حيث أدركوهم عند البحر، وهنا تحدث المعجزة الكبرى »ومد موسى يده على البحر، فأجرى الرب بريح شرقية شديدة كل الليل، وجعل البحر يابسة وانشق الماء، فدخل بنو إسرائيل فى وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم، وتبعهم المصريون ودخلوا وراءهم.. فمد موسى يده على البحر، فرجع البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة.. فدفع الرب المصريين وسط البحر/ خروج14«. ويتوجه الخارجون من مصر إلى فلسطين ليغزوها ويحتلوها ويقيموا لهم هناك دولة، تلك الدولة التى قيض لأحد ملوكها (سليمان) أن يحوز فى مقدسات المنطقة شهرة لا تضارع، ومع ذلك فقد قال (هـ.ج. ويلز) ونقل عنه الباحثون العرب مثل د.أحمد سوسه ود. أحمد شلبى قوله: »أما الوصف الذى اعتاد الباحثون ترديده عن اتساع وامتداد حدود مملكة سليمان، فيعده أكثر الباحثين من قبيل المبالغات التى درجت عليها دويلات تلك العصور، والحقيقة أن مملكة سليمان التى تبجحت التوراة بعظمتها كانت أشبه بمحمية مصرية مرابطـة على حدود مصر، قائمة على حراب أسيادها الفراعنة.. وكان سليمان يريد أن يجارى الفراعنة فى البذخ والظهور بما هو فوق طاقاته وإمكانياته الاقتصادية.. فأثقل كاهل الشعب بكثرة الضرائب.. ولما عسر على سليمان أن يحتل أرض فلسطين الساحلية طلب معونة فرعون مصر، فأرسل جيشاً مصرياً صغيراً احتلها وسلمها له مهراً لابنته«. ثم يتساءل : »كيف صور كتبة التوراة مملكة سليمان فى صورة تفوق الواقع بكثير؟ فسليمان لم يكن وهو فى أوج مجده إلا ملكاً صغيراً يحكم مدينة صغيرة، وكانت دولته من الهزال وسرعة الزوال بحيث لم تنقض بضعة أعوام على وفاته، حتى استولى شيشنق أول فراعنة الأسرة الثانية والعشرين على أورشليم« ثم يتابع قوله: »إن أمور مصر فى عهده كانت مرتبكة فخفت هيمنتها على فلسطين وبلاد الشام، وكانت أمور الدولة الأشورية مرتبكة كذلك، وقد منح هذا لسليمان شيئا من الحركة والنشاط والتبسط فى ممارسة السيادة، أما ما جاء عن قصة ملك سليمان وحكمته التى أوردها الكتاب المقدس، فقد تعرضت لحشو وإضافات على نطاق واسع، على يد كاتب متأخر شغوف بالمبالغة فى وصف رخاء عصر سليمان، مولها بتمجيد حكمه.. وقد استطاعت هذه الرواية أن تحمل العالم المسيحى بل والإسلامى على الاعتقاد بأن الملك سليمان كان من أشد الملوك عظمة وأبهة، لكن الحق أنه إذا قيست منشآت سليمان بمنشآت تحتمس الثالث أو رمسيس الثانى أو نبوخذ نصر، فإن منشآت سليمان تبدو من التوافه الهيئات، أما مملكته فهى رهينة تتجاذبها مصر وفينيقيا، وترجع أهميتها فى معظم أمرها إلى ضعف مصر المؤقت«.
مـــاذا يقــول التــاريــخ؟
وهكذا يتضح أن الباحثين عندما يريدون الحديث عن أحداث التوراة حديث المؤرخين،يضطرون إلى المقارنات والاستنتاجات، بالنظر إلى أن تاريخ مصر، على كثرة ما اكتشف منه، لا يشير إلا لماما فى لمحات سريعة إلى القبائل البدوية، بينما تتحدث التوراة بالتفاصيل عن مصر وملوكها ومدنها وطبائع أهلها، مما يشير إلى معرفة واضحة من جانب الإسرائيليين بشئون مصر والمصريين، وهو أمر طبيعى تماما حيث أن وضع إسرائيل كقبائل هامشية ما كان يشغل حيزاً هاما فى المدونات المصرية، بينما كان المدون الإسرائيلى لا يستطيع إغفال مصر.
المهم أن أول ذكر لإسرائيل فى مدونات مصر، جاء فى قصيدة منقوشة على لوح تذكارى من الجرانيت الأسود، أقيم فى معبد الملك(مرنبتاح) الجنائزى، والقصيدة تتغنى ببطولات الملك وانتصاراته، حيث تقول: » الأمراء منبطحون أرضا يصرخون طالبين الرحمة، ليس بين الأقواس التسعة من يرفع رأسه، لقد دمرت أرض التحنو (ليبيا)، وخاتى (تركيا) هادئة، وكنعان قد استلبت بقسوة، وعسقلون تم الاستيلاء عليها، وجازر قد أخذت وينو عام أصبحـت كأن لم تكن، وإسرائيل أقفرت وليس لها بذر، وخورى (أرض فلسطين)عدت أرملة لمصر«.
وقد وقف علماء كثر مع هذا النص واعتبروه دالاً على حدث الخروج من مصر، حيث ترد كلمة إسرائيل فى نصوص مصر لأول مرة، واعتبروا الفرعون (مرنبتاح) هو فرعون موسى والخروج، بينما ذهب آخرون إلى أن النص يتحدث عن حرب شنها مرنبتاح على عدد من الشعوب خارج مصر، وأنه هاجم أراضيهم وضمنها إسرائيل.
هذا كل ما ورد من التاريخ التوراتى المهول فى تاريخ مصر »إسرائيل أقفرت وليس لها بذر« ويبدو أن الأمر لم يكن يستأهل الفخار به والإطالة بشأنه قياساً على أعمال الفرعون الأخرى، فاكتفى بتلك الإشارة السريعة، التى قامت عليها ألوف الأبحاث فى جامعات العالم، مقارنة بالتوراة، ولم تزل.
أما قول (ويلز) السالف، إن إسرائيل كانت مجرد دويلة رهينة لمصر، وأنها كانت تابع متقدم فى آسيا للفراعنة، فهو استنتاج يطابق أحداث التاريخ، وما ورد فى تاريخ مصرـ القديمة من وثائق، عن الحملات التأديبية التى كان يقوم بها الفراعنة على بدو آسيا، فى حال أى تمرد أو عصيان مع تركهم على أحوالهم ويحكمون فقط بوال من قبل الفرعون غالباً ما يكون منهم،مع بعض كتائب مصرية لمنع أى شغب.
وتتحدث التوراة عن زمن حكم(رحبعام)، بن الملك سليمان ولم يمض على موت سليمان خمس سنوات. فتخبرنا بشأن حملة قام بها فرعون مصرى باسم(شيشق) على دولة يهوذا فى فلسطين، حيث تقول » وفى السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم، وأخذ خزائن بيت الرب، وحزائن الملك، وأخذ كل شئ، وجمع أتراس الذهب التى عملها سليمان / سفر ملوك أول14«.
وهو الخبر الذى يلتقى مع الوجود التاريخى لفرعون باسم (شيشنق)، وبأخبار لحملة قام بها على فلسطين، مع جدول بالمدن التى هاجمها، لكن دون أن يذكر كلمة إسرائيل إطلاقاً ولا كلمة يهوذا ولا حتى أورشليم، وهو ذات الفرعون الذى قالت التوراة، أنه كان صهر سليمان، وأن سليمان طلب منه مساعدته للاستيلاء على مدينة جازر الفلسطينية الساحلية، فأرسل إليه شيشنق بضعة كتائب مصرية احتلها له وتركها له هدية. وقد عثر مؤخراً فى مجدو على نصب تذكارى أقامه شيشنق هناك تذكاراً لحملته على المملكة السليمانية بعد موت سليمان، وهو الأمر الذى يشير إلى أن سليمان كان تابعاً مخلصاً لشيشنق، كما يشير فى جانب آخر إلى عصيان ما ارتكبه ولده (رحبعام) بحق الفرعون فاستحق التأديب.
ومن المعلوم أن مصر ظلت ترعى فلسطين وتزودها بالميرة أيام القحط والجفاف، كما ظلت ملجأ آمنا لأهلها عند أى خطب أو غزو خارجى، وهو بالضبط ما حدث زمن هجوم الملك الكلدانى نبوخذ نصر على يهوذا، حيث لجأ أهلها بالألوف المؤلفة إلى مصر، التى استقبلتهم بالترحاب زمن الفرعون (واح اف رع) المسمى باليونانية (إفريس 587 ـ 568 ق.م) أحد ملوك الأسرة السادسة والعشرين، وهو ما حكته التوراة فى الإصحاح 25 من سفر ملوك ثانى، وتأكد بوجود جالية يهودية تعيش بعد ذلك فى جزر الفنتين جنوبى أسوان بمصر.
وتحكى لنا التوراة عن معركة بين مصر وأشور وقعت فى بلاد الشام، مما يشير إلى خروج الجيوش المصرية للدفاع عن بلاد الشام ضد غزو آشورى، وتقول التوراة أن ملك إسرائيل (يوشيا) اعترض طريق الفرعون (نخاو) ليمنعه عن نجدة سوريا فاضطر الفرعون إلى قتل الملك الإسرائيلى، كما اضطر بعد ذلك لأسر ابنه(يهوآحاز) الذى تخابر مع الآشوريين، وتم ترحيل الملك الإسرائيلى (يهوآحاز)، إلى مصر وهى رواية سفر الملوك الثانى بالإصحاح الثالث والعشرين، ولا نجد فى مدونات التاريخ المصرى نظير للرواية، لكنا نجد ما يصادق عليها، حيث تم العثور على لوح عليه نقش ورسم وكتابة عن شخص باسم(يوده ملك) وترجمتها(ملك يهوذا)، وتعود إلى زمن الفرعون (نخاو)، وهو ما جعل المؤرخون يتأكدون أنه بعينه الملك الإسرائيلى الأسير(يهو آحاز).
وبينما كانت التوراة تصف مصر بأنها »جنة الرب أرض مصر« حيث الراحة والهدوء والرخاء والدعة، نجد أيوب النبى يحلم بأيام مصر، » قد كنت مضطجعاً الآن ساكنا، كنت نمت مستريحا، مع ملوك ومشيرى الأرض، الذين بنو أهراما لأنفسهم/ أيوب3«، وفى سفر الخروج نجد الإسرائيليون يعانون الجوع بسيناء فيحتجون على موسى معبرين عن ندمهم لترك أسر مصر قائلين: » ليتنا كنا بمصر، جالسين إلى جوار قدور اللحم« وهى كلها الأمور التـى تفسر ما استقر فى نفوس الإسرائيليين تجاه المصريين، متمثلاً فى نبوءات ترد لمصر الجميل.
نبـــــوءات التـوراة لمصــــر
فى الأزمنة الأخيرة لإسرائيل، زمن أنبياء إرميا وإشعيا، وقبل زمن تدمير الهيكل على يد طيطس الرومانى وتشتيتهم فى بقاع العالم، وقف أنبياء إسرائيل على عتبات النهاية،‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍يتنبأون بعودة المجد السليمانى وقيام دولة إسرائيل مرة أخرى، وأنها حينذاك ستسود العالم، لكن قيامها كان يشترط أولاً وأخيراً خراباً تاما لمصر، وإذلالا لها، وهو ما يفصح عن التكوين النفسى والعقلى ومدى التشوه الذى لحق بنفوس القوم تجاه مصر.
يقول إشعيا فى الإصحاح التاسع عشر من سفره: »وحى من جهة مصر، هو ذا الرب راكب على سحابة سريعة وقادم إلى مصر.. يذوب قلب مصر فى داخلها.. تنشف المياه من البحر ويجف النهر وييبس وتنتن الأنهار.. والرياض على النيل على حافة النيل وكل مزرعة على النيل تيبس وتتبدد ولا تكون.. فى ذلك اليوم تكون مصر كالنساء، فترتعد وترتجف من هزة يد رب الجنود التى يهزها عليها، وتكون أرض يهوذا رعباً لمصر«.
‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ثم يؤنب إشعيا بنى جلدته الذين يلجأون إلى مصر وفيئها فى الملمات، بقوله فى إصحاحه الثلاثين: »ويل للبنين المتمردين يقول الرب.. الذين يذهبون لينزلوا إلى مصر للمعونة ليلتجئوا إلى حصن فرعون ويحتمون بظل مصر، فيصير لكم حصن فرعون خجلاً، والاحتماء بظل مصر عارا«.
أما النبى ارميا فى الإصحاح46، فقد وقف يعبر عن مكنون كل إسرائيلى تجاه مصر فى قوله »أخبروا مصر، واسمعوا فى مجدل، واسمعوا فى نوف(منف) وفى تحفنحيس، قولوا انتصب وتهيأ الآن، لأن السيف يأكل حواليك.. نادوا هناك فرعون ملك مصر هالك.. نوف تصير خربة وتحرق فلا ساكن.. هاأنذا أعاقب آمون نو وفرعون مصر وآلهتها والمتوكلين عليه«.
أما حزقيال النبى فلم يبخل على مصر وهو يوجه كلام الرب الإسرائيلى إلى الفرعون المصرى المقبل، بالإصحاح29 حيث يقول: »هاأنذا المليك على أنهارك، أجعل من أرض مصر خربة مقفرة من مجدل إلى أسوان.. وأشتت المصريين وأبددهم من الأرض«





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- موسى والتوراة
- التوراة وشعبها وأربابها - الطقطوقة الثالثة
- التوراة وشعبها وأربابها
- قصة الخلق بين ثقافة الصحراء
- مقترح لدستور … الدولة الإسلامية الحديثة بعد الربيع العربي
- كهنة دولة الظلم
- العلمانية كضرورة زمانية
- شخصية المجتمع الصحراوي ( جزيرة العرب نموذجا ) …
- الإرهابيون يعبّرون عن الإسلام وعلى المسلمين حلّ هذه المشكلة
- لكي لا يخدعنا بعضهم: هل كان تاريخنا ماضيا سعيدا؟
- الكهنوت الاسلامي يسرق الدين
- قول الإسلام في وجود الإنسان
- نظرية أن كل مسلم إرهابي !
- لحملة الأستاذ الشوباشي لخلع الحجاب
- أحذروا فتنه المسيخ الدجال !!
- أغلقوا مفارخ الإرهاب
- التأملات الثانية في الفلسفة الأولى 10
- هل الإسلام هو سر تخلف المسلمين؟
- المجد للشيطان
- هل كان تاريخنا ماضيا سعيدا؟؟


المزيد.....




- بالفيديو.. حصار مشدد على القدس وإغلاق الضفة بحجة الأعياد الي ...
- خاتم فضي فريد من نوعه هدية لقائد الثورة الاسلامية... ما قصته ...
- القوات العراقية -تهاجم معقلا لتنظيم الدولة الإسلامية- قرب ال ...
- العسبي: بيان -التوحيد والإصلاح- لن يفسد العلاقات المغربية ال ...
- أحكام متفاوتة بحق 493 متهما من الإخوان
- الاسلاموفوبيا: العنصرية الغربية الجديدة
- اقتراح بضم الأمر بالمعروف السعودية للشؤون الإسلامية
- رفع نُصبٍ للسيدة العذراء في البصرة بطلب من الكنيسة قبل افتتا ...
- مصر.. منع صاحب فتوى -معاشرة الزوجة المتوفاة- من الظهور على ا ...
- السعودية تصوت على مقترح بإلغاء استقلال هيئة الأمر بالمعروف


المزيد.....

- 150 عاماً على نشر كتاب رأس المال لمؤلفه المفكر كارل ماركس / صديق عبد الهادي
- العلمانية: المفهوم المظلوم (5/ 5) / السيد نصر الدين السيد
- التعاقب الحضاري للبشر واختلاق الديانات -1- / جواد بشارة
- ثقافة تصحير العقول والوجدان..ثقافة الخراب والتخريب / سامى لبيب
- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصي ... / محمد الحنفي
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية / محمد الحنفي
- رؤية إلى الإسلام والإرهاب أم إلى المسلمين والإرهاب / محمد الحنفي
- دولة المسلمين لا إسلامية الدولة / محمد الحنفي
- مقدمة لنقد الدين في المجتمع العربي / العفيف الأخضر
- المحاكمة / محيى الدين غريب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سيد القمني - فى التوراة وفى التاريخ