أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جودت هوشيار - مأساة الكتّاب الروس















المزيد.....

مأساة الكتّاب الروس


جودت هوشيار
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 5278 - 2016 / 9 / 7 - 03:51
المحور: الادب والفن
    


الشعب القاريء :
خلال دراستي في موسكو في الستينات ، لفتت نظري ظاهرة ، نادراً ما تجدها في بلد آخر ، على هذا النحو الصارخ ، وهي أن الروس رجالاً ونساءاً ، شيباً وشباناً ، يقرأون الكتب والصحف بنهم لا نظير له. ليس في المكتبات العامة والبيوت ، والمدارس والجامعات ، أو المكاتب فحسب ، بل في كل مكان : في وسائط النقل ، وفي طوابيرالأنتظار في المتاجر. وفي المنتجعات . وكان الروس يتفاخرون عن جدارة بأنهم الشعب الأكثر قراءة في العالم .
ولا تقتصر القراءة عندهم على تمضية الوقت أو التسلية ، بل أن المثقفين منهم كانوا يعتبرون الكتب زاداً فكرياً وروحياً لا غنى عنه للأنسان . ولا زلت أذكر العبارة المنقوشة فوق بوابة " قصر الثقافة " التابعة للجامعة التي درست فيها : " تذكر أيها الطالب ان عليك التزود بالثقافة ، لأنك لن تصبح إنساناً متكاملاً بالعلم والتكنولوجيا فقط " . كما أن المناهج الدراسية في شتى مراحل التعليم تتضمن قراءة وتحليل أهم ما أنتجه الفكر الإنساني من آداب وفنون . والروس مغرمون بتشبيه معارفهم وأصدقائهم بأبطال القصص والروايات من حيث طبائعهم وملامحهم . وهم يتخذون الكتّاب والشعراء مثلاً في حياتهم الروحية ، ويتابعون كل ما يتعلق بنتاجاتهم ويومياتهم ورسائلهم وعلاقاتهم الأدبية والشخصية ، سواء الأحياء منهم أم الأموات . ويزورون مساكنهم ، التي تتحول الى متاحف بعد رحيلهم ، تضم كل ما يتعلق بهم من أعمال ادبية منشورة ومخطوطة ومسودات نتاجاتهم ومراسلاتهم وصورهم في مختلف مراحل العمر ، وكل ما يتعلق بهم .
وهم يصغون باهتمام بالغ الى آراء الكتاب والشعراء ، ويوجهون اليهم الأسئلة حول نتاجاتهم خلال اللقاءات ، التي تجري معهم سواء في قاعات الأحتفالات أو في وسائل الإعلام .
رحيل أي كاتب أوشاعر معروف على المستوى القومي يعد خسارة عظمى عند الروس ، لأنهم يعتبرون الكاتب معلماً للشعب. لذا فأن السلطة السياسية على مدى عشرات العقود وفي ظل الأنظمة المتعاقبة من قيصرية واشتراكية ورأسمالية ، كانت وما تزال تتوجس من الكتاب كثيراً وتراقب أعمالهم .
الحالات التي نوردها ، في الفقرات اللاحقة هي عن مصائر عدد من أشهر الكتاب والشعراء الروس المعروفين لدى القاريء ، وتعد غيضاً من فيض ، ولكنها تكفي للأبانة عن حال الأدب والأدباء في روسيا في الماضي القريب .
الموت واحد وان تنوعت اشكالها :
جرت العادة في روسيا عبر التاريخ أن يكون الشعراء من المعذبين في الأرض لأن الشاعر في روسيا هو أكثر من مجرد شاعر. وإعتبار الكاتب الحقيقي مهندساً للروح البشرية . نتحدث أولاً عن تلك الفواجع ، التي ألمّت بالشعراء الكبار.
- الكساندر بوشكين ، أعظم شاعر روسي ، على مر العصور ، تم نفيه مرتين ، واصيب بجروح بليغة خلال مبارزة غامضة مع البارون جورج دي غيكّرن في 27 يناير 1837 ، وتوفي بعد ذلك ببضعة ببضعة أيام .
ميخائيل ليرمنتوف ، احد أهم الشعراء الروس بعد بوشكين. قتل ايضاً خلال مبارزة مع نيكولاي مارتينيف في 27 أيلول 1841. ويعتقد على نطاق واسع أن ليرمنتوف قتل برصاصة أخرى غير رصاصة مارتينيف .وكانت حياته قصيرة خاطفة كالشهاب . له العديد من الروائع الأدبية نثراً وشعراً. كتب وهو متأثر بمصرع شاعر روسيا العظيم ألكساندر بوشكين قصيدة احتجاجية رائعة بعنوان " مصرع شاعر " ، هزت روسيا من أقصاها الى أقصاها . وحفظها ورددها المعاصرون مما أثار غضب السلطات التي قررت اعتقاله ونفيه إلى منطقة القوقاز. وعندما سمع القيصر نيكولاي الأول بمصرع ليرمنتوف ، قال شامتاً : " الكلب لا يستحق سوى ميتة الكلاب " وثمة شكوك بأن بوشكين وليرمنتوف قتلا بأمر القيصر تحت ستار المبارزة .
اما فيودور دوستويفسكي فقد حكم عليه بالإعدام لنشاطه الثوري ضد النظام القيصري ، ثم تم تخفيف الحكم في آخر لحظة الى السجن مع الأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات ، تلك السنوات التي راحت هدراً ،من دون كتابة . ولا يزال سر موته المبكر لغزا.ً
بعد ثورة اكتوبر 1917 هاجر خيرة المثقفين الروس من علماء ومفكرين وفلاسفة وكتاب وشعراء وفنانين الى خارج البلاد . ومارس النظام الستاليني ضد من بقي منهم في البلاد شتى صنوف الترهيب والترغيب والترويض والإغراء .
مات الشاعر الروسي الكبير الكساندر بلوك في عام 1920 بعد ان رفضت البلاشفة السماح له بالسفر الى الخارج لتلقي العلاج .
الشاعر سيرغي يسينين شنق نفسه في فندق ( انكليتير) في لينينغراد ( بطرسبورغ حاليا) يوم 31 كانون اول 1925 وهو فيالثلاثين من العمر . ومنذ ذلك اليوم لم تنقطع التكهنات بضلوع ستالين في قتله ، وهو الشاعر الأكثر شعبية والقريب الى قلوب الروس الذين يحفظون شعرهالعاطفي المؤثر . و قد ترك في الغرفة التي شنق نفسه فيها قصيدة مكتوبة بالدم ، لأنه لم يجد حبراً فجرح معصمه وكتب قصيدته ، التي يقول فيها: " ليس جديداً في هذه الحياة أن نموت / وليس جديداً بالتأكيد أن نعيش " . وكان لرحيله ،وهو في ذروة إابداعه الشعري أصداء هائلة في روسيا ، فقد وصفه بوريس باسترناك بأنه: " لم تلد الأرض الروسية مَن هو أكثر محلية وأكثر عفوية ، مَن هو أكثر وطنية و أفضل توقيتاً ، مما هو سيرغي يسينين . وقال مكسيم غوركي :إن يسينين ما هو بالإنسان قدر ما هو كائن خلق من اجل الشعر حصرا. إما يفجيني يفتشينكو فقال فيه: إن يسينين لم ينظم أشعاره بل لفظها من أعماقه.
وعقب انتحاره انتشرت بين الشباب الروسي موجة من حوادث الإنتحار ، فشنت السلطة حملة ضد ما سمي باليسينينية (بالروسية - يسينينشينا ). وما يزال انتحار الشاعر أو مصرعه الخامض مثار جدل بين الباحثين والمثقفين الروس .
كتب الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي قصيدة اثر انتحار يسينين يقول فيها : " في هذه الحياة ليس صعباً أن تموت / أن تصوغ الحياة أصعب بما لا يقاس ". ماياكوفسكي اطلق الرصاص على رأسه من المسدس المهداة اليه من مخابرات الكرملين . ويقول المنظر الأدبي الروسي البارز فيكتور شكلوفسكي : " ان ذنب الشاعر ليس في انه اطلق الرصاص على نفسه ، بل أنه اطلقها في وقت غير مناسب " .
مكسيم غوركي : مات في ظروف غامضة بعد رفض السلطة السماح له بالسفر الى الخارج لغرض المعالجة . ويقال انه جرى تسميمه ، وان ستالين شخصياً كان ضالعا في قتله، لأنه كان مستاءاً مما يرى حوله من بؤس وظلم .
- الشاعرة العظيمة مارينا تسفيتايفا ، انتحرت أيضاً في 31 اغسطس 1941. ولم يسترعي هذا الأنتحار الأهتمام ، لأنه حدث في بداية الحرب الدموية بين الأتحاد السوفييتي والمانيا الهتلرية .. وكانت قصائدها ممنوعة من النشر حتى اواسط الخمسينات ، وهي تحتل اليوم مكانة بارزة في الأدب الروسي وتحظى بمقروئية عالية ، خاصة بين النخب المثقفة .شعرها مشبع بالعواطف الجياشة حتى الثمالة ، وكم رأيت من شاعرات روسيات يقرأن شعرها وهن يذرفن الدموع .
- الشاعر اوسيب مندلشتام اعتقل ثم توفي في السجن بسبب قصيدة كتبها تحت عنوان " متسلق جبال في الكرملين " . والشاعر كلوييف مات تحت التعذيب ، اما الكاتبان المعروفان بيلنياك واسحاق بابل فقد حكم عليهما بالأعدام ونفذ فيهما الحكم سريعاً
عندما نقرأ عن هذه المصائر المأساوية نتذكر قول فولتير : " اذا كان لي ابن، لديه ميل إلى الأدب، فان العطف الأبوي يدفعني الى ان الوي عنقه "
كان ستالين يقرأ أهم الأعمال الأدبية المنشورة ، ويشاهد المسرحيات، التي تحظى بإقبال جماهيري . وقد شاهد مسرحية " أيام توربين " من تأليف الروائي البارز ميخائيل بولغاكوف عدة مرات ، حين عرض على المسرح الفني في موسكو ، ثم أصدر حكمه القاطع : " هذه المسرحية سُخرية من النظام وبولغاكوف ليس مِنا ". مات بولغاكوف بعد تعاطي جرعة كبيرة من المورفين .
عندما قرأ كتب ستالين في عام 1931 مسرحية ( في المخزن ) للكاتب أوليغ بلاتونوف في احدى المجلات الأدبية قال : " كاتب موهوب ولكنه وغد " وارسل الى ادارة المجلة رسالة وصف فيها المسرحية بأنها حكاية عميل لأعدائنا ، كتبت من اجل تشويه الحركة الكولخوزية "
في عام 1934 أنشأ ستالين ( اتحاد الكتاب السوفيت ) بعد حل كل الأتحادات والجمعيات الأدبية الأخرى. وفرض الإتحاد الجديد على جميع أعضاءه الألتزام بما يسمى (الواقعية الإشتراكية ) وهو مصطلح عجيب - هل ثمة واقعية رأسمالية أو مسيحية ، لتكون هناك واقعية إشتراكية ؟ . وكانت حصيلة هذه السياسة البلهاء هي قتل (182 ) عضواً - أي ثلث اعضاء المؤتمر التأسيسي للأتحاد - في السجون والمعتقلات خلال السنوات القليلة التي أعقبت المؤتمر . كان الروائي الكسندر فادييف ولسنوات طويلة على رأس هذا الأتحاد ، و كان مؤمنا بالأشتراكية وشديد الأخلاص للحزب وستالين شخصيا ، ويعتقد ان كل ما يفعله ستالين هو لخدمة المستقبل الإشتراكي للبلاد . وبعد المؤتمر العشرين للحزب في عام 1956 ، حين اتضح له الحقائق المروعة عن جرائم ستالين ، لم يتحمل الضغط النفسي الشديد. وبات دائم القلق ، معذب الضمير . و يتمنى أن يموت اليوم قبل الغد ، فأطلق الرصاص على نفسه ليرتاح كما جاء في الرسالة الموجهة الى اللجنة المركزية للحزب، والتي كتبها قبيل إنتحاره .
الكتاب والشعراء الروس في فترة " ذوبان الجليد " :
قضية الشاعر بوريس باسترناك ، الحائز على جائزة نوبل لللآداب في عام 1958 عن روايته " دكتور زيفاكو " ما زالت طرية في أذهان جيلنا . حيث تعرض الى حملة تشهيرية واسعة ، أصبح بعدها انسانا محطما ، وسرعان ما اصيب بسرطان الرئة الذي لم يمهله طويلاً ، وتوفي في عام 1960 .
اما الشاعر جوزيف برودسكي فقد اعتقل بتهمة نشر اعماله في الخارج ، وتم احتجازه في مستشفى للأمراض العقلية .ثم حكم عليه بالسجن مع الشغال الشاقة لمدة خمس سنوات . وفي 12 أيار 1972 طردته السلطات الى خارج البلاد بعد نزع الجنسية السوفيتية عنه . وهو شاعر موهوب نال جائزة نوبل لللآداب لعام 1987 ، وكان عمره آنذاك 47 عاماً أي اصغر أديب حاصل على هذه الجائزة الرفيعة .
في عام 1968 حين نشر ألكساندر سولجينيتسن روايتيه "الدائرة الأولى" و " جناح السرطان " في الخارج ، وصفته وسائل الإعلام السوفيتية ب( الخائن ) . وعلى اثر حصوله على جائزة نوبل للآداب في عام 1870 ، فصل من اتحاد الكتاب السوفييت، وفي عام 1974 ، نزعت عن الجنسية السوفيتية وطرد الى خارج البلاد .
قال سولجينيتسن خلال لقائه بأحد الكتاب الروس الرسميين: " انتم تعاتبونني لأن ما أكتبه ينشر في المجلات السرية ، ويجري استنساخها . والناس يقرأونها باهتمام ، وتنتقل من عائلة الى أخرى ،ولكن من منكم يستطيع ان يتفاخر ان كتبه التي تطبع على حساب الدولة بآلاف النسخ ، تقرأ من قبل الجمهور وتنتقل من عائلة الى أخرى ؟ لا أحد . هل تعرف لماذا ؟. أنا أقول لك : لأنكم تتلقون الإيعازات من فوق ، ولكن يوجد ايعاز واحد فقط للكاتب ، وهو الذي يصدر عن روحه وعقله ، وضميره ".
وأخيراً أين هم الآن الكتاب السوفييت من مدرسة الواقعية الإشتراكية؟ لا أحد يتذكرهم ، ولا أحد يقرأ لهم.
.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,827,809,118
- تشيخوف الأميركي
- من أدب الحرب : قصة -السعادة- لإيليا إهرنبورغ
- إله الكتابة
- الرواية البوليفونية الجديدة
- الأدب العالمي ... مفهومه وقضاياه
- البياتي في ذاكرة طلبة البعثات في موسكو
- أوجه الإختلاف والتشابه بين الصحافة والأدب
- عبدالوهاب البياتي في موسكو ... ملاحظات وإنطباعات
- متعة القراءة العميقة
- سحر الإستهلال الروائي الجاذب
- حيّوا معي هذه السيدة العظيمة
- من هو الكاتب الحقيقي ؟
- في حضرة ناظم حكمت
- عودة مدهشة للروائية الأميركية هاربر لي
- مناورة بوتين الذكية !
- ترومان كابوتي ... العبقري الذي جنى على نفسه
- الصحافة الجديدة
- قصة ( ميلاد عبقري جديد ) لأندريه موروا : حين يتحول الفن الى ...
- أشهر الأخطاء المطبعية في تأريخ الصحافة العالمية
- مكتبة -سربستي-.. صفحة مشرقة من تاريخ أربيل الثقافي


المزيد.....




- هاني نقشبندي: الرواية العربية قوية وخلاقة.. ولا توجد طقوس لل ...
- قراءة في -الدفتر الذهبي- للأديبة البريطانية دوريس ليسينج
- كاريكاتير القدس- السبت
- -الثقافة- تنعى الكاتب والصحفي جاك خزمو
- وفاة الفنان رجا دبية و-الثقافة- تنعاه
- سابقة دستورية.. رفض طعن وهبي حول مسطرة التصويت في الحجر
- عملية جراحية للفنان أشرف زكي إثر أزمة قلبية
- تحسن صحة الفنانة القديرة رجاء الجداوي بعد شائعات عن وفاتها
- ورطة «المحميين» الجدد
- التقدم والاشتراكية يثمن القرار الملكي بدعوة أرباب العمل إلى ...


المزيد.....

- لغز إنجيل برنابا / محمد السالك ولد إبراهيم
- رواية ( الولي الطالح بوتشمعيث) / الحسان عشاق
- سارين - محمد إقبال بلّو / محمد إقبال بلّو
- رواية إحداثيات خطوط الكف / عادل صوما
- لوليتا وليليت/ث... وغوص في بحر الأدب والميثولوجيا / سمير خطيب
- الضوء والإنارة واللون في السينما / جواد بشارة
- أنين الكمنجات / محمد عسران
- الزوبعة / علا شيب الدين
- ديوان غزّال النأي / السعيد عبدالغني
- ديوان / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جودت هوشيار - مأساة الكتّاب الروس