أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - محاولة لتفكيك العلاقة بين المتأسلمين ونبيهم الكريم















المزيد.....



محاولة لتفكيك العلاقة بين المتأسلمين ونبيهم الكريم


ياسين المصري

الحوار المتمدن-العدد: 5237 - 2016 / 7 / 28 - 15:36
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


رأينا في محاولتنا لتفكيك العلاقة بين الله وَرَسُولِهِ، المنشورة على هذا الموقع:
http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?t=2&aid=525239
أنها علاقة واضحة، لكونها قائمة على الكذب أو "الافتراء على الله كذبًا"، بصفته "إله السماوات والأرض"، أي هو في السماوات إله وفي الأرض إله، فالأرض جزء من ألوهيتة المتمثّلة في أقوال قالها نبيه في غفلة من العقل { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } التكوير 19. وفي أفعال فعلها تحت سن رمحه، لهذا وقف المكيون ضده، وقاوموه بشدة لمدة 13 عام. لكنه وجد طريقًا آخر في يثرِب حيث استعمل أسلوب العنف والإرهاب والسلب والنهب والسبي والقتل لفـرض أقواله وأفعاله على البشر بإسم الله. هنا بدأت علاقته بالله تتجه وجه لا إنسانية، بل ولا أخلاقية بالمطلق، خاصة فيما يتعلق بسلوكه الشخصي وبسلوكياته مع الآخرين، وهي علاقة، كما تبدو، أشد وأكثر تعقيدا، وأبعد أثرا، لذا تظل دائمًا مجالًا خصبًا للبحث العلمي السيكولوجي.

أعتقد بأن أية محاولة لتفكيك علاقة كهذه، يجب أن تدور على ثلاث محاور :

الأول : التعامل مع الأسباب والدوافع وراء التعلُّق المرضي بنبي كذَّاب وقاطع طريق وقاتل محترف ومزواج .... إلخ ، بكلمات أخرى، ما هي الضرورة التي تفرض على المؤمنين المتأسلمين أن يظلوا عالقين بنبي يجمع في شخصيته كمًّا هائلًا من الخصال والسلوكيات المتناقضة والاإنسانية بل والحقيرة أحيانًا.

والثاني: التعرف على دور المؤسسات الحكومية والأهلية (ألي الأمر والنهي) في تعميق وترسيخ هذا التعلُّق المرضي، وماذا يعنيه بالنسبة لها، ولماذ تعمل جاهدة على بقاء هذه العلاقة المشينة في قمة أولوياتها، إذا كانت لها أولويات أخرى.

والثالث: هل من سبيل إلى معالجة الأوضاع التي أفضت إليها تلك العلاقة، وهل لتفكيكها أثر في نفوس الذين يتعلقون بها إلى حد الهوس أو الجنون؟؟

الآن وبعد موت نبي الأسلمة بزمن طويل، ولأن العالم بأسره بدأ يجني ثمارا العفن المتأصل في عقيدته، يسرع الخطى جمعٌ من العلماء المتخصصين والمفكرين في العديد من مراكز البحث العلمي والجامعات نحو تناول شخصية نبي الأسلمة بالتحليل النفسي بناء على أقواله وتبعا لأفعاله. بيد أنني في هذا المقال لا أتبع هذا النهج، بل أحاول قدر - المستطاع - تشخيص الطبيعه النفسية للعلاقة بين هذا النبي المزعوم وبين المؤمنين بعقيدته من ناحية، وبين المؤمنين بعقيدته وغيرالمؤمنين بها من ناحية أخرى، وآمل أن تكون هذه المحاولة المتواضعة تحفيزا لمزيد من البحث في هذا الشأن الخطير.

قد يكون من المفيد في البداية إيجاز ما توصل إليه التحليل النفسي لشخصية نبي الأسلمة. فقد أشارت الدراسات النفسية إلى أنه كان يجمع بين جنباته شخصيات متعددة، لازمته طيلة حياته، بدرجات متفاوتة بين الصعود والهبوط، وأن الشخصية العدوانية التي تدْمِر ميولًا عدائية للبشر قد طغت عليه في النهاية، وظهرت عواقبها بشكل سافر. من هذه الشخصيات:

1 - الشخصية الإنطوائية والانعزالية في بداية حياته في غار حُراء.

2 - الشخصية النرجسية التي تتميز بالغرور، والتعالي، والشعور بالأهمية ومحاولة الكسب ولو على حساب الآخرين، مما جعله يربط دائما طاعة الله بطاعته، فطلب من المؤمنين به في أكثر من 20 آية أن يطعيوا الله ويطيعوه:
{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ} النور 54
{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم} محمد 33
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا} المائدة 92
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} آل عمران 132
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ} الأنفال 20
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} التغابن 16

وأُضِيفت إلى طاعة الله وطاعته أيضًا طاعة ألي الأمر في آية تعد بحق - من المنظور الإنساني والأخلاقي - من الآيات الكارثية:
{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} النساء 59

بل وجعل طاعته مقدمة على طاعة الله والمدخل إليها، لأن الهدف هو طاعته وحده من دون أحد، بصفته المبتكر الأوحد لأكاذيب الله.
}مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ{ النساء 80
ثم ظهرت نرجسيتة بأجلى معانيها عندما وضع نفسه في المقدمة أمام المؤمنين متخطيًا بذلك أُسَرِهم بكاملها:
{ قُـلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ--- يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ--- وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } التوبة 24.
وفي الأحاديث المنسوبة إليه، ربط الإيمان بحب المؤمنين المطلق له. وجعل بخلَهم متوقفا على عدم الصلاة عليه، في حين أن الله وملائكته يصلون عليه ويسلمون تسليم، أي يخضعون له بالكامل. ففي رواية للملفِّق الفارسي المعروف بالبخاري عن أنس قال النبي: "لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين"، وأيضًا تبعًا لنفس الملفِّق: " قال النبي : البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ".

3 - الشخصية السيكوباتية: هي شخصية مفترسة تستخدم الجاذبية والتمويه والتخويف والعنف للسيطرة على الآخرين اشباعًا للحاجات الأنانية. فهذه الشخصية تفتقد اي نوع من الضمير او التعاطف تجاه الأخرين، وتصر على أخذ ما تريد بدماء باردة متى ما شاءت، حتى وان أدَّى ذلك إلى إيقاع الضرر بالآخر، دون شعور بالذنب. فهي إذن شخصية مضادة للمجتمع، ومعادية له، ولا تستطيع التوافق مع المحيط الاجتماعي! الأمر الذي يحمل المصاب بها على الدخول في زمرة المجرمين. (لذلك تحالف نبي الأسلمة في شبابه مع صعاليك تهامة بهدف السطو والسلب والنهب والسبي والقتل).

ولكن يستخلص من المرويات التراثية أن هذه الشخصية لديه، كانت من النوع السيكوباث النمطي Charismatic Psychopath، أي الساحر الذي يكْذِب ويصدق الكَذِب وحده. ويتميز بالجاذبية وبلطف اللسان وعلو الذكاء ولديه مهارات خاصة يستغلها لتحقيق مآربه الخاصة به، والسيطرة على من حوله. وتتمثل أعراض هذه الشخصية في الشعور بالعظمة، الكذب المرضي، الميل نحو التلاعب وخداع الأخرين وانعدام الشعور بالذنب او الأسف وانعدام التعاطف مع الغير والإنفلات الجنسي (ممارسة الجنس مع اكثر من شخص في نفس الوقت) وعدم تحمل المسئولية الشخصية لما يقوم به. هنا لا مفر من وجود شخصية غيبية (الله) لتلعب دورًا رئيسيا في التدخل اللحظي في شؤون البشر اليومية، ولا رادًّا لقضائها بينهم، لأنها شخصية اعتبارية لا يمكن لأحد الاعتراض على تصرفها أو محاسبتها.

4 - الشخصية العدوانية: وهي الشخصية التي تقمصته منذ شبابه، واستقر وضعه عليها عندما كبر، فراح يظهر بشكل سافر ميوله العدوانية الكامنة تجاه المجتمع، ويصب كراهيتة وعدم إرتياحه تجاه المخالفين له والمختلفين معه، وكان يشك فى كل الناس ويتوقع الأذى منهم، ويشعر دائما بإضطهادهم له، لذلك فقد الإحساس بمشاعرهم وأخذ ينتقدهم بشكل لاذع و جارح، بينما هو لا يتقبل أى نقد أو توجيه من أحد، وكان الحوار والنقاش معه صعب جدا، فهو لا يتقبل كلام الأخرين بسهولة، (الآية المشهورة بعدم السؤال عن أشياء (قد تبدو) من ورائه إساءة للسائل)، لأنه دائما يتوقع الغدر والخيانة والأذى منهم وهو شخص بلا عواطف أو عواطفه محدودة وباردة.

لا شك بأن اجتماع وتضافر هذه الشخصيات المتعددة في شخص نبي الأسلمة، وتبنيها من قبل المؤمنين بعد وفاته، أدت إلى واقع مريض نفسيًا لدي الغالبية العظمى ممن يلتزمون بتعليماته، ومن ثم أصبح جمعهم " في الهم سواء"، خاصة وأن المريض النفسي من شأنه الاعتقاد الراسخ بأن الآخرين مرضى مثله لمجرد أنهم لا يسمعون له ولا يلتزمون بما يريده منهم، وهذا يتَّضِح في الآيات التالية:

{خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ--- قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ--- سَمْعِهِمْ} البقرة 7
{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} البقرة 9
{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} البقرة 10
{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} البقرة 15
}فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ{ البقرة 17

كما أن مثل هذا المريض يلجأ تلقائيا إلى الكذب ويكذِّب الآخرين، عندما يكون الصدق ليس في صالحه، ويطلب من الآخرين ما يعجز هو نفسه عن الإتيان به:
{وقل هاتوا برهانكم إن كُنتُم صادقين}. النمل :60
{هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} البقرة111

وتجدر الإشارة إلى أن نبي الأسلمة تميّز وحده من دون سائر الأنبياء وانفرد بصفة شنيعة، عرَّفه بها قومه الذين فهموه أكثر منَّا، ألا وهي صفة الجنون، حتى أن أقرب أقربائه، وهو عمه عبد العزى بن عبد المطلب، وصفه بـ “الصابىء المجنون” وكانت ردة فعل النبي عليه أن أسماه “أبو لهب”.

المراجع: من أهم الدراسات النفسية التي تناولت حتى الآن شخصية نبي الأسلمة بالتحليل، وتتسم بالواقعية المنهجية، ذات الدلالات العميقة:
كتاب الراحل التونسي العفيف الأخضر "من محمد الإيمان الى محمد التاريخ" المنشور على الموقع التالي؛ وعلى مواقع أخرى:
http://www.8gharb.com/كتاب-من-محمد-الايمان-إلى-محمد-التاريخ/
وهناك عرض لهذا الكتاب في مقال بعنوان: التحليل النفسي لشخصية محمد" لمازن كم الماز، الحوار المتمدن 2015 / 6 / 25،
http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=473711&r=0
ويجب الإشارة أيضا إلى الكتاب الموسوعي: " الإسلام والتحليل النفسي" للدكتور فتحي بن سلامة، ترجمة د. رجاء بن سلامة ، دار الساقي، بيروت، ط 1 ، 2009. على الموقع التالي:
http://ketab4pdf.blogspot.pt/2015/09/pdf-Download-book-Islam-psychoanalysis-books.html
وهناك كتب أخري أقل أهمية تناولت نفس الموضوع.

من الواضح استحالة توفر هذه الشخصيات المتعددة في شخص واحد وفي وقت واحد، الأمر الذي حمل بعض المحللين النفسيين عـلى القول بأنه كان مصابا بمرض الفُصام (Schizophrenia) أي الاضطراب النفسي الذي يتسم بسلوك اجتماعي غير طبيعي وفشل في تميز الواقع. وتشمل أعراضه أيضا الوهام واضطراب الفكر والهلوسة السمعية بالإضافة إلى انخفاض المشاركة الاجتماعية والتعبير العاطفي وانعدام الإرادة. ومع أن هذه الأعراض تنطبق إلى حد كبير على شخصية نبي الأسلمة، إلَّا أن هناك تطور منطقي في شخصيته من الانعزال إلى العدوانية مرورا بالشخصيات الأخرى. وأنه بالخلاصة كان يحمل بين جوانبه عوامل نفسية من جميع هذه الشخصيات.

فبالنظر إلى الحقائق التاريخية نجد أن شخصيته في مجملها قد لُـفِّـقَت بعد موته بأكثر من 150عام، من قبل أشخاص عديدين، جميعهم من أصول فارسية، كل منهم كان يكتب عنه بما تمليه عليه شخصيته الخاصة به. بحيث يصبح تعدد الشخصيات هو الهدف في صناعة نبي يكون أسوة لمعتنقي عقيدته بالضرورة، أو أنَّ أولئك الملفقين قد خضعوا لاتفاق سياسي غير معلن على هذا التعدد فيما بينهم، فهم عاشوا جميعا في نصف قرن (50 عام) تحت الحكم العباسي الأول الذي سادت فيه كثير من الاضطرابات العقائدية والسياسية، فشكَّل الأمر بصورته التي نراها الآن أهمية كبيرة بالنسبة لهم، ولحكَّامهم، لأنه يعطي المتأسلمين - بما فيهم الحكام - الفرصة في أن يتأسوا بنبي تبعا لما تراه الشخصيته الخاصة بكل منهم. فالشخص الانطوائي يجد لدي النبي مبررات دينية لشخصيته كما يجد النرجسي أو السيكوباتي أو العدواني ... إلخ.

في هذا الصدد، أود الإشارة إلى أن الذين يؤمنون بهذا النبي وينعتونه دائما بـ"الكريم" ويهُـبُّـون باستمرار للزود عنه، ليس لأنه كان كريما بالفعل، فكرمه إن كان حقيقة لن يفيد أحد الآن، ويبقي دائما في إطار من الأوهام والخرافات. وهو يستحق الزود عنه، لا لشيء سوى أنه كان سخيا في الشخصيات التي ألبسه إياها أولئك الملفقون، فقد فسحوا بذلك - لهم ولغيرهم - مجالًا رحبًا ومبرَّرًا شرعًا لارتكاب ما شاؤوا من الموبقات بإسم الله ورسوله، ودونما تردد أو وازع من ضمير أو رادع من عقل. لقد حولوا الأمر برمته إلى قناعات أساسية لدي المتأسلم، لا يستطيع الفكاك منها. وهنا يكمن بيت الداء، ويقتضي التفكيك، ليستريح المتأسلمون ويريحوا العالم من شرور نبيهم.

من طبيعة الإنسان بوجه عام أنه في سبيل البحث عن اليقين يلوذ دائمًا بأوهام وتخيلات محدَّدة ومن المستحسن أن تكون مبررة عقائديًا كيلا تنهار قناعاته الأساسية التي تربى عليها، وكي يعطي لنفسه القُـوَّة التي يستطيع من خلالها مقاومة تناقض الحياة التي يعيشها. صحيح أنه قد يضطر على مدى الحياة إلى التخلي عن قناعات معينة ويلجأ لقناعات جديدة، ولكن تبقى دائما أشياء في نفسه لا يمكنه التنازل عنها أو الفكاك منها، لأنها تسيطرت على عقله ووجدانه، فتشكل نظام تفكيره، ونمط سلوكه، أي تشكل شخصيته. وقامت على أساسها أركان حياته النفسية والفكرية. انها قناعات أساسية يقوم عليها برنامج التشغيل المُنصَبَ والرَّاسخ في عقله من دون أن يكون لتفكيره الحر إرادة أو رأي في ذلك. وهذه القناعات تنصبُّ وتترسخ في وجدانه وفي عقلة ضمن تيار فكري يلتزم بثقافة معيَّنة، يتلقاها المرء منذ الصغر في البيت وفي الشارع وفي المدرسة وفي أي مكان يتوجه إليه. ومن ثم تعمل تلك القناعات على تأسيس شخصيته وبرمجتها بالصورة الموجودة عليها الآن، فيجد نفسه مرغمًا للدفاع عنها بكل قوة وعزم، لأن انهيارها، يعني بالضرورة إنهيار أسس شخصيته بكاملها، فيشعر بالضياع. ومن منَّا يريد الضياع لنفسه؟؟. فهل لنا - مثلا - أن تتخيل صدمة إنسان يكتشف عندما يصل إلى سن العشرين أن أباه وأمه اللذان يحبهما إلى حد الجنون ليسا والديه الحقيقيين! وهل لنا أن نتخيل صدمة إنسان يكتشف بعد عمر طويل أن الدين الذي يؤمن به وعاش حياته في كنف تعاليمه، أنه عبارة عن أوهام وأساطير وقصص تخلو من أي منطق أو عقلانية!. وهل لنا أن نتخيل مدي الصدمة التي تلحق بالمؤمن عندما يعرف أن نبيه الذي يقتدي به وبسلوكياته ما هو إلَّا نبي كذاب ومخادع ودجال وقاتل ومزواج ..... إلى آخره؟. الصدمة في تعريفها النفسي هي الفرق بين المُـتوَقَّع والذي وقع بالفعل. إنها المعول الذي يهدم القناعات الوهمية مقابل الوقائع الحقيقية.

من الصعوبة، بل قد يكون من المستحيل أحيانا، أن يتخلى الإنسان عن أوهامه التي نشأ عليها، وترسخت في عقله، خاصة وأن الأوهام لها سلطان كبير على نفوسنا لأنها تحمينا من مرارة الواقع، وتعطينا شعورا بالطمأنينة أمام مصاعب الحياة، فنراها تقطن بثبات في عقولنا لنهرب إليها في عالم تتحقق فيه كل أحلامنا. الأوهام تعطينا سعادة ونشوة ولذة، وتعطينا النجاح عندما لا يتحقق والانتصار عندما لا يأتي أبدًا، الأوهام ترفعنا من الإحساس بالذل والمهانة، وتعطينا العظمة المزيفة التي نطمح إليها ولم نستطع الوصول إليها، الأوهام تحمينا من الآلام التي يسببها لنا المرض وقهر الآخرين، وتبرر خضوعنا للظلم والاستبداد. لكنها في المقابل تقتل التفكير لدينا، وتقتل الأمل والطموح ورقي السلوك مع أن القاتل لا وجود له، وأداة القتل لا وجود لها، لكن الكل موجود فقط في دواخلنا. إنها هي أسطورة نبي الأسلمة، وتناقضات شخصياته وأقواله وأفعاله المترسخة في وجداننا، لنبرر بها كل هزائمنا ومصائبنا ومرارة وجودنا، وكأنها قدر ألمَّ بِنَا ولا يمكننا الفكاك منه.

من الواضح أن نبي الأسلمة عندما اعتمد الأوهام المقدسة كتوظيف منجز وفعَّال في مجال السياسة كان على علم بميراث فارسي قديم، رسخه أردشير الأول ابن ساسان في عهده (241 - 226م)، حيث رتب علاقة الأوهام المقدسة بالحياة الدنيوي، فجعل الحياة الدنيوية موجِّها للأوهام المقدسة، أي جعل الأوهام المقدسة أداة في يد الحياة الدنيوية، لذلك جاء كلام النبي سواءً القرآني أو غيره مُنَجَّمًا بمعنى مفرقًا على مدى 23 عامًا، وتبعًا لمتطلبات الحياة الدنيوية وليست دفعة واحدة، كما هو الحال في الديانات الأخرى. ومنذ ذلك الوقت النبوي أصبح التوظيف فرضًا رسميًا لدي الدول المتأسلمة، حتى وإن كان بدرجات متفاوته. إن التوظيف الرسمي للأوهام والخرافات الدينية يقتضي - كما نرَى - شخصنة لله ورسوله واعتبارهما حقيقة حسية تسري فيها الحياة وأن يكون حضورهما قيد الحبس الأبدي والإجباري في العقول والنفوس، وأن يكون ذلك الحضور طاغيا بشكل شمولي وكاسح لكل المجالات الرمزية، لأنه هو رمز الرموز، فالله أكبر ورسوله سيد الخلق أجمعين. وهذا هو العامل الحاسم في هذه العقيدة للتمييز بين الشعوب والطبقات والأنماط الاجتماعية المختلفة، والأحداث التاريخية في كل زمان ومكان وفي مواجهة الكوارث الطبيعية. ولدي صنّاع الأحداث التاريخية (أمير المؤمنين، سيف الإسلام، حارس الحرمين الشريفين، حزب الله ، جماعة أنصار محمد، الدولة الإسلاموية .... إلخ) بل ومبرر قوي لاستعمار واستعباد الشعوب الأخرى ونهب خيراتها، وسبي نسائها، وتدميرها بالكامل، تحت الشعار الزائف "إخراجها من الظلمات إلى النور". يجب أن تبقى هذه الأوهام والخرافات المقدسة مركزَ الهوية وقيمة القيم ومعيارَ المعايير، يجب أن تظل دائما هي المشهد المشوِّق والمسوِّق في الميديا الدينية وغير الدينية، يجب أن تلاحق البشر حتى غرف نومهم. يجب بإسمها أن تراق الدماء وتزهق الأرواح وتنصب المشانق وترتكب المجازر والمحارق وتباح الفروج والنهود. واقع الحياة يستنطق ويحرك النصوص الدينية المقدسة الصامتة والساكنة للتحكم في مصائر البشر تبعا لمفهوم المستفيدين وأهوائهم ومصالحهم ومطامحهم أو مطامعهم، والتى تختزل في تعبير "المعلوم من الدِين بالضرورة".

والمعلوم من الدِّين بالضرورة هو الهراء المقدس بعينه، والذي يظل بالنسبة لرجال السياسة وأصحاب النفوذ في الدولة المتأسلمة، يعمل كحزب سياسي فعَّال، يدافع عن مصالحم ويقوي مركزهم ويحل مشاكلهم بأبسط الطرق وبلا عناءً، وأداة من أدواتهم في إخضاع الشعب، والنخب السياسية والإعلامية والثقافية والمؤسسات الحكومية العاملة بأسرها.

لا جدال في أن الديانة الإسلاموية، تبعًا للمعايير السكولوجية، من أشد الديانات تسلطا، وذلك لتعلقها الجذري والأزلي بالمصالح السياسية والاجتماعية، فالمتأسلم تحكمه قوة خارجية قاهرة، وشخصية نبوية إجرامية، وحكام مستبدين وسدنة مضللين وفصائل لا حصر لها من الدجالين وقطاع الطرق والقتلة المجرمين. وجميعهم يعملون على ترسيخ إحساسه بالضعف والعجز وتفاهة الشأن أمام "الله ورسوله وألي الأمر" والنهي معًا، لأن من يأمر ينهي بالمثل. فالمتأسلم لا يمكنه أن يشعر بقوته إلَّا بمقدار ما يكسبه من ثلاثتهم عن طريق واحد فقط هو الطاعة والاستسلام والخضوع التام لهم، ولا طريق آخر أمامه مدى الحياة، لأن خروجه عن هذا الطريق، يعد معصية والمعصية هي المصيدة التي تشكِّل وتصنِّف كل الأمور في الإذعان التام لهؤلاء الثلاثة الذين لم يبق منهم بطبيعة الحال إلَّا "ألي الأمر والنهي" وحدهم.

عقد عالم النفس الأميركي - من أصل ألماني - إريك فروم (1980 -1900)
في كتاب " الدين والتحليل النفسي" مقارنة بين الدين التسلطي والدِّين الإنساني من ناحية سيكولوجية الأخلاق وتأثير الدين عليها، وقال " إنه في الدين التسلطي يُسقِط الإنسان ما يملكه أصلًا، وهو العقل والحب على الإله، وهي علاقة شبيهة بالخنوع المشوب بالماسوشية (= التلذذ بالألم وبتلقِّي العذاب وهي أصلاً من صفات النساء بينما السَّادية من صفات الرجال). وحينئذ يغترب الإنسان عن قواه الخاصة. وفى علاقته بالإله يحاول أن يتصل بهذا الجزء من نفسه الذى أسقطه عليه، فيزيد من خضوعه واعتماديته، ليس هذا فحسب، بل إن الإنسان يحتقر نفسه وضعفه، ويحتقر الآخرين أيضا، وينفصل "المقدس" عن "الدنيوى" فيعيش بلا حب وحينما يشعر بأنه خاطئ يلجأ إلى الإلة من أجل المغفرة، فيلح على عجزه، أى على مصدر خطيئته، ويصير عاجزا عن استرداد نفسه. وذلك على عكس الموقف فى الدين الإنسانى حيث الإنسان دائم السعى إلى التوحد مع نفسه ومع الكون".

وفى الديانة الإسلاموية التسلطية لا يكون الخضوع المشوب بالماسوشية لله وحده كما ذكر فروم، بل أيضا لرسوله وألي الأمر والنهي، ولا يعني التركيز على المعصية في المقام الأول سوى عصيان سلطة ألي الأمر والنهي وحدهم، أما في الدين الإنسانى، يكون الضمير هو صوت الإنسان نفسه، النابع من وجدانه وإرادته الحرة وكرامته الخالدة.

لا شك في أن الإنسانية غاية سامية في ذاتها، كما يؤكد فروم، لذلك يمتاز الإنسان بالوعي الذاتي وبالعقل المتخيِّل والفكر المبتكِر ليسخِّر كل هذا في إسعاد نفسه، وإشاعة الحب والإخاء والتسامح من حوله، ولكن المستفيدين والمختلين سلوكيا يعزلون أنفسهم في أبراج مشيدة فوق الجميع، ويستعملون الأديان الغيبية التسلطية كوسيلة منجزة وفعَّالة لتضليل وعي الإنسان بذاته وإبعاده عن ذاته لتحقيق مصالِحهم السياسيّة والاجتماعيّة، معتمدين بذلك على قاعدة صلبة من نصوص الله ورسوله والسلف المنعوت بالصالح، دون أن يدري أحد.

يقول إريك فروم: "وبما أن الإنسان يفقِـر نفسه من الحب والفكر إذاً يكون الاله هو الذي يملك الحب والحكمة والعدالة. والإنسان محروم طبعاً منها، فيصبح فقـير وخاويًا ويشعر بالضَّآلة، ويصبح عاجزاً تماماً. فتكون علاقاته ذات طابع الخانع والمشوبة بالمازوشية". ومن هنا يلخص فروم هذا الخنوع ويقول "إذ يصبح الإنسان بلا ثقة في أخوانه البشر، وفي نفسه، بلا تجربة لحبه الخاص، وقوة عقله الخاصة، لأنها لا تعمل إلا بمقتضى الإرهاب الفكري الذي ينتجه الإدعاء بالمقدس والاستعانة به".

إن الخوف ليس حالة بيولوجية جينية موروثة، بل حالة سيكولوجية خالصة، بالرغم من تأثره الفيزيولوجي المتراكم على النفس البشرية. فالطفل الوليد مثله مثل أي حيوان آخر لا يعرف معنى الخوف، ولكن يتعلمه من خلال التجربة وردود الأفعال الواعية أو الإنعكاسية في محاولة لتفادي الألم العضوي أولا ومن ثم النفسي. حالة الخوف ليست طبعاً وفطرة بل تطبعاً مكتسبا من نتائج التجربة والتأثير والتربية الإجتماعية.

---ومن الثابت أن الإنسان يتلقى التربية بالتخويف والترهيب منذ الطفولة وبالأخص في العائلات المتطبعة بعلاقة الخوف، ومن ثم في المدرسة وفي العمل وفي جميع العلاقات الإجتماعية، خاصة في النظم الإجتماعية البعيدة عن المشاركة الواعية لجميع أفرادها وعن السلوك المتحضرة. وفي كل الأحوال يبقى العامل الأهم والأساس في تأصيل منظومة الخوف والترهيب بنفوس البشر هو عامل الفكر الأيديولوجي والديني الذي تسير به تلك المجتمعات وتلتف حوله تلك النظم .

من المفترض علميا وعمليا أن الدين أو التدين يمكن أن يكون فيه خلاص على المستوى الفردي وحده، وليس على المستوى الجماعي، تبعا للرؤية الهيغلية، ولكننا نسمع ألي الأمر والنهي يتحدثون دائما عن شيء وهمي، إسمه "الجماعة" وعدم الخروج عليها، بهدف إكسابها سلطة على الفرد. ومن ثم يكون رد الفِعل لدي الفرد تجاه معصيتة لله ورسوله، وهي واقعيا معصية ألي الأمر والنهي وحدهم، هو الخوف والندم واحتقار الذات والضعف المعنوي، والميل إلى اقتراف مزيد من المعاصي. بينما في الديانة الإنسانية، فليس هناك مجالًا لكراهية الذات أو تحقيرها أو الخوف، وإنما السعي وراء القيم الإنسانية العليا. إن الخوف وليس الذنب أو المعصية هو الذي يجب معالجته بمعزل عـن المشكلات الأخلاقية. لأن الأخيرة هي نتيجة حتمية للخوف. لذلك لا يستطيع المتأسلمين العيش بسلام مع أنفسهم، ومع المخالفين لهم أو المختلفين معهم.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,357,472,172
- محاولة لتفكيك العلاقة بين الله ورسوله
- العلمانية والاإنسانية الإسلاموية
- الثقافة الإسلاموية وصناعة الأعداء
- العرب والقبيلة المقدسة
- الوزير والفساد المؤسسي والنخبوي في مصر
- تحالُف جراثيم الوباء وأمراض الدهماء وأحكام القضاء
- كيف يتحقق الذكاء الجمعي لشعب ما؟ - 2/1 -
- كيف يتحقق الذكاء الجمعي لشعب ما؟ - 2/2 -
- الذكاء الجمعي والغباء الجمعي مرة أخرى
- لماذا يحب المتأسلمون الكذب ويكرهون الصدق؟!
- مصر المتعوسة بحكامها
- محمد مازال يحكم من قبره!!! لماذا؟ -2/2-
- محمد مازال يحكم من قبره!!! لماذا؟ -2/1-
- شوفينية الديانة الإسلاموية
- هل يمكن قيام ثورة دينية إسلاموية
- الإسلام والأصنام
- العبث الديني والتاريخي
- العبث الديني والتاريخي
- المتأسلمون يَرَوْن مجدهم في خذيهم ... مثال: عائشة
- وجهة نظر - العسكر والأفنديات في مصر


المزيد.....




- قطر: -الجزيرة- توقف صحافيين عن العمل بسبب تقرير -تضمن إساءة ...
- مختلف عليه - المسلمون في الغرب
- النّمسا تُقر حظر أغطية الرأس الدينية في المدارس الابتدائية
- وزير الجامعات البريطانية: نفقات الأمن يجب ألا تلقى على كاهل ...
- خادم الحرمين الشريفين يستقبل رئيس وأعضاء مجلس الإفتاء الإمار ...
- خادم الحرمين يستعرض مع رئيس مجلس الإفتاء بالإمارات أوجه التع ...
- لوموند: الكنيسة الفرنسية تتخذ خطوة تجاه الاعتراف بأطفال الكه ...
- سيناتور أسترالي حمل المسلمين مسؤولية مجزرة المسجدين يخسر مقع ...
- السعودية تستضيف القمة الإسلامية العادية الـ14 في مكة نهاية م ...
- ليبيراسيون: ليبرمان يسعى لمنع اختبارات -التحقق من اليهودية- ...


المزيد.....

- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - محاولة لتفكيك العلاقة بين المتأسلمين ونبيهم الكريم