أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الاطفال والشبيبة - مصطفى مجدي الجمال - الطفل المسلح.. قاتلاً ومقتولاً















المزيد.....


الطفل المسلح.. قاتلاً ومقتولاً


مصطفى مجدي الجمال
الحوار المتمدن-العدد: 5230 - 2016 / 7 / 21 - 17:04
المحور: حقوق الاطفال والشبيبة
    


(((على نفس نهج المقال السابق عن الملابس المستعملة في أفريقيا، وجدت في أوراقي القديمة هذه الورقة عن ظاهرة الجنود الأطفال في أفريقيا.. ولم يكن يخطر في بالي وقتها أن البلاد العربية يمكن أن تستفحل فيها هذه الظاهرة إلى هذا الحد في ظل الحروب المشتعلة دون رحمة بالكبير قبل الصغير.. وتزداد خطورة الظاهرة في بلداننا بارتباطها بالعصابات الإرهابية التي تخرب النفوس قبل الزرع والجماد.. وتحيل زهور الطفولة إلى ثعابين سامة تقتل نفسها قبل غيرها.. من ثم وجدت من المفيد إشراك القراء معي في إعادة قراءة ظاهرة الجنود الأطفال في أفريقيا، لعلها تفيدنا في فهم ومواجهة ما ابتلينا نحن به.. والأمر الذي أدهشني شخصيًا الآن أنني قد حذرت في نهاية الورقة من خطورة انتقال الظاهرة إلى الحياض العربية)))

من منا من لا يتذكر حينما كنا أطفالاً كيف كانت البندقية والكاب وبزة الضابط ترواد خيالنا؟ وأذكر جيدًا كيف كان بعض الأطفال يجبرون أهليهم على شراء هذه البزة والكاب كحلّة للعيد، والذهاب إلى ستديو التصوير لالتقاط صورة تذكارية. وبعد ذلك لم تكن هذه البدلة تصلح للاستخدام الدائم. حقًا كم كنا مفتونين بالعسكر ولباسهم المميز الذى ترجم فى خيالنا كرمز للقوة والفروسية.. وربما السلطة.

ولعل هذه الصورة التى استحضرتها من أغوار الذاكرة، قد راودتنى بقوة وأنا أشرع فى كتابة هذه المقالة عن ظاهرة "الجنود الأطفال" التى تكاد تنفرد بها أفريقيا حاليًا عن سائر بقاع العالم، ولكن هناك اختلافًا هامًا بين أحلامنا وقت الطفولة والتى حاولنا تتويجها فيما بعد بالتقدم إلى الكليات العسكرية، وبين تعاسات أطفال أفريقيا الذين يساقون بمنهجية وحشية ليعيشوا هذا الكابوس (وليس الحلم) وهم ما زالوا محض أطفال أو صبية فى العقد الثانى من عمرهم.

لماذا يقتلعون زهور الطفولة من أحواضها؟

كل طفل من هؤلاء الصبية كان من الواجب أن يكون فى المدرسة، وأن يتلقى معرفة تفيده فى عمل مستقبلاً، وأن يحصل على رعاية طبية تحميه من غائلة المرض والفقر، وألا يُحرم من دفء أبويه وأسرته.. هذا ما كان يحلم به الآباء الروحيون لثورات التحرر والاستقلال الأفريقية. ولكن أين وصلت الأمور الآن؟

إنهم يتدربون على القتل ويمارسونه، يقفون على المتاريس فى المدن ويفرضون الإتاوات، يغيرون على القرى والمزارع ويُعملون فيها حرقًا وتخريبًا، بل ويقتلون نظراءهم من الصبية ويغتصبون الفتيات والنساء.. فمن دنس هذه النفوس الصغيرة وانتزع منها البراءة وكل قيمة جميلة؟

الإجابة المباشرة تلقى بالمسئولية على "أمراء" أو "لوردات" الحرب من أمثال سافيمبى وسنكوح وتشارلز تايلور ومئات الأشرار الذين تذخر بهم أفريقيا للأسف. لكننا بعد قليل من التمعن سنكتشف أنها إجابة ناقصة تمامًا. إذ إن ظاهرة الجنود الأطفال هى ظاهرة ملازمة لظاهرة أعظم وأخطر، ألا وهى الحروب الأهلية التى تعتصر أفريقيا وتحطم مجتمعاتها ودولها. ويمتد شلال الدم عاتيًا فى معظم بلدان أفريقيا، حتى ليقدر عدد الصراعات الأهلية بحوالى خمسة وعشرين اقتتالاً دمويًا كبيرًا فى القارة ناهيك عن عشرات الصراعات الأخرى الأقل حجمًا وضراوة.

وأصبح الأطفال أداة فى هذه الحروب الجهنمية، وأول ضحاياها. ففى البداية كان يتم استخدامهم كطهاة ومراسلين وجواسيس، وحتى كأدوات لممارسة نزوات المحاربين فى الادغال.. ولكن سرعان ما تحولوا إلى "مجسات بشرية" لفتح حقول الألغام أو كقربان للرصاص المعادى فى الموجات الأولى من الهجوم، بل إلى مقاتلين بالمعنى الحرفى أو الاحترافى.. فهى حروب تقوم أساسًا على انتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة التى تستطيع أجسادهم حملها وأصابعهم ضرب زنادها.

وأصبح من أهم أهداف الإغارات التى تقوم بها العصابات المتناحرة فى أفريقيا هو اختطاف وتجنيد الصبية الذين قد لا تتجاوز أعمارهم العشر سنوات، ويوضعون فى معسكرات تدريب (أو تعذيب وتخريب لا فرق) حيث يتم تحويلهم إلى قتلة "ساديين" يتلذذون بالقتل والسلب والاغتصاب تحت تأثير الخمر والمخدرات فى هذه السن الصغيرة، ولا مانع أيضًا من حشو أدمغتهم بدعايات أيديولوجية أو نعرات عرقية.. وهكذا تتواجه جيوش الصبية لتحقيق الأغراض الدنيئة لزعماء الميلشيات.

وإذا أردنا حساب ما أصاب أطفال القارة السمراء (التى كانت فتية!) فسنجد تقرير صادرًا عن منظمة الأمم المتحدة للأطفال عام 1996 يتحدث عن مصرع مليونى طفل وإصابة وإعاقة مليون طفل وتشريد أكثر من اثنى عشر مليون طفل.

جذور المشكلة

يمكن لنا بضمير مرتاح أن نشير إلى أصابع الاستعمار الذى نهب موارد القارة، ورسم حدود الدول بشكل تعسفى أدى إلى تمزيق القبيلة الواحدة والعرق الواحد بين أكثر من دولة، وعمل على إثارة الصراع القبلى والعرقى والدينى، فضلاً عن تاريخ مخزٍ فى تجارة الرقيق حيث دأب المستعمرون على استخدام القبائل ضد بعضها البعض لاصطياد العبيد.

وورثت الدول الافريقية المستقلة أوضاعًا بالغة التعقيد من الحدود المصطنعة، والجيوش المصممة خصيصًا لممارسة القمع، والعداوات العرقية والدينية، والاقتصاد المنهك التابع للبلد المستعمر سابقًا.. ورغم نجاح عدد قليل من البلدان فى بناء الدولة – الأمة، إلا أن الصورة الأعم كانت اللجوء إلى القمع واستثمار القلاقل بين الجماعات لتبرير غياب الحريات.. وهكذا عجزت الحكومات الأفريقية عن حل الصراعات الداخلية، فضلاً عن تورطها هى نفسها فيها..

ومع تطبيق ما تسمى "برامج التكيف الهيكلى" (أو الإصلاح الاقتصادى) تحت ضغوط هائلة من صندوق النقد والبنك الدولى والشركات متعدية الجنسيات، تراجعت الدولة فى أفريقيا عن تقديم الخدمات الاجتماعية.. ومن ثم انعدمت قدرة الحكام على شراء الولاء السياسى، أى أن الدولة فقدت مبرر وجودها وأساس شرعيتها. ومن هنا تزايد دور زعماء القبائل والمناطق والطوائف والأحزاب والميلشيات الذين أجهزوا على البقية الباقية من سلطة الدولة وسيادتها.

ولعل هذا هو الوضع الأمثل الذى تفضله الشركات العملاقة حتى تواصل نهب ثروات أفريقيا من ذهب وماس ونحاس وكوبالت ونفط.. الخ دون حسيب ولا رقيب. ويكاد العالمون ببواطن الأمور فى القارة المنكوبة أن يحددوا بوضوح دامغ شبح هذه الشركات وراء كل حركة عرقية أو انفصالية.

ومع كل ذلك يستطيع الإعلام الغربى - وبدم بارد - أن يحمل الأفارقة وحدهم ما فعلوه بأنفسهم، حتى ليوشك أن يطالبهم بالترحم على أيام الاستعمار. وتصاعدت أيضًا فى هذا الإعلام نغمة الحديث عن "تعب الغرب من مساعدة أفريقيا" والتشاؤم إزاء مستقبلها ما لم يلتزم الأفارقة بنصائح الغرب ومؤسساته. هذا رغم حقيقة أن ما يجرى الآن هو النتاج المباشر لهذه "النصائح" نفسها، ولمؤامرات الشركات العملاقة وتعاونها الوثيق مع أجهزة استخبارات عديدة وجماعات المرتزقة الأجانب وأمراء الحرب الأهلية.

هناك أيضًا نقطة جانبية ولكنها هامة فالإعلام الغربى يحاول أن يلصق بالثقافة والتقاليد الأفريقية الاتهام بهذا الاستغلال الشرير للأطفال، وذلك على طريقة أن الأفارقة متخلفون وهمجيون وسيظلون كذلك لردح من الزمن. غير أن الدراسات التاريخية تثبت أن هذه الظاهرة وجدت فى أوربا ذاتها. ففى العصور الوسطى كان الفتى الذى يأمل ان يصبح فارسًا يبدأ فى اكتساب هذه المهنة كحامل لدروع ومهمات الفارس الذى يرافقه، كما ضمت الحملات الصليبية على المشرق العربى أعدادًا كبيرة من الأطفال والصبية المحاربين، بل إن جيش نابليون ضم أطفالاً يناهزون الثانية عشرة من عمرهم، والشىء نفسه ينطبق على أسطول نيلسون الذى اشتمل على طلاب بحرية تدور أعمارهم حول خمسة عشر عامًا.

كيف يتم التجنيد

تقول دراسة للأمم المتحدة صدرت عن أثر النزاعات المسلحة على الأطفال (عام 1995) إن عدد الجنود الأطفال قد تجاوز أكثر من 300 ألف طفل مسلح فى إطار الجيوش النظامية، فضلاً عن أعداد لا يمكن تقديرها بأقل من علامة المليون – بل الملايين – من المنضمين لصفوف العصابات والقوات المتمردة.

ويفسر اهتمام الميلشيات المتمردة بتجنيد الأطفال بأنهم عادة ما يكونون أسلس قيادًا،. ومن السهل خداعهم وبرمجتهم منذ الصغر على الاستهانة بالخوف أو الندم على أفعال القتل، أى تصبح الحرب هى حياتهم.. كل حياتهم. والمدهش أن تقارير علمية وميدانية عديدة تجزم بأن اندفاع ووحشية الجنود الأطفال يزيدان كثيرًا عن المقاتلين البالغين.

وقد اطلعت مؤخرًا على أحد هذه التقارير العلمية الذى روعنى تمامًا، خاصة وأنه صادر عن مؤسسة أكاديمية أفريقية مرموقة هى "المجلس الأفريقى لبحوث العلوم الاجتماعية" (كوديسريا) والتقرير معنى بعملية إعادة تأهيل هؤلاء الأطفال فى أنغولا وموزمبيق بعد تركهم للقتال أو انتهاء الحرب الأهلية نفسها. فهم ليسوا بحاجة فقط إلى لم الشمل الأسرى واستئناف التعليم أو التدريب على مهنة.. إنما هم بالأساس بحاجة ماسة إلى استعادة الشعور بالأمان وغسل أرواحهم من كل ما علق بها من أدران.

ومن طرق التجنيد التى تستخدمها عصابات المتمردين الإغارة على القرى ونصب الكمائن لاصطياد الأطفال. كما سيطرت الميلشيات على معسكرات النازحين وحولتها إلى أكبر مصدر لتجنيد الأطفال. وكذلك كان رؤساء القبائل والأعيان التقليديون ينفذون عمليات تسليم الاطفال للمتمردين أو لجيش الحكومة على السواء. كما أن أعدادًا غفيرة من الأطفال قد اختارت هذه الطريق بنفسها بحثًا عن المأوى والطعام والملبس.. ناهيك عن البندقية التى أصبحت تمثل فى مخيلتهم رمز السطوة والذكورة والقدرة على ممارسة السلب. بل إن الآباء أنفسهم كانوا يسلمون أولادهم كجزء من اتفاق سياسى مع القبيلة أو عن اقتناع بقضية عرقية أو دينية.. أو حتى على سبيل التخفف من أعباء إعالة الأطفال.

انظر مثلاً إلى حالة الطفل "لوبيز" من أنغولا الذى كان عمره اثنى عشر عامًا حينما أجبر على الانضمام لقوات "يونيتا" المتمردة فيقول: "كان السوبا (أى الشيخ التقليدى) مطالب بتزويد يونيتا بجنود من القبيلة، فطلب من المدرسين أن يرشحوا له الأطفال. وقد أخذونى من المدرسة إلى القاعدة العسكرية مباشرة حيث تلقيت تدريبًا لمدة ثلاثة أشهر قبل إرسالى للعمليات القتالية".

ويقول نظيره "أسترو" (12 عاما): "كنت أسير على قدمى بجوار السكة الحديدية حيث اعترضنى جنود يونيتا، وقالوا لى: تعال يا ولد معنا فنحن نريدك أن تقوم ببعض العمل لنا. وقد كانت كذبة لانهم أخذونى إلى معسكرهم حيث تلقيت تدريبًا لمدة خمسة شهور فقط لأن القوات الحكومية هاجمت المعسكر، وهكذا بدأت القتال قبل أن يكتمل تدريبى".

وفى موزمبيق دأبت السلطات على إعادة العاطلين و"غير المنتجين" إلى الريف، حيث لم يجد الصبية المبعدون فى ظل تفشى البؤس ونقص التعليم فى قراهم سوى الانضمام لحركة "رينامو" المتمردة. غير أن هذه الحركة اشتهرت أيضًا باختطاف الاطفال وحتى الفتيات. ومن الأمثلة المفجعة حالة الطفل "بولو" الذى اختطف وعمره لم يزل تسع سنوات، وقد أجبروه على السير على الأقدام إلى المعسكر أيامًا طويلة، وكان الطقس الافتتاحى فى تجنيده هو إجباره على شرب الماء من جمجمة.

تدمير البراءة

يستمر الآباء من الطبقة المتوسطة فى الغرب فى إعالة أطفالهم حتى سن الخامسة عشرة وربما الثامنة عشرة، أما فى بلداننا العربية فربما تصل سن الإعالة إلى أكثر من 25 عامًا بسبب البطالة وقوة التماسك الأسرى. ولكن الاطفال فى أفريقيا يدخلون سوق العمل فى سن مبكرة جداً، بدلاً من أن ينالوا حقهم فى هذه السن من التعليم والرعاية والتمتع بالحماية الأسرية. ومن ثم فإن الحدود بين مرحلة الطفولة والمراهقة ومرحلة البلوغ تكاد تتلاشى. فإذا كان الأطفال يعملون فى هذه السن المبكرة، فما المانع إذن من اشتراكهم فى القتل والتدمير والتخريب طالما أن فعاليات الاقتتال الأهلى قد اصبحت من أهم سمات الحياة الاجتماعية اليومية فى مناطق أفريقية عديدة. أضف إلى ذلك أن متوسط الأعمار فى أفريقيا منخفض للغاية، حيث يدور حول الثلاثينيات والأربعينيات. ومن جانبها فإن الحروب الاهلية وما ينتج عنها من إزهاق الأرواح وتخريب شروط الحياة، تقوم بالمزيد من تخفيض متوسط الأعمار.

معسكرات شيطانية

يرتكب أمراء الحرب فى أفريقيا جرائم عديدة بحق الإنسانية وبحق شعوبهم، غير أن معسكرات تجنيد وتدريب الجنود الأطفال تعد جريمة "سوبر" ولا يمكن تبريرها بأية ادعاءات كانت.

يتعرض الأطفال والصبية فى هذه المعسكرات لضغوط نفسية وبدنية رهيبة، هدفها الأساس هو جعل العنف جوهر حياة الطفل، بحيث لا يعود يفكر فى أى شىء آخر سوى القتل. إنها فى الحقيقة معامل لتفريخ الوحشية وتحويل هذه الكيانات الإنسانية إلى مجرد أدوات للقتل.

ومن أولى خطوات الإعداد العسكرى فى هذه المعسكرات قطع صلات الطفل كلية بالأسرة والمجتمع والحياة السوية، بحيث لا يفكر فى أى شىء سوى القتل والقتال. ويتم إجبار الأطفال مثلاً على البقاء لفترات طويلة فى الظلام الدامس، أو ضربهم ضربًا متعمدًا دون مبرر لإقناعهم ألا سبيل أمامهم للعودة إلى المنزل. والمفزع أن الشنق هو العقوبة الرئيسة التى تنتظر الهاربين أو محاولى الهرب. وتمُارس هذه العقوبة فى طابور "التمام" اليومى ليكون المغدور عبرة لباقى أفراد المعسكر. بل وقد يكون أول تدريب للطفل على القتل هو إجباره على تنفيذ العقوبة بحق زميله المتهم بالهروب.

وإليكم هذه القصة الرهيبة التى يحيكها الطفل "مارولا" (11 سنة) من موزمبيق. فقد أسرت قوات المتمردين (حركة رينامو) الصبى مع ابيه، وأخذ الاثنان إلى قاعدة حربية حيث فصل بين الأب وولده، وكانا يتقابلان عرضًا فى المساء. ووضع الأب خطة للهروب، ولكن ألقى القبض على الاثنين أثناء المحاولة.. فكان أول أمر صدر للطفل هو "اقتل أباك"!

ويعتبر إعدام الأهل أمام الطفل من أهم وسائل التخويف والتطويع. ويحكى الصبى "نويل" (12 عاما) الذى جندته حركة "رينامو" أنه ثرثر ذات مساء مع زملائه بأن أباه سوف يأتى لإنقاذه على رأس قوات حكومية. ولدى انتشار هذه الثرثرة البريئة والتى لا أساس لها توجهت قوات الحركة إلى قرية الطفل لقتل الأب وممارسة السلب والتخريب. وبالطبع تم إجبار الطفل على المشاركة فى هذه الحملة.

وهناك الكثير من القصص المرعبة التى لا أحب أن أثقل على صدر القارىء بها. غير أنه من الممكن أن نذكر أيضاً إدخال الطفل فى دائرة إدمان المخدرات، وتغيير اسم الصبى حتى تنقطع صلته تمامًا بماضيه، بل والأدهى إجبار الأطفال على الرقص والغناء طوال الليل لمنعهم من التفكير فى أى شىء آخر. ويجبر الأطفال بأجسادهم الهزيلة على أداء تدريبات عسكرية وبدنية شاقة، ودون أن يقدم لهم طعام ذو بال أو ملبس ملائم. حتى أنه لا يصبح أمام الصبى أمل فى التخفيف من محنته سوى ممارسة القتل والسلب كى يشبع بعض احتياجاته، خاصة مع عزلته عن المجتمع الذى لا يشعر بأى انتماء إليه.

كيف يكون علاج الطفل / الجندى

المشكلة التى تواجه بعض البلدان الأفريقية بعد انتهاء الحرب الأهلية.. هى ماذا يمكن أن يفعلوا مع أدوات القتل الحية هذه ؟ فعشرات الألوف منهم يعودون إلى قراهم خالين الوفاض بعد أن يكون أمراء الحرب قد نالوا حصصهم من كعكة السلطة والثروة، أما هم فلا مهنة لهم ولا عمل، وربما أيضاً لا يجدون أو حتى يعرفون أسرهم. إنهم قنابل غير موقوتة وقابلة للانفجار فى أى وقت.

اهتمت المنظمات الإنسانية الدولية بهذه المشكلة التى لم تتفهم النخب الحاكمة فى أفريقيا خطورتها، أو فى أحسن الأحوال ليس لديها إمكانيات كافية لعلاجها. وقد رأت المنظمات الدولية والأهلية الاجنبية أن هؤلاء الأولاد يجب أن يخضعوا أولاً لعلاج نفسى للتخلص من رواسب تجاربهم المريرة، وكذلك للعلاج من "صدمة ما بعد الحرب" حيث يشعر الطفل (الذى ربما أصبح شابًا الآن) بالاغتراب عن المجتمع الذى أصبح عليه العيش فيه، خاصة وقد تحول من مقاتل شهير ربما كان يحمل اسم "رامبو" أو "سترونغ" أو "الخفى".. إلى مجرد شاب عاطل وجاهل ونكرة.

وقد حاول الأطباء النفسيون الغربيون تطبيق المنظورات السيكولوجية الغربية على هذه الحالات دون أن يأخذوا فى الاعتبار الثقافات والمفاهيم واستراتيجيات التكيف الأفريقية الخاصة. ومن ثم فلم تنجح كثيرًا تجاربهم باستخدام التحليل النفسى من أجل "التنفيس" و"الإفضاء" على أريكة التحليل أمام اختصاصى. وثبت ضعف هذه الطريقة المستخلصة من خبرة علاج الجنود الأمريكيين العائدين من فيتنام، وهى خبرة تختلف تمامًا عن محنة الجنود الأطفال فى أفريقيا. فالجنود الأمريكيين تم تجنيدهم بطريقة طبيعية أو قل قانونية، وبعد الحرب يعودون إلى مجتمعات مستقرة. أما أطفال أفريقيا فقد تم تجنيدهم بأساليب وحشية وإجرامية، وحينما انتهت الحرب عادوا إلى مجتمعات شديدة البؤس والاضطراب.

ومن المثير أن أساليب العلاج المحلية البدائية التى تقوم بها الأسرة أو العراف أو الطبيب التقليدى فى القرية كانت أكثر نجاحًا فى هذا الشأن. ففى موزمبيق وأنغولا يؤمن الناس بأن صدمة ما بعد الحرب التى يعانيها أولئك الأطفال سببها المباشر هو غضب أرواح الموتى الذين قتلهم الطفل فى الحرب. ومن ثم فإن العلاج البدائى يتمثل فى استرضاء هذه الأرواح. وإلا فإن "الدنس" الذى أصاب روح الطفل الجندى العائد سوف ينتشر ويعم الأسرة والقرية بأكملها.

ولهذا عادة ما يتم إخضاع هذا الطفل لطقس تطهيرى. مثل خلع جميع ملابس الطفل وجعله يغتسل فى النهر، ثم يوضع فى كوخ صغير فى الأحراش وحيدًا لعدة أيام. وبعد ذلك يتم إحراق الكوخ وملابس الولد. وتتم التضحية بدجاجة ينثر دمها حول مكان ممارسة الطقوس. فضلاً عن دهن جسم الولد بعجائن محلية، وتشريط جسمه ووجهه ووضع زيوت فيها. ولا ينقطع الدعاء طوال الوقت لاسترضاء هذه الأرواح، وإلا فإنها قد تقتل الطفل فى صورة كوابيس ليلية أو تصيبه بالجنون.
والفكرة الأساسية فى هذه الطقوس هى تحقيق الانقطاع عن ذلك الماضى الدموى الشرير، باستخدام وسائل الغسل والحرق والدهن.. وغيرها من صور العلاج البدائى أو التقليدى.

ورغم أن هذا العلاج يمثل بداية حقيقية للغفران للطفل وإعادته إلى نسيج أسرته ومجتمعه.. فإن المعضلة الكبرى هى إعادة هذا الولد إلى حياة عادية طبيعية، فى مجتمع شديد الفقر. فلا بد من تعليم وعمل وبيئة صحيحة وثقافة جديدة. ولذا فالمشكلة ممتدة، والعودة إلى الماضى الأثيم ستظل سهلة.

كلمة أخيرة

قد يتساءل القارىء عن جدوى اجترار مثل هذه الأفعال الجسيمة، خاصة وأن لدينا فى وطننا العربى ما يكفى وزيادة‍! وفى الحقيقة أن عملى فى مركز للبحوث معنى – ضمن اهتمامات مختلفة – بالتقارب العربى الأفريقى، هو ما جعلنى على اعتقاد جازم بأهمية تحقيق هذا التقارب بالنسبة للأقطار العربية فى مواجهة عملية العولمة الكاسحة. لقد أهملنا كثيرًا النظر جنوبا إلى أفريقيا وشرقًا إلى آسيا (ناهيك عن اغترابنا التام عن أمريكا الجنوبية)، وتجمدت أنظارنا على الشمال والغرب. وكم كانت الشعوب الأفريقية سندًا قويًا لشواغلنا القومية، ومع ذلك فنحن – كدأبنا- نهدر مواطن نفوذنا وتحالفاتنا بسهولة غريبة.. ونترك الباب مفتوحا على مصراعيه أمام إسرائيل لتقدم المال والسلاح والخبرات.. حتى تمرر الدسائس وتحاصرنا من الجنوب.
لم يعد يجدى الاكتفاء بالتعاون مع النخب الحاكمة فى البلدان الأفريقية، خاصة وأن الدول هناك آخذة فى التحول نحو نموذج "الدولة الرخوة" الضعيفة أمام النفوذ الخارجى، وكذلك أمام السطوة القبلية والعرقية والإقليمية. ومن ثم لا بد من إقامة علاقات حية وحقيقية مع هذه الشعوب، والخطوة الأولى فى ذلك هى فهم المشكلات الحقيقية لهذه المجتمعات من منظور مباشر خاص بنا، وليس بأعين الإعلام أو الاستخبارات الغربية.

مثلا بالنسبة لمشكلة الجنود الأطفال التى عرضنا لها هنا، لماذا لا تقوم منظمات غير حكومية عربية بالنشاط فى مجال إعادة تأهيل هؤلاء الأطفال؟ إن مشروعًا كهذا سيكون له مردود يفوق بكثير تقديم مساعدات رسمية لشق طرق أو إقامة أبنية... مع عدم دعوتنا إلى التخلى عن هذا بالطبع.

تتبقى كلمة أخيرة لابد وأن أقولها، وهى أن التجارب المريرة التى تمر بها أفريقيا بالنسبة للحروب الأهلية تدق لنا أجراس التحذير. والتمعن فى هذه التجارب يقدم لنا دروسًا لا تقدر بثمن، خاصة وأن وطننا العربى لم يكن يومًا بعيدًا عن نزعات الاقتتال الداخلى، وقد خبرها بما فيه الكفاية فى لبنان والسودان والجزائر.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,100,583,802
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة
- إنهم يديرون الأزمة
- رهانات السيسي السبعة
- المحرّض.. رسالة وفنًا وعلمًا
- أجواء قراقوشية في جامعة القناة
- خطوط عريضة لتقدير الموقف في مصر
- كيف توقعت مستقبل الثورة في فنزويلا
- هل جنت على نفسها داعش
- حوار مع دوير
- أوهام ومخاطر
- ثلاث أزمات وجودية
- المنظمات الحقوقية.. للداخل أم الخارج؟
- سؤال اليوم: ثورة أم إصلاح
- تكنولوجيا تدمير الأحزاب اليسارية من الداخل
- انزلاقات السيسي
- ملاحقة الثوار.. هدية ثمينة للإرهاب
- عندما نامت أمي
- أعزائي الثوار.. احذروا الجرّاي
- جرثومة اسمها النمو الذاتي
- الحزب الثوري بين الفندقة والحندقة


المزيد.....




- وزيرة خارجية الإكوادور: الجمعية العامة للأمم المتحدة اتخذت ق ...
- الجيش الإسرائيلي يفجر منزل عائلة فلسطينية بمخيم للاجئين بالض ...
- اعتقالات في باريس قبيل تظاهرات -السترات الصفراء-
- تونس توقع اتفاقية تعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
- الأردن تعلن عودة 5703 لاجئا سوريا إلى بلادهم منذ أكتوبر الما ...
- روسيا تقدم للأمم المتحدة مشروع قرار للحفاظ على معاهدة الصوار ...
- رئيس نيكارغوا يصف أفعال الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ب ...
- عودة 5703 لاجئا سوريا إلى ديارهم من الأردن
- فرانس24 تلتقي عددا من المهاجرين أثناء مغادرتهم الأراضي الليب ...
- المندوب الفلسطيني يشكو إسرائيل لدى الأمم المتحدة


المزيد.....

- نحو استراتيجية للاستثمار في حقل تعليم الطفولة المبكرة / اسراء حميد عبد الشهيد
- حقوق الطفل في التشريع الدستوري العربي - تحليل قانوني مقارن ب ... / قائد محمد طربوش ردمان
- أطفال الشوارع في اليمن / محمد النعماني
- الطفل والتسلط التربوي في الاسرة والمدرسة / شمخي جبر
- أوضاع الأطفال الفلسطينيين في المعتقلات والسجون الإسرائيلية / دنيا الأمل إسماعيل
- دور منظمات المجتمع المدني في الحد من أسوأ أشكال عمل الاطفال / محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي
- ماذا يجب أن نقول للأطفال؟ أطفالنا بين الحاخامات والقساوسة وا ... / غازي مسعود
- بحث في بعض إشكاليات الشباب / معتز حيسو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - حقوق الاطفال والشبيبة - مصطفى مجدي الجمال - الطفل المسلح.. قاتلاً ومقتولاً