أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سامي عبد العال - عن اللامبالاة و الأنا مالية















المزيد.....

عن اللامبالاة و الأنا مالية


سامي عبد العال
الحوار المتمدن-العدد: 5169 - 2016 / 5 / 21 - 01:42
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


"اللامبالاة والأنا مالية"... موقفان يُفْرَزَان لإسقاط الواقع من الحسبان. ربما لعدم الاكتراث به. وربما لأنَّ واقعاً كهذا يبادلنا عبثاً مقابل اهمالنا. وهذا لا يعني موتَ الواقع أمام العالم الافتراضي كما يذهب مفكرو الذكاء الاصطناعي artificial intelligence. لكننا نعلم وزنه النَّوعي إذ ليس لنا فيه تأثيرٌ، ليتم الرد السلبي على المستوى ذاته. كما أنَّه - أي الواقع- عصيٌّ على أية تحولات انسانيةٍ كرهان في المجتمعات الحية. فالمعروف أنً كائناً متفاعلاً مع محيطه هو الإنسان. وإذا وَجَدَ مُحيطاً أعمى لا يرى مصيره سيصرف النظر عنه. "الأنا مالية" موقف ذو توجُه وليس صفراً انطولوجيا. إنَّ الموجود هناك (الإنسان) بتعبير هيدجر قرر مواصلة النأي بنفسه. فالواقع لا يعيره اهتماماً إذن: فليكن الواقعُ أيضاً ملقً هنالك. حيث يتعادل مع اللا شيء رغم أنَّه يشغلنا بمجملِّ الرؤى والتصورات.
بالتالي ينشأ "اللامبالي" كائناً على الحافة الآمنة. كالضفادع التي تدمن نقيقاً متواصلاً يُردد بعضه البعض. حين تسمعه ستجد ضجيجاً دون نسق ولا توجه. يتوالد لدي اللامبالي أسلوب دفاعي قائلاً: "أنا مالي" كلما صادفته مشكلات ومزالق. فيغدو جيئةً وذهاباً متجنباً خوضَ غمار المخاطرة. إنَّه يشعر بالسكينة لمجرد ابتعاده عن دائرة الممارسة. صحيح اللامبالاة ممارسة مقلوبة إلى فعلٍّ سلبيٍّ، لكنها تقلص الوجود الإنساني بشكلٍّ حاد. لذلك من المهم تحديد حقيقة اللامبالاة؟ وكيف تميز إنساناً دون غيره؟ وهل تتسع إلى نطاقٍ اجتماعيٍّ أكبر؟
تبرز "اللامبالاة" نتيجة ضياع الموضوع الملائم للفكر والممارسة. الموضوع مغتصّب دوماً لصالح قوة ما هي المسيطرة عليه. ذلك حتى وإنْ كانت هي المجتمع نفسه. بسبب أنَّ المجتمعات العربية ليست كذلك بالمفهوم الحداثي. فمن المفترض أنَّها كيانات ذات حيثية تاريخية ومعرفية. بيد أنَّها لا توجد هكذا في الحقيقة. هي تجمعات بشرية فاقدة الأصالة، أغلبها نسخ مشوهة من حيوات أخرى. لأنَّ رؤى العالم والتاريخ لديها تتشكل بالإنابة عن كل عملٍّ أصيل. فهي لا تعيش أزمنتها المتنوعة، إنما تعيش الماضي أكثر من الحاضر. هي لا تأكل مما تزرع بل تقتات كالطفيليات على العالم المتقدم. كما لا ترسم أدوارها سياسياً بل يسيطر عليها منطق الضحية. تأتي متأخرة حضارياً مع أنها تعيش أكثر العصور تطوراً. هذه التناقضات تزداد شراسة وتزيدنا ضعفاً في الوقت نفسه.
حتى التاريخ يقف من العالم العربي موقفَ اللامبالي. فمع الكوارث السياسية يطل كمراقبٍ من بعيدٍ فقط. كيف ينصِف التاريخ من لا يعرف ماهيته؟ التاريخ دونما مشاركة في صناعته يأتي كقطار كوني بلا سائق في ليل بهيم. يدهس شعوباً وينقل أخرى ويطور غيرها. حيث تمثل لا مبالاته عماء ليس قادراً على التمييز. ومكانة الدول خلاله تتحدّد فقط بإمكانيتها على إدارته لا تجاهله. والقضية هنا اشكالية وصف شعب ما باللامبالاة. وما إذا كانت الأخيرة تصنع حدثاً عاماً أم لا؟
اللامبالاة درجة من التشبُع بفقدان الفاعلية إلى حدِّ الغثيان تجاه الأمور الجارية. وفي بعض منها غياب الأمل في مجتمع أفضلٍ. لأنَّ تكرار عدم اتخاذ موقف من المشاركة في الحياة يحوْل دون أي قرار قادم. حتى يصبح الإنسانُ ذا إرادة بلهاء. وينتهي به الحال إلى عينين تبرقان بسحب الاخفاق ليس أكثر.
وفشل التأثير الذي يرجوه الإنسان يتم أيضاً بفعل فاعل، وليس بسبب مبررات ذاتية. النتائج المترتبة عليه ربما تعد موضوعية بما هي كذلك. من هنا فإنَّ هذا الضياع لا يمتلكه الأفراد مثلما لا يقدرون على الفاعلية. هذا ناتج عن غياب الحرية في مجتمعاتنا العربية. هي تُطرح هكذا: الحرية... ككلمة مجردة من حيث المبدأ. وبالتالي فهي غير معروفة. لأن التجريد اللغوي في مجتمع فارغ المحتوى يدمر أيَّ شكل لها وأي مضمون مختلف.
الحرية لدينا مساحة مشغولة سلفاً بالقيود. ننتظر من يعطيها لا من يصنعها. والفارق كبير. من يعطيها لن يفعل بلا مقابلٍ، ولا يرضى بديلاً عن عبودية كاملةٍ. كما أنَّ هذا التدخل يصل إلى ماهية الكائن الإنساني مجرداً إياه من قدراته، من إنسانيته. فالعبودية في المجتمعات العربية لم تختف لكنها أخذت أشكالاً مؤسساتية وأبنية أكثر مكراً ضمن ثقافتنا اليومية. بينما من يصنعها باستطاعته ابداعها يومياً مع أدنى الأعمال إلى أقصاها. هي ستكون جوهر ممارسته لأنَّه ينشد عالماً مغايراً.
"اللا" هي نفي المبالاة بموجب التجنب العمدي لوجود الآخر، ولأثره الحياتي. أي نفي الوجود حيث يجري تجاهله عمداً مع سبق الاصرار والترصد. فتأتي "الأنا مالية" ظاهرةً مكملة في غثيان المعنى نتيجة استئثار النفس بنرجسيتها. فكلّما واجه الإنسان حدثاً ذهب إلى اعتباره معدوماً. لأنَّ رد فعله يصبح غير مهم ليس له فقط، بل كذلك لما يحدث. ونفس الشيء مع العلاقات إذ تمثل تجاهلاً للآخرين غير عابئ بهم.
فالتواصل كفعل انساني علاقة ضرورية للمجتمع. وحينما تتغلغل خلالها" الأنامالية" لن يكون ثمة نتاجٌ ايجابي. سيكون المجتمع مهدداً بتعطيل قواه المثمرة. وتستدير الكائنات الإنسانية ظهراً لبعضها البعض. هل نتخيل أقفية تقابل أخرى. مجتمع من الرؤوس المقلوبة. ماذا ستقول؟ لن يحدث هناك تلاقٍ إنما يغيب الوجه. يسود الصمت. وهو في العادة أبلغ من أي كلام. لكنه صمت أخرس هذه المرة. ليس به معنى ثري بقدر ما يعبر عن اغتراب طويل وغير محتمل.
على الجانب الآخر كانت "اللامبالاة" قتلاً آمناً بعلم الوصول وجهاً لوجه مع المقتول. هي كراهية متسللة بحكم تجاهل الآخر. وبهذا تفرز نوعاً من التصدي للفضول الداخلي بتعويم الفعل. تقول دعه فإنَّ صمتي عنه سيقتله دون صوت. "اللامبالاة" تدمير كاتم للصوت تجاه من أهمله. نوع من التجنب، نوع من البعد المؤثر.
والانا كما يضاف إلى المتكلم يعني نفياً لشيء يراه خاصاً به. لأنه ليس قادراً على العيش في خطر بحسب مقولة نيتشه. والأنا قاسم مشترك بين" اللامبالاة و الأنا مالية". لكنه أنا عار في وضع مسطح لدى أي موقف مستجد. فمع قدرته على التمركز حول نفسه سيكون الآخر بالنسبة إليه بعيداً. ومهما يقترب منه سيذهب عنه إلى زاوية يصبح بها مجهولاً. وستنزلق على سطحه الأبعاد الإنسانية الحميمة.
من ثم تسود اللامبالاة مجتمعات تتضخم فيها الأناوات ويختفي مبدأ الواقع. وفي الثقافة العربية يذهب هذا التضخم حداً تشكل معه أنظمة القيم والسياسة والدين كل لا مبالاة. لأنها منحوتة دون اهتمام بالإنسان رغم هواجسها المتواصلة حوله. ذلك يؤدي إلى أناس يمارسون حياتهم كقواقع بحرية يقذفها البحر خارج أمواجه.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,921,253,815
- المِثْليّة السياسية
- ماذا وراء الاستعارات الدينية؟
- استعارات التأسيس الديني: كما لو As If
- النَّص الدينيُّ: كيف يتأسس؟
- بلا نهاية: أفيون الشعوب
- الأسئلة الملعونة في الثقافة العربية
- الإله على ورقة دولارٍ
- لماذا المرأة عورة...؟!
- الحريم في المجال العام
- الموت كفعلٍّ سياسيٍّ
- رأسمالية الوهم
- نهاية العمل أم نهاية العالم؟!
- حيوان الثقافة


المزيد.....




- علاء مبارك يغرد بآية قرآنية بعد إخلاء سبيله.. ما رد فعل متاب ...
- عزيز أبو سارة أول فلسطيني يترشح لرئاسة بلدية القدس
- تجدد الاحتجاجات قرب السياج الفاصل بين غزة وإسرائيل ومقتل شاب ...
- أنقرة: ننسق مع موسكو لإقامة منطقة منزوعة السلاح بإدلب
- القتال يُجبر مسافرين على الانتظار في مطار مصراته بعد إغلاق م ...
- إلغاء حفل لمغني راب فرنسي مسلم بمسرح الباتاكلان بعد اعتراضات ...
- البرازيل تعتقل ممولا لحزب الله
- إلغاء حفل لمغني راب فرنسي مسلم بمسرح الباتاكلان بعد اعتراضات ...
- ساسولو يواصل مغامرته بالكالتشيو ويرتقي للوصافة مؤقتا
- الزاهد يرفض دعوة الأزهري لزيارة القدس


المزيد.....

- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب
- جاليليو جاليلي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / محمد صديق أمون
- نفهم الحياة من ذكرياتنا وإنطباعاتنا البدئية العفوية / سامى لبيب
- أوهامنا البشرية - وهم الوعى وإشكالياته / سامى لبيب
- أساطير أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ناصر الحلواني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سامي عبد العال - عن اللامبالاة و الأنا مالية