أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف 1 ايار - ماي يوم العمال العالمي 2016 - التطور والتغييرات في بنية الطبقة العاملة وأساليب النضال في ظل النظام الرأسمالي والعولمة - سامي عبد العال - نهاية العمل أم نهاية العالم؟!















المزيد.....

نهاية العمل أم نهاية العالم؟!


سامي عبد العال

الحوار المتمدن-العدد: 5139 - 2016 / 4 / 21 - 07:57
المحور: ملف 1 ايار - ماي يوم العمال العالمي 2016 - التطور والتغييرات في بنية الطبقة العاملة وأساليب النضال في ظل النظام الرأسمالي والعولمة
    


بعضُ الإشارات تكفي لتحَسُّس المصير. لأنَّه يَنتاب خيالَّنا كما لوكان ارتعاشاً جسدياً. تماماً كالارتعاش المصيري إذ تترقبه حيوانات الغابة تجاه الأخطار المحدقة. الحياةُ كائن رعّاش لا يتوقف عن الاهتزاز. هذا بالضبط الموقف إزاء يوتوبيا الرأسمالية. فهل نتصور نهايةً قريبةً للعمل بعدما بشرت بها؟! الأمر أشبه بحالة غسق نحو العدم لو تصورناه كذلك. وحالما يختفي الفعلُّ بلا آثر ينبغي البحثُ أولاً عما يجعلنا نتوهم ذلك. العمل كان- ومازال- تقنية وجود قبل التساؤل عن إمكانياته. لعلَّه تاريخياً قد شكَّل حقائق عالم إنساني نحن كائناته المنتجة. وإذا كانت الرأسماليةُ تبشر برفاهيةٍ خياليةٍ وراء الأسواق الممتدة مع خريطة العالم فذلك يُرهص بالكوميديا الكونية التي لن تبقي ولا تذر.
حقا الرأسمالية تتوقَّح إزاء قوة العمل حين تلتهم فائض القيم، تذيب كيان العمال. لكن اختفاء العمل سيدفعها إلى الانتحار الذاتي. لأنَّ رأسمالاً بدون عملٍّ لهو" قيامة مؤجلة" لن تقتاتَ إلاَّ على بقاياها الحية. وهذا وراء الأزمات الأخلاقية الناشبة في محيط رأس المال بلا ضوابط. فليست الأخلاق ديناً ولا نسقاً من التقاليد والعادات. هي ثقةٌ ممنوحةٌ إلى الآخرين بناءً على ذات التوقع بإنتاج شيء له آثار في الحياة. كلُّ إنتاج له وافر الثقة إزاء الآخر، إزاء المجهول، إزاء المصير. وهو عقدٌ متخيل بين الناس بلا ضمان خارجي. إنَّه سيقول: طالما أنَّ ثمة انتاجاً فهناك إمكانية للتطور وإمكانية للمزيد. نوعٌ من الإيمان غير الديني بالإنسان في أفعاله الحياتية. فأكبر موضوع لزراعة الثقة في المجتمعات هو العمل الدؤوب بلا كللٍ ولا مللٍ.
ففي العمل قُوى أخرى غير التي تظهر على السطح. قُوى تحاول رسم صورة العالم في مخيلتنا. وهذا الرسم حر وطليق إلى درجة بعيدة. وسينعتق من أيّة قيد أو تصورات سابقة التجهيز. ولئن تهدَّد المجال الذي يتجلى من خلالها سيكون هناك صراع لإعادته. هو ذاته الصراع من أجل البقاء. دوماً خارج كل التوقعات سيأتي العمل من وراء حجاب أيديولوجي سميك. وسيكون مادة أولية تشكل العلاقات والأفعال الرمزية. فالعمل ليس كما نظن شيئاً كمالياً، مضافاً، إنَّه عنصر أساسي يوازي التراب والهواء والماء. غير أن فارقاً ضرورياً يجعله أكثر خطراً: كونه يأخذ سمات الخلق، الخالق، التكوين بلغة الدين. كل عمل مؤثر لا يخلو من روح الحياة. فكيف يجري انهاؤه واعتباره مرحلة بدائية من السلوك؟!
من ثم ليس العملُ واقعاً افتراضياً لكي تستهدف الرأسمالية طرد أخيلته. فالرأسمالية ذاتها قبل أي شيء آخر وليدة العمل، حراً كان أم مقيداً أم مزيفاً أم خيالياً. إننا لا تستطيع ممارسة السيولة التبادلية في أثير الأسواق ما لم تخرج ممتلئة بالأعمال المتواصلة. عكس هذا يرجع بالعالم إلى مرحلة السديم. حيث تضرب الفوضى غير الخلاقة بالمرة بنية الحياة بما هي كذلك. لو تصورنا ثمة سوقاً قائماً على البيع فقط ماذا سيكون وضعه؟ إنَّه ينسف فكرة الإنتاج من الأساس. سيجعلها استهلاكاً بلا طائل. وسيرسخ أساليب الانتهاك واللامبالاة. إنَّ مجتمعاً لا يبادل إنتاجاً بإنتاج لهو مجتمع يُهدر مستقبلَّه. بل أولى خطوات وضع المجتمعات على فوهة الفناء هي ضياع فكرة العمل.
إنَّ الشكل المبدئي للمقايضة لم يكن سوى فائض المواد السلعية المتاحة. والمقايضة رغم كونها سحيقة القدم لكنها داعية إلى ضرورة انتاج شيء مهم للآخرين حتى يبادلونه بآخر أكثر أهمية. ما تركته المقايضة كانت ومازالت تفعله النقود. بينما الأخيرة نسجت شبكة رمزية من الدلالات التي تعلق بها. ولعلنا نرى كم المعاني الواقعة على نقوش الدولار من سياسية ومعرفية وثقافية سلباً وايجاباً. فالنقود برتوكول اقتصادي لأيديولوجيا الأسواق. ورغم ذلك لا حلَّ لنا من معرفتها والتداول بها. لأنَّها مكتوبة بحبر سري يحتاج إلى أزمنه لفك طلاسمه.
النقود بنية فاعلة مهما تكن الأنماط أو الأساليب التي تأخذها. وبذلك لا تقلُ أثراً عن العلاقات الاجتماعية والسياسية. لقد أضحت شفرةً لممارسة السلطة. وهذا السبب في الدور الكبير الذي تؤديه على صعيد علاقات العنف في المجتمع. والرأسمالية تدرك هذا تماماً لأنها تتغلغل في أبنية المجتمع للهيمنة والسيطرة. ولذا فإنَّ نظام الأجور عبارة عن شفرات للعمل وفق تراتب تلك الهيمنة الخفية.
وهو في النهاية استنفادٌ لفاعلية الإنسان نظير استهلاك مقنن تبعاً لتحديد الأجر. وذلك الوضع يتضخم بحسب المتغيرات التالية.
- مكانة الإنسان في المجتمع. فليس العامل سوى طاقة ابداعية تحتاج إلى رعاية وتنمية وحماية. وفي نفس الوقت يحتاج مقابلاً وافراً لا استهلاكاً فقط.
- رؤى الحياة المؤثرة على العمل. فالعمل ما لم يكن محل تقدير لن يتقدم خطوة واحدة وسيُنظر إلى عناصره بنظرة قميئةٍ.
- طبيعة العمل. كل عمل يحتاج عناية بطبيعته وإمكانياته وأهميته. ففي بعض المجتمعات المتخلفة تخضع الأعمال لتصنيف متعسف. فيكون العمل الرائج اجتماعياً ذا مكانة دون غيرها. الأمر الذي يلحق احتقاراً ببعض الأعمال بخلاف سواها.
- آفاق المستقبل. العمل لا ينته بل يتحول من خلال الشروط المحيطة به والوسائط المتداخلة معه والتقنيات المتوافرة. وكل نظام عمل لا يلتفت إلى سؤال المستقبل سيعرض نفسه لأسئلة حدية: ماذا نستفيد من ورائه؟.
- الإبداع. وهو القدرة على تجويد المنتج، لا في مستواه الأدنى بل من خلال مستوياته الأكثر إدهاشاً والأعظم إمكانية.
وبهذا فإنَّ العامل لا التقنية هو الثروة الفعلية. هو مصدر الثراء الحقيقي مستقبلاً ليصبح مركزاً لرأس المال. لأنه قادر على تطوير النقاط السابقة وفيه تكمن حقيقتها. وهو الذي يتقبل الآفاق الجديدة للأعمال. وظيفة العامل تتغير لكنها لن تختفي. وربما سيكون أكثر ذكاءً في خلق ذاته بشكل متنامٍ باستمرار. وليس العمال مجرد أيدي عاملة بالمعنى الجسدي. لكنهم أيدي ماهرة، تكنولوجيا الحساسية تجاه المواد وإمكانية تشكيلها في كل مرة تتكلس الصناعة و تتوقف حركة الأسواق. إن الاستثمار في الإنسان (لا قتله) هو المعنى الضروري لمواكبة الزمن.
ومن أقصى الحياة كان اليونانيون قديماً يعتبرون التأمل meditation لوناً من العمل. هو حرفة وأداة لإنتاج الأفكار وليس تعطلاً يدوياً مقابل التحليق في السماء. وكانت كلمة malete تساوي مصطلح التأمل المشار إليه. وهي تعني حرفياً الاستعداد والتهيؤ؛ أي بذل الطاقة القصوى للوصول إلى مرحلةٍ أفضل. وعليه لم يكن التأمل ليعني الفيلسوف فقط بل كان كل صاحب حرفة مفكراً حاذقاً. فهو من جهة ينخرط في عمل ما ومن جهة تالية بإمكانه اكتساب مهارة توازي تفكيره.
لذلك لم تكن الابستمولوجيا epistemology برأي هيدجر نظرية صورية في المعرفة. لكنها أشارت إلى "من يعرف كيف يعرف"!! ذلك اتساقاً مع الفعل ابستيمانوس. وهو يدل على الطريقة التي نعرف بها موضوعات العالم. فالأخيرة مهارة في صورة عملية أدائية وفي ظل جهاز نظري يدعمها. لهذا حتى الأنشطة التي لا يظهر فيها مفهوم العمل بوضوح إنما تؤسس مفهوماً مغايراً للعمل. إنَّه يصبح إجراءات واستراتيجيات تستلهم روحه دون كيانه.
إنَّ فكرة نهاية العمل تستدعي طريقاً لاهوتياً وراء كل رأسمالية متوحشة. فعلى الرغم من دوائر الاقتصاد والأسواق الواسعة إلاَّ أن النهايات( نهاية التاريخ- نهاية الإنسان- نهاية التكنولوجيا) حديث لاهوتي في أساسه. وهي نبوءة لا تستند على أي شيءٍ سوى القوة الميتافيزيقية في لحظة عدم تاريخي. ولذلك كان فرانسيس فوكوياما- الأمريكي من أصل ياباني- صاحب انجيل جديد من وحي القوة الأمريكية. وبالمقابل نصَّب أمريكا إلهاً فوق خريطة الكون. جاء كتابه الشهير(نهاية التاريخ) تأويلاً عسكرياً لأفكار الفلسفة السياسية. ذلك في إطار سخرية التاريخ محاولاً إسدال الستار على عصر كانت أمريكا فيه بمثابة جهنم العولمة بامتياز.
فوكوياما موظف حركي بدرجة مفكر تستخدمه الإدارة الأمريكية لإطلاق الصرخات المبشرة بالنهاية. على طريقة صراخ هندي أحمر مطارد في أحراش القارة الجديدة. ولم تكن هي النهاية الأخيرة، لقد أثبتت الأيام القريبة اهتزاز عرش أمريكا. لأنها تلاعبت بالمادة الأساسية في الطبيعة والسياسة والمعرفة. وهذه هي المرحلة الأخطر من حديث النهايات. لسان حل أمريكا يقول: قبل نهاية لا أمتلكها سأُهلِّك ما استطيع إهلاكه من العالم!! وهذا ظهر بالحروب التي أشعلتها في العراق وبين الطوائف وإطلاق غيلان الجماعات الإرهابية وتزويدهم بالخطط والخبراء والأسلحة.
نهاية العمل تظهر في هذا الأفق وضمن لاهوته السياسي. وليس ذلك بعيداً عن الاستراحة المقدسة التي أخذها الرب بعدما خلق السماوات والأرض في ستة أيام. يقول العهد القديم :" فأُكمِلت السموات والأرض وكل جندها. وفرغ اللهُ في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه. لأنَّه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقنا"(الكتاب المقدس، سفر التكوين- الاصحاح الثاني ص 5).
ظل التاريخ عوداً على بدء بنفس المنطق. تحولت الاستراحة الإلهية إلى نبوءة ترتد آخذة معها كل نشاط إنساني ودنيوي نحو النهايات المحتومة. فإنْ كان الله قد استراح ألاَ يكون ذلك داعياً إلى إنهاء حالة العمل كونياً؟! المنطق النبوئي يسعي إلى اثبات ذاته بإخماد كلِّ نشاط فاعلٍ.
الرأسمالية هي اقتصاد اليوم السابع في العهد القديم. إنَّه اقتصاد غياب الإله عن الكون، عن شؤون الدنيا تاركاً الأمور نهباً للقوى المتوحشة. وكل نهاية تلوح في الأفق تعلن عن قوة تتحدث بمنطق السماء. لا تفاوض دنيوي ولا تنوع حقيقي إنما النهاية تساوي قيامة مؤقتة. فالنهاية تعزف دلالتها على وتر الاستراحة المقدسة. إنها اسرار توحش الأسواق التي تبتاع وتشتري أي شيء حتى الله. الرأسمالية جعلته ورقة نقدية فكيف سيقاوم العمال؟!



#سامي_عبد_العال (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حيوان الثقافة


المزيد.....




- كيف وثق مصور فوتوغرافي هندي دبي منذ عام 1965؟
- بعد نجاة ترامب من محاولة اغتياله.. رئيس مجلس النواب ينتقد ال ...
- كأنها عين واحدة.. مصور يجمع عيني ديك وإنسان في مشهد واحد
- -العنف نتيجة التحريض والاستقطاب السياسي-.. أنور قرقاش يعلق ع ...
- الدفاع الروسية: إسقاط طائرة حربية أوكرانية وخسائر العدو بلغت ...
- للمرة الثانية هذا العام.. الشمس تتعامد على الكعبة وتخفي ظلها ...
- مقتل 5 وإصابة نحو 20 آخرين في انفجارهز مقهى مزدحماً في العاص ...
- إسرائيل تركب جرائم -قتل المنازل- في قطاع غزة.. تل الهوى والش ...
- بايدن: الانتخابات ستكون اختبارا لنا
- فتاة خلف منصة ترامب تثير الريبة.. هل كانت ضمن فريق الاغتيال؟ ...


المزيد.....

- التعصب الديني في العمل و اثره على المرأة و الاقليات و الوطن / ماري مارديني
- الطبقة العاملة إلي أين ؟! بعد خمس سنوات من 25 يناير / إلهامي الميرغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف 1 ايار - ماي يوم العمال العالمي 2016 - التطور والتغييرات في بنية الطبقة العاملة وأساليب النضال في ظل النظام الرأسمالي والعولمة - سامي عبد العال - نهاية العمل أم نهاية العالم؟!