أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالجواد سيد - مابعد الدين والقومية















المزيد.....



مابعد الدين والقومية


عبدالجواد سيد
(Abdelgawad Sayed )


الحوار المتمدن-العدد: 5167 - 2016 / 5 / 19 - 08:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مابعد الدين والقومية
دراسة مقارنة فى التطور الحضارى للعالمين المسيحى والإسلامى
مقدمة!!!
إذا أردت أن تبحث عن سر شقاء العالم ، فإبحث عن هاتين الكلمتين ، الدين ، والقومية!!!
----------------
ظاهرتان كبيرتان صنعت تاريخ الإنسان وتاريخ الإنسانية - على الأقل حتى اليوم - هما الدين والقومية. وإلى عهد قريب كان الإعتقاد الشائع هو أن كلاهما قد إرتبط بتطور اقتصادى وإجتماعى معين فى حياة المجتمع الإنسانى ، فقد إرتبط الدين بالمجتمع الإقطاعى العبودى، بينما إرتبطت القومية بالمجتمع البرجوازى الليبرالى ، لكن المراجعة الفكرية وتجربة التاريخ تثبت أن هاتين القوتين ، الدين والقومية ، كانت دائما ثقافتان تعملان فى حياة الشعوب بإستمرار، وبمعزل عن التطورات الاقتصادية والاجتماعية وإلا بماذا نفسر سيادة الفكر الدينى فى دول لها كل ملامح الدول الرأسمالية كإيران والسعودية مثلاً، وسيادة الفكر القومى الليبرالى لدى شعوب قديمة لها كل ملامح المجتمعات الإقطاعية العبودية كبلاد اليونان القديمة وروما مثلاً ؟
ففى البدء كان الدين للإجابة على السؤال الحاسم الخالد من خلقنا ولماذا نموت؟ وهو سؤال سيظل يطرح نفسه دائماً فى حياة الإنسان بصرف النظر عن طبيعة المجتمع الذى يعيش فيه قديماً كان أو حديثاً ، إقطاعياً كان أم رأسمالياً ، ولإن السؤال صعب والإجابة أصعب ، فقد إستولى الدين على حياة الإنسان منذ البداية لكنه - وبمرور الزمن - تحول من دين سلام إلى دين سياسة ، وبدلا من أن يمنح الإنسان السلام منحه الحرب والصراع ، وإستمر ذلك هو الحال حتى ثارت أوربا - قائدة التاريخ الإنسانى - على الدين وقدمت للإنسانية ديناً بديلاً هو الوطن - وهوعزيز على الإنسان أيضاً - لكن المشكلة لم تنتهى ، فقد كان الدين البديل دين سياسة بدوره ، وتصارعت دول أوربا فيما بينها وأفنت بعضها البعض بدافع التعصب القومى فى حربين عالميتين لم تعرف الإنسانية لقسوتهما مثيلاً.
عرفت الإنسانية ديانتان عالميتان هما المسيحية والإسلام ، أما باقى الأديان الآسيوية الكبرى كالبوذية والهندوسية والكونوفوشية ، فلم تتطور فى أى لحظة من لحظات تاريخها إلى أن تصبح ديانات عالمية، وظلت عبر تاريخها الطويل محتفظة بدائرة إنتشارها داخل البيئة الآسيوية فقط - بإستثنائات قليلة - كما أنها لم تتطور لتصبح ديانات سياسية تماماً ، كالديانات الإبراهيمية الشرق أوسطية الثلاث ، اليهودية والمسيحية والإسلام. ولسنا هنا بصدد الحديث عن لماذا أصبحت المسيحية والإسلام فقط ديانتان عالميتان، ولكنا نود الحديث عن ماذا حدث عندما أصبحت كذلك؟
فلنبدا بالمسيحية إذن لإنها الأقدم زمنياً. خرجت المسيحية من فلسطين على يد آخر أنبياء إسرائيل يشوع أو المسيح كما إشتهر فى التاريخ . شاب إسرائيلى شديد التدين عظيم الهيبة والتأثير - بلا شك - أراد أن يحدث بعض الإصلاحات فى الشريعة الموسوية، فرفض إصلاحاته كثير من اليهود وأيدها كثير منهم أيضاً. وفى النهاية ضاق به الجميع اليهود أصحاب الأرض ، والرومان اصحاب السلطة ، فحكموا عليه بالموت ورفعوه على الصليب بعد أن أذاقوه مر العذاب. وبمجرد أن لفظ أنفاسه وأسلم الروح إلى خالقه تحول النبى اليهودى إلى مؤسس لدين جديد، ففى خلال القرن الأول الميلادى كُتبت قصة حياة يسوع وتعاليمه فى الأناجيل ، وتحولت حركته الإصلاحية إلى ديانة مستقلة عن اليهودية وهى المسيحية ، والتى قُدر لها أن تكتسح كل العالم الرومانى بمجرد أن إعترف بها الإمبراطور الرومانى قسطنطين الكبير ديانة رسمية للإمبراطورية فى حدود سنة 325م من ميلاد المسيح ، ومن ديانة مضطهدة تحولت المسيحية إلى ديانة ظافرة وبدأت تفرض نفسها على كل العالم الرومانى شرقاً وغرباً.
لم تنحصر شهرة وإسهامات قسطنطين الكبير فى التاريخ فى مجرد إعترافه بالمسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية ، ولكن كان هو أيضاً الذى أمر ببناء مدينة بيزنطة على ساحل البسفور، ونقل مقر حكمه من روما إليها فى الجزء الشرقى من الإمبراطورية فى حدود نفس التاريخ الذى إعترف فيه بالمسيحية. وكما إنقسم العالم الرومانى - بمرور الزمن - إلى شرقى وغربى ، كذلك إنقسمت المسيحية الظافرة إلى شرقية أرثوذكسية وغربية كاثوليكية ، وبينما ظلت المسيحية الأرثوكسية خاضعة لسلطة الدولة الرومانية الشرقية (البيزنطية) خلال العصور الوسطى ، وحتى سقوط بيزنطة على يد العثمانيين سنة 1453م فإن المسيحية الكاثوليكية كان لها شأن آخر وقصة أخرى. فبعد سقوط روما فى يد البرابرة الجرمان سنة 476م برزت البابوبة الكاثوليكية فى إيطاليا كالسلطة الوحيدة الباقية من تراث الإمبراطورية الرومانية ، فكان من الطبيعى أن تتحول إلى سلطة ودولة وأن يلتف حولها الناس ، ومن هنا بدأت المسيحية رحلتها فى التاريخ لتقود السياسات والحروب وتتحول من عقيدة المظلومين إلى عقيدة الظالمين.
وفى دراسة محدودة كتلك الدراسة ليس من السهل أن نتتبع رحلة المسيحية الغربية الطويلة مع السياسة والسلطة الدنيوية ، وحتى هزيمتها فى النهاية وبروز القومية كبديل لها. لكن القصة تستحق أن تروى أو أن تروى فصول منها - على الأقل - لنتذكر ماذا يحدث عندما يتحول الدين إلى سلطة وسلطان ، وكيف تضيع عندئذ الدنيا ويضيع معها الدين، ولنتذكر أيضا أن فى بعض الهزيمة إنتصار، فلعل المسيحية فى هزيمتها السياسية ضمنت عودتها الحقيقية إلى حياة الإنسان ، وضمنت لها بذلك دوراً محدوداً ولكن دائماً فى حياته ، وهذا مايجب أن يتعلمه الإسلام ، الدين العالمى الآخر ، الذى مازال يحاول أن يسيطر سياسياً على العالم.
برزت البابوية كقوة وأخذت مكانتها السياسية بعد سقوط الإمبراطورية فى الغرب ، وسيطرت على الحياة بمختلف جوانبها فى العصور الوسطى الأوربية ، ودخلت فى صراع ضارى على السلطة والسلطان كان أبرز مظاهره صراعها مع الإمبراطورية الرومانية المقدسة ( أى الجزء الغربى من العالم الرومانى الذى كان قد سقط سنة 476م وتم إحيائه على يد شارلمان سنة 800م).
كما قادت البابوية الحروب الصليبية وأراقت الدماء بإسم المسيح - رغم كل مانهى عنه المسيح من إراقة الدماء - فقتل الصليبيون حوالى مائة ألف إنسان فى معرة النعمان السورية ، أثناء الحملة الصليبية الأولى فى ديسمبر 1098م ، بل وأكلوا بعضهم أيضاً بسبب نقص المؤن ، ثم قاموا بذبح سبعين ألف إنسان بين مسلم ويهودى عندما دخلوا القدس سنة 1099م ، كما ذبحوا كل أسرى عكا بعد إستسلامها فى يونيو سنة 1191م أثناء الحملة الصليبية الثالثة ، ولم تكتفى البابوية بحروبها على العالم الإسلامى شرقاً وغرباً فى أسبانيا - والتى قد تبدو مبررة - بل أنها قادت الحروب الصليبية ضد المسيحين أنفسهم فى جنوب فرنسا سنة 1209م ، أثناء الحركة الإلبيجنسية وقتلتهم وصادرت أملاكهم وأصدرت قرار الحرمان على ريموند السادس امير تولوز نصير الحركة الإلبيجنسية التى كانت تحاول التحرر من سيطرة وطغيان البابوية.
وإضطهدت البابوية التنويريين وعذبتهم وقتلتهم أثناء عصر النهضة الأوربى ، ووصل الأمر بإنشاء محاكم خاصة بمحاكمة أصحاب الأفكار والآراء الخارجة عن تعاليم الكنيسة عرفت بمحاكم التفتيش، والتى مثلت أهم مؤسسات الرعب الدينى على مر التاريخ ، وقد إنشئت فى أوائل القرن الثالث عشر بقرار من البابا جرينوار التاسع وذلك سنة 1233م ، وكان هدفها محاربة الهرطقة فى كل أنحاء العالم المسيحى. وقد كُلف بها رجال الدين فى مختلف البلاد ، وكانت الناس تساق سوقاً إلى محاكم التفتيش عن طريق الشبهة أوعن طريق الوشاية ، حيث كانوا يتعرضون للتعذيب الشديد حتى ينهارون ويعترفون بأفكارهم، وعندئذ كان يحق للمحقق أن يعفو عنهم إذا تابوا أو يلقى بهم إلى النيران ، إذا رأى أنهم لايستحقون العفو. وقد قُتل خلق كثير بهذه الطريقة الوحشية التى أصبحت علامة على العصور الوسطى ، ويُقال أن عدد الذين ماتوا بهذه الطريقة يتجاوز عشرات الألوف ، ومن أشهر الذين ماتوا حرقاً المصلح التشيكى المشهور جان هوس ، حيث حُكم عليه بالموت حرقاً فى يوليو سنة 1415م ، وكذلك الفيلسوف الإيطالى جيوردانو برينو فقد أعدم حرقاً . ومن أهم الذين مثلوا أمام محاكم التفتيش أيضاً العالم الشهير جاليليو، وكوبرنيكوس القائل بدوران الأرض حول الشمس ، لكن الأخير نجا منها بسبب حذره وتأجيله نشر كتابه الذى يحتوى على نظريته الجديدة حتى يوم وفاته . وأما العالم الشهير جاليليو فقد كان مهدداً بنفس المصير، لولا أنه أستدرك الأمر فى آخر لحظة وقبل بالتراجع عن نظريته المشهورة ، وهكذا عفوا عنه ولم ينفذوا فيه حكم الإعدام، ثم أحيل إلى الإقامة الجبرية فى ضواحى فلورنسا ، وأتيح له أن يكمل بحوثه وهو تحت المراقبة. وقد إستمرت محرقة محاكم التفتيش موقدة حتى القرن السابع عشر بل وحتى القرن الثامن عشرأيضاً ، والمثال على ذلك تلك الحادثة الشهيرة التى حدثت فى عصر التنوير لشخص يدعى جان فرانسوا لابار (1747-1766م) ، فقد قطعوا يده لإنه كسر الصليب وإقتلعوا لسانه ثم أحرقوه أخيراً، وكان شاباً مراهقاً لايتجاوز عمره التاسعة عشرة. ومن الأمثلة الأخرى ماحدث للفيلسوف ميشيل سيرفيه الذى أحرقوه حياً فى جنيف بتهمة التشكيك بعقيدة التثليث ، وهى من العقائد ألأساسية فى المسيحية. فبمجرد أن شكك بصحتها ألقى طعمة للنيران بلا رحمة.
وبعد قيام حركة الإصلاح الدينى فى القرن السادس عشر أصبح هناك عدو جديد للفاتيكان غير التنويرين هو مارتن لوثر رائد حركة الإصلاح الدينى ، التى إنطلقت من ألمانيا ضد إستبداد الكنيسة الكاثوليكية الرومانية وسيطرتها على حياة الناس الروحية والمادية وضد صكوك الغفران بشكل خاص ، وقد هاجم مارتن لوثر مفاسد الكنيسة الكاثولكية فى منشور علقه على باب كنيسة ويتنبرج عبر فيه عن عقيدته الدينية الجديدة والتى أطلق عليها مصطلح (التبرير بالإيمان) ، أى أن الله وحده هو الذى يملك الحكم على إيمان الناس من عدمه ، وأنه وحده من يملك الغفران لهم من عدمه. وقد ردت الكنيسة الكاثوليكية على حركة لوثر بأن أصدر البابا ليو العاشر قرار الحرمان من الكنيسة ضده فى ديسمبر 1520م ، وكان رد مارتن لوثر أن أحرق قرار البابا علانية أمام جميع الناس فى ساحة ويتنبرج ، وتفاقم الأمر حتى طلب البابا من الإمبراطور شارل الخامس أن يلقى القبض عليه ، وينفذ قرار الحرمان الصادر ضده بإعتباره مارقاً خارجاً عن الكنيسة. وبالفعل إستدعى مارتن لوثر للمثول أمام مجلس يمثل الإمبراطورية فى مدينة فورمس لمحاكمته فى يناير 1521م ، ولما ناقشه المجمع فى آرائه أصر على كل كلمة نطق بها أو كتبها من قبل، وعندئذ أعتبر خارجاً عن القانون وحُكم بإهدار دمه وحرمانه من الحقوق المدنية فى الإمبراطورية، إلا أن فردريك أمير سكسونيا وآخرين من أمراء شمال ألمانيا وضعوه تحت حمايتهم ، وبذلك نجا من العقوبة. وسرعان ماإكتسحت اللوثرية معظم الطبقات فى ألمانيا ومنها إنتشرت - ولو فى أشكال جديدة - إلى معظم أنحاء غرب أووربا .
وبدءً من تلك اللحظة إنقسم العالم المسيحى فى غرب أوربا إلى قسمين ، قسم كاثوليكى وقسم بروتستانتى ( أىمعترض) ، ودارت بينهما المعارك والحروب على مدار مائتى سنة تقريبا ، وهى حروب الأديان الشهيرة والتى إختلط فيها الدين بالسياسة ، وذهب ضحيتها مئات الآلاف من القتلى. وبلغت هذه الحروب ذروتها فى الأراضى المنخفضة الواقعة تحت سيطرة التاج الأسبانى آنذاك ، وفى فرنسا فى الفترة الواقعة بين عامى 1562-1598م ، فقد هاجت الجماهير الكاثوليكية على أفراد الأقلية البروتستانية فى مختلف المدن والأرياف الفرنسية، وكان أن حصلت تلك المجزرة الشهيرة بإسم مجزرة سانت بارتيليميو، التى ذهب ضحيتها أكثر من خمسة آلاف شخص. وكذلك شهدت بريطانيا موجة إضطهاد كبيرة للبروتستانت فى عهد الملكة مارى إبنة هنرى الثامن (1552-1558م) ، والتى لُقبت بمارى السفاحة لكثرة ضحاياها من البروتستانت. وقد تجددت تلك الحروب الدينية الرهيبة فى حرب الثلاثين عاماً التى إجتاحت أوربا سنة 1618م( فى بوهيميا والدانمرك والسويد وفرنسا)، وراح ضحيتها مئات الآلاف من الناس قبل أن تنتهى بصلح وستفاليا سنة1648م. وكان من أبشع المذابح التى شهدتها تلك الحروب مذبحة مدينة مجدبرج الألماني، التى حاصرها جيش الإمبراطور الألمانى الكاثوليكى فرديناند الثانى، ثم إكتسحها وقتل نحوعشرين ألفاً من سكانها البروتستانت. ومن ضحايا الإضطهاد الدينى من بروتستانت فرنسا وإنجلترا، هاجرت الموجات الأولى من الأوربيين ، الذين إستعمروا أمريكا الشمالية وأسسوا الولايات المتحدة الأمريكية على قيم ومثل عليا إنسانية جديدة ، تم فيها فصل الدين عن الدولة وإرساء مبدأ حرية العقيدة.
وظلت البابوية فى سعيها المحموم نحو السلطة والتسلط تدفع بأباطرة وملوك أوربا إلى إضطهاد البروتستانت ، وكل من يجرؤ على الخروج عن سلطانها حتى قيام الثورة الفرنسية (1789-1799م) ونشرها للقيم المدنية فى المجتمعات الأوربية من خلال حروب نابليون فى أوربا ، حتى تمكن العالم الغربى - فى نهاية الأمر - من إزاحتها عن المشهد السياسى ، ونفيها فى دولة الفاتيكان الصغيرة سنة 1929م ، بعد أن إختار له مثلاُ أعلى جديداً فى الحياة ، إنبثق من الثورة على إستبداد البابا الكاثوليكى فى روما ، هو الوطن والقومية ، ولم يعد الإنسان الغربى يجتمع تحت راية المسيح مرة أخرى ، ولكنه أصبح يجتمع تحت راية الأرض التى ولد وعاش عليها ، وهكذا تخلقت فكرة القومية التى صاغت تاريخ الإنسان الغربى فى العصر الحديث من رحم ثورة الإصلاح الدينى .
حققت القومية طفرة كبرى فى حياة الشعوب الأوربية وتطورها ، فقد إرتبطت بتطور النظم الديموقراطية وفصل الدين عن الدولة ، وحكم القانون ، وإنتشار مبادى العدل والمساواة ، وحرية الفكر والعقيدة ، وأضعفت من روح الكراهية الدينية ، ووحدت الشعوب الأوربية وحفزتها على النهضة والتقدم ، وألهمتها مثلاُ علياً ونظماُ أكثر واقعية وأكثر فائدة من المثل الدينية إلا أنها - ومع ذلك - وفى تطرفها على المدى البعيد ، وتماماً كما حدث فى عصور الدين ، قد أثارت النزاعات والحروب الدولية والتى سقط فيها من البشر أكثر مما سقط منهم فى الحروب الدينية، ولم يتحقق السلام فى أوربا بل إتسعت الحروب الأوربية القومية لتشمل العالم كله بعد ذلك.
ويمكن تحديد بداية الحروب القومية الأوربية فى العصر الحديث بحرب المائة العام بين إنجلترا وفرنسا ( 1337-1453م)، وألتى أعقبتها سلسلة من الحروب المستمرة الطويلة - عبر القرون - بين مختلف القوى الأوربية ، من أجل التوسع والإستعمار وفتح الأسواق وحراسة الأمن القومى ، حتى وصلت ذروتها فى الحربين العالميتين الأولى(1914-1918م) والثانية (1939-1945م) ، والتى ألحقت بالبشرية شقاءً لم يسبق له مثيلاً ، بسبب التطور العلمى الذى حققته أوربا وإنعكس على صناعة الأسلحة المتطورة الفتاكة وخاصة سلاح الطيران ، فهدمت فيهما كثير من المدن وسقط ملايين من القتلى وخسرت الحضارة الإنسانية كثيراً من منجزاتها وثرواتها.
لكن أوربا وبعد أن حلت بها تلك الكارثة ، التى أزهقت أرواح أبنائها ودمرت منجزاتها وثرواتها وأفقدتها مركز الزعامة فى العالم لصالح القوى الصاعدة الجديدة ، الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتى، أخذت تراجع نفسها وأخذت دول أوربا الغربية تسعى لحل مشكلات مابعد الحرب بأسلوب مختلف هذه المرة ، فقررت التعاون بدلاً من الصراع سبيلاً. وفى سنة 1949م تكون المجلس الأوربى وكان الهدف منه ترابط الدول الأعضاء ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، وإنشئت المجموعة الأوربية للفحم الحجرى والفولاذ سنة 1951م ، بهدف تطوير صناعة الفحم الحجرى والحديد والفولاذ فى بلجيكا وفرنسا وإيطاليا ولوكسمبرج وهولندا وألمانيا الغربية، وفى عام 1957م كون الأعضاء الستة لهذه المجموعة الجماعة الاقتصادية الأوربية بهدف إزالة الحواجز والقيود التى كانت تعوق حرية حركة السلع والعمالة ورأس المال والخدمات بين الدول الأعضاء ، وهى الجماعة التى عُرفت بالسوق الأوربية المشتركة فيما بعد. وفى عام 1973م إنضمت إلى السوق كل من بريطانيا والدنمارك وإيرلندا ، وفى عام 1981م إنضمت اليونان ، وفى عام 1986م إنضمت البرتغال وأسبانيا ، وفى سنة 1990م إنضمت ألمانيا بعد توحيد شطريها، وفى ديسمبر سنة 1991م تم إعلان تسمية الإتحاد الأوربى بدلاً من السوق الأوربية المشتركة بموجب معاهدة ماسترخت، وفى عام 1999م إتخذ الإتحاد من اليورو عملة مشتركة للدول الأعضاء، وتم تداول اليورو رسميا بدءً من عام 2002م، وفى عام 2004م إنضمت عشر دول أخرى للإتحاد الأوربى.
وأخيرا هدأت أوربا وخفتت روحها الدينية، وهدأت نزعتها القومية ، وعمها السلام والرخاء والحريات الدينية والفكرية وإتحد أبناؤها فى كيان واحد كبير، يتحركون بحرية بين أرجائه دون حواجز أو قيود أو مخاوف ولم يعد سوى حادث هنا أوهناك فى يوغوسلافيا السابقة أوإيرلندا أو إقليم الباسك أودعوات اليمين المتطرف فى بعض الدول الأوربية، مجرد صحوة الموت لنزعات الدين والقومية ، وإكتمل مسار التاريخ فى القارة العجوز، وأصبح كتابا مفتوحاً للبشر يتعلمون منه عبثية التاريخ الإنسانى وعبثية الصراع والكراهية بين البشر، فأين هؤلاء الذين تحاربوا وتقاتلوا أمس على الدين والحدود والمستعمرات وصنعوا أكبر المجازر فى تاريخ البشرية ، فهاهم يقفون اليوم تحت راية الإتحاد الأوربى وطنهم الواحد الرحب الجديد يفتحون للعالم آفاقاً جديدة نحو ثقافة مابعد الدين القومية ، نحو ثقافة إنسانية واعدة بالسلام والحرية .

كان هذا عن العالم المسيحى ، أما العالم الإسلامى فقد كانت رحلته - ومازلت - أشد شقاءً وأكثر بؤساً . ولد الإسلام منذ البداية فى بيئة قبلية عنيفة ، ولم يستغرق طويلاً قبل أن يكشف عن طبيعته السياسية، فبعد ثلاثة عشر عاماً فقط من الدعوة السلمية فى مكة ، وبمجرد هجرته إلى المدينة تحول إلى عقيدة عسكرية ، راحت تحاول فرض نفسها على العالم بالقوة ، منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم. وربما يمكن تفسير الطبيعة السياسية للإسلام بنمو الشعور القومى لدى قبائل الجزيرة العربية ، وبرغبة محمد وتجار مكة ، بعد أن ملكوا الثروة وإطلعوا على ميراث اليهودية والمسيحية ، فى توحيد عرب الجزيرة العربية فى دولة قومية واحدة وغزو العالم، فهو دين ودولة فى آن واحد ، ورغم مافى ذلك القول من بهاء ظاهرى يتباهى به المتشددون الإسلاميون ، ففى هذا القول نفسه تكمن نقطة ضعفه ؟.
ومنذ البداية كان هناك فارق أساسى بين المسيحية والإسلام ، فلم تكن المسيحية ديانة سياسية أبداً، بل أنها قد إكتسبت تلك الصفة فقط عندما إعترفت بها الإمبراطورية الرومانية ، وإتخذت منها ديانة رسمية، ومن ثم سخرتها لتحقيق أهدافها السياسية ، وكان من الطبيعى أن تحاول المسيحية وراثة الإمبراطورية الرومانية بعد سقوطها. إن ذلك قد يفسر لماذا كان من الممكن تنحية المسيحية عن المشهد السياسى حينما حان الوقت بسهولة نسبية ، بينما مازال ذلك صعباً على الإسلام ، الذى خُلق منذ مولده سياسياً، فطبع الشرق الأوسط كله بصبغة ثقافة دينية سياسية يصعب التخلص منها .
إن قصة الخلافة الإسلامية منذ نشأتها فى المدينة حتى نهايتها فى إستانبول ، يمكن أن تروى تاريخ الإسلام السياسى العنيف. كانت الخلافة الإسلامية تجربة فريدة فى التاريخ ، فقد كان الخليفة المسلم حاكماً دنيوياً ودينياً فى آن واحد ، وبعكس البابوية التى إحتكرت السلطة الروحية بينما تصارعت على السلطة الدنيوية مع الملوك والأباطرة ، فقد كان الخلفاء بابوات وملوكاً فى وقت واحد منذ البداية، وبدون منازع.
عمل الخلفاء الأوائل فى المدينة ، على إكمال محاولة غزو العالم ، التى كانت قد بدأت فى عهد محمد ، فأكمل الخليفة أبوبكر وعمر بعده تلك المهمة، وتم فى عهدهما إكتساح العرب لمنطقة الشرق الأوسط القديم شرقاً وغرباً ، مع ماصاحب ذلك من آلام وشقاء حلت بسكان تلك المناطق. ومن مصر إنساح العرب إلى المغرب ، ومن المغرب إنساحوا إلى أسبانيا ، ومن أسبانيا حاولوا إختراق أوربا ولكنهم فشلوا ، وتم ردعهم بشكل نهائى فى جنوب فرنسا ، على يد شارل مارتل فى معركة سهل بواتييه ، التى يسميها العرب معركة بلاط الشهداء ، وسُحق الجيش العربى عن آخره ، وقُتل قائده عبدالرحمن الغافقى سنة 732م. كما كانت محاولاتهم لإختراق أوربا من الشرق قد فشلت أيضاً ، بسبب وقوف الإمبراطورية البيزنطية عائقاً صلباً أمامهم ، إلا أنهم كانوا قد نجحوا فى التقدم بإتجاه الشرق حتى وصلوا إلى حدود بلاد الترك فى أواسط آسيا. إستغرقت تلك المرحلة حوالى قرن من الزمان ، وشغلت كل عصر الدولة الأموية ، والتى سقطت سنة 750م ، وإنتهى بسقوطها عصر الغزوات العربية الإسلامية الكبرى ، وهجرة وإستقرار العرب على جانبى جزيرة العرب شرقاً وغرباً ، ونجاحهم فى تعريب وأسلمة تلك المناطق ، سواء بسب دخول الناس فى الإسلام من جهة ، أوبسبب إختلاط وتزاوج القبائل العربية مع شعوب تلك المناطق من جهة أخرى. لم تكن تلك رحلة سهلة أو بسيطة ، فبالإضافة إلى عداء العرب للعالم المحيط بهم، ونزف الدماء الهائل الذى تسببوا فيه آنذاك ، فقد كانوا قد إنقسموا بدورهم إلى ثلاثة مذاهب رئيسية ، أخذت تصارع بعضها البعض منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم تقريباً ، وهى السنة والشيعة والخوارج. ظل الصراع والحرب هو السمة المميزة لكل عصور الخلافة التى تلت خلافة الأمويين، كالعباسيين فى بغداد - الذين ورثوا الخلافة من الأمويين فى ثورة دموية - والفاطميين فى مصر، والأيوبيين والمماليك بعدهم، حتى خلافة العثمانيين فى بدايات القرن السادس عشر الميلادى، وذلك بالإضافة إلى الممالك الصغيرة التى إنشقت عن الخلافة العباسية ، وتكونت فى بلاد المغرب العربى وفى غرب آسيا.
كان ذلك زمناً من الحرب التى لاتهدأ، حرب على المخالفين فى الدين، وحرب على المخالفين فى المذهب، وحرب على المنافسين على السلطة ، وحرب حتى على الأعداء المفترضين. ففى مصر والشام والعراق وبلاد المغرب مثلاً، لجأ العرب إلى سياسة التسامح فى بادئ الأمر، لكنهم سرعان ماكشفوا عن وجههم الحقيقى، فبعد أن إستتب الأمر للأمويين وقضوا على منافسيهم، راحوا يحكمون قبضتهم على تلك البلاد، وتشددوا فى طلب الجزية والخراج من الأهالى، وبالغوا فى ذلك أى مبالغة ، وإتبع الحجاج بن يوسف الثقفى، واليهم على العراق سياسات فى غاية القسوة تجاه الموالى، فرفض وضع الجزية حتى عمن أسلم منهم، وإعتبرهم عبيداً ومنعهم من مغادرة أراضيهم، حتى يسهل إحصائهم وتقدير الجزية المستحقة عليهم، وكذلك فعل عبدالله بن الحبحاب، واليهم على مصر والمغرب . وإستمر ضغط الولاة الأمويون - ومن بعدهم الولاة العباسيون - على الأقباط ، حتى بدأوا فى الثورة منذ سنة 107هـ وحتى سنة 216هـ ،وهى السنة التى قمع فيها المأمون ثورتهم فيما يشبه مذبحة جماعية، خضعوا بعدها وإستسلموا لتيار العروبة والإسلام. وكذلك كان الحال فى المغرب ، فقد إشتد ظلم الولاة الأمويين للسكان من ذبح قطعانهم وسبى بناتهم ، حتى إشتكوا إلى الخليفة هشام فى دمشق، ولما لم يستطيعوا مقابلته، ولم يستجب أحد إلى توسلاتهم، ثاروا وأوقعوا بالعرب فى وقعة الأشراف بالقرب من طنجة سنة 122 هـ ، حيث قُتل معظم الجيش العربى، ومرة أخرى أوقعوا بهم فى موقعة بقدورة على وادى سبو بالقرب من تاهرت سنة 124هـ ، وكانت تلك الهزائم من أكبر الهزائم التى لحقت بالعرب أثناء عصر الغزوات الإسلامية، ومع ذلك فقد تمكن العرب من الإنتقام بعد ذلك فى معركة الأصنام، التى قادها حنظلة بن صفوان والى مصر، وقتلوا من البربر نحو مائة وثمانين ألف نفس. وهكذا إستسلم البربر أيضا فى نهاية الأمر لتيار العروبة والإسلام ، مثلهم مثل غيرهم من شعوب الشرق الأوسط.
وبعدما عبر العرب إلى أسبانيا فى أخريات العصر الأموى، قاموا بنفس أعمال القسوة، من خطف النساء، وهدم الكنائس وسرقة كنوزها ، مما حدا برهبان أسبانيا إلى القيام بعمليات إنتحار جماعى ، إحتجاجاً على الظلم الذى ألحقه بهم العرب، وذلك دون أن يلتفت أحد إلى شكواهم . لكن أسبانيا لم تستسلم لتيار العروبة والإسلام، فقد كانت بلادهم بعيدة عن جزيرة العرب، فلم يستطيعوا أن يطبعوها بطابعهم، وظلت أسبانيا محتفظة بطابعها الأوربى المسيحى، حتى تمكنت من طرد العرب من غرناطة سنة 1492م، وبدأ العرب بعد ذلك ينزحون إلى شمال إفريقيا، وأخذ تاريخ العالم كله يدخل مرحلة جديدة، أخذ فيها العالم المسيحى زمام المبادرة.
لم تكن الخلافات الإسلامية، التى تلت خلافة الأمويين، إستثناءً فى تعسفها وفى حروبها الدينية الشرسة، فقد أنشأ الخليفة العباسى المهدى، ديواناً يشبه محاكم التفتيش المسيحية، يسمى بديوان الزنادقة، كان الهدف منه محاربة وقتل الثائرين من الفرس على السلطة العباسية، بحجة خروجهم على الدين ، وحتى مع الإقرار بالطبيعة المتسامحة للخلافة الفاطمية، فإن مافعله الحاكم بأمر الله الفاطمى بمسيحيى مصر، يكفى لوصم تلك الخلافة بالقسوة مثل سائر الخلافات الأخرى، وقد فعل المماليك بعدهم أكثر، وفعل الخوارج والقرامطة المسلمون بالمسلمين أنفسهم أكثر وأكثر. لقد كانت عصور الدين الإسلامية مجرد حروب ودماء ليس أكثر.
لقد كانت الحروب الدينية الإسلامية المتواصلة، هى التى جلبت الحروب الصليبية المدمرة إلى الشرق المسلم، فبسبب الهجوم المتواصل للأتراك السلاجقة فى بغداد على أراضى الدولة البيزنطية، وأسرهم للإمبراطورالبيزنطى رومانوس الرابع بعد معركة ملاذكرت سنة 1071م ، قام البيزنطيون بالإستنجاد بالعالم المسيحى الغربى، الذى إنتهز الفرصة وأرسل جحافله على الشرق المسلم، فى سلسلة حروب طويلة مدمرة ، جلبت على العالم الألم والشقاء لقرون طويلة ، ومازال موروثها النفسى يعيش بيننا حتى اليوم. وبعد سقوط بغداد أمام جحافل المغول سنة 1258م، إنتقلت زعامة العالم الإسلامى إلى مماليك مصر، الذين واصلوا سياسات الحروب الدينية فى الخارج، والعسف مع رعاياهم من مسلمين وأهل ذمة فى الداخل.
وعندما وصل العثمانيون إلى حكم العالم الإسلامى، بعدما تمكنوا من إسقاط القسطنطينة عاصمة الدولة البيزنطية سنة 1453م، وإنساحوا إلى داخل أوربا ، فقد ساروا على نفس طريق العنف والدماء، فجلبوا معهم الخازوق، وسياسة خطف الأطفال من أحضان أمهاتهم، لتجنيدهم فى جيوش السلطان، وسواء كان الطرف الخاضع مسيحياً أوربياً، أو مسلماً شرقياً ، فلم يعرف الحكم العثمانى معنى للرحمة مع المغلوبين، وأجلس الجميع على الخازوق. وكما لم يعرف الحاكم العثمانى معنى للرحمة مع رعاياه، فلم يعرف معنى للرحمة حتى مع أهل بيته نفسه، فإستن أسوء عادات السياسة فى التاريخ، وهى سياسة قتل الأخ والأقارب، فبمجرد إعتلاء أى سلطان للعرش، كان يقوم بالقبض على جميع إخوته وأقاربه ، ممن يجد فيهم منافسين محتملين ، ويقوم بقتلهم - أو سجنهم على الأٌقل - تجنبا للفتنة ، هكذا كانت عصور الإسلام السياسى مجرد حروب ودماء ، ليس أكثر. لكن الزمن بدأ يتغير بوصول طلائع الإستعمار الأوربى إلى الشرق المسلم فى العصر الحديث ، خلال القرنين ، الثامن عشر والتاسع عشر، بأفكاره الليبرالية القومية الجديدة، والتى بدأ العالم الإسلامى يتأثر بها، ومن ثم بدأ ينتقل تدريجياً من عصورالدين إلى عصور القومية، مثلما حدث فى أوربا المسيحية.
كانت الدولة العثمانية مركز العالم الإسلامى نفسها، هى أول من بدأ يأخذ عن العالم الأوربى المسيحى الأوربى أفكاره ونظمه الجديدة، وذلك بالتحديد فى عهد السلطان المصلح محمود الثانى( 1808- 1839م)، وفى نفس الوقت تقريباً كانت مصر- مركز الثقل الثانى - تسلك نفس الطريق، بعد أن وصل محمد على إلى حكم مصر سنة 1805م، ومنذ ذلك التاريخ فصاعداً، ومع الإنفتاح المستمر على العالم الأوربى، بدأت الأفكار العظيمة للقرن التاسع عشرالأوربى، فى القومية العلمانية ، والنزعة الليبرالية ، وفصل الدين عن الدولة، والحرية الدينية، وتحرير المرأة، تخترق العالم الإسلامى ، وأثبت الشرق الإسلامى أنه قادر على التطور أيضاً، فبدأ يتغير، وبرغم أنه قد ظل متمسكاً بإيمانه العقيدى الإسلامى القوى، فقد بدأت روحه الدينية العنيفة فى الخفوت تدريجياً. إستمر ذلك الإتجاه طوال القرن التاسع عشر، وفى بدايات القرن العشرين كان قد أتى ثماره، والذى تمثل فى إلغاء مصطفى كمال أتاتورك للخلافة الإسلامية، وإعلان تركيا جمهورية قومية علمانية سنة 1924م ، وفى قيام ثورة 1919م بمصر وإعلان مبدأ الدين لله والوطن للجميع، وتحرير المرأة، وصدور دستور 1923م، ووصول حزب الوفد الليبرالى إلى رئاسة الحكومة، فى أول إنتخابات تشريعية فى تاريخ مصر الحديث ، وبإكتساح تام ، للحزب الوطنى ذو النزعة الإسلامية. قطعت تركيا الرحلة إلى آخرها، وإجتازت القرن التاسع عشر والعشرين بقيم الغرب القومية العلمانية، وبروحه الليبرالية ، حتى خرجت على العالم فى بدايات القرن الحادى والعشرين، أمة قوية تستعرض نهضتها ، قبل أن تنتكس على يد نزعة أردوغان الإسلامية فى السنوات الأخيرة ، وكذلك الحال فى مصر، فقد إنتكست القومية الليبرالية المصرية بظهور أفكار القومية العربية الفاشية فى الثلاثينيات من القرن العشرين ، وبدأت مصر تتشرب تلك الفكرة الفاشية العنصرية ، وتعود معها وبها - دون أن تدرى - إلى عصور الدين السياسى مرة أخرى.
لم ترتبط فكرة القومية العربية ، بأى مثل إنسانية عليا، كما كان الحال بالنسبة للقومية الليبرالية الأوربية ، ولكنها إرتبطت بالتاريخ والأمجاد العربية، وبالعداء الهستيرى للعالم الغربى، فكانت وكأنها مجرد صورة محدثة للإسلام السياسى، وعدائه الهستيرى للعالم المسيحى . وبدأ فكر الإنسان المصرى يتغير مرة أخرى فى الإتجاه إلى عداء وكراهية العالم ، بعد أن كان قد بدأ يتعلم التسامح أثناء الحقبة الليبرالية، وكان من الطبيعى أن تكون أفكار القومية العربية الفاشية ، هى العباءة التى إرتدتها الأنظمة العسكرية، التى ورثت الحكم فى أعقاب خروج الإستعمار من العالم العربى، سواء فى مصر، أو فى معظم الدول العربية الأخرى، لتبرر بها وجودها على رأس السلطة ، كمدافع وحيد عن شعوبها، ضد الإستعمارالغربى وأعوانه، تماما كما كان الخلفاء يبررون سلطانهم المطلق، بأنهم كانوا المدافعين الوحيدين عن الإسلام، والمجاهدين الوحيدين فى سبيل الله، ولم يبقى لكى يكتمل مشهد الإنتكاسة الحضارية، التى مثلتها تجربة القومية العربية الفاشية ، سوى أن تتلقى ضربة موجعة ، كى تنتكس إلى عصور الدين السياسى مرة أخرى، وكانت تلك الضربة هى نكسة يونيو 1967م فى الحرب مع الدولة العبرية الصغيرة فى فلسطين، وكان من السهل أن تنقلب العملة على وجهها الآخر، من القومية العربية الفاشية إلى الإسلام السياسى، فبدلاً من أن تدرك الشعوب العربية أن سر إنتكاساتها العروبية، كان هو الغياب الكامل للديموقراطية والإعتدال والتسامح ، فى قيم وممارسات القومية العربية ، فإنها قد فسرت ذلك بالإبتعاد عن الدين، وإختارت العودة إلى فكرة الدولة الإسلامية مرة أخرى، كطرح بديل فى مواجهة فشلها الحضارى المزمن. هكذا عاد الإسلام السياسى إلى الوجود مرة أخرى، بعد أن كان قد هدأ وخفت طوال الحقبة الإستعمارية، وربما يمثل ذلك التفسير، الخلاف الجوهرى الكبير، بين التاريخ المسيحى والتاريخ الإسلامى ، فالأول يسير إلى الأمام دائماً، منتقلاً من عصر إلى عصر أعلى ، من الدين السياسى إلى القومية ، ثم إلى الوحدة الإنسانية ، بينما ينتكس الثانى ويدور فى حلقة مفرغة، فمع الإنتكاسة الحضارية من عصور القومية إلى عصور الدين السياسى، بدأت إنتكاسة أخرى إلى عصور القبيلة والطائفة، وبدأ العالم العربى والإسلامى ينقسم إلى قبائل وطوائف ، وأصبح وكأنه عرضة للزوال والتفكك.
لقد تضافرت عدة عوامل أخرى، عدا فشل تجربة القومية العربية ، فى خلق ذلك المد الإرهابى المدمر ، ربما كان أهمها إطلاق أنور السادات لقيادات جماعة الإخوان المسلمين من سجون عبدالناصر، وإعطائهم حرية العمل السياسى مرة أخرى، وكذلك ثورة النفط ، وماجلبته من ثروة إلى المملكة العربية السعودية ذات الفكرالإسلامى الوهابى المتشدد، والثورة الإسلامية فى إيران- أكبر خطأ فى التاريخ - وغزو الإتحاد السوفيتى لأفغانستان، وما أثاره من رد فعل جهادى فى العالم الإسلامى، وتعثر الوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، وماأثاره من غضب فى نفوس الشعوب العربية ، وعوامل أخرى، خلقت معاً مأساة إرهاب الإسلام السياسى ، والسقوط الحضارى للعالم العربى والإسلامى، إلى ذلك المأزق فى التاريخ، ففى نفس القرن الذى يتجه فيه العالم المسيحى ، ومعه العالم كله، إلى تحقيق طفرة كبرى للإنسان والإنسانية ،بالإنتقال من عصور القومية إلى عصر الوحدة الإنسانية - عصر العولمة - وجد العالم العربى والإسلامى نفسه ، ينزلق تدريجياً ، عائداً إلى عصور البربرية ، الدين، والقبيلة، والطائفة.


أهم المراجع :

1.تاريخ أوربا فى العصور الوسطى/ د. محمد محمد مرسى الشيخ
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية 13356/1999
2.التاريخ الأوربى الحديث/ د. عبدالحميد البطريق ود. عبدالعزيز نوار
دار النهضة العربية - بيروت
3.تاريخ أوربا المعاصر/ د. عبدالعزيز نوار ود. عبدالمجيد نعنعى.
دار النهضة العربية – بيروت
4. موسوعة الخطط/ المقريزى
دار الكتب العلمية - بيروت
5- موسوعة النجوم الزاهرة/ أبو المحاسن بن تغرى بردى
دار الكتب العلمية - بيروت
6. تاريخ الإسلام/ د. حسن إبراهيم حسن
مكتبة النهضة المصرية - القاهرة
7. تاريخ الدولة العربية/ د. السيد عبدالعزيز سالم
دار النهضة العربية - بيروت
8. تاريخ المغرب والأندلس/ د. السيد عبدالعزيز سالم
دار النهضة العربية - بيروت
9. تاريخ المغرب والأندلس/ د. مختار العبادى
دار النهضة العربية - بيروت
10. العصر العباسى والعصر الفاطمى/ د. مختار العبادى
دار النهضة العربية - بيروت





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,326,905,130
- تاريخ الشرق الأوسط-تأليف بيتر مانسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد
- ملحمة جلجاميش وجذور الفكر الدينى
- مختصر تاريخ مصر فى العصور القديمة
- الحلف السعودى الإسرائيلى المصرى والشرق الأوسط الجديد
- ثورة المعرفة والصراع الطبقى
- المسيحية من الإستبداد ، إلى الإصلاح ، الى الثورة العلمانية
- أساطير العهد القديم وأصل الإسلام
- محمد والقبائل والرسالة المزعومة
- صلاح الدين بين السنة والشيعة
- أنور السادات وسيد قطب ودستور الإرهاب المصرى
- هيكل بين سيد قطب وطه حسين
- الميراث الإبراهيمى وأغلال المرأة


المزيد.....




- داخل أول فندق في مسقط..الأقدم في سلطنة عُمان
- النساء فقط يحكمن هذه الجزيرة..كيف هي الحياة فيها؟
- أدلة علمية تؤكد قدرة الكاكاو على تعزيز قوة الدماغ
- شاهد: الصور الأولى لأحد منفذي اعتداءات سريلانكا
- إسبانيا: مناظرة لزعماء الأحزاب قبيل الانتخابات وكاتالونيا ال ...
- تفجيرات سريلانكا: كاميرا مراقبة تلتقط لحظة دخول انتحاري كنيس ...
- السعودية ترحب بقرار أمريكا إنهاء الإعفاءات من العقوبات على إ ...
- شاهد: الصور الأولى لأحد منفذي اعتداءات سريلانكا
- إسبانيا: مناظرة لزعماء الأحزاب قبيل الانتخابات وكاتالونيا ال ...
- الأخطاء الأكثر شيوعا بين طهاة المنازل


المزيد.....

- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء السادس / ماهر جايان
- المنظور الماركسى الطبقى للقانون - جانيجر كريموف / سعيد العليمى
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الخامس / ماهر جايان
- عمليات الانفال ،،، كما عرفتها / سربست مصطفى رشيد اميدي
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الرابع / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الثاني / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الأول / ماهر جايان
- الحق في الاختلاف و ثقافة الاختلاف : مدخل إلى العدالة الثقافي ... / رشيد اوبجا
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالجواد سيد - مابعد الدين والقومية