أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم إيليا - خابية الكنز المفقود 9















المزيد.....

خابية الكنز المفقود 9


نعيم إيليا
الحوار المتمدن-العدد: 5162 - 2016 / 5 / 14 - 20:04
المحور: الادب والفن
    


ذرّت الشمس. صباح جديد من أصباح الخريف الموشك على الزوال.
أيقظت جدتي ولديها من النوم. كان الاثنان ناما في العشيّة من يوم أمس. ناما على سفرة الطعام واللقمة في يد كل منهما؛ فلم تر جدتي ضيراً في أن توقظهما مع بدء الشروق. ولكنَّ كليهما أحسّ أن أمه اقتلعت عوده من خضيلة مورفة بالجَمام .
خالي، عيناه مقفلتان. جفناهما ملتصقان، قد لأمَهما قيحٌ أصفر فما يكاد يبصر. خالتي، نبتة طريئة شفشفها القيظ. تتمطمط بتوجع، تتثاءب بصوت مسموع كأنه خرير، تود لو كان في استطاعتها أن تختبئ من عين جدتي بطيّة نوم غير مرئية.
زمّت خَجِه (خديجة) أم مِهْفَان شفتيها دهشاً وإنكاراً، عندما رأت جدتي تحزم أمرها على الرحيل، صاحت بها:
- أجننت؟ ماذا تفعلين؟ دعي عنك هذا!
وكذلك الجدة (نورِه) فإنها أنكرت على جدتي عزمها على المضيّ عنهم.
فردت جدتي عليهما ووميض من عرفان الجميل يلتمع في عينيها الوسيعتين العميقتين:
- يجب أن أذهب!
انتهرتها الجدة نوره كما تنتهر أم ابنتها:
- اجلسي في مكانك... أحسن لك أن تسكني بمطرحك!
قالت جدتي:
- يجب أن أذهب!
قطبت الجدة نوره ما بين عينيها وتساءلت:
- لماذا يجب أن تذهبي؟
فلم تزد جدتي على أن قالت:
- يجب أن أذهب!
ضاقت الجدة (نوره) بعنادها، ندّ عنها تأنيب صارم وهي تلفت انتباهها إلى حالة طفليها المزرية:
- الولد يحرق الرمد عينيه، والبنت أشبه بعَناق نِضوة! ألا تأخذك الرأفة بهما؟!
- قد أوكلت أمرهما لله.
وتدخل الجد صالح. طفق، بلفظ لان حتى أوشك أن يصير توسلاً، يسعى إلى إقناعها بالعدول عن عزمها:
- ابقي يا ابنتي، ابقي ولو لأيام قليلة! ما الداعي إلى العجلة؟ لست ضيفاً عابراً مجهولاً، ولا أنت عنا غريبة. أنت واحدة منا. ويشهد الله أننا سعداء بوجودك بيننا! أتراك نسيت أنك قريبة صديق عزيز على قلبي؟ ابقي إكراماً لي! ماذا سيقال عني لو تركتك تذهبين، ولمَّا يمضِ على وجودك بيننا سوى ليلة واحدة؟
أحرجتها محاولة الجد الطيبة الجميلة الذكية أيما إحراج! عزّ عليها أن يعتريه منها ما يعتري الكريم من شعور بالإهانة إذ يواجه حالة من مثل حالتها. ولكن جدتي، لم يلن لها جانب، لم ينثن عزمها أمام كل تلك المحاولات الطيبة! تشبثت جدتي بقرارها كما تتشبث أتان بخط سيرها. وما انفكت تتشبث به حتى يئس القوم يأساً كالحاً من إقناعها، ولم يروا بدّاً في النهاية من الإذعان لمشيئتها.
كان مهفان وإخوته وأخواته ووالده الذي كان رجع من المدينة إلى البيت في الشطر الأخير من تلك الليلة، مستغرقين استغراقاً تاماً في النوم؛ فشيّعها الجد إلى الطريق خارج الضيعة، حاملاً لها بيد جسأت من الكدح الطويل، صرة منتفخة. فلما أزفت لحظة مفارقته، انحنت جدتي على يده لتلثمها، ولكن الجد خطف يده من يدها بسرعة. رفعها، ربت بها على كتفها بحنوّ أب، ثم ناولها الصرة التي كانت كنَّته (خَجِه) أتخمتها بالزاد، فتناولتها جدتي وقلبها يلهج له بالدعاء أن يرزقه الله الجنة، ويحفظ أفراد أسرته جميعاً من شرور الدنيا! وهو الدعاء الذي ستواظب جدتي على ترديده في صلواتها.
لبث الجد صالح في مكانه حيث ودعها على جانب الطريق الفرعي الذي لم يكن من المألوف أن يسلكه أحد باستثناء الرعاة. لم يتنحّ عنه إلى الحقل فوراً بعد توديع جدتي وصغارها. كان السهوم يلف قامته. فأما عيناه فكانتا مخضوضلتين بمعان غامضة يغشيها أسى طفيف. ترى ما الذي كان يدور في خلده؟ لا أحد يدري! وما زال الجد في مكانه ساهماً متفكراً يرمق خيالها حتى غيّبها البعد البعيد عن ناظريه.
تمكنت جدتي بتلك الروح أن تجتاز أربع قرى في أربعة أيام بلياليها. بيد أن نفقات اجتيازها لها كانت مكلفة باهظة الثمن.
في اليوم الخامس، هاجم الجوع الطفلين بعد أن فرغت الصرة من الطعام، اشتد عليهما الإعياء، وزاد في بلائهما أن تغير الجو على نحو مفاجئ: غيوم تحجب الشمس عابسة مكفهرة، يستكنّ في طياتها وعيد مكشر. ريح صِرّ تهب على الطفلين، ورداء كل منهما قماش هِمِلّ بال ممزق، فترعدهما الريح وتكاد تجمد الدم في عروقهما. ولكن جدتي، وإن كاد الهلاك يبدي لها عن ناجذيه، لم تستسلم. ألقت بعزيمتها في غمرة الهول، اقتحمت بإرادة الحياة ساحة الصراع الوحشي الضاري مع الجوع والإعياء والبرد. ولما ارتفعت حرارة الطفلين وطفح جلدهما ببثور حمراء دكن، وأصبحا عاجزين عن السير عجزاً كلياً، لم تقف، لم تيأس، لم تنهر. حملتهما على ساعديها ومشت. كانت تسير بهما حتى يخور ساعداها من ثقلهما، وينقطع نفسها. فتنزلهما حينذاك لتسريح، ثم تعود فتحملهما وتسير. وهكذا دواليك حتى بلغت بها القدم (ديرا سبّي) قرية الملا عبد القادر البوطاني. وهي مدرة حسنة الإنشاء، كثيرة المنازل، يمر بها نهر صغير يدعى (زال) وتجاور عين وردا من جهة المشرق، ليس بينها وبين عين وردا، من هذه الجهة، قرية أخرى تفصل بينهما.
كانت بين الملا عبد القادر والآغا موسى المدواني صداقة قديمة ومودة ثابتة. فلما أُخبر الملا بأن ببابه أرملة مريضة أنهكها وعث الطريق إلى عين وردا، بين ذراعيها رضيعة، وتحت جناحيها طفلان خوت قوتهما، واشتعلت الحمى في جسديهما، وشوه جلدهما الطفح، أمر بالعناية بها وبأطفالها.
في صباح اليوم التالي، أيقنت جدتي أن لا أمل لها في ولديها. فترجت الملا عبد القادر أن يسمح لها بمواصلة رحلتها إلى عين وردا، فسمح لها بعد أن أيقن هو الآخر بأنه لا أمل في أن يحيا الطفلان. وفكر الملا بأنه ليس من اللائق أن يموتا من غير أن يصلي عليهما كاهن ويدفنا في مقبرة المسيحيين، فأمر غلاماً من غلمانه أن يربط العربة ببغل نشيط وأن يبسط على أرض العربة فراشاً، ويركب جدتي وأطفالها ويمضي بهم إلى عين وردا. فما أبطأ الغلام.
وسكتت أمي، أطرقت برأسها إلى الأرض، كانت عيناها ممتلئتين بحزن قاتم. فقلتُ لها وأنا أغالب حسرة هاجمتني بضراوة:
- كانت فرصة طيبة وضاعت!
تمتمت وهي ما تزال مطرقة:
- ما أكثر الفرص التي يضيعها الإنسان!
سألتها:
- لماذا؟...
ووقفتُ، فرفعت رأسها، حدجتني بنظرة استغراب:
- لماذا!؟ ما معنى لماذا؟ عمّ تسأل؟
أجبت بنبر حاد:
- أسأل عن السبب.. عن سبب رفض جدتي العرض السخي لأولئك الكرام؟ لماذا رفضته؟ أما كان حرياً بها ألا تفوت تلك الفرصة الذهبية النادرة غير القابلة للتعويض؟
رمتني بنظرة صارمة، قالت محذرة إياي:
- لا تلم جدتك!
- بل ألومها!
- لا تلمها!
نهتني عن لومها في غضب، فلم أنته، قلت:
- كيف يسعني ألا ألومها، وقد ارتكبت بتفويت تلك الفرصة غلطة قاتلة؟ لو كانت جدتي مكثت أسبوعاً واحداً في ضيافة أسرة الجد صالح، لكان عود كل منهما اشتد وصارت له قدرة على مقاومة المرض والجوع.
أجابت:
- لو كانت جدتك درت بعواقب تفويتها لتلك الفرصة قبل وقوعها، ما كانت فوتتها!
قلت بشكس:
- إني إنما ألومها لأنها لم تدر بعواقبها قبل أن تقع.
- لم تكن جدتك نبيَّة.
- عنيت لماذا لم تحتط لتلك العواقب، ولم أعنِ لماذا لم تعلم بوقوعها قبل وقوعها
- لا يحتاط المرء عادة لأمر لا يتوقع حدوثه. كانت جدتك راسخة الإيمان بأنها ستجتاز الطريق على مشاقِّه دون خسائر، ولهذا لم تفكر بإتخاذ الحيطة.
ازددت شكساً:
- أما كان ينبغي لها أن تدرك أن الإيمان وحده، لا يكفي ليجتاز طفلان مكدودان على شفا الهلاك طريقاً طويلة محفوفة بمشاق يعجز عن احتمالها حتى البالغون الأشداء الأصحاء؟
- أتحاكم جدتك، وهي بريئة!؟
- لو كانت بريئة كما تعتقدين، ما كان حدث الذي حدث.
- دعني من خُضُلّاتك! إنك لترهقني بترهاتك... ما حدث قد حدث! كل ما يحدث، يحدث شئنا حدوثه أو لم نشأه. إنها مشيئة الله، وكفى!
- ولكني أتساءل: لماذا مشيئة الله؟ لماذا شاء الله أن يحرمني من خال وخالة يعضدان وجودي... أما كان خيراً لي ولك ألا يشاء الله حرماننا منهما؟
- أوَتطلب معرفة الغاية من مشيئة الله!؟
- لكم أتمنى أن أعلم الغاية من مشيئته!
- من له أن يعرف الغاية من مشيئة الله؟
قلت متشككاً:
- أحقاً لا يوجد بين الناس من يعرف الغاية من مشيئة الله؟
- كلا! غاية الله لا يدركها الناس. حسبنا أن ندرك أنّ ما يحدث لنا إنما يحدث بإرادة الله.
فذكّرتها بما قاله لها الراهب ميخائيل في يوم الاعتراف الذي تلا صوم نينوى:
- ألم يقل لك الراهب إن غاية الله مما ينزله بالبشر من مصائب أن يطهر نفوسهم من الألم بالألم؟ إذن فثمة من يعلم غاية الله؟
- بلى، قال لي الراهب ذلك. ولكنه لم يقل إنه الغاية من مشيئة الله. الراهب أيضاً لا يدري ما غاية الله مما يشاء للبشر على كثرة علمه وتقاه.
- أليس التطهير بالألم غاية؟
- لا!
- كيف؟ لم أفهم
- حسن... أليست فكرة التطهير بالألم، تستوجب السؤال: "ما الغاية من التطهير بالألم؟"
- بلى!
- إذن، هل لك أن تجيب عن السؤال؟
- الجواب عليه حاضر: "تطهير النفوس من الألم" أليس هذا جواباً؟
- بلى، هذا جواب ولكنه لا يُتوصَّل به إلى معرفة الغاية من مشيئة الله. إننا إذا سألنا بعيد ذلك: لماذا يشاء الله أن يطهر نفوسنا من الألم بالألم، ولا يشاء أن يطهرها منه بالسرور والبهجة وتحقيق الأماني، لن نجد جواباً.
كان هذا رأي أمي - وإن كانت أمي في الواقع تعتقد بملازمة النحس لحياتها اعتقاداً جازماً بعيداً عن اعتقادها بمشيئة الله، على الرغم من أنها لم تستطع قط أن تجيب إجابة تقنعني عن تساؤلاتي حول النحس، ولا سيما تساؤلي: من أين يأتي النحس؟ لماذا ينزل بساحة هذا البشر، ولا ينزل بساحة ذاك - وأنا، إذ كنت حياً، كنت مؤمناً برأيها، متعصباً له، أجهر به بثقة متناهية بين أقراني إذا دعاني إلى الجهر به بينهم داع. ولكنني الآن أدرك غير ما كنت أدرك من أمره؛ أدرك الآن أن رأي أمي في مشيئة الله، لم يكن أكثر من رأي.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,842,557,377
- خابية الكنز المفقود 8
- خابية الكنز المفقود 7
- خابية الكنز المفقود 6
- خابية الكنز المفقود 5
- خابية الكنز المفقود 4
- خابية الكنز المفقود 3
- خابية الكنز المفقود 2
- خابية الكنز المفقود 1
- سِخابٌ بجِيْد الزَّمان
- ذكرى جدال
- في الطريق إلى فلاديفوستك. المشهد الأول
- ما بين نظرية الوجود لأفلوطين ونظرية الانفجار العظيم
- شرح مختصر على مبدأ الهوية
- استحالة لاودي عن سنخه إلى إنسان
- العازفة على الحروف
- محاورة الربيعي
- حدث في عرس رنيم. الحلقة السادسة
- حدث في عرس رنيم. الحلقة الخامسة
- حدث في عرس رنيم. الحلقة الرابعة
- حدث في عرس رنيم. الحلقة الثالثة


المزيد.....




- صناعة الغيتار بأيدي طلاب الموسيقى
- الإعلان عن محتويات -تابوت الإسكندرية الغامض-
- رئيس الحكومة: يتعين على الإدارات المعنية ضمان حسن استقبال مغ ...
- كيم كاردشيان تجني 5 ملايين دولار في 5 دقائق فقط! (صورة)
- بالفيديو والصور... موسيقى الشارع تجد طريقها إلى دمشق وشباب ي ...
- العثماني: تعميم التعليم الأولي ورش وطني طموح
- دعوة مخزية من عضوي كونغرس لاستجواب مترجمة ترامب
- زوج معجبة يبطش بالممثل التركي نجات إشلر ليس غيرة منه وإنما.. ...
- طلبة في جامعة مانشستر يمحون قصيدة للشاعر الإنجليزي كيبلينغ ي ...
- كرة القدم: جرعة عالية من الأدرينالين أم فن ما بعد حداثي أم ع ...


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم إيليا - خابية الكنز المفقود 9