أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - بلقاسم عمامي - -الشهيد منّا......والقاتل منّا-















المزيد.....

-الشهيد منّا......والقاتل منّا-


بلقاسم عمامي

الحوار المتمدن-العدد: 5101 - 2016 / 3 / 12 - 03:55
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في بهتة من حالي أو لعله في صحو منه، استحضرت حكاية لم تُكتب بعدُ في الكُتُبِ ولا رواها فداوي المدينة أو "خرّاف" القرية،،، حكاية أو "خرافة" كما يحلو لـ"دادة عيشة" أن تصنّفها،،
و"دادة عيشة" هي أمي التي ربّتني وحنت عليّ وصبرت على هشاشة عظمي، هي ليست أمي البيولوجية، غير أن قامتها في مخيالي كانت ولا تزال تحاكي النخيل الباسق،، كانت "دادة عيشة" تمطرني ب"خرافات" عالية الحبكة، فحكت عن "الزازية لهلالية لمخبلة في شعورها" وعن "عيشة بيّة" وهي عمّتها وعمّة الوالد: "صِيفة غزال الجالي يا ما احسنه في سيّة....عقلي غدا ما ولّالي هزاته عيشة بيّة".

روت "دادة عيشة" فقالت:
جاء "بولعراس" في دوار من "ردايدية القوسة" (رداد هو ابن عزيز من قبيلة الهمامة المتواجدين الآن في معتمدية منزل بوزيان) من عائلة فقيرة تعيش من مردود الحلفاء الهزيل بعد تقليعها وبيعها لأحد مناشر الحلفاء المتواجدة بمنزل بوزيان والمناطق المتاخمة،،، مردود لا يقدر دائما على إسكات الجوع الضارب،، تحمل والده وتحمّلت أمه وأقسمت أن يفنى منها الجسد في سبيل "قراية" ولدها، كابدت وجاهدت، فلا الحر أوقفها ولا القرّ،، وكأبناء الأحاجي، طويت السنوات طيّا ليلتحق "بولعراس" بمدرسة القوسة ثم معهد السند لينجح في امتحان الباكالوريا،، يومها لم تدر الخالة كيف تلقت النبأ وهل زغردت أم ناحت أم ولولت.

التحق الولد المتفوق بمدرسة الحرس الوطني ليتخرج ملازما وليبدأ سيرة مغايرة في درب أدائه لوظيفته بكل ما اختزله من عناد وثبات وبر بوالدته وبوالده،، ولم يبخل على أسرته فحاول تعويض ما عانته من حاجة وفاقة،، سنوات طويلة مرت على "بولعراس" ورغم وطئها وقساوتها، لكنه تعلم الكثير منها ونهل من جبله ومن تربته ما هيّأ له طريقا للنجاح، وكان كثيرا ما يسترجع الذكريات الجميلة رغم الضيق والتعب، حين كان مرات كثيرة يسوق شويهات والده القليلة عبر الأودية والهضاب في مراعي بني عمومته من "ردايدية القلال" فتختلط القطعان وتسرح طليقة في حين يجتمع "الرعاة الشبان" للعب الكرة أو صيد الثعالب والقنافد والحجل...هناك تعرّف إلى "محرز".

و"دادة عيشة" فنانة في الحكي، ترفع صوتها تارة، وتخفضه طورا، وكانت الكلمات تنساب من فمها كما ينساب الماء من العيون الجارية،، وكانت تنمّقه كما ينمّق الفنان لوحته،، وكانت تتوسع في الحكاية وتفتح الأقواس (نحبك تقرا وتولي ك "بولعراس"،،لا لا،، ما نحبكش تولي حرس،، عمك عمر كان حرس سقى تراب بنزرت بدمو وراح،، نحبك تنجح وتولي خير من "بولعراس"، مهندس كي محمد بن الزاكي ولّى أفوكاتو كي عمك علي،،،).

وتواصل "دادة عيشة" "خرافتها":
هناك في المراعي وبين الهضاب والأودية تعرف الأولاد إلى بعضهم، وكان "محرز ولد القلال" الأقرب إلى "بولعراس ولد القوسة" رغم الخمس سنوات فارق بينهما،، و"محرز" شاب من "ردايدية القلال" هو أيضا من عائلة فقيرة والده لا يحتكم على أكثر من بعير كان يعرضه للعمل بأجرة زهيدة (في النقل والحراثة مثلا) في حين كانت أمه "نسّاجة" ماهرة ذات صيت خاصة في صناعة "البرنس"، وكانت تعمل بأجر زهيد عند النسوة "الحايرات" (المرأة الحايرة هي التي لا تحذق الصناعات المحلية) مما ساعد في التحايل على الحياة وأيضا في تأمين حدّ ضئيل لدراسة ابنهما الذي – مثل "بولعراس" – كان نابغة فطوى السنين طيّا وانتقل من مدرسة "القلال" إلى معهد "بوزيان"،، وذات جوان، لعلعت الزغاريد في البيت الصغير وما عرفت والدته نوما لثلاثة أيام متتاليات بعضه من شدة الفرح وبعضه الأكثر من كوابيس مصاريف الجامعة،، التحق "محرز" بالجامعة ودرس سنتين بنجاح، ثمّ، بدا عليه التغيير فأطلق لحيته ثم انزوى عن أصحابه المعتادين وواظب على دروس في مسجد ما من العاصمة، ليتخلى عن مدارج الكلية وينساق وراء وعود "شيخه" حتى انقطعت أخباره واختفى ذات صيف 2013،، ولا أحد سمع منه ولا عنه،،

عند هذا الحدّ، توقفت "دادة عيشة" عن سرد بقية "الخرافة"، و"دادة عيشة" رحلت منذ ماي 1986 أي منذ ثلاثين سنة،، هي عاشت "غصرات" معارك جبل المالوسي ضد جيش الاحتلال، وعاصرت أحداث 1963 فيما عرف "بمحاولة انقلاب لزهر الشرايطي" وما تبع ذلك من "عصر" للمنطقة، وكذلك أحداث 1978 حين سحق بورقيبة الحركة النقابية وقتّل وسجن وأيضا "واقعة قفصة" وكان من بين قادتها ابن المكناسي "عبد المجيد ساكري" وعاشت أيضا "أحداث ثورة الخبز" واشتمت في كل تلك الأحداث روائح البارود وسمعت لعلعة الرصاص وما رهبت أو وجلت،،

استحضرت "دادة عيشة" في ليلة من ليالي مارس 2016 في "قرة الحسوم" الباردة لتعيد على مسامعي "خرافة أولاد الحفيانة"،، هي وحدها كما عودتني، تحسن ختم "خرافاتها" بعبر وحكم و"نقيشة" ربما تنفعني فيما سيلحق،، كانت - لو ظلت بيننا – ستحكي عن ولدين من شجرة واحدة في ريف تونس الممتد وفي خطّ تماس خط وهمي على الخريطة فقط يفصل بين غصنين من عرف واحد من "الردادية" (أهالي منزل بوزيان) شبّا معا ورضعا من لبن نفس الشاة ومن قمح نفس البيدر وربما لدغتهما نفس العقرب كما ارتويا من نفس الغيمة حين تحطّ على جبل "ماجورة" فتَصِيب (يعني تأتي الصابة) في "القلال" وفي "القوسة": الأول تخرج من مدرسة الحرس والثاني شقّ البحر ليلتحق بعصابات الإرهاب الإخواني في سوريا ثم ليبيا ويلتقي الاثنان فجر الثلاثاء 7 مارس 2016 في مدينة "بن قردان"

يلتقي الشابان وتلتقي العيون ويغيب الصواب وينطلق النواح،، ابن "القلال" وابن "القوسة"،، "ولد الحفيانة" صنّاعة الصوف يصبّ الحقد المقدّس في صدر "ولد الحفيانة" الأخرى جمّاعة الحلفاء ،، هكذا، تراخى "بولعراس" في الضغط على الزناد فاغتيلت الحياة واغتيل الحلم،، زُفّ "الشهيد" بالزغاريد في مقبرة "القوسة" وأطفئت المصابيح في بيت "القاتل" الذي سيق كخروف إلى حيث سيصدر فيه حكم قد يفتك منه "الحياة"

"دادة عيشة" قالت بأن لا أحد توقع أن تكون نهاية هذا على يد ذاك،، "الشهيد منا والقاتل منا"،، "الشهيد وسامنا والقاتل عارنا"،، ثمّ – كما عهدتها – تمتمت بكلمات لم تذكر فيها لا الشهيد ولا قاتله، لكنها كلمات كالنار الحارقة، كالخازوق النافذ، كالزلزال العاتي:
"هو،، هما،، أعرافهما،، أسيادهما،، هو من دسّ وأوغر وجنّد وموّل وأغوى وزيّن القبح والقتل وأباح أكل الكبد واللعب برؤوس الأبرياء،، هما من تحالفا على استدامة التهميش والفقر،، هما من توافقا على قتل الحب والحياة والأمل،، هو من زرع القتل حين ناشد الناسُ الحياة،، هو من سمم الأرض وبدد الحلم،، هو شيخ الأفاقين فاقد رشده، وصاحبه شيخ الكذابين حثالة باقية من خدم البايات".

ما عدت أفقه من كلامها شيئا،، فكيف يكون الشهيد منا والقاتل منا؟ كيف يكون "أولاد الحفيانة" في مواجهة "أولاد الحفيانة" لأجل أن يعيش "أولاد الكلبة" في مونبليزير وقرطاج حتى يضحك الحاكم بأمره في "نيويورك" و"باريس" و"مكة" و"الدوحة"؟ (انتهى الدرس)

ملحوظة:
بعض ما ورد من تفاصيل عن حياة الشهيد والقاتل محض خيال،، كذلك، موت الشهيد "بولعراس الرداوي" برصاص "محرز بنعلي" هو أيضا محض خيال لإضفاء حبكة درامية على الحدث....(الكاتب)
12 مارس 2016





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,286,600
- خواطر حول العملية الإرهابية بتونس العاصمة هذا المساء
- لنكسر السقف وننظر فيما وراء أزمة وزارة التربية مع المدرسين ف ...
- قراءة في كتاب المفكر -محمد عمامي-: تونس: الثورة في مواجهة عو ...
- في العلاقة بين الدّولة والتّعليم في تونس: رصد لسياقات التّحو ...


المزيد.....




- وصايا شيخ الأزهر لمحمد صلاح... ووعد من أبو مكة
- وصايا شيخ الأزهر الثمينة لمحمد صلاح
- إعلامية كويتية: وفاة مرسي أزال شرعية انتقاد السيسي وهو سبب - ...
- منع انتشار الإسلام يوحد اليمين الأوروبي وروسيا تفرقه
- ترفض تكريم شهداء الجيش والشرطة.. الإدارات التعليمية لا تعترف ...
- بعد ساعات من وفاة محمد مرسي... السعودية تشن هجوما عنيفا على ...
- الخارجية السعودية: جماعة الإخوان تنظيم إرهابي يضر بالإسلام و ...
- باسم يوسف لـCNN: خذلنا السودانيين والغرب يهتم ببيع أسلحته
- قبيل الوفاة.. الأمن سعى لمساومة مرسي وقيادات الإخوان بسجن ال ...
- بعيد وفاة مرسي.. السعودية تعيد اتهام الإخوان بـ-الإرهاب-


المزيد.....

- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - بلقاسم عمامي - -الشهيد منّا......والقاتل منّا-